بلجود يشارك ابتداء من يوم الأحد بتونس في أشغال الدورة ال37 لوزراء الداخلية العرب    تنظيم أول صالون دولي للفندقة جوان المقبل    المدينة الجديدة بوعينان (البليدة): نقائص "جمة" تعكر فرحة الوافدين الجدد و"وعود" بالتكفل بها    أم البواقي.. 3 قتلى وجريحان في حادثي مرور منفصلين    المصادقة على مقترح الجزائر حول تبادل البريد بين فلسطين والبلدان الأعضاء في الاتحاد البريدي العالمي    القمة بين شباب بلوزداد وشبيبة القبائل والعميد من أجل التأكيد    فرحات ينال أحسن تنقيط أمام مرسيليا    زغماتي :لم تفارق حناجر المواطنين صيحات المطالبة بقضاء مستقل وفقا لأحكام الدستور    حراك السبت    المركز الوطني لعلم الأثار يخصص العدد الثاني لمجلة”أن أأ” لعلم الاثار المغمورة    بلمهدي: قرار تعليق رحلات العمرة إجراء وقائي    الأمين العام لجامعة الدول العربية في زيارة إلى الجزائر بدءا من هذا السبت    مقري يتهم “التيار العلماني” بمحاولة احتكار الحراك    دورة تأهيلية لاولمبياد-2020 :ميدالية ذهبية للجزائريين فليسي و نموشي    حقيقة تفاوض ريال مدريد مع صلاح    شيالي: ضرورة تجديد وتحديث خطوط السكك الحديدية    استدعاء 120 ألف مكتتب “عدل2” لاستلام قرارات التخصيص قريبا    الدبلوماسي إدريس الجزائري في ذمة الله    ممثل المجلس الشعبي الوطني يبرز بالرباط الدور الاستباقي للجزائر في دسترة الأمازيغية    بلمهدي: ما تمر به الإنسانية من ظروف تقتضي من المسلم أن يقتدي بأخلاق نبينا الكريم    الإشادة بدعم الجزائر لحق تقرير المصير للشعب الصحراوي    وزارة الصحة تؤكد عدم تسجيل اية اصابة بكورونا عدا الرعية الايطالي    انطلاق قرعة الحج الخاصة بالحصتين الإضافيتين    كورونا تصيب حفيد خامنئي    اتحاد بلعباس يطلب تغيير حكام مباراته مع بسكرة    انطلاق “أيام التصوير الفوتوغرافي لوهران”    بن دودة: نحو تجديد دفتر شروط المهرجانات الثقافية    مولودية الجزائر يتلقى ضربة موجعة    زغماتي يعلن عن تجهيز المؤسسات العقابية بالهواتف    الأئمة يهددون بتنظيم اعتصام أمام وزارة الشؤون الدينية الأسبوع المقبل    تأجيل محاكمة عبد الغاني هامل ونور الدين براشدي إلى ال 19 من مارس    تعزيز التعاون وتنسيق التشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك    المخزون الحالي للمياه كاف لتلبية الحاجيات لسنة 2020    8 سنوات لكمال شيخي و6 سنوات للمير السابق لبن عكنون    بعد ساعات من المداخلات    بالمناطق الجنوبية والهضاب العليا    فيما أوقف تاجري‮ ‬مخدرات بمعسكر‮ ‬    اختلاط أوراق الرئيس أردوغان في المستنقع السوري    إطلاق اسم "أحسن لالماس" على القاعة الرياضية    إصابة 70 فلسطينيا في مواجهات مع قوات الاحتلال    جريمة استعمارية يندى لها الجبين..    حجز 6 ذبائح غير شرعية    أول تجربة تلفزيونية عبر سلسلة كرتونية    «النادي الأدبي» لجريدة الجمهورية بعيون أكاديمية    الأمن يسترجع 25 سيارة مسروقة    عامان حبسا للمعتدي على أخوين بمعول    سقوط عشريني من علو مترين ببئر الجير    إحالة 1200 عامل بشركة « رونو » على البطالة التقنية    «كلاسيكو» بست نقاط    المستشفيات و المراكز الصحية بغرب البلاد في حالة تأهب    «كناك» تَعدّ خارطة لمرافقة حاملي المشاريع    جائزة قسم الآداب واللغة العربية للإبداع الأدبي    بدء تصوير مسلسل "النحات" في بيروت    «غرامة غريبة» على مربي مواشي    رئيس الجمهورية يزور المسجد النبوي في المدينة المنورة    إجراءات خاصة بالمسجد الحرام بعد إلغاء العمرة    رجب شهر الله    الوعي التّاريخيّ مقومٌ أساسيٌّ للإصلاح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السبعينية: وهم الإيديولوجية وإشكالية الطرح.. !
نشر في الخبر يوم 14 - 12 - 2012

الكثير من الذين يتحدّثون في مقالاتهم، وبحوثهم، عن ''السبعينية'' يقعون في إشكالية واضحة تفضح نواياهم المبيّتة وأفكارهم المسبقة، التي تستهدف أدب هذه الفترة، جاعلين من لفظ ''الإيديولوجية'' وإفرازاته وتعاطيه مع النصوص: مطية لبثّ أفكارهم الانفعالية، وتشنّجاتهم العصابية، ورهابهم الأسود، ما يحيل إلى إيديولوجية مناقضة، ومهزوزة في توجّهها، وانبثاقها.. إذ إن هؤلاء يحاولون إدانة كتّاب ومبدعي تلك المرحلة الطفرة
في مسيرة الحركة الأدبية في جزائر ما بعد الاستقلال.
وتنكشف فجاجة رأيهم، وخطأ طرحهم، من توجّهاتهم الحاقدة التي تعمل على فصل هؤلاء المبدعين عن واقعهم التاريخي، وزمانهم الإبداعي، وهذا بالأساس مقوّم غير نقدي، بل اعتبره نكتة شاحبة تفضح مدى قصور الرؤية، وفساد الفهم، واستيعاب غير ناجز للحركة التاريخية، وتحوّلاتها، ما يمنعهم من الشطط، ويبعدهم عن الزيغ والزلل، بل يمكّنهم من مقاربة الحركة، وأدبيّاتها بشيء من العلمية والموضوعية، واضعين إياها في سياقها التاريخي وزمانها الإبداعي، وما رافقها من تحوّلات شتى، لم يكن من السهل عليهم الانسلاخ منها، والذهاب بعيدا في طروحاتهم وإبداعاتهم، التي كانت تشكّل ظلالا، وأخيلة هابّة من زمان التحوّل والتجذّر الذي أحدثه الاستقلال السياسي، الذي افتكه الشعب الجزائري بالتضحيات والنضالات الطويلة التي كسرت شوكة الاستدمار، ومرّغت جبروته في الوحل. وهنا يجب التأكيد على أن ''الإيديولوجية'' هي سمة لصيقة بأي إنتاج وفي أي مرحلة، وهذا ما يقوله التاريخ، وتقرّه النظريات النقدية والمقولات الجمالية، ويرسّخه الدرس النقدي الجاد والموضوعي. وحتى في السبعينيات لم تكن هناك إيديولوجية واحدة، ووحيدة، بل ثمّة عدة إيديولوجيات، يحتكم إليها الخطاب العام، من السهل على الدارس الحصيف، والناقد النظيف اكتشافها، والتنبّه إليها، ووضعها ضمن سياقها التاريخي والفكري، دون عناء يذكر.
إن الذي كان من الأجدر أخذه على هذه المرحلة هو مدى إخلاصها الإبداعي والفني لمعطى هذه الإيديولوجية، التي كانت تعبّر عن هموم الفلاحين والعمال والطلبة والمثقّفين ''الثوريين''، الذين كانون يكدحون من أجل التعبير عن التحوّلات الحاصلة في بنية المجتمع، بهدف المشاركة الفعّالة والإيجابية في بناء دولة وطنية، شعبية، ديمقراطية مرتكزها الأساس: العلم، والمعرفة، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والتمكين لهذه المنارات من أن تتوطّن في أرض الواقع المعيش.
لقد كان الزخم الثوري، والحماس الوطني، وفورة الذات، وبهاء الاستقلال، وشوق الطموحات، كانت كلها محطّات تحتّم على مبدعي وكتّاب هذه المرحلة الفارقة، التعلّق بها، والعمل على ترسيخها، وتكريسها بواسطة النص الإبداعي المتطلّع إلى دولة قوية، ومستقبل مشرق، وحياة سعيدة، وآمالا عريضة بعد كابوس الاستدمار الطويل والقاسي. إن النقيصة التي كان على النقد تناولها- فيما يخص هذه المرحلة- هو مدى إخلاص هذه الإيديولوجية، لقناعاتها، وتوجّهاتها في تلك المرحلة.. أعني هل كانت تلك الإيديولوجية وليدة تشبّع، ويقين، أم أنها كانت فورة ظرفية انخرط فيها هؤلاء الكتاب والمبدعون، دون وعي، أو تبصّر بطروحات وجدلية هذه الإيديولوجية. إن الإيديولوجية التي كانت تغني للفلاح، وتحثّ على العلم، وتشجّع العمل، والبناء الوطني، وتبشّر بالقيم الإنسانية الرفيعة، هذه الإيديولوجية لا يجب النظر إليها- اليوم- بمقت، وعدائية كريهة.
إن ما يمكن قوله، هنا، هو أن هذه النظرة السوداء لهذه الإيديولوجية وإفرازاتها، وامتداداتها، وتحوّلاتها، هي نظرة فاشية، غير مؤسسة على نظرة واقعية، تضع في أولوياتها ظروف المرحلة، وتاريخية المنحى السياسي، ومعطى العصر، كونه عصر الإيديولوجية بامتياز. إن النقطة الأساس- التي ربما- غابت عن الذين تناولوا ''السبعينية'' بالدرس النقدي، هي جهلهم الواضح بحال هؤلاء المبدعين، والكتّاب الذين كانت نظرتهم للواقع تنضح بخصوصية واضحة.. التعبير عن تحوّلات المجتمع الجزائري، في نهضته الوطنية الجديدة، وجعل ذلك كلّه في خدمة الثورة، وطموحاتها، فكان لزاما على هذه الكوكبة من المبدعين الانغماس في قضايا المجتمع، وشحذ ذاكراتهم الإبداعية، لأجل استيعاب هذه التحوّلات، ورصدها، إبداعيا وجماليا، بغض النظر عن القالب الفني، والمنحى الإيديولوجي التي تصاغ فيه، لأن المرحلة، بجمالياتها التاريخية، كانت تفرض عليهم أفكارها، وتياراتها، بل وتوجّهاتها، حيث كانت ''الواقعية الاشتراكية'' تلقي بظلالها على الساحة الإبداعية والفكرية للدول التي اختارت الاشتراكية نظرية: في السياسة، والثقافة، والاقتصاد. والمؤسف أن البعض يعمل على تكريس اتجاه عام يوحي بأن ''السبعينية'' مرحلة ''مشبوهة''، في مجال الأدب والثقافة، والسياسة، يجب محاكمتها، وتبهيت رموزها الذين يُنظر إليهم -اليوم- وكأنهم ''ميليشيات أدبية'' يجب أن تخضع للمحاكمة بل والقصاص.. كما إن هناك مغالطة نقدية واضحة، ومكشوفة تعمل على وضع كتّاب، ومبدعي تلك المرحلة، جميعا، في سلة واحدة، ومن ثمّ مقايستهم بنفس الدرجة والمعيار، وهذه فريّة نقدية، جمالية لا يقرّ بها عاقل، ولا يحتكم إليها إلا سافل. إن الدارس لهذه المرحلة عليه أن يتجرّد من مقول الإيديولوجية التي هي قائم لا شك فيه، ويكون طرحه، وتناوله لهذه المرحلة منصبا على النصوص، ومختلف الأجناس الإبداعية، سلاحه العلمية الواضحة، والنقد الواعي المستوعب للشرطية الصارمة، والأدبية العالمة، دون السقوط في المجالية الضيقة، والحسابات المؤسسة على قناعات زائفة، ورؤى نازفة، وفاقدة لمسطرة النقدية، وصدق الموضوع. هذا لم يقع- بكل أسف- والذي كان يمكن أن يكشف صدق نصوص هذه المرحلة أو زيفها، عوض هذه الهرطقات، والفذلكات الرخيصة، والمجانية التي تحتكم إلى نزوات ذوات مريضة، ومأزومة، والتي تطلق بين الحين والآخر، والتي في حقيقتها الواقعية، ومجاليتها النقدية لا تخدم أي جهة كانت، بقدر ما تحيل على وعي مريض، وذوق شائن، وتوجّه فاسد، يؤسّس لفصيل نقدي حاقد على هذه المرحلة بكل زخمها، وثقلها، ورموزها. في عصر سيادة النظرة العقلانية، والنقدية العلمية، التي تحتكم إلى النص في مظانّه، وبنياته ودلالاته ومرجعياته. إن ''السبعينية'' (مع التحفّظ على التسمية، ومداليلها)، وبعيدا عن العاطفة، والانتمائية الضيقة، تبقى مرحلة هامة، ولافتة في السياسة والاقتصاد، والفكر والأدب، والفن، والتي لا زال المجتمع الجزائري يمتح من منجزاتها المختلفة، وما الأصوات النشاز التي تعلو، هنا وهناك، إلا دليلا قاطعا، وضوءا ساطعا، ومؤشّرا ناصعا على أهمية هذه المرحلة التي رسمت الطريق لنهضة الجزائر المستقلة، التي وشّحتها، ورقّشتها بهالة جمالية عالية لا يزال بريقها يشع إلى اليوم.
في المحصلة، علينا أن نتوجّه إلى دراسة تلك المرحلة دراسة نزيهة، موضوعية، آخذة في اعتبارها جماليات تلك المرحلة وتاريخيتها دون غلو، أو شطط إيديولوجي مكشوف، يبعدنا عن الغاية والهدف.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.