السكنات المضادة للزلازل أولوية في مشاريع هذا الخماسي    الجزائر ثاني أكبر دولة عربية متضررة من "حرب" النفط    دعم حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة    الجزائر تجدد رفضها لأي تدخل أجنبي في ليبيا    طالبو العمل مطالبون بتبرير الوضعية وليس الإعفاء    الجيش يعثر على سيارة مسروقة من شركة جيوفيزياء    استخراج الوثاق القضائية بالأنترنت بداية من جانفي    التونسيون توجهوا بقوة إلى صناديق الاقتراع    مصرترحيل 52 فلسطينيا يقيمون بشكل غير شرعي    الجزائر بلد حمل الدين الصحيح والاعتدال القويم    أشار بأنه متابع دائم للخضر كريم بن زيمة يصرح    فغولي ينصح فقير باللعب للمنتخب الوطني    رونالدو يتجاوز مصافحة ولي عهد المغرب    الجزائر تتكفل بالرعايا الماليين إلى غاية عودة الاستقرار إلى بلدهم    فتاة بالقبة بالجزائر العاصمة هددت قريبتها بنشر صورها الخاصة على "الفيسبوك" ... فكيف كان مصيرها..؟    قسنطينة    المسيلة:    عصابة أشرار تحتجز أستاذة جامعية لسرقة مسكنها بالمرادية    جوزف جد: أوريدو صاحب الريادة الجزائرية في الاتصالات بإفريقيا    "AIR ALGERIE": هذه عروضنا الجديدة لمن يريد السفر إلى فرنسا    السبسي يتجه للفوز بالرئاسيات التونسية    تقليد الميدالية الأولمبية للمدربين سعدان وشحاتة    طوابير أمام "ابن زيدون" والصينيون توافدوا بقوة لمشاهدة عرض بلدهم    متر الأرض حول الحرم المكي الأغلى في العالم    سادس الخلفاء الراشدين وقفات مع البطل المجاهد نور الدين محمود    أهلي البرج: حاج منصور يرمي المنشفة    الريال ينهي سنة حلوة بلقب الموندياليتو في المغرب    نبيل العربي يدعو لانهاء الاحتلال الاسرائيلي    سفير العراق مهتم بالسينما    توقيف 4 أشخاص يروجون المخدرات في حي عمروس    برنامج لإنجاز 5100 مسكن عمومي إيجاري في سوق أهراس    كلام من نور    الوسائل العشر للاحتفال بسيد الخلق    المونولوغ.. المصطلح والخصائص الدرامية    الحاجة وراء انتشار هذا النمط الفني    رسميا .. تطبيق الإجراءات الجديدة الخاصة بالبكالوريا في امتحان "باك2015"    بن فليس يودع ملف تأسيس حزبه لدى الداخلية للمرة الثانية    سكارى يزهقون روح عامل ببابا حسن    ماحي يؤكد: لا رفع لأجور النواب في الوقت الراهن    70 بالمائة نسبة امتلاء السدود عبر الوطن    أكثر من 20 عملا في الأيام الوطنية للسينما والفيلم القصير ببشار    السعودية والكويت ترفضا تخفيض انتاجهما من النفط    الفائض التجاري يسجل تراجعا خلال ال11 شهرا الأولى من 2014    الجزائر تقرر إعادة إحياء الملتقى الدولي للتجانية    وزارة الشؤون الدينية تفكر في جمع "الخبز اليابس"    وزير الطاقة الإماراتي: تراجع أسعار النفط سببه الإنتاج "غير المسؤول" خارج أوبك    الأغنية والموسيقى الأمازيغية تخرق صمت ليالي الأهقار الباردة    محمد علي يدخل المستشفى    مصر تستقبل مبعوثا قطريا لأول مرة منذ استلام السيسي للحكم    مقتل 14 مسلحا وضبط 45 مشتبها بسيناء    سلمان العودة: رأيت الرسول في المنام ومشيت معه    7373 حالة وفاة بوباء الأيبولا من بين 19031 حالة إصابة    إرتفاع عدد وفيات الإيبولا إلى 7373 حالة غرب إفريقيا    نيويورك: مسلح يقتل رجلي شرطة وينتحر    صوم حتى الموت..    "امتحان دولة" يفوز بالجائزة الكبرى:    2007: زياني يخلف نفسه وبريمه ضيف النسخة    وزير الصحة يجري بهافانا محادثات مع عدد من المسؤولين الكوبيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.




أصدقاءك يقترحون

انعكاسات مجازر ماي 1945 على تيارات الحركة الوطنية الجزائرية وتأثيراتها على تسريع اندلاع ثورة نوفمبر
نشر في الشعب يوم 07 - 05 - 2011

صدفة وأنا أبحث عن بعض الوثائق الخاصة في منزلي وجدت نسخة من محاضرة بعنوان: انعكاسات مجازر 8 ماي 1945 على تيارات الحركة الوطنية الجزائرية: كنت قد قدمتها في الملتقى من 05 إلى 08 ماي 1986، في جلسة نشطها الأستاذ مولود بلقاسم نايت بلقاسم رحمه اللّه الذي أشاد وقتها بمضمون هذه المحاضرة وهو المعروف بعدم المجاملة في القضايا الأساسية، وقد رأيت أهمية إعادة نشرها لما لها من ارتباط مازال قائما بين بلادنا والمستدمر السابق على أكثر من جبهة وفي عدة ملفات، وقد يستمر لآماد طويلة، حيث تم معالجة الموضوع بالتطرق إلى تأثيرات ظروف الحرب العالمية الثانية على الحركة الوطنية وسياق ارتكاب مجازر ماي 1945 وتداعياتها على تيارات الحركة الوطنية كالآتي:
أولا: تأثيرات ظروف الحرب العالمية الثانية على تيارات الحركة الوطنية:
إن مجازر ماي 1945 قد ارتكبت عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية واحتفال الحلفاء بالنصر على النازية، فكيف كان وضع الحركة الوطنية الجزائرية بمختلف تياراتها وموقفها من هذه الحرب؟
إن السلطات الاستعمارية قد استغلت ظروف الحرب وحلت أغلب التنظيمات السياسة المشكلة للحركة الوطنية وزجت بمعظم قادتها في السجون بعد أن حاولت استمالتهم بمختلف الأساليب للوقوف بجانبها في الحرب ضد الألمان لكن مواقف تيارات الحركة الوطنية من طلب فرنسا الوقوف إلى جانبها في الحرب قد اختلفت من تنظيم إلى آخر ويمكن إجمالها في الآتي:
1 موقف حزب الشعب الجزائري
لقد ساومت فرنسا معظم قادة هذا الحزب في السجن للوقوف بجانبها، إلا أنهم رفضوا رفضا قاطعا وتمسكوا بمواقفهم السابقة والرافضة لأي تعاون مع السلطات الاستعمارية تحت أي ظروف وفي أي شكل من الأشكال ولهذا تم إلقاء القبض على من بقي منهم خارج السجن.
2 جمعية العلماء المسلمين الجزائريين
رفضت الجمعية كهيئة اتخاذ موقف لصالح فرنسا أو دعوة الشعب إلى ذلك حسب ما كانت تريده الإدارة الاستعمارية فما كان من السلطات الاستدمارية إلا أن اتصلت ببعض أعضاء الجمعية واستمالتهم إلى جانبها علّهم يؤثرون في رئيس الجمعية وبقية أعضائها، لكنهم لم يفلحوا في ذلك.
3 مجموعة النواب المنتخبين
لقد أعلن النواب المنتخبون منذ البداية الوقوف إلى جانب فرنسا ودعوا إلى ضرورة التجنيد في صفوف جيشها لمحاربة الألمان اعتقادا منهم أن مناصرة الجزائريين لفرنسا في هذا الوقت العصيب الذي تمر به سيكون حافزا للسلطات الاستدمارية كي تنظر إلى مطالب الجزائريين بإنصاف وهذا ما عبر عنه السيد فرحات عباس في مذكرته التي وجهها إلى الماريشال بيتان.
4 الحزب الشيوعي الجزائري
إذا جاز لنا أن نعتبر هذا الحزب من تيارات الحركة الوطنية فإن موقفه من الحزب كان واضحا وهو المساندة المطلقة لفرنسا ضد الألمان لماذا؟ لأن هذا الحزب -حسب اعتقادي- كان عبارة عن خلية تابعة للحزب الشيوعي الفرنسي في الجزائر.
نتيجة لمواقف تيارات الحركة الوطنية الرافضة بشكل أو بآخر الوقوف إلى جانب فرنسا، فقد تعرضت أكثر تنظيماتها كما سبق الإشارة إليه إلى الحل والزج بقادتها في السجن، ومن هنا فإن فترة ما بين بداية الحرب وأواخر عام 1942 لم تعرف أي نشاط سياسي علني للحركة الوطنية الجزائرية وذلك لحين دخول قوات الحلفاء إلى منطقة المغرب العربي، حيث تم إطلاق سراح معظم قادة الحركة الوطنية من السجون بالاضافة إلى أن ظروف الحرب قد ساعدت على تعزيز الحس الوطني لدى تيارات الحركة الوطنية الجزائرية المختلفة، مما نجم عنه تطور فكري لدى مجموعة النواب المنتخبين واقترابهم من الطرح الاستقلالي لحزب الشعب الجزائري وبهذه الروح عرفت الفترة الممتدة من أواخر عام 1242 إلى أوائل 1945 نشاطات سياسية متعددة واتصالات علنية وسرية بين ممثلي مختلف اتجاهات الحركة الوطنية وكان من نتائجها (بيان فيفري 1943) الذي شكل الحد الأدنى من المطالب الجزائرية المتفق عليها في تلك الفترة من قبل ممثلي حزب الشعب الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومجموعة النواب المنتخبين (تيار فرحات عباس) هذا البيان الذي تم تقديم نسخ منه إلى كل من:
الوالي العام الفرنسي في الجزائر المارشال / بيرطون
ممثلي دول الحلفاء، وهم (أمريكا، روسيا، بريطانيا)
الجنرال ديغول الذي كان قد شكل حكومة فرنسا الحرة في لندن
الحكومة المصرية بالقاهرة
وككل مرة فإن تكوين اللجان للبحث ولتقصي ومعرفة الحقائق على طريقة الاستدمار الفرنسي كان هو الجواب حيث كون الوالي العام لجنة لهذا الغرض ماتت قبل أن ترى النور، وكان تشكيل هذه اللجنة عاملا مشجعا لمقدمي البيان الذين اضافوا ملحقا له أوضحوا فيه أهدافهم أكثر ونصوا على تكوين دولة جزائرية وهو ما يعبر عن إتجاه حزب الشعب الجزائري أكثر من غيره.
وخلال شهر سبتمبر 1943 جاء كاترو ليحل محل الوالي العام السابق وليعلن أن ما ورد في البيان وملحقه أمور لا يمكن النظر فيها إلا بعد الحرب لأن الجزائر حسب رأيه جزء لا يتجزأ من فرنسا، وكان لهذا الموقف آثاره السيئة لدى الجزائريين ما جعل الإدارة الاستدمارية تتدارك الأمر كسبا للوقت طبعا، فاصدرت قانون 07 مارس 1944 الذي هو عبارة عن مشروع بلوم فيوليت في صبغة جديدة لم تخرج عن الطروحات الاندماجية التي تجاوزها الزمن، وتدعيما للبيان الجزائري وملحقه ومواجهة الادارة الاستدمارية التي رفضت المطالب المقترحة في بيان فيفري عام 1943، تكونت حركة أحباب البيان والحرية بتاريخ 14 / 3 / 1944م، بمدينة سطيف التي ستكون مسرحا لمجازر 8 ماي 1945 كغيرها من مدن الشرق الجزائري مثل ڤالمة وخراطة إلخ... وقد عقدت هذه الحركة اجتماعا لها وحددت أثناءه برنامج عملها المجمل في النقاط التالية:
1 المهمة العاجلة والأكيدة لهذه الحركة هي الدفاع عن البيان السابق وتحقيق ما جاء فيه.
2 نشر الأفكار الجديدة التي هي روح حركة أحباب البيان والحرية
3 استنكار الاستبداد والتنديد بالعنصرية وجبروتها
4 إسعاف كل ضحايا القمع والاضطهاد والقوانين الاستثنائية
5 إقناع الجماهير بمشروعية الحركة الجديدة وخلق تيار مؤازر للبيان
6 ترويج فكرة إنشاء دولة جمهورية جزائرية مستقلة مرتبطة فيدراليا مع جمهورية فرنسية مناوئة للاستعمار
7 خلق روح التضامن في الجزائر بين مختلف الفئات المسلمة والمسيحية وبث شعور المساواة ورغبة التعايش بينهما في السراء والضراء.
وفي ظل التطور الفكري للاندماجيين ومن كان يتعاون مع الادارة الفرنسية في فترة ما بين الحربين العالميتين وكما تجسد من طروحات متقدمة نسبيا ونشاطات سياسية مكثفة للحركة الوطنية خلال فترة الحرب العالمية الثانية كانت عين غلاة الاستدماريين ساهرة ومتيقظة لهذا التطور نحو الاتجاه الاستقلالي لدى أغلب تيارات الحركة الوطنية التي نشطت كثيرا خاصة خلال السنوات الأخيرة للحرب التي لم تكن ظروفها تسمح للإدارة الاستدمارية بتوجيه الضربة القاسية والموجعة لهذه الحركة والقضاء على آمالها وحلمها في التحرر والانعتاق من نير الاستبعاد، وبمجرد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ونظم الحلفاء مظاهرات الاحتفالات بالانتصار على النازية خرج أبناء الشعب الجزائري الذي دفع الكثير ثمنا لهذه الحرب للتعبير عن فرحته وعن حقه هو الآخر في الحرية والاستقلال وذلك بمناسبتي أول ماي 1945م والثامن منه فماذا حصل؟ وماهي انعكاساته على الحركة الوطنية الجزائرية.
ثانيا: مجازر ماي 1945 وانعكاساتها على الحركة الوطنية
1 سياق وظروف وقوع المجازر:
لقد سبق وأن أشرنا إلى أن غلاة المستدمرين والمستوطنين الأوروبيين والإدارة الاستدمارية كانوا يتوجسون خيفة من التطور الذي عرفته الحركة الوطنية بمختلف تياراتها قياسا بظروف المرحلة وخاصة ضمن حركة (أحباب البيان والحرية) وكانوا بالتالي يتحينون الفرص للانقضاض على هذه الحركة ونشاطاتها التي وصفها كاتور بأنها عاصفة يجب إيقافها، وقد جاءت الفرصة السانحة التي كان الاستدماريون ينتظرونها بفارغ الصبر على إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية وذلك بمناسبتي الاحتفالات بعيد العمال وانتصار الحلفاء على النازية لترتيب المجازر الفظيعة في حق الشعب الجزائري ابتداء من من مظاهرات أول ماي عيد العمال ووصولا إلى مظاهرات 8 ماي للاحتفال بانتصار الحلفاء على النازية، فكانت المؤامرة الخسيسة التي أعد لها في الخفاء من طرف غلاة الاستدماريين الذين أرعبتهم كما أشرنا إلى ذلك وحدة الحركة الوطنية منذ إصدارها البيان المعروف سنة 1943 وتكو،ين حركة أحباب البيان والحرية عام 1944 وتضاعف نشاطاتها خلال ربيع 1945 فكان الاستدماريون يستفزون الحركة الوطنية ورجالها ويبحثون عن أي مبرر أو ذريعة ما لارتكاب مجازرهم البشعة وجاءت الفرصة المواتية عندما نظم الشعب الجزائري بترخيص من الإدارة الاستعمارية مظاهرات سلمية يوم 8 ماي 1945 للمشاركة في الاحتفالات بالنصر على النازية ولتذكير فرنسا بوعدها قبيل الحرب بتمكين الشعب الجزائري من ممارسة حقه في الحرية والانعتاق، وذلك بالمطالبة بإطلاق سراح مصالي الحاج ورفع مجموعة شعارات تنم عن توجهه الاستقلالي وعن ارتباطه بالوطن العربي مثل (تحيا الجزائر المستقلة، يسقط الاستعمار، تحيا الجامعة العربية). وعندها انطلق جبناء المعمرين والاستعماريين من مخابئهم وشرعوا في صب جام غضبهم على المتظاهرين، وبدأت الاشتباكات بين الجانبين أحدهما أعزل وسلاحه الإيمان بقضيته العادلة، والآخر مدجّج بكل أنواع الأسلحة واشترك فيها المعمرون بمليشيات خاصة كونت لهذا الغرض ومما يدل على النية المبيتة والغادرة هو تدخل الجيش الاستعماري بقواته الثلاث البرية والبحرية والجوية التي نسفت العديد من القرى والمداشر على ساكنيها وبهذا الصدد يقول د / أبو القاسم سعد الله نقلا عن مجلة أمريكية:
(إن قاذفات القنابل الفرنسية قد حطمت قرى آهلة بكاملها في منطقة الحادثة أبناء حملة دامت تسعة أيام وقد طار الطيارون الفرنسيون ثلاثمائة مرة في يوم واحد مستعملين القاذفات الأمريكية الثقيلة والمتوسطة حتى سويت الأرض بعدد من القرى والدواوير ثم طارت الطائرات المقاتلة الفرنسية البريطانية الصنع خلف القاذفات الأمريكية لتسح السكان الهاربين (من المنازل التي تحطمت) وترمي القنابل على المخابي العربية في الجبال) 1 .
ولم تكتف السلطات الاستعمارية بهذا بل أنها استقدمت لواءها السابع من الألزاس واللورين الذي شارك في القمع والتقتيل كما يشير إلى ذلك د / يحي بوعزيز وقد وصف أحد الصحافيين الأجانب هذه المجازر بقوله:
أبدا... في الحقيقة.. منذ عام 1842 منذ الماريشال سانت أرنو لم تعرف الجزائر حتى في أيامها السوداء في تاريخها قمعا أكثر ضراوة ضد شعب لا يملك وسائل الدفاع في الدروب... في الحقول في الشعاب... في الأودية،.. ليس هناك إلا جثثا مبقورة أمعنت فيها الأفواه المدماة للكلاب الجائعة تحت التجمع المحزن للنسور التي كونت دائرة... هنا وهناك، قرى بكاملها سحقت، مبادئ الانسانية انهارت تحت الرصاصات القاتلة من طرف المتمدنين، آكام وأكداس من الموتى) 2.
وهذا الاتجاه أكده الشيخ البشير الإبراهيمي بقوله:
(لو أن تاريخ فرنسا كتب بأقلام من نور ثم كتب في آخره هذا الفصل المخزي بعنوان مذابح سطيف وڤالمة وخراطة لطمس هذا الفصل ذلك التاريخ كله) 3.
أما عباس فرحات، فقد أكد في كتابه (ليل الاستعمار) على الطابع المبيت لمجازر ماي 1945، بدليل التآمر السابق لها والاستفزاز الذي فجرها، ويشير إلى أن التآمر كان يستهدف (حركة أحباب البيان والحرية) التي جمعت لأول مرة بين الوطنيين والاصلاحيين ضمن آفاق استعادة السيادة والاستقلال.
وكانت حصيلة هذه المجازر بين 45000، 50000 شهيد، حسب المصادر الوطنية وستبقى ذكراها المؤلمة راسخة في الأذهان على مر الأجيال والعصور، هذه الذكرى التي وصفها البشير الابراهيمي بقوله:
(يا يوم... لك في نفوسنا السمة التي لا تمحى، والذكرى التي لا تنسى فكن من أي سنة شئت فأنت يوم 8 ماي وكفى، وكل ما لك علينا من دين أن نحيي ذكراك، وكل ما علينا من واجب أن ندون تاريخك في الطروس لئلا يمسحه النسيان من النفوس) 4 .
وعلى عكس بعض المؤرخين الفرنسيين على الخصوص والقائلين بأن أسباب ودوافع مظاهرات 8 ماي 1945 التي أدت إلى مجازر رهيبة كانت اقتصادية وأنها كانت بمثابة ثورة من أجل الخبز، فإن حقيقة الأمر أن أسباب تنظيم هذه المظاهرات كانت سياسية بالدرجة الأولى لأنها كانت تعبر عن رغبة الشعب الجزائري في الاستقلال والحرية ولم يكن بينها شعار واحد يشير إلى المجاعة وذلك بالرغم من الحالة المزرية التي كان يعيشها الشعب الجزائري لأنه متأكد من أن الاستدمار هو السبب المباشر في ذلك كله.
ودامت المجازر عدة أيام كاملة ابتداء من 8 ماي 1945م والتي يطلق عليها أغلب كتابنا وصحافيينا حوادث 8 ماي وهنا أود التنبيه إلى أهمية وضع المصطلحات المؤدية للمعنى في مكانها لأنني أعتقد أن استعمال كلمة حادث لوصف هذه المجازر المرعبة قد نقل عن المراجع الغربية والفرنسية تحديدا التي يهدف أصحابها إلى التقليل من فضاعة الجرائم المرتكبة في حق شعبنا لا لشيء إلا لأنه طالب كغيره من الشعوب المستعمرة بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية بحقه في الاستقلال واسترجاع سيادته المسلوبة، ومحاولة اخفاء بشاعة الإبادة الانسانية.
وقد كان لهذه المجازر انعكاسات وتداعيات على الحركة الوطنية اختلفت سلبا أو إيجابا، حسب تيارات هذه الحركة.
2 انعكاسات نتائج المجازر على الحركة الوطنية:
إن من أبرز النتائج والآثار السلبية التي خلفتها مجازر ماي 1945 بالنسبة للشعب الجزائري تشديد الخناق على قيادات ورموز الحركة الوطنية حيث نفي مصالي الحاج إلى برازافيل، واعتقل فرحات عباس والبشير الابراهيمي ولم يطلق سراحهم إلا في مارس 1946، أما النتيجة الايجابية فكانت اختفاء التيار الاندماجي بصورته السابقة، وكان لهذه المجازر ردود الفعل التي اختلفت تبعا لتيارات الحركة الوطنية في نظرتها وتقييمها لنتائج هذه المجازر ويمكن الاشارة إليها في الآتي.
أ) عباس فرحات وأتباعه:
يمكن القول أن عباس فرحات واتباعه انطلاقا من طبيعة تكوينهم كانوا لا يؤمنون بالكفاح المسلح كوسيلة لاسترجاع الاستقلال الوطني الذي يعتبرون المطالبة به تطرفا، ومن هذا المنظور فإن مجازر ماي كانت -حسب نظرتهم- قد تسبب فيها مجموعة (مغامرة) من حزب الشعب الجزائري وأعطت بالتالي المبرر للإدارة الاستعمارية للإجهاز على الحركة الوطنية وحل (حركة أحباب البيان والحرية) لهذا فإن العمل مع مناضلي هذا الحزب أصبح غير ممكن ولأن التطرف لا يخدم الجزائريين في مسعاهم نحو تحقيق مطالبهم وأن السبيل الأفضل وفقا لهذا الاتجاه هو عرض القضية الجزائرية بواسطة تقديم المذكرات والنشاطات داخل المجالس الشرعية -حسب مفهوم الاستعمار- طبعا وأية مشروعية في ظل الاحتلال والهوان، - لأن السيد/ عباس فرحات وأنصاره كانوا يعتقدون أن معاناة الشعب الفرنسي وحكوماته من ويلات الحرب العالمية الثانية سيجعلهم أكثر تفهما لمطالب الشعب الجزائري، والغريب أن موقف الاستدمار الفرنسي من خلال مجازر ماي كان كفيلا بإقناع الجميع بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، لكن عباس فرحات ظل يراهن على الأساليب غير المجدية التي استمر في اتباعها بعد تكوينه (حزب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري) في شهر أفريل 1946 إلى غاية اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954م.
ب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:
لقد عادت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى ممارسة نشاطها بعيد مجازر ماي 45 برئاسة الشيخ البشير الإبراهيمي وقد تأثرت سلبيا بهذه المجازر وأصبحت بالتالي تبتعد عن الخوض في غمار القضايا السياسية إلا بصورة غير مباشرة واكتفت في نشاطها على الجانب الثقافي والتعليمي والديني، كما يمكننا القول أن الجمعية أصبحت تضم خلال مسيرتها في هذه الفترة تيارين يمثل الأول مجموعة من الشباب المعلمين كانت تميل إلى التعاون مع حزب الشعب الجزائري ويمثل التيار الثاني مجموعة الكبار والكهول التي تحبذ التعاون مع حزب الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وهذا التيار الأخير هو المهيمن على الجمعية التي لم تشترك في أي نشاط سياسي علني منذ مجازر ماي 1945 باستثناء مشاركتها في (الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها) إلى جانب حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، حزب البيان الجزائري، الحزب الشيوعي هذه الجبهة التي لم تعمر طويلا وتفرق شملها.
ج) التيار الاستقلالي:
إن حزب الشعب الجزئري الذي كان أول من نادى بالاستقلال الوطني قد ازداد اقتناعا بعد مجازر ماي 1945 بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، وأن استرجاع الاستقلال الوطني لا يوهب وإنما يفتك من خلال اللغة التي يفهمها الاستدمار، ومن هذا المنطلق فإن مجازر ماي قد عززت من تصميم مناضلي هذا الحزب على عكس تيارات أخرى للاستعداد والتحضير للتعجيل باندلاع ثورة مسلحة تعم كل أرجاء البلاد في أقرب وقت ممكن، وهذا ما تجلى في المنظمة الخاصة المنبثقة عن مؤتمر حركة الانتصار للحريات الديمقراطية الواجهة العلنية لحزب الشعب الجزائري ورغم الانشقاقات والصراعات التي عرفها هذا الحزب، فإن فئة قليلة من الشباب الذين آمنوا بقدرة الجماهير الشعبية على صنع المعجزات عملا بقول الشاعر أبو القاسم الشابي:
إذا الشعب يوما أراد الحياة @ فلابد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي @ ولابد للقيد أن ينكسر
قد استطاعت أي الفئة القليلة أن تفجر الثورة المسلحة في فاتح نوفمبر 1954 باسم جبهة التحرير الوطني التي استطاعت أن تجند وتنظم وتعيد اللحمة الوطنية من خلال مسيرتها في مواجهة استدمار استيطاني تدعمه الآلات الجهنمية بمؤازرة الحلف الأطلسي، ولم يبق أمام التنظيمات الأخرى مثل البيان الجزائري أو جمعية العلماء وغيرها إلا أن تحل نفسها ويلتحق من آمن من أعضائها بجبهة التحرير الوطني بصفة فردية وعلى هذا السبيل سارت جبهة التحرير الوطني لتجبر الاستدمار الفرنسي بعد سبع سنوات ونصف من الثورة المسلحة والكفاح المرير على الرحيل من أرضنا الطاهرة والتي نحن اليوم في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى للذوذ عنها والدفاع عن حماها لنبقى معززين مكرمين، وبهذا نكرس مسيرة الوفاء لثورة أول نوفمبر المجيدة ولأرواح شهدائنا البررة جيلا بعد جيل مما يتيح لبلادنا أن تحتل مكانتها اللائقة بها لنبقى في حماها معززين مكرمين، وبهذا نكرس مسيرة الوفاء لثورة أول نوفمبر المجيدة ولأرواح شهداءنا البررة جيلا بعد جيل مما يتيح لبلادنا أن تحتل مكانتها اللائقة بها ومكانتها بين الأمم والشعوب في عالم سريع التحول وتطبعه روح الهيمنة والكولونيالية الجديدة من طرف القوى الدولية الكبرى.
المراجع:
1 أبو القاسم سعد الله
الحركة الوطنية الجزائرية 1830 1945 ص 258
2 محمد الطيب العلوي
مظاهر المقاومة الجزائرية من عام 1830 1954 ص 221
3 أبو القاسم سعد الله
مرجع سابق ص 278
4 محمد الطيب العلوي
مرجع سابق ص 223


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.