يشكّلون أكبر "جيش" من الموظفين تم إنتاجه خلال الفترة "السوداء"، منهم من هو "متسلط" ويحب العراقيل والبيروقراطية، ومنهم من هو متفان محب لمهنته.. ساعات عملهم مبنية على تحقيق أو تطبيق تعليمات وإملاءات الإدارة المتعلقة أغلبها بتفتيش ومراقبة كل من يدخل أو يخرج من الباب، شعارهم الوحيد من يوفر لنا الأمان؟ هم "المغضوب عليهم" في ديوان الخدمات الجامعية، لا بل هم المهضومة حقوقهم والمتدنية أجورهم.. هم، إذن، حراس أو أعوان الأمن بالإقامات الجامعية. أعوان أمن وحراسة الإقامات الجامعية مهنة بين ”الليطو”.. تعنت الطلبة و”عقليات” المسؤولين ضغوط وابتزازات مقابل 13 ألف دينار استهل عدد من حراس إحدى الإقامات الجامعية، في العاصمة، كلامهم إلينا بصفة ”المنسيون”، التي يرونها أقل صفة يمكن إطلاقها على آلاف حراس وأعوان الوقاية والأمن بالإقامات الجامعية، نظرا للظروف الصعبة والمزرية التي يمارسون فيها مهامهم طيلة أيام الأسبوع، مشيرين إلى أن وظيفتهم الرئيسية تتمثل في الحفاظ على الأمن وضمانه داخل الأحياء الجامعية. وقال أحد الحراس، رفض ذكر اسمه، خوفا على منصبه، ل«الخبر”، إن الضغط الذي يعيشه حرّاس الأحياء الجامعية يتجاوز كلّ التصورات، فعملهم وبالرغم من أنه محدد بثماني ساعات، غير أن التغييرات والتطورات تبقى طارئة عليه، أي أن عون الأمن يمكنه أن يعمل لأكثر من 60 ساعة في الأسبوع، دون أن يقبض مقابل هذا ”العناء” المفروض ”منحة مرضية”، حسبه، أو أن المقابل هو يوم راحة واحد في الأسبوع، سوى لأن ”الخبزة” حتمت عليهم هذا النوع من الوظيفة المشحونة بالابتزاز والضغوط اليومية. والأصعب في مهنة هؤلاء، حسب أحد العمال، أن مديري الأحياء الجامعية بمختلف ربوع الوطن يفرضون عليهم أعمالا ”مضنية”، تتجاوز مهامهم القانونية في حراسة أبواب الإقامات، إلى تنظيف وتأثيث الحي، وتغيير أمور أخرى خارجة عن نطاق تغطيتهم، والأدهى من هذا أن العون يجد نفسه في مرات عدة يقصد أماكن أخرى بطلب من أحد مسؤولي الحي الجامعي، وهي ”خرجات” أو سلوكات تدل عن مدى ”الاحتقار” الذي يصل إليه العون، سوى لأن مستواه الدراسي متدن أو لأنه يجد نفسه مجبرا على ”طاعة” أوامر مديره. ويعمل حراس إقامة طالب عبد الرحمان، التي زارتها ”الخبر”، مثلا، ثماني ساعات بالتناوب، على ثلاثة أفواج، غير أن راتبهم لا يتعدى ال14 ألف دينار، مع احتساب جميع المنح والعلاوات، والمحظوظ منهم إن لم نقل صاحب الأقدمية، من يرتفع راتبه إلى 25 ألف دينار، وهو المبلغ الذي قال عنه العمال إنه ”لا يسمن ولا يغني من جوع”، حيث يمتص غلاء المعيشة كل ما حصده هذا الأخير، خاصة وأن أغلبهم يلجأون إلى الاستدانة، وهو الأمر الذي يجعلهم مجرد ”مصدرين” للأموال، أي أنهم يقبضون ويسددون في آن واحد. كما طرح هؤلاء العديد من الحقوق المهضومة على غرار اللباس، أين أشار محمد إلى أنهم يحصلون على بذلة واحدة في السنة، وهي التي يرتديها عون الحراسة في فصل الشتاء والصيف، ليقاطعه عون آخر، ويضيف أن هناك ”محظوظين” من يحصلون عليها، كون مقاييسها لا تتماشى مع كل العمال، بالإضافة إلى الحذاء الذي قال بشأنه هؤلاء إنهم ”محرومون” منه، بالرغم من الحاجة الماسة إليه. وتابع المتحدث سرده لمعاناة ”حرّاس الأحياء الجامعية”، أن الأمراض تنخر أجساد العديد منهم، حيث قال إن الضغوط التي يعيشونها يوميا تؤثر على أجسادهم، فمنهم من يعاني الأعصاب والحساسية وآخرون يعانون أمراض الروماتيزم والمفاصل بسبب الوقوف يوميا أمام الأبواب، ناهيك عن الأمراض الأخرى بسبب تصرفات الطلبة و«تعنت” المسؤولين، بتعليماتهم شبه اليومية، بالإضافة إلى العدو الوحيد لهذه الفئة، وهم الأشخاص المقربون من الإدارة أو كما لقبهم الحراس ب«مجهر الإدارة”، حيث قال الأعوان إن مديريهم يؤنّبونهم يوميا لأسباب واهية، لأن أشخاصا معينين يضعونهم في حرج مع الإدارة، ولأتفه الأسباب لعل أولها السماح لغرباء بالدخول أو عدم مراقبة سيارة ما. والأخطر من كل هذا، المواجهات والمشادات شبه اليومية بينهم وبين الطلبة، حيث اتفق أعوان الحراسة للإقامات الثلاث لبن عكنون، أن أكثر الفترة التي تعرف المواجهات هي المسائية، أين قال أحد حراس الإقامة الجامعية طالب عبد الرحمان 2، إن أغلبية الطلبة يعودون إلى الإقامة في هذه الفترة بعقليات، للأسف يقولون، تتنافى مع مستواهم الجامعي، حيث يتحول الطالب إلى ”شخص همجي”، يثور في وجه الحارس لأسباب بسيطة، لعل أبرزها عندما يطلب منه تقديم بطاقة الطالب. وأضاف الحراس أن الأدهى في الأمر هو أن الطلاب يفرضون هم كذلك ”قوانينهم”، حيث يضغطون على الحراس من خلال إحضار أناس غرباء أو أقارب، كما يتحججون في كل يوم أمام نقطة المراقبة، أنهم يملكون بطاقة الإقامة التي تسمح لهم بإدخال من يشاؤون، حسب تصورهم، ضاربين بذلك القانون الداخلي عرض الحائط، وواضعين بذلك الأعوان في ”فم المدفع” أمام المسؤولين. كما اشتكى غالبية هؤلاء من ضغط المنظمات الطلابية، التي تفرض حسبهم منطق ”التعنت”، عليهم، حيث يجدون أنفسهم في ورطة، لو رفض طلب من طلبات هذه الجهة، خاصة وأن أغلبها يضغط عليهم مع الوزارة، أين قال أحد أعوان الرقابة إن هذه المنظمات ”تربح العيب” للحارس وتكسب الإدارة على حسابه، من أجل تحقيق مطالبها المتعلقة أغلبها بتوفير الغرف لأصحابهم ومقربيهم. وعن حب عدد منهم للبيروقراطية، وفرض نفسه على الآخرين، وأن غالبيتهم ينصبون أنفسهم ”الكل في الكل” قال أحد الحراس إن هذه الفكرة التي ترسّخت في أذهان الغالبية خاطئة، خاصة وأن الظروف الاجتماعية الصعبة هي التي فرضت عليهم هذه المهنة، كما لم ينف آخرون هذه الفكرة، حيث أكدوا أنه فعلا هناك أعوانا يشتغلون في هذا المنصب من أجل فرض أنفسهم ليس فقط على الطلبة، خاصة منهم من ”تمشي البيروقراطية” في دمهم وكأنهم يعتقدونها شرطا من شروط الحفاظ على المنصب. وتنتظر هذه الفئة من المسؤولين التحرك، وإنصافها والدفاع عنها أمام الوزارة المعنية، خاصة وأنهم يقعون بين مطرقة ”عقليات” الطلبة وسندان المسؤولين، لاسيما وأنهم يعانون التهميش والظلم منذ سنوات، بالرغم من الإضرابات التي شنوها في العديد من المرات من أجل الرفع في أجورهم وتحسين ظروف عملهم. كما يطالب أصحاب ”الحل والربط” في تحديد ”الوساطات” وضبط المواعيد واستسهال المسائل والأزمات، حتى تلك التي عجزت عنها نخبة المثقفين والإداريين من ذوي الخبرة والمعارف المتعددة، بضرورة تسوية وضعية المتعاقدين وإدماجهم عن طريق فتح مناصب جديدة ومستقرة، دون إغفال احتساب ساعات إضافية بالنسبة للذين يؤدّون أكثر من الحجم الساعي وكذا تحديد مهامهم لتفادي استغلالهم في مهام أخرى لا تعنيهم، بالإضافة إلى الرفع في الأجور وتحسينها. شاهد من أهلها إسماعيل بوشيبة، عضو نقابة بالخدمات الجامعية ”حراس الأحياء الجامعية قانونهم لا يحميهم” يرى إسماعيل بوشيبة، عضو نقابي، أن فئة حرّاس أو بالأحرى أعوان الرقابة والأمن في الأحياء الجامعية، هم الأكثر ”حڤرة وظلما”، في قطاع التعليم العالي، كما قال في مجمل كلامه مع ”الخبر” إن حقوقهم ضائعة ومهضومة، وهم ضحايا مستواهم التعليمي الذي يفرض عليهم قبول منصب ”البوّاب”. من هم حراس الإقامات الجامعية وما هي وضعيتهم؟ يجب التفريق بين هؤلاء، فمنهم أعوان الوقاية بأصناف 1 و2 و3، والحرّاس الذين تم دمجهم، بعد أن شغلوا المنصب لسنوات فاقت ال20 عاما، حيث كانوا يلقبون ب«عمال ثماني ساعات”، أما بخصوص ظروف عملهم فهي جد معقّدة وصعبة في ظلّ حقوقهم المهضومة، سواء منها الاجتماعية أو المهنية أو المعيشية التي تزداد تعقيدا، ناهيك عن غياب أبسط وسائل العمل التي تضمن لهم الراحة وتأدية واجبهم على أحسن وجه، مقارنة بالأعوان التابعين للشركات الخاصة. وعن راتبهم القاعدي الذي لا يتجاوز ال9 آلاف، فهذا أمر غير معقول تماما، وهو وحده ما يعبر على حالة هؤلاء، خاصة وأن هذه الفئة تبقى تعاني من غياب أي التفاتة ملموسة من الجهات المعنية، بالرغم من المطالب المرفوعة في عديد المناسبات، ولعل أبرزها الرفع في الأجور، التي لا تغطي حتى 3 بالمئة من حاجياتهم، خاصة في ظل ارتفاع وغلاء المعيشة، والعون تزداد أموره تأزما أكثر إذا كان ربّ أسرة، وهو الوحيد من يعيلها، حيث يشقى من أجل توفير كل الحاجيات لأولاده. وماذا عن الأعوان المتعاقدين؟ هذه الفئة، التي لا يمكن إحصاء عددها والمقدر بالمئات، أمورها جد صعبة من الآخرين، خاصة وأنهم لا يرقون ولا يدمجون بسبب إحدى المواد القانونية من القانون الصادر في 2008، والتي طالبنا ولازلنا نرفضها ونسعى لإسقاطها، قصد ضمان التثبيت لهم، كما أن هؤلاء يلتحقون بعد تقديم طلبات من الخدمات الجامعية، غير أن منصب هذا العون المتعاقد لا تبقى معينة، خاصة وأن مديري الخدمات يقومون بالاستعانة بهم تطبيقا لمبدأ أو سياسة ”ملء الفراغ”، حيث يوجهون ليس فقط إلى منصب حارس، بل يتم تداول مناصب عدة في الإقامات على غرار الحراسة ومساعد بالمطعم ومكلف بتأمين باب الإدارة... إلخ. فيمَ تتلخص مطالبهم؟ مطالبهم لا حصر لها، وأولها المادية، لأن أعوان الرقابة والحراس راتبهم الشهري يمثل منحة بالنسبة لآخرين في سلم الوظيف العمومي، والنقطة الرئيسية هنا هي إعادة النظر في النظام التعويضي ورفع منحهم وعلاواتهم الشهرية، خاصة ما تعلق بمنحة الخطر التي يمكن أن نقول إنها غائبة تماما. ولعل ما يهم أيضا، هو فتح المجال أمامهم للترقية والإدماج وإنهاء مشكل ”التعاقد” من خلال منحهم قانونا خاصا بهم يحدّد مهامهم، ويوضحها للقضاء على الابتزازات والتجاوزات الممارسة في حقهم، والأبرز من هذا كلّه، فهم يطالبون الوصاية بالرفع في الأجر القاعدي والتعويضات وكذا توفير الوسائل اللازمة، وتصنيفهم تصنيفا عادلا وعدم ”التمييز” بينهم في المهام. أين هي الوزارة من هذا كله؟ نحن كنقابة نقوم برفع مشاكل أو توصيل ”هموم” الأعوان إلى مديريات الخدمات الجامعية التي بدورها تسلم تقارير للديون، هذا الأخير يرفع انشغالهم إلى الوزارة، ولطالما قلنا وتكلمنا وشرحنا أوضاع هذه الفئة والضغوطات والتجاوزات المرتكبة في حقّها، لكن لا آذان صاغية، سوى لغة الخشب والوعود، التي لم نر لها تطبيقا على أرض الواقع. كما أننا وبصراحة سئمنا من المراسلات الكتابية التي نرفعها إلى هذه الجهات، خاصة وأنها تلتزم الصمت، تاركة بذلك الحارس يتخبط بين معاناته مع الطلبة ومع أوضاعه التي لم تبرح نقطة الصفر، لهذا نأمل أن تكون هناك التفاتة إلى هذه الطبقة ”المظلومة” ويحقق ولو جزء من مطالبهم العالقة منذ سنوات خلت.