رياح قوية مُنتظرة    لحظات حاسمة في محطات تاريخية فارقة    ترامب يستحق جائزة نوبل للحرب    اتفاقيات هامّة تُوقّع بالعاصمة    تدخّلات عدّة مصالح تتواصل بولايات غرب البلاد    جرائم السرقة عن طريق التّنويم تتواصل    الملايين يواجهون الجوع في السودان    إضراب الثمانية أيام.. رمز وحدة الشعب الجزائري في مواجهة الاستعمار    المقاربة الجزائرية تبقى "الحل الأمثل" لتحقيق السلم والاستقرار بالمنطقة    نعمل على بناء منظومة تنبؤ و تحكم و استجابة, ضابطة للأسعار    خط السكة الحديدية بشار-بني عباس-تندوف-غارا جبيلات    توجيه المعنيين نحو تكوين نوعي يزيد من فرص توظيفهم    حادث دهس قاتل بالطريق الوطني رقم 10    الإطاحة بشبكة دولية لترويج الكوكايين    قررنا تجميد عملية التكوين من أجل الإدماج "بصفة نهائية"    أحسن داوس " دراسة تطبيقيّة للكاتبة " ابتسام جوامع"    غوارديولا الفلسطيني !    950 كلم من العزيمة الفولاذية.. ولها ما بعدها..    جزائري في فالنسيا    الإنتر يضمّ مغلوت    إشادة بالخصوصية المتميّزة للعلاقات الجزائرية الهندية    ناصري: وتيرة تطور متسارعة تعرفها الجزائر المنتصرة    إطلاق "Alsat-3B" نجاح الجزائر الجديدة والمنتصرة    غارا جبيلات.. المعجزة تتحقّق    62 تدخلا عبر 35 ولاية خلال 24 ساعة    950 كلم خط السكة الحديدية.. تنمية متعددة الأبعاد    الحوار أساس ترسيخ الديمقراطية الحقيقية    دور محوري للجمارك في دعم وحماية الاقتصاد الوطني    "العميد" أمام منعطف حاسم    13 مجمعا مدرسيا و4 متوسطات و3 ثانويات في الإنجاز    مشاريع جديدة لتحسين الإطار المعيشي ببني صميل    عطال يجري عملية جراحية ويطمئن أنصار "الخضر"    مدرب فولفسبورغ يتحدث عن مشكلة محمد عمورة    "أطياف الروح" في حضرة بونة    ملتقى وطني يعيد قراءة أنظمة القياس في شمال إفريقيا عبر التاريخ    كتابي الجديد.. حينما تتحوّل ذاكرة الطفولة إلى شهادة عن التاريخ    سيغولان روايال تشيد بالتقدم الذي أحرزته الجزائر    أوروبا تعلن الحرب على الحراقة    القضاء على ثلاثة مهربين مسلحين ببشار    العثور على بطلة باب الحارة مقتولة في منزلها    تورط الوزيرة الفرنكو مخزنية في الحملة المعادية للجزائر    غوتيريش يدعو لوقف فعلي لإطلاق النّار في غزّة    تمديد المرحلة الثالثة لحملة التلقيح إلى 5 فيفري القادم    التوعية للحد من استعمال المضادات الحيوية    مجلس الأمن يعقد جلسة حول الأوضاع في الشرق الأوسط    حدث تاريخي أفشل مخططات المستعمر في عزل الشعب عن ثورته    تعيين مراد بلخلفة مديرا عاما بالنّيابة لمجمّع "صيدال"    تنصيب مراد بلخلفة مديرًا عامًا بالنيابة لمجمع صيدال    سيغولان روايال تدعو من الجزائر إلى عهد جديد من التعاون الجزائري-الفرنسي قائم على الحقيقة التاريخية واحترام السيادة    عملية دفع تكلفة الحج ستنطلق اليوم الأربعاء    معسكر..الشهيد شريط علي شريف رمز التضحية    عمرو بن العاص.. داهية العرب وسفير النبي وقائد الفتوحات    الدين والحياة الطيبة    صيام الأيام البيض وفضل العمل الصالح فيها    الرالي السياحي الوطني للموتوكروس والطيران الشراعي يعزز إشعاع المنيعة كوجهة للسياحة الصحراوية    شهر شعبان.. نفحات إيمانية    تحضيرًا لكأس العالم 2026..وديتان ل"الخضر" أمام الأوروغواي وإيران    الزاوية القاسمية ببلدية الهامل تحيي ليلة الإسراء والمعراج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لحظات حاسمة في محطات تاريخية فارقة
نشر في أخبار اليوم يوم 01 - 02 - 2026


مراصد
إعداد: جمال بوزيان
عَودة و لِمَ عُدتُ؟ في ميزان أهل النقد
لحظات حاسمة في محطات تاريخية فارقة
تَرصُدُ أخبار اليوم قراءات نقديَّة وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ والكُتَّاب لها ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ النُّقَّادِ والكُتَّابِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ.
*****
بين إرادة الحياة ومطرقة الواقع
قراءة في قصيدة عودة للشاعر الجزائري نور الدين درويش
بقلم: أ.عبد المالك بولمدايس
- سيميائية العنوان: عودة ولا يكون العود إلاّ أحمدا والعودة تجديد عهد مضى ظنّ الشّاعر أنّه ولّى واندثر ولن يعود.. تعمّد الشاعر الجزائري نور الدين درويش تنكير عنوان قصيدته ليوحيَ للقارئ بأنّ هذه العودة غير مضمونة النّتائج والعواقب بالنّظر إلى ما مضى وكابده.. عودة محفوفة بالمخاطر والتحدّيات والشكوك والظنون والمخاطرة..
وللقارئ الحقّ أن يتساءل:
- هل هي عودة محبوب لمحبوب طالت غيبته فحنّت له الأكباد؟
- هل هي عودة زمن جميل في ثوب جديد أو ميلاد عهد جديد؟
- هل هي عودة جسد بعد غياب أو نفيّ أ سجن أو تهجير؟
- أم كلّ هذه التساؤلات وزيادة؟
ربّما لهذه الأسباب وأخرى نجهلها نكّر الشّاعر العنوان عودة فاتحا بذلك أبوابا عدّة للتأويل والاجتهاد.. ومن العدل عدم استباق الأحكام قبل تأكيدها وتبيينها وترك للشّاعر فسحة ليجيب عنها بلغة الشّعر إذ أنّه هو أعرف بما كتب وبما أراد..
ومن المفيد تصدير هذه القراءة بمقدّمتين تمهّد الطريق وتقرّب البعيد:
01- أكثر الشّاعر نور الدين درويش في تشكيله الشّعري من استخدام بعض الأدوات جاعلا منها مفاتح لما أُغلق واستشكل وأراده ليعكس بذلك محطّات حياتية حاسمة فاصلة غطّت مجالين زمنيين: زمن مضى وانقضى وزمن حاضر مستقبل بُعِثَ من جديد.. وقد كرّر بعضها من باب التّأكيد والتّصديق وفيما يأتي بيان لها:
01-01- لفظة بعد وبعدما [03 مرّات]: إشارة لتلك اللحظة الحاسمة في محطّات حياته الماضية التي نقلته من عالم قديم قريب إلى عالم جديد معيش متعمّدا عدم الكشف عن تفاصيله من باب التّفخيم والتّهويل.
01-02- لفظة يا [05 مرّات]: حرف نداء يدعو فيه القارئ إلى الإقبال بأذن واعية وعين كاشفة ونفس حاضرة وعقل منتبه ليكتشف خلفيات وتداعيات هذه العودة..
01-03- لفظة ها [05 مرات]: حرف تنبيه متبوع بضمير منفصل [أنا هو] ليحمل القارئ على الشّعور بعمق مشاعره وصدق أحاسيسه القديمة والجديدة ويدعوه للوقوف وقفة جادّة مسؤولة أمام هول ما مضى ومفاجآت ما هو آت ..
01-04- لفظة ياه [05 مرّات]: حرف نداء من باب الاستئناس والمكاشفة يدعو فيه القارئ إلى فكّ شفرات ما نحتته روحه من شعر وسجلته من قريض..
01-05- لفظة إيه [03 مرات]: اسم فعل أمر يراد به الإقبال والاستزادة لما حبّره قلمه وقد أتى به منوّنا ليفيد الاستزادة من الاستماع والإنصات له بصدق وعمق لما سيدلي به من حقائق ومواقف للتّاريخ.
01-06- لفظة سوى [مرّة واحدة]: ظرف لازم مكاني وهو بمعنى غير عاكسا بذلك رغبة نفسية شديدة ملحة ترفض الاستسلام والخنوع وتنحاز إلى المواجهة والمواصلة والتحدّي وحبّ التّحرر والانعتاق.
01-07- لفظة هل [مرّة واحدة]: حرف استفهام خرج عن معناه لفيد تصديق الشّاعر فيما سيعرضه ويبلّغه ويوضّحه.
01-08- لفظة ربّما [مرتان]: و قد دخلت على فعلين ماضيين [خانني لم أكن] ليؤسس عليهما تصوّره الجديد أو ملامح ميلاده الجديد .
01-09- لفظة إنّ وأنّ [03 مرّات]: سيقت من باب تأكيد مواقفه القديمة المتجدّدة الرّاسخة عزمه على المضيّ في طريقه دون تردّد ولا خوف ولا تقاعس ولا تهاون.
02- طغيان الحقل الدّلالي النّفسيّ المعنويّ على قصيدته عودة : إذ نراه يهرب إلى التّستر والتّزمّل بمفردات أغلبها نفسية معنوية فالشّاعر نور الدين درويش أراد أن يقول الكثير الكثير ولكن أنّى لقصيدة واحدة أن تقدر على ذلك وإن كان لبعض الألفاظ حضورا ماديّا ونفسيّا في الوقت نفسه.. وفيما يلي سرد لأغلبها دون ترتيب: [الإرادة الخيانة الحضور الغياب الهمّ الاختلاء الانتهاء النّسيان الفرحة الشّفاء الطيف السّفر السافات الرّغبة السّؤال الاهتزاز التّلويح الانحياز الاقتراب النّبض النّطق العناء الداخل الارتماء اللّهيب البقاء الدّماء السّكرات الشّهادة الاستمالة الشّهادة المطاردة الموت السّطور البحار الأثر الاقتفاء الخطّ]...
إنّ اعتماد الشّاعر نور الدين درويش على هذا الكمّ الهائل من المفردات النّفسية كان بهدف تقريب صورة دقيقة مفصّلة مرئيّة عمّا يعتلج في نفسه من مخاضات وصراعات محتدمة فكأنّه يقول للقارئ الحصيف: ها هي نفسي بين يديك تحترق احتراقا موزّعة بين ماض مرير عصيب وحاضر ضاغط رهيب ومستقبل غامض متستر...
بعد هاتين المقدّمتين الضروريّتين نكون قد وقفنا على بعض الملامح النّفسية لقصيدة عودة وما يكنّه الشّاعر من مشاعر صادقة وأحزان رابضة وهموم منتظرة...
ولعلّ هاتين المقدّمتين قد أزاحتا بعض الغموض المقصود الذي صحب قصيدة الشّاعر والقصيدة موزونة على تفعيلة المتدارك: فاعلن وهي دالية بامتياز متوسطة المقاطع تفصل بينها تفعيلة فاعلن : جديد / بعيد / رشيد /شهيد / أريد / طريد / حديد/ قصيد. وقد سكّن دالها أي رويّها لما لتسكين الدّال من قلقلة واضطراب وهزّات وغليان كحال القدر حين يغلي ماؤها فتسمع لها أزيزا وقلقة وهذا زيادة تفصيل لما تقدّم:
تساؤل فجواب: يسدل الشّاعر نور الدين السّتار عن أحداث الماضي التي آثر نسيانها وعدم الخوض فيها لما تنكثه من جراحات وتفتحه من تقرّحات معلنا فرحته واندهاشه في الوقت عينه ومفضّلا استقبال مولوده القديم بالرّغم من ادعائه المسبق بالشفاء منها والتنصل من تبعاتها لكن نراه يستدرك ليقول للقارئ: إنه بعد كل تلك السّنين يستفيق بين جوانحي ذلك الطيف أو النبض أو الشعر ليعيدني إلى مرابعي الأولى من محطّات أسفاري:
بعدما قلت ها أنذا قد نسيتْ
بعدما قلت يا فرحتي قد شُفيتْ
بعد كل السّنين..
يعلنها مدويّة في آذان الزمان ليسمعها من في السماوات وما أظلّت ومن في الأرضين وما أقلّت:
ها أنذا من جديدْ
ها هو الشّعر يهتزّ في داخلي فجأة
ها أنا أختلي باللّغة
أحتفي بالنّشيدْ
ولادة جديد هزّت كيان الشاعر وأعادته من جديد إلى رحاب الشّعر وجنبات القصيد ومجاني اللّغة ليعيد احتفاءه بالنّشيد الخالد الذي كان يرتّله ويردّده حتّى يغدو البعيد قريبا والسفر اقترابا واحتفاء فكأنّه يرى ذلك الطيف عيانا ومشاهدة طالبا ودّه ملوّحا بقدومه بأنْ ها قد عدت إلى ربوعك فاحتضنّي من جديد:
ها هو الطيف ينحاز لي
ويلوّح لي من بعيدْ
إيه يا سفرا لم تزدْهُ المسافات إلاّ اقترابا
ثم نراه ينادي من جديد:
ويا بذرة لم يزدها اللّهيب سوى
رغبة في البقاءْ
تلك البذرة التي أُريدَ لها اليباس والموات انتفضت وتنفّست من جديد ولم تزدها شدّة الابتلاءات والمحن إلاّ تمسّكا بالحياة ورغبة شديدة ملحة على البقاء والاستمرار..
وتتسارع تساؤلات الشّاعر من داخله ليقتبس صورة بيانية قرآنية تتناسب والأحاسيس التي يعيشها:
ها هو النّبض يسألني من جديد
هل تريد المزيد؟!
ليتناص حرفه بل نبضه مع قوله تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد ۝ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيد ۝ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أواب حَفِيظ ۝ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْب مُنِيب ۝ ادْخُلُوهَا بِسَلام ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ۝ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [سورة ق الآية 35] مخاطبا نبضه المتسارع ومستفسرا عن أحبّة كانوا هنا وارتحلوا وغيّبهم الموت أو نّفي أو الغربة ساردا بعض أسمائهم على وجه الحقيقة أو الخيال ومستحضرا مرحلة حياتية أُطليت بالدماء الحمر وبأنّات سكرات الشّهيد ليمعن في السؤال:
هل نسيت الأحبّة في حيّنا
أحمدا صالحاً و رشيدْ؟
إيه يا ستوات الدّماءْ
إيه يا سكرات الشّهيدْ
ثم في لحظة نفسيّة فارقة يرجعُ باللوم والعتاب على نفسه المهزوزة ويتهمها بخيانة لفظ أو غموض بين مقصود بين سطور تلك الملاحم الدّواهي:
ربّما خانني اللفظ في أوّل النّطق
أو ربّما لم أكن واضحا في السّطورْ
غير أنّه يستدرك ويطلق صيحته الجهورية في عنان السّماء ومسامع الزّمان مصحّحا ومجيبا في الوقت ذاته عن تساؤلاته الضاغطة:
كان همّي أنا
أنْ أغنّي لها
أنْ أغنّي كما أشتهي وأريدْ
إنّني أنا الحاضر الغائب المستميت الطّريدْ
كنت في حضرة الموت والملكيْنْ
كان يومئذ بصري من حديدْ
في هذا المقطع يكتب ويعلن عن شهادته للتاريخ فقد كان حاضرا منذ أول خطوة في الطريق لكنه الغائب بعدما أخطأته سهام الشهادة فعاد إلى رحاب الشعر بغير رفقائه الشّهداء.. وما سرّ عودته إلا استماتته عند احتدام الصّراع وتكشير الموت الزّؤام عن أنيابه وتشبثه بالحياة وموقفه الشّجاع الشّامخ.. ثمّ يختم الشاعر هذا المقطع باقتباس قرآنيّ ثان أو تناص في قوله: كان يومئذ بصري من حديد من قوله تعالى: لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَة مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [سورة ق الآية 22] من الحدّة ودقة النظّر والتمييز وعدم التباس الأمر والزيغ فيه.
فقد رأى بأم عينه من الأهوال والحوادث ما ملأ فؤاده يقينا ونفسه ثباتا وقدمه رسوخا وإصرارا على مواصلة الدّرب وكأنّ يستحضر عينا قوله تعالى: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا [سورة الأحزاب الآية 23] وبعد هذا السّفر الشاقّ الكاشف يعيد من جديد أسئلته التي صدّر بها قصيدته فيقول:
بعدما قلت ها أنذا قد نسيتْ
ها أنا قد شُفيتْ
يغيّر القدر مجرى حياته من جديد ليرتمي في بحار اللغة الزاخرة وبحور الخليل مقتفيا أثر سيره السّابق الذي آمن به وابتلي فيه لكن هذه المرّة بقلم القصيد ومداد الشعر:
ها أنا أرتمي من جديدْ
ها أنا أرتمي من جديدْ
في بحار اللّغة
وبحور الخليل
ها أنا أقتفي أثري
وأخطّ القصيدْ
لحظة مفصليّة في حياة الشّعر نور الدين درويش حين قرّر معاودة السير على هدى سبيله القديم الذي ارتضاه ولكن بلسان القصيد وما هذه القصيدة عودة إلاّ أثر حسن طيّب من آثار ذلك السفر الشّاق المرهق الخطر ليقدّمها للأجيال الناشئة كشهادة حيّة وفي صورة شعر ناضج رسائليّ للأجيال..
وفي هذا المقطع أيضا إشادة من الشّاعر بالشّعر الخليلي مع إتقانه لشعر التّفعيلة والحر أيضا..
ومسك الختام فقد جنح الشّاعر الجزائريّ نور الدين درويش إلى الرّمزية والإيحاء والتّلميح والإشارة معوّلا على فطنة القارئ ونباهته مؤثرا عدم إعادة فتح الجروح ومكتفيا بالغناء الحرّ وبإرادة العودة من جديد والله غالب على أمره.
*****
لِمَ عُدْتُ!؟
بقلم: صباح حمور
سؤالٌ بقي يهمس في رأسي حتى وأنا أغادر المكان من جديد..
طرقت الباب كما يفعل الغريب أمام الأبواب وفتحَتْ هي كمن يفتح على نفسه سيلا من الأسئلة المعلّقة فجرفت معها سنينا من الماضي الحزين..
عند ما اصطدمتْ عيناي بعينيها فجأة قفز ذلك السؤال الوحيد من عينيها إلى عينيّ: لِمَ عُدتُ؟
تركَتْني أجابه ثقل السؤال وحدي باحثة بين كل السنين الماضية عن جواب مقنع يبرر لي ولها ذلك بينما هي انتبذت مكانًا قصيًا في عمق البيت دخلتُ أنا بخطى حزينة ونبض باهت يكاد يتوقف..
الظلام بدأ ينسج ستارًا على كل شيء في هذا المكان وكأن البيت لا يزال يترنح تحت وطأة حزنه القديم..
رغم أن الساعة لم تتعدَّ السابعة مساءً إلا أن الظلمة كانت جاثمة على صدر البيت بكل ثقلها لكن سرعان ما بدا لي شعاع نور خافت تخلل باب غرفته انبعث من المكان عطر ناعم وصوت جوهري يردد بعض الآيات من القرآن الكريم.
دفعت الباب النصف مغلق أو النصف مفتوح بهدوء وحذر شديدين مخافة أن أقطع هذا السيل من السكينة والهدوء على المكان..
دلفت إلى الغرفة نافذتها ما تزال مفتوحة يتسلل منها نسيم باردٌ أضفى على الأشياء وعلى جسدي رعشة خفيفة..
الستار الأبيض يتراقص على أنغام الخريف في منتصفها كشبح امتلك مفاتيح المكان وزمام الأشياء فيها منذ غيابه..
السرير ما يزال ممددا في مكانه يغرق في سباته الأبدي تماما كما تركْتُه ذات يوم..
الوسائد ما تزال وفية لعطره الرجالي القديم مثقلة بأحلامي الجميلة التي استودعتها إياها في الليالي القليلة التي استطعت فيها الاستيلاء على المكان أثناء غيابها معطفه الرمادي هناك معلق على المشجب ساكنًا وقورًا يضوع بعطره الذي ما يزال يملأ المكان..
تقدمت بخطوات نحو مكتبه فتحت الدرج.. الدرج كما هو مليئ بالصور كلّ الصور كانت لها ضحكاتٌ مرتبة ذراعاه حولها كانت سعيدة أمي لا أنا...!
وجدتني هناك في صورة واحدة فقط نصف وجهي مبتور ونصف ابتسامته ونصف روح.
ظلَّ الصمت يخيم على المكان وعلى روحي قبل أن يستدرجني صوت آت من الحجرة الأخرى عن يميني..
تقدمتُ إليها وإذا بطفلة صغيرة رغم حداثة سنها مضمخة شفتاها بحمرة قانية ترتدي قميص نوم أمي الأحمر ترفع جوانبه الطويلة المتدلية بيديها الصغيرتين تتعثر خطاها بحذاء ذي كعب عال تكاد قدماها تختفيان داخله عن آخرها وهي ترقص وتدور حول نفسها منتشية مستسلمة لحلم جميل تدندن وعيناها مغمضتان بدندنات ترددها أمي كل ليلة حاملة شرابه وهي بكامل زينتها وأنوثتها..
فتحَتْ عينيها وانتبهت لوجودي عند مدخل الغرفة وأنا أراقب حركاتها الخفيفة المتناسقة بشغف واهتمام كبيرين أسرعَتْ نحوي وضمتني بشوق طويلا حتى التصق جسدها الصغير بجسدي وكأنها كانت تنتظر
قدومي منذ زمن طويل..
خلعَتْ ذلك الثوب ورمتْ بفردتي الحذاء بعيدا عنا مدت يدها الصغيرة إلى يدي ثم أمسَكَتْ بي بكل ما أوتيَتْ يداها النحيلتان من قوة ومضينا معا نشق طريق عودتنا في العتمة..
مشينا معا.. مشينا طويلا..
حتى أحسست في لحظة ببرودة تسري في يدي وتغزو كامل جسدي. التفتُ إلى يميني فإذا باليد الصغيرة تنزلق من يدي وتتلاشى أمام عينيّ شيئا فشيئا كما يتلاشى السراب في عمق المسافة.
========
للكاتبة الجزائرية صباح حمور
نوستالجيا الأزمنة والأمكنة في قصة لِمَ عُدتُ؟
قراءة بقلم: أ.سيد علي رأس العين
دبّجت الكاتبة صباح حمور عتبة قصتها القصيرة بجملة إنشائية (استفهامية طلبية) لافتة ورابكة للمتلقي لِمَ عُدتُ؟ وفيه أكثر من دلالة ولعل الغرض البلاغي من هذا الاستفهام هو استفسار وجودي للبطل الراوي العليم الوافد بعد مدة زمنية طويلة إضافة إلى شخصيات ثانوية غائبة حاضرة (الطفلة أو البنت والأم والأب) أسهمت في تطور مسار القصة.
تستهل الكاتبة سرديتها على لسان البطلة الساردة بضمير المتكلم أنا الذي غالبا ما يكون مهيمنا على تفاصيل الشخصية وتشابكاتها النفسية والاجتماعية عبر مراحل تطور الحبكة وهو تبئير مهم من شأنه أن يبدد تدريجيا كل غموض يكتنف الشخصية القصصية عموما وما يحيط بها من بيئة زمكانية ومهما يكن من أمر فالشخصيات كلها تبدو هلامية كالأرواح في بيت تسكنه الذكريات المعتقة بين أشخاص عاشوا فيه ردحا من الزمن لكن تلاشوا في رحلة تتداخل فيها الأزمنة بين الماضي والحاضر استعملت الكاتبة خلالها تقنية الاستذكار يتخللها الخطاب النفسي أو الحديث النفسي وهو لسان حال الراوي المتكلم بضمير الأنا لما تقتضيه ثيمة القصة التي نثرت عليها الكاتبة بعض بهارات القصة الحداثية التجريبية كالتشويق ( نافذتها ما تزال مفتوحة يتسلل منها نسيم بارد.../ الستار الأبيض يتراقص على أنغام الخريف في منتصفه كأشباح...).
لكن ما يؤخذ على الكاتبة صراحة كثرة الوصف الذي حدا بالقصة إلى التحبيك لأن التحبيك بدوره يؤدي إلى إثارة التفاصيل الجزئية والفرعية وهذا بالنتيجة يقلل من عنصر التكثيف والإيجاز والاختزال الذي هو ركن أساسي في القصة القصيرة جدا فكانت تصف المكان بعد عودتها الزمنية بدقة شديدة يوحي بطول الأمد ولعل هذه الفقرة خير دليل على الإسراف في الوصف (تقدمتُ إليها وإذا بطفلة صغيرة رغم حداثة سنها مضمخة شفتاها بحمرة قانية ترتدي قميص نوم أمي الأحمر ترفع جوانبه الطويلة المتدلية بيديها الصغيرتين تتعثر خطاها بحذاء بكعب عال تكاد قدماها تختفيان داخله عن آخرها وهي ترقص وتدور حول نفسها منتشية مستسلمة لحلم جميل تدندن وعيناها مغمضتان بدندنات ترددها أمي كل ليلة حاملة شرابه وهي بكامل زينتها وأنوثتها.. فتحَتْ عينيها وانتبهت...).
قصة جميلة في بنيتها السردية وطريقة المعالجة تحاكي حالة اغتراب زمكاني عاطفي نادر من النوستالجيا فعناق الطفلة الصغيرة الحار يدل على حالة اشتياق شديد وحنين إلى الماضي وتوق إلى عهد انقضى والبحث عن دفء الأهل والتكفير عن موجبات التباعد الجسدي والمعنوي (أسرعَتْ نحوي وضمتني بشوق طويلا حتى التصق جسدها الصغير بجسدي وكأنها كانت تنتظر قدومي منذ زمن طويل خلعَتْ ذلك الثوب ورمتْ بفردتي الحذاء بعيدا عنا مدت يدها الصغيرة إلى يدي ثم أمسَكَتْ بي بكل ما أوتيَتْ يداها النحيلتان من قوة) إضافة إلى استحضار شخصية الأم والأب لما فيهما من دلالة الدف العاطفي والأسري.
تتوارد صور الماضي معتقة في ذهن البطلة الساردة في اشتياق منقطع النظير ينبعث منها عبق الزمان والمكان (انبعث من المكان عطر ناعم وصوت جوهري يردد بعض الآيات من القرآن الكريم).
أما عنصر العتمة والظلمة في القصة فدليل على الغموض والضياع والتشتت النفسي وحالة الوهم التي تكتنف البطلة الساردة (الظلام بدأ ينسج ستارًا على كل شيء في هذا المكان وكأن البيت لا يزال يترنح تحت وطأة حزنه القديم...) لكن السؤال المنغص يبقى مطروحا لِمَ عُدتُ؟ وفيه دلالة على حالة عدم جدوى هذه العودة الزمنية غير الممكنة في مكان ما عاد له من أهمية في الزمن الطبيعي الخطي.
استعملت الكاتبة ما يسمى التداعي الحر ممزوجا مع تيار الوعي وهو اتجاه إبداعي مهم يغوص في سراديب اللاوعي حيث تتدفق كمية من المشاعر والأفكار كنوع من رؤية النَّفس من الدَّاخل ولعل أول من استخدم مصطلح تيار الوعي هو وليم جيمس في القرن الماضي إذ تعتمد سرديات روايات التيار على العالم الدَّاخلي للشخصيات إذ تسعى إلى رسم انفعالات الشخصية من الدَّاخل وإن جاز التعبير هو استنطاق للعالم الدَّاخليّ لشخصية مفترض ة ويسعى الكاتب إلى إطلاق وجهات نظر شخصياته كفيض متدفق من عواطفهم ورؤاهم وتوجهاتهم.
القصة جميلة من حيث حبكتها التصاعدية المنطقية المتدرجة في اتساق عفوي متقن وترتيب الأحداث رغم تداخل الأزمنة بعضها مع بعض لكن نهايتها مفتوحة وكأني بالكاتبة تركت للمتلقي أن يطلق تأويلاته واستنتاجاته كيفما شاء أما اللغة فسلسة عذبة متوسطة مفهومة والجمل ماضوية ومضارعية لكن الأفعال الغالبة في القصة هي الأفعال الماضية وفيه دلالة على معانقة الراوي للماضي واستغراقه فيه مع امتداده إلى الزمن الحاضر فالعنوان (لِمَ عُدتُ؟) هو فعل ماض لفظا مضارع معنى لغرض بلاغي وقد كيفت الكاتبة الزمن هنا بدلالته النحوية والصرفية والسياقية والوظيفية وفق ما يقتضيه الحدث وسياقاته في الحبكة مرتكز هذه القصة الحداثية الرائعة وما تستبطنه من جماليات وانزياحات تاريخية وسردية وزمنية فهنيئا للكاتبة بهذه التحفة السردية الرائعة مع مزيد من التألق في مسارها الأدبي والسردي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.