يشبه البناءُ الأخلاقيُّ المتسرع الذي يرجو صاحبه تمامه في وقت قصير جدا غرسَ شجرةٍ في أرضٍ صلبة، فإنها لا تُثمر؛ لأنها تحتاج جذورًا تمتدّ في العمق، ووقتًا تتآلف فيه مع التربة، وصبرًا على مواسم لا يظهر فيها شيء. كذلك الأخلاق؛ إن لم تُبنَ على مهل، تكسّرت عند أول ريح، وإن طُلب ثمرها سريعًا، جاءت هشّة لا ظلّ فيها ولا دوام. ولا تُقاس الأخلاق بحدة الخطاب ولا بكثرة الوعود، ولا تُختزل في قرارات سريعة تُتخذ تحت ضغط الواقع. فكم من سلوكٍ بدا منضبطًا في ظاهره، لكنه لم يصمد طويلًا لأنه لم ينبنِ على تربية راسخة. إن البناء الأخلاقي، بخلاف ما يظنه المتعجّلون، ليس ردَّ فعلٍ آنيًّا ولا ثمرة حماسٍ عابر، بل هو مسار هادئ عميق، تُشكَّل فيه النفوس كما تُنحَتُ الصخور: بصبرٍ، وتدرّج، وتكرارٍ لا يملّ.وإنّ التجارب الإنسانية تدل بوضوح على أن البناء الأخلاقي عملٌ تراكميٌّ هادئ، لا يعرف القفز ولا يستجيب للاستعجال. لم يأتِ الإسلام بالأخلاق كإضافات تجميلية للسلوك، بل جعلها جوهر الرسالة ومقصدها الأعظم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق". [رواه أحمد وصححه الألباني]. والتمام هنا يدلّ على مسارٍ طويل، يبدأ ولا ينتهي، ويُبنى فيه الخُلُق لبنةً لبنة، كما تُبنى النفوس وتُربّى القلوب. ولهذا لم تتنزّل الأحكام دفعةً واحدة، ولم يُطالَب الجيل الأول بالكمال الأخلاقي الفوري؛ بل سارت التربية النبوية على مهل، تُقدّم الإيمان، ثم تعزّزه بالسلوك، ثم تُرسّخه بالقدوة والمتابعة. قالت عائشة رضي الله عنها: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام". [رواه البخاري]. حين تُبنى الأخلاق على مهل، تصبح جزءًا من شخصية الإنسان لا قناعًا مؤقّتًا. يصبح الصدق طبعًا، والأمانة سلوكًا تلقائيًا، والحِلم خُلقًا راسخًا. وقد لخّص النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: "إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحِلم بالتحلّم". [رواه الطبراني وحسّنه الألباني]، فالصفات والأخلاق الطيبة تُكتسب بالمداومة لا بالقفز.