عقدت مؤسسة "تراثنا للدراسات والترميم" بالتعاون مع أكاديمية الذاكرة الجزائرية وجمعية التراث والأفق الثقافي، أولى ندواتها حول التراث الجزائري الثقافي والطبيعي بالمتحف العمومي الوطني "باردو"، بمشاركة نخبة من الباحثين والمختصين في مختلف التخصصات التراثية. افتتحت الندوة بكلمة ترحيبية من طرف مدير متحف باردو زهير حريشان، ثم كلمة لمدير مؤسسة تراثنا المعماري هادف سالم، والذي أدار بدوره المحاضرات. قدّم الدكتور ياسين رابح حاجي مداخلة تحت عنوان "تهودة إرث حضاري للأجيال"، تحدّث فيها عن قرية تهودة التي تقع على بعد 6 كلم شمال سيدي عقبة ولاية بسكرة، مشيرا إلى أن هذه القرية الريفية تتميز بتلة اصطناعية مبني فوقها دشرة قديمة مبنية بالعمارة الطينية، وبجنبها آثار تسمى "الآثار الرومانية". وقال حاجي، إن من أهم الثروات الطبيعة التي تزخر بها المنطقة: الماء، الأرض الخصبة، ومواد البناء المحلية المتمثلة في الطين والتراب والجبس...، وأوضح في السياق ذاته أنّهم كخبراء بعد أن تحروا في المنطقة، وجدوا أن بالمنطقة شبكة هيدروغرافية كثيفة تتمثل في أهم الأودية وروافدها التي تتغلغل في المنطقة أهمها "الواد الأبيض" الذي يصب من جبال الأوراس، كما عاينوا وجود قنوات مائية متوازية من الشمال إلى الجنوب، ما يدل أنها أرض زراعية فلاحية غنية بالماء. كما لفت ذات المتحدث، إلى أنه تتواجد في المنطقة كل أنواع الحجارة منها البنية والدبشية والحصوية والمنحوتة، إضافة إلى الآجر والطين والتراب والجبس والرمل.. من جهة أخرى ذكر رابح حاجي أن "هذه القلعة الأثرية لفتت انتباه مجموعة من الباحثين في الجانب العسكري خاصة في الفترة الاستعمارية، ومنهم الكولونيل باراداز الذي قدمها في كتابه وصورها على أنها اكتشاف أول وأولي سنة 1984. على الرغم من أنه نقبت من طرف نقيب في الجيش الفرنسي في 1901". وأضاف "هذه القلعة لها كل مميزات القلعة التي تعود للفترة البيزنطية، من خلال أبراج الزوايا، البوابة الصغيرة الثانوية الشمالية والجنوبية من خلال تموضع الحمامات، والتي تشبه في تموضعها القلعة الموجودة في تمقاد". وفي حديثه عن كيفية التكفل بهذا الموقع الأثري، أكد الدكتور حاجي على ضرورة تسجيله في قائمة الجرد الإضافي وفقا للمواد من 08 إلى 11 التي تشرح أنظمة الحماية القانونية، إضافة إلى حماية الموقع ماديا باستعمال شتى الوسائل والإمكانات كتسييجه وفق دراسة علمية تقنية يقوم بها مكتب دراسات متخصص في مجال التراث الثقافي وكوضع حراس على الموقع مهمتهم حراسة الموقع، ومنع أي تدخل يحول دون الحفاظ وسلامة الآثار الموجودة به. وتعزيز حمايته بإدخال الكهرباء والماء إلى الموقع الأثري ومحاولة توعية سكان المنطقة المعنية بالموقع الأثري للمساهمة في الحماية الفعلية، وكذا انطلاق الأبحاث الاثارية واستمراريتها من طرف الهيئات المختصة بذلك، سواء أكانت تابعة لوزارة الثقافة أو من طرف باحثين أساتذة تابعين لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي، بهدف دراسته دراسة علمية وتكوينية لطلبة الجامعة الذين سيشرفون على القطاعين معا مستقبلا، وباستمرارية استغلاله والمحافظة عليه يتجلى ضمان التنمية المحلية المستدامة. بدورها قالت الأستاذة سعاد بنطير، إنّ "قرية تهودة عبارة عن حصن عسكري من البداية بني في الحقبة الرومانية، ونحن نعلم أن الرومان لما جاؤوا إلى شمال افريقيا، جاؤوا بفكرة التوسع وليس بفكرة نشر حضارة، لقد بنى الرومان محطات عسكرية للاستيلاء على شمال افريقيا دون أن تكون هناك أي سمات للحضارة، وبالتالي فقد بنيت هذه الحصون بأيادي الشعب الأصلي الذي كان تحت الاحتلال الروماني". وأردفت حديثها: "وبالتالي كانت هذه المنطقة في غياهب النسيان، لكن بفضل جهود الدارسين والأخصائيين استرجعت حياتها". من جهتها أوضحت الدكتورة لطيفة صاري في مداخلتها الموسومة "نظرة على تأقلم شعوب شمال أفريقيا مع أواخر العصر الجليدي المتأخر من خلال الصناعات الحجرية" أن التطورات الحديثة للأبحاث التي تستند إلى التطبيق المنهجي المعتمد، على أساليب متعددة التخصصات تشير إلى ظهور مبكر للحضارة الإيبيرومورية (23-11 ka BP)، وهي ثقافة عرفت في العديد من المواقع الرئيسية في شمال إفريقيا تزامنا مع أواخر العصر الجليدي المتأخر (LGM-Late Glacial). وأشارت المتحدثة إلى أنّ الصناعات الحجرية لهذه الثقافة تميزت بإنتاج أدوات حجرية قزمية وأسلحة حجرية صغيرة، أصبحت عنصرًا موجودًا في كل المواقع الأثرية في شمال افريقيا العائدة إلى هذه الفترة. وفي سياق متصل ذكرت صاري أنّ ظاهرة تقزيم مجموعة الأدوات، وهي ظاهرة مرتبطة بالتغيير في تقنيات واستراتيجيات الصيد المعقدة، شهدت انتشارا واسعا عند ثقافات أخرى موازية للايبيرومورية في حوض البحر الأبيض المتوسط، استجابة لتغير المناخ الذي يأتي مع العصر الجليدي المتأخر. كما أكّدت صاري أنّ الأبحاث الحالية الموجهة نحو الجمع بين العديد من المجالات مثل علم التغيرات البيئية والاقتصادية القديمة، المزدوجة مع علم الآثار التجريبي وتحليلات البصمات قد وفّرت مداخلات قيمة في معرفة أنماط تطور هذه المجتمعات البشرية خلال هذه الفترة. تمّ على هامش الندوة توقيع اتفاقية تعاون بين أكاديمية الذاكرة الجزائرية التي يترأسها الأستاذ جمال ستيتي، وجمعية التراث والأفق الثقافي التي يرأسها الأستاذ توفيق فاضل، وهيئة خبراء التراث في العالم العربي التي يديرها الاستاذ هادف سالم، الهدف منها حماية الموروث الثقافي الجزائري وإبرازه والتعريف به. وذكر رئيس أكاديمية الذاكرة الجزائرية خلال التوقيع جملة من الأنشطة التي يسعون لتحقيقها منها: التعاون في البحث العلمي والثقافي الذي هو أساس كل شيء، التعاون في تنظيم لقاءات ومحاضرات ومهرجانات تراثية ومشاريع ثقافية وعلمية، التعاون على الحفاظ على الذاكرة الوطنية من خلال إعداد بحوث ودراسات أكاديمية حول حركية المجتمع الجزائري، إحياء التراث الجزائري، الإسهام في التعريف بالبعد الحضاري، العمل على تثمين التراث الثقافي للمقاومة الجزائرية والحركة الوطنية وثورة التحرير المجيدة، العمل على تنشيط الساحة التراثية من خلال المهرجانات والنشاطات التي تقام داخل المواقع الاثرية لاستقطاب السياح من داخل الوطن وخارجه، وكذا تنظيم دورات بيداغوجية للشباب وتلاميذ الأطوار التعليمية الثلاث.