التحول البنيوي في النظام الدولي وانعكاساته الإقليمية    احذر الذهب.. الوثيقة المسرّبة    عجال يترأس اجتماعا " بحضور عدد من الإطارات المركزية بالوزارة    المشروع يشكل خطوة إستراتيجية نحو تطوير شعبة الحليب    زروقي، يوجه لضمان أداء راق للمؤسسة مع تحسين ظروف العمل    البرلمان "يضع النقاط على الحروف" في مسألة تجريم الاستعمار الفرنسي    المناسبة تمثل فرصة لاستذكار تضحيات شهداء الجزائر    الوزارة تجسد قيم التضامن والتكافل التي تحرص على ترسيخها    80ألف فلسطيني يؤدون صلاة الجمعة    نحو تقييم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية في طوفان الأقصى ج2    مقاصد رمضان تتعارض مع مظاهر التبذير والتفاخر في الموائد والإنفاق"    حجز قرابة 3 كيلوغرام من الكيف المعالج بمعسكر    تسخر "موارد مادية وبشرية معتبرة, قوامها 4500 عامل    عزوز ناصري : الجزائر لا تقايض ذاكرتها ولا سيادتها بأي مقابل مادي    مراد عجال يترأس اجتماعا لتقييم مشاريع "سونلغاز" والتحضير لصيف 2026    تلاميذ من قسنطينة يتوجون بالمرتبة الأولى عربيا في الأسبوع العربي للبرمجة    المسرح الوطني الجزائري يطلق "ليالي رمضان" ببرنامج فني متنوع    هذه تفاصيل إجراء تقييم مكتسبات التعليم الابتدائي    الجزائر نيامي.. التقارب ينزل إلى الميدان    بوداوي محل اهتمام أولمبيك مارسيليا    عوار ومحرز ضمن التشكيلة المثالية لمرحلة المجموعات    اللجنة متساوية الأعضاء تشرع في معالجة الخلاف حول قانون المرور    تحذيرات أممية من تطهير عرقي في غزة والضفة الغربية    الاحتقان الشعبي يحاصر نظام المخزن من كل الجهات    أسعار تنافسية وتنوّع كبير في المنتجات    النشاط في رمضان ضرورة صحية    "أبو عائشة" حارس النكهة الجزائرية الضاربة في التاريخ    الاحتلال المغربي يواصل نهب ثروات الشعب الصحراوي    إبراهيم مازة يساهم في الفوز خارج الديار على أولمبياكوس (2-0)    "فاطمة" جعفر قاسم.. رحلة إلى بهجة القرن التاسع عشر    يوم دراسي بالقليعة حول تكريس الأمازيغية في منظومة العدالة الوطنية    أداؤها في البيت أفضل وعمارة المسجد أولى    ترسيخ ثقافة الجودة والتميّز بجامعة التكوين المتواصل    ترقية التبادلات الاقتصادية بين الجزائر والسعودية    متابعة مستمرة لتحسين جودة الحياة الجامعية    اجتماع تنسيقي لمتابعة تموين السوق الوطنية    فانوس رمضان.. حكاية عمرها مئات السنين    ثقافة مكتسبة أم اهتزاز لثقة المتنمر؟    الرائد في تنقّل صعب إلى وهران    تكريم الأسرة الثورية وتدشين مشاريع تنموية    استيراد مليون رأس غنم على طاولة الحكومة    انطلاق أشغال اللجنة المكلّفة بدراسة الترشحات    الوزير الأول، غريب، يترأس اجتماعًا للحكومة لدراسة العديد من المشاريع    حفلات موسيقية متنوّعة للجمهور العاصمي    نوال زعتر في "مريومة ونسومة"    أشهر المعارك والغزوات في شهر رمضان    النية في الصيام والاشتراط فيه    بوعمامة يحثّ على احترام خصوصيات رمضان    يوم تصرخ الحجارة كالنساء    العفو عند المقدرة    التوعية للحد من استعمال المضادات الحيوية    يانيس ماسولين يحرز هدفاً جميلاً في إيطاليا    قويدري، يترأس اجتماعا ضم 22 عضوا من خبراء وممثلين وزاريين    الاتحاد في الصدارة    حج 2026:الديوان الوطني للحج يدعو إلى الإسراع في إتمام عملية دفع تكلفة الحج    وزير الصحة يجتمع بالنقابة الوطنية للصيادلة الخواص    رابطة الأبطال : مولودية الجزائر تراهن على العودة بالتأهل من جنوب افريقيا    كأس الكونفدرالية الافريقية /الجولة السادسة والأخيرة/ : اتحاد الجزائر وشباب بلوزداد للحفاظ على الصدارة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ستة و ستون سنة بعد صدور «الدرجة الصفر في الكتابة» لرولان بارث
نشر في الجمهورية يوم 21 - 10 - 2019


- تكريما للصديق الأستاذ سعيد بوطاجين
ظهرت كتابات " رولان بارث" المتعددة والمتنوعة في ظروف متميزة بالزخم الفكري والتفاعل السياسي الكبير، ومنها كتابه الشهير "الدرجة الصفر في الكتابة" سنة 1953، وهو الكتاب الفاتن والساحر بلغته وجمال طرحه للأفكار والقضايا.
يأتي كتاب "الدرجة الصفر" ليعيد النقاش حول الكتابة الأدبية، بوصفها ممارسة تعبيرية تضع اللغة والشكل والأسلوب ضمن علاقات متداخلة مع المجتمع و مع التصورات الفكرية للمرحلة السوسيو- سياسية، إلى صلب النقاش حول مكانة الأدب في عملية التحول التاريخي. كان النقد الأدبي قبل كتاب "الدرجة الصفر" يركز على النزعة الاجتماعية والتاريخية للنص (المذهب اللانصوني- نسبة إلى قوستاف لانصون- و المذهب الماركسي)، بعيدا عن النزعة النصية التي رأت في النص موضوعا شاملا.
وفي ذات الوقت، يحاول "لوسيان قولدمان" الانفراد بطرح جديد للعملية الأدبية بالاستفادة من البنيوية السوسيرية في معالجة النص الأدبي، في مسعى للجمع بين النظرة الاجتماعية والمعالجة الفنية. و مع ذلك لم تلتفت جل هذه الطروحات النقدية إلى استقلالية النص الأدبي عن المجتمع و عن التاريخ. و لم يكن "النقد الأنجلوساكسوني الجديد" آنذاك ببعيد عن نقضه للتوجهات "النفسية" التي تنطلق من التجربة الشخصية للأديب ولوجهة نظره المفترضة، في معالجة النص.
و هنا يتدخل رولان بارث لا يقف مناقضا للمقاربة السوسيولوجية للأدب، وإنما ليعيد طرح السؤال من جديد و يمعن النظر في الملاءمة النقدية التي تميز هذه المقاربة، و يجتهد بالتالي في التطرق للبنيات الدلالية للنص المتنوعة، أي التعددية الدلالية التي تميزها والتي تشكل النص الأدبي. وهو المنحى لما سيسمى آنذاك ب«النقد الجديد"، أي النقد النفسي ل«شارل مورون" و النقد الموضوعاتي ل«جان-بيار ريشارد" و البنيوية التكوينية ل«لوسيان قولدمان" و أخيرا سميولوجية "رولان بارث". هذا الاندفاع النقدي لن يمر دون ترك أثاره المزلزلة للأوساط الجامعية التقليدية و المحافظة التي انبرت للتوبيخ و التعنيف اللفظي بهذا "الاحتيال النقدي الجديد" والذي يمثله هذا الدراسات الوافدة على الساحة الثقافية الفرنسية وبخاصة على يد الأكاديمي المحافظ "ريموند بيكار". و قد كان الرد قاسيا من قبل رولان بارث الذي فكك طروحات هذا التوجه النقدي و حطم أسسها النظرية، و دعمه في هذا المسعى الناقد "سيرج دوبروفسكي" بكتاب هام حول الموضوع.
فالكتابة عند رولان بارث هي" واقع شكلي مستقل عن اللغة، التي هي اتفاق مفروض بحكم المرحلة و بقوة المكان، و بواسطة الأسلوب، و الكل مستوحى من أعماق الجسد ومن نفسية الكاتب". و هنا يملك الكاتب المسؤولية – وفق الطرح السارتري – نسبة إلى جان بول ساتر- للجمع بين اللغة و الأسلوب في عملية تركيبية تنتج كتابة شخصية تبرز بوصفها أدبا. و الصفر الذي يعنيه رولان بارث هو ذلك "التحييد" الذي يفرضه طرف ثالث بين طرفي التناقض الدلالي و يمثل "الصفر" استعارة لسانية وظفها هذا المفكر لمعالجة الكثير من النصوص، وبخاصة رواية "الغريب" لصاحبها "ألبير كامي"، و هي "كتابة جديدة حيادية تقف وسط تلك الأصوات و تلك الأحكام، دون المشاركة و الاتفاق مع أي واحدة منهما، ولتتشكل من غيابهما". إنه الطموح المعرفي الكبير الذي يميز كتاب "الدرجة الصفر" الذي نجده يتموقع في سياق أيديولوجي و جمالي ينسجم مع تلك المرحلة التاريخية، الهدف منه تجديد كتابة تاريخ الأدب بوصفها تاريخا "لأشكال الكتابة" من خلال معالجة "اللغة" باعتبارها مؤسسة قديمة وملكية جماعية للمجتمع، و "الأسلوب" لكونه ممارسة فردية و شبه فيزيولوجية، أي مرتبطة بجسد المؤلف. و هنا يقف مؤلف النصوص الأدبية موقفا من التاريخ و من المجتمع الذي ينتمي إليه، فيضيف أشياء جديدة تميزه و تفصح عن انتمائه و عن التزامه بالكتابة. فالجزء الأول من "الدرجة الصفر"، هو جزء نظري يدحض فيه "بارث" الكثير من التصورات الخاطئة عن العلاقة بين اللغة و العالم أو الواقع، كما يحلل مختلف طرق و أشكال الكتابة التي أثارت الجدل القوي في تلك الفترة، كما خصص الجزء الثاني لمعالجة نصوص أدبية، لكل من "فلوبير" و "رامبو" و "ملارميه" وغيرهم، ليفتح الطريق أمام مقاربات جديدة للنص الأدبي تنير طريق البحث عن الحقيقية من خلال الكتابة الأدبية.و لعل بطرحه لموضوع الكتابة و في هذا الإطار و في التوجه يعيد "بارث" للنقد الأدبي مكانة كان يفتقد إليها و يخرجه من الصراع القائم بين نظرية الأدب والحس المشترك الذي كان يؤكد على الأدب بوصفه جوهرا و على سلطة المؤلف- دون غيره- والذي كان يمنح المعنى للنص و على العالم موضوعا للعمل الأدبي، إلى غير ذلك من الأفكار الرائجة لدى النقد التقليدي، كما أشار إلى ذلك "أنطوان كومبانيون" في كتابه "شيطان النظرية".
فكتاب "الدرجة الصفر" أرخ لمرحلة نقدية جديدة تلت الحرب الثانية المدمرة و فتح أفاقا للمقاربات السيميولوجية و لتحليل الخطاب فيما بعد و هي مقاربات جعلت من العلامة تحتل الصدارة في صلب الكتابة الأدبية والفعل التأويلي لها. و من هنا أهمية "الدرجة الصفر" في كل ما لحق من تجديد نقدي و هو ثورة فعلا على النقد التقليدي، و من هنا أهميته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.