يحتاج المحامون إلى مساعدين وكُتّاب يسهرون على متابعة الملفات والقيام بالإجراءات الإدارية اللازمة في القضايا المختلفة التي يتكفل بها المحامي، ويواجه الكُتّاب في أعمالهم اليومية صعوبات عديدة، منها ما يتعلق بطبيعة العمل، ومنها ما يتعلق بشروط رب العمل. ورغم ذلك، تبقى هذه الفئة غير ممثلة رسميا في إطار لجان تسهر على حفظ حقوق الكُتّاب. يحضّرون الملفات والقضايا وينظفون المكاتب 100 ألف كاتب تحت سيطرة المحامين حسب العديد من أهل المجال، فإن الوضعية المزرية لهذه المهنة أدت إلى عزوف الشباب والشابات عن طلبها، في حين يقتصر بقاء الكُتّاب في مكاتب المحاماة لفترات وجيزة، تنتهي بعثور الكاتب على وظيفة أحسن، في حين لا يستطيع آخرون تحمّل أوضاع العمل، ويختارون التوجه إلى مهن أخرى، حتى لو كانت دون مستواهم العلمي. وفي الموضوع، تقول ''نسرين. س. أ'' إنها لم تجد بعد تخرّجها من الجامعة وظيفة مناسبة تبدأ منها رحلتها في عالم الشغل، ما اضطرها لقبول العمل في مكتب للمحاماة ببلدية بئر خادم بالعاصمة، أرشدتها زميلتها إليه. وحسب محدثتنا، فقد صدمت بالواقع الذي جاء منافيا لكل تصوّراتها في مهنة محترمة، تمكّنها من تحقيق طموحاتها. فبالإضافة إلى الأجر الزهيد الذي لا يتعدى 9000 دينار، قالت نسرين إن صاحب المكتب حاول استخدامها لأغراض التنظيف وترتيب المكتب، وتحضير الشاي والقهوة للضيوف، وهو ما رفضته بحكم أنه لا يندرج ضمن مهامها ككاتبة. من جانبه، أكد ''أحمد. ش'' أنه زاول مهنة الكتابة لدى محام بالعاصمة لمدة تزيد عن 6 أشهر، إلا أنه لم يتمكن من المواصلة، نظرا للأجر الزهيد الذي كان يتقاضاه مقابل عمل متعب يزيد عن 8 ساعات في اليوم، والتنقل بين المحاكم ومكاتب التوثيق والمحامين، دون توفر التأمين أو تكاليف التنقل، وهو ما دفعه، يضيف محدثنا، إلى ترك العمل ككاتب للمحامي، والتوجه إلى مخبزة أحد أقاربه ببلدية القبة، والتي يمارس بها عمله اليوم، ويتقاضى أجرا يزيد عن 35 ألف دينار شهريا، ويستفيد من تأمين ومنح خلال المناسبات. وحسب متتبعين للقطاع، فإن الكاتب ينظم نشاط المحامي، ويكتب العرائض على الآلة الراقنة أو الكومبيوتر، كما ينظم ملفات وقضايا الأسبوع، وينظم الجلسات داخل المكتب، ويكلف بالتعامل مع الزبائن وتنظيم لقاءاتهم مع المحامي، كما يحدّد لهم المواعيد ويستقبل الزوّار ويكلف بفتح وغلق المكتب. فيما يكلف محامون آخرون كُتّابهم بنقل العرائض للمحكمة في بعض القضايا المدنية ومهام استخراج الأحكام، كما يأخذ الكاتب المعلومات على القضايا السارية من المجلس، ويقوم بإنابات قضائية إذا كان المحامي مشغولا في جهة أخرى، و''تكون أعماله غالبا خارج المكتب''.وتعدّ كتابة المحامين من بين المهن التي لا تثير انتباه الكثيرين إليها، إلا أنها تشكل مطلبا هاما بالنسبة لفئة الخرّيجين ممن يبحثون عن ولوج عالم الشغل بأبسط الشروط، وتوفير مصاريف فترة، يعتبرها أغلب الكُتّاب ممن التقيناهم ''انتقالية''. دخلاء على المهنة مسؤولون عن الوضع أكد المحامي ''س.ع'' أن الإقبال على مهنة كاتب المحامي قلّ كثيرا في السنوات الأخيرة، للصعوبات التي تواجهها هذه الفئة في الميدان، حيث لم يبق الشباب يبحث عن الاستقرار فيها كمهنة، حسب محدثنا، الذي أشار إلى أن غلاء المعيشة وبقاء أجرة الكاتب كما هي، منذ سنوات، لم تشجع فئة الشباب على الاستقرار فيها، حيث بات أجر الكاتب في غير مستوى قدراته الشرائية، على عكس سنوات الثمانينيات والتسعينيات. وقال المحامي، الذي رفض ذكر اسمه لاعتبارات قال إنها تخص ''العمل النقابي''، أن الإقبال على هذه المهنة أصبح يقتصر على الفتيات اللواتي يوظفن مباشرة عن طريق المحامي، أو عن طريق وكالات التشغيل، واللواتي يمكثن، حسبه، لفترة وجيزة تتراوح من شهرين إلى سنة، وأضاف أن المهنة تبقى غير مستقرة، لكون مداخيلها ضعيفة جدا، بالمقارنة مع تطوّرات الأوضاع الاقتصادية في البلاد، مبرزا أن أجر هذه الفئة لا يتعدّى 18 ألف دينار، ولا يقلّ عن 8000 دينار، في الوقت الذي يقدّر فيه أجر المحامي بضعف المبلغ، حيث يتقاضى أزيد من 30 ألف دينار في قضية واحدة بسيطة. ومن جانب آخر، أكدت المحامية ''ق. فايزة'' أن العمل المخصص لهذه الفئة تناقص، بفعل انتشار التكنولوجيات الحديثة التي سهّلت على المحامين كتابة عرائضهم والقيام بالأعمال المكتبية بأنفسهم، في ظل تطوّرات الهواتف والكمبيوترات المحمولة، وشبكات التواصل الاجتماعي والاتصال التي قلصت مهامهم، وقالت إن الأجر الذي يتقاضاه الكاتب يكون حسب قدرات المحامي على الدفع ومستوى مكتب المحاماة الذي يعمل فيه الكاتب، بالإضافة إلى الوقت الذي يلتزم فيه الكاتب بالعمل، حيث أوضحت أن كاتب المحامي غير مقيّد بالوقت، إذ تباشر هذه الفئة عملها في حدود الساعة 10 صباحا فما فوق، ويحدّد تواجدهم بالمكتب بطبيعة العمل الذي غالبا ما يكون في الفترات المسائية. وكشفت في سياق حديثها أن الطلب على عمل الكتابة تناقص بحوالي 60 من المائة ''فيما تبقت نسبة قليلة من المتخرّجين الذين يوظفون عن طريق وكالات التشغيل''. وأسرّت لنا ذات المحامية أن فئة هامة من الكتاب لا يستفيدون من تأمين، حيث يرفض بعض المحامين التصريح بعدد الكُتّاب لديهم لدى مصالح الضمان الاجتماعي، بسبب أن أغلبيتهم يمارسون المهام بصفة مؤقتة، ما يجعل المحامي متحفظا على القيام بالإجراءات اللازمة للتصريح بهم لدى اتحاد العمال أو مصالح الضمان الاجتماعي. بورتريه لطفي صاحب خبرة 7 سنوات في القطاع يكشف ل''الخبر'' لست مستعدا لخسارة مهنتي رغم سلبياتها بتحفظ وحذر شديد، وافق ''لطفي. ر''، 35 سنة، على سرد معاناته مع المهنة التي مارسها لمدة 7 سنوات كاملة، منذ أن اضطرته الأوضاع الاجتماعية التي يمرّ بها، وعدم توفر الوظائف المناسبة للشهادة التي تحصل عليها. وقال لطفي في حديثه لنا ''لا أمانع عن الحديث عن متاعب هذه المهنة وطبيعتها، لكنني غير مستعد لخسارة المهنة، رغم سلبياتها''. انطلق لطفي بعد تخرّجه وسنه لا يتجاوز ال24 سنة، في البحث عن وظيفة مناسبة إلى غاية بلوغه سن ال29، حيث اكتفى طيلة الفترة بالقيام بأعمال متفرقة وجمع مصاريف اليوم فقط. وأكد محدثنا أن عثوره على وظيفة لدى محام بالعاصمة كان بمثابة لحظة الفرج بالنسبة له، قبل أن يدخل دهاليز المهنة ويتعرّف على متاعبها التي بات مجبرا على تحمّلها. ويرى لطفي أن وظيفة كتابة المحامين لم تعد كما في السابق، بعد تزايد عدد مكاتب المحاماة، وتوجيه معظم الخرّيجين من الجامعات إليها، وقال إن مستوى الكاتب بات مهدّدا بعد الإجحاف الذي يعانيه من طرف أرباب عمله من المحامين، خاصة أن الرقابة من طرف الجهات المعنية على مكاتب المحاماة غير متوفرة يقول، ما يتيح للعديد منه مخالفة القانون وتوظيف كُتّاب بغير تأمين، حيث أكد أن العديد من الكُتّاب الجدد الذين أدرجوا في العمل بنفس المكتب الذي يعمل به، غير مؤمّنين ويستغلون للمساعدة في مهام خارج وظيفة كاتب المحامي الذي ينبغي ''أن تكون داخل المكتب وليس خارجه''. وقال إن أجره بعد 7 سنوات عمل لا يتعدى 25 ألف دج، وهو أجر لا يكفي لسدّ متطلباته، خاصة أنه في سن الإقبال على الزواج وتأسيس بيت، وهو الأمر الذي يشكل بالنسبة للطفي ''حلما'' قد لا يتحقق إلا بعد سنوات أخرى من الشقاء. ودعا المتحدث الكُتّاب إلى تكوين لجنة خاصة تدافع عن حقوقهم، في ظل اللامبالاة من طرف أرباب العمل وغياب الرقابة من طرف الوصاية، وقال إن هذا الوضع ستكون له عواقب وخيمة مستقبلا، نظرا لانتشار حالات ظلم وطرد تعسفي وتجاوزات من طرف من وصفهم ب''أشباه المحامين''. شاهد من أهلها نقيب الاتحاد الوطني للمحامين مصطفى الأنور ل''الخبر'' 100 ألف كاتب بحاجة لتنظيم يدافع عنهم أفاد رئيس الاتحاد الوطني للمحامين، مصطفى الأنور، أن عدد الكُتّاب يزيد عن 100 ألف كاتب ومساعد، على اعتبار أن عدد المحامين يقدّر ب40 ألف محام عبر التراب الوطني، وأن كل محام يوظف أكثر من كاتبين أو ثلاثة كُتّاب. وأوضح النقيب مصطفى، في تصريح ل''الخبر''، أن العدد يكون غالبا حسب القدرات المادية للمحامي واحتياجاته في المكتب، حيث يوجد من المحامين من يستلمون قضايا هامة تتطلب المتابعة والعمل المكثف، فيما توجد فئة من المحامين المهتمين بالقضايا البسيطة، والتي لا تتطلب عملا كبيرا في المكتب، وهو ما يشير إلى أن مستوى مكتب المحاماة أيضا يحدّد عدد الكُتّاب المستخدمين فيه. وأشار محدثنا إلى أن قضية التشغيل عبر وكالات ''لانام'' جعلت كل مكاتب المحامين يوظفون متخرّجا فأكثر، وأردف أن الظروف المهنية التي يزاولون ضمنها مهامهم ''فيها ما يقال'' بالنظر إلى أجرهم القليل، حيث أكد أن مهنة المحاماة شريفة، وخلقت للمساعدة والخدمات الإنسانية وليس التجارة، لكن مع تطور الزمن ''جاء بعض الدخلاء على المهنة'' الذين يسمحون لأنفسهم بأخذ حقوق مستخدميهم، وعدم التصريح بالكُتّاب الذين يزاولون وظائفهم في مكاتبهم لدى اتحاد العمال أو مصالح الضمان الاجتماعي، حيث شدّد النقيب على أن الكُتّاب قادرون على انتهاج الطرق القانونية اللازمة لأخذ حقوقهم من أرباب عملهم، في حال ثبتت محاولات تسخيرهم في أعمال لا تناسب مهنتهم أو لا تندرج في إطارها، أو عدم تمكينهم من حقوقهم في التأمين على الأمراض وحوادث العمل والأجر والمنح والتعويضات وغيرها، وأضاف ''قانون العمل واضح في تنظيم العلاقة بين العامل ورب العمل''. وعن مطالب الفئة، أكد النقيب أنها مشروعة، ووجه الكُتّاب إلى تنظيم أنفسهم في إطار لجنة تهتم بمتابعة انشغالهم لدى الجهات المعنية بالأمر، وأضاف أنه ''لا توجد رقابة في مكاتب المحاماة بين المحامي وكاتبه''، رغم كونها ''مهنة متعبة، بالنظر إلى ظروف ممارستها''. وعن الأجر الممنوح لهم، أفاد مصطفى الأنور أن الكُتّاب يتقاضون من 7000 دينار إلى 18 ألف دينار، في حين يعتمد بعض المحامين على وكالات التشغيل التي تدفع أجر 15 ألف دينار، ويضيفون لأجورهم منحا تتراوح بين 4000 و7000 دينار، ما يسمح ببلوغ أجورهم 22 ألف دينار، فيما يعتمد محامون آخرون على وكالات التشغيل فقط في دفع أجر الكاتب، ويكتفي بتعويض العامل عن مصاريف التنقل والهاتف فقط. وفي هذا السياق، قال النقيب إن الكاتب يعتبر وفقا للقانون عاملا أجيرا خاضعا لقانون العمل، وينظم مع مهنة المحاماة، وهو ما يجبر المحامي قانونا على منح الكاتب بطاقات توضح انتماءهم لمكتب المحامي، وتسجل في النقابة التابعة للمجلس.