توقيف 43 شخصا وتفكيك شبكة تتاجر بالقطع الأثرية    وزير الخارجية الفرنسي : "نريد فتح صفحة جديدة مع الجزائر"    وفاة أحمد بن نعوم مؤسس المجمع الإعلامي “الرأي”    شيتور يدعو إلى التكفل الآني بالمطالب المشروعة للطلبة    رئيس الجمهورية يستقبل وزير الخارجية الفرنسي جون ايف لودريون    أكثر من 4ر6 مليون سيارة في 2018 بالحظيرة الوطنية للسيارات    تراجع أسعار النفط    رزيق: نحو إعداد بطاقية وطنية خاصة بالمنتجات المصنعة وطنيا    قريبا.. شركات حراسة خاصة بالمستشفيات    عبد القادر الطالب عمر: على الاتحاد الافريقي الاخذ بعين الاعتبار الممارسات المغربية الخطيرة    فرنسا.. تسهيلات لفئات من الجزائريين في منح التأشيرة    مجموعة في المتناول للخضر في تصفيات كأس العالم    وفاة 35 شخصا وإصابة 1121 بجروح في حوادث المرور خلال أسبوع    أغرب استقالة .. !    رسميًا.. نيوكاسل يعيد بن طالب للبريميرليغ    توفر الاعتمادات المالية يمنح نفسا جديدا للمشاريع الخاصة بالطبعة ال19    مسار تأليف الحكومة في لبنان يصطدم بعراقيل جديدة    أولمبي الشلف تتعادل مع اتحاد الجزائر (0-0)    صلاح العبد بصلاح القلب    ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ؟    جاهد نفسك ترزق سبل الهداية    إيليزي: وصول المساعدات الإنسانية الموجهة إلى ليبيا إلى مطار عين أميناس    رزيق: "إطلاق مساحات تجارية كبرى سنة 2020"    غانم يوقع 3 سنوات في شباب بلوزداد    أساتذة التعليم الابتدائي يدعون إلى فتح حوار    وزارة الصحة تعتمد مخططا استعجاليا يستجيب لتطلعات المواطنين على المدى القصير    نحو القضاء على مشكل المضاربة في أسعار حليب الأكياس المدعمة في "ظرف أسبوع"    توقيف 43 شخصا وضبط 5 شاحنات و5 مركبات رباعية الدفع بأقصى الجنوب    وضع مير الطارف ومنتخبين بمجلسه تحت الرقابة القضائية    الرئيس تبون يجري غدا الاربعاء مقابلة صحفية مع عدد من مدراء ومسؤولي مؤسسات اعلامية    تكريم المجاهدة جميلة بوحيرد في تظاهرة أفلام المقاومة بتونس    مزيان يوقع 3 سنوات ونصف في الترجي التونسي    عماري يناقش إنشاء التعاونيات مع ممثلي الغرف الفلاحية    توقع إنتاج نحو 140 ألف قنطار من بطاطا آخر الموسم في غرداية    ربط قرابة 300 مسكن بشبكة الغاز الطبيعي ببلدية واريزان في غليزان    ترحيل 153 عائلة إلى سكنات جديدة في وهران    جيجل: العثور على جثة طالب جامعي في حالة متقدمة من التعفن في غرفته بالإقامة الجامعية تاسوست 4    نشرية خاصة : هبوب رياح قوية بعدة ولايات شرق وجنوب شرق الوطن    ترامب أمام مجلس الشيوخ بتهمة إساءة استخدام السلطة    الجزائر والأزمة اليبية..استعادة المبادرة    حكومة الوفاق تثمن دعوة الجزائر لحوار يجمع الفرقاء الليبيين    موسم الحج 2020: رفع حصة الجزائر إلى 41 ألف و 300 حاج    سكن: إجراء تحقيقات حول عيوب الانجاز    جثمان الفنانة لبنى بلقاسمي يوارى الثرى بمقبرة بوزوران بباتنة    الصحة العلمية تعقد اجتماعا طارئا لمواجهة فيروس"كورونا"    تم تصويره بوهران    لجمع النفايات المنزلية بورقلة    بطولة إفريقيا على المضمار    الدورة الدولية‮ ‬أحمت‮ - ‬كومارت‮ ‬للملاكمة    مدير مستشفى بأدرار يستقيل من منصبه تطبيقا لآية قرآنية!    سيدة مصرية توقف السيسي‮ ‬في‮ ‬ألمانيا    بلمهدي في زيارة رسمية إلى السعودية    خريجو الصيدلة يطالبون باعتمادات لفتح صيدليات    الموسيقى والاستمرار في فعل التخييل    معرض للرسام "نور الدين شقران" بالجزائر العاصمة هذا السبت    الناقدون يثمنون جمالية العرض وطريقة المعالجة الدرامية    المالوف في الحفظ والصون وعلى السلطات الاهتمام أكثر بالفنان    ميلاد مؤسسة الإمام الهواري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سارغي مان قصة رسام كفيف
يعتمد على اللمس والذاكرة لرسم لوحاته
نشر في المساء يوم 14 - 04 - 2019


* email
* facebook
* twitter
* google+
في المعرض الذي استضافته قاعة المدرسة الملكية للرسم "رويال دروينغ سكول" في لندن، للرسام البريطاني الراحل سارغي مان، تجد نفسك في فضاء حميم يشع بالألوان ويفيض ببهجة الضوء، لكنك لن تصدق أن من يقف وراء هذا الإبداع يعيش في ظلام مطبق ولا يرى غير العتمة بعد أن فقد بصره.
لقد نجح مان في أن يستبدل البصر بالبصيرة، ويبدد العتمة التي نزلت على عينيه باستعادة أشكال من أحبهم من ذاكرته، وسط مناظر طافحة بالحميمية والألفة العائلية والألوان المبهجة، نقلها عبر تلك الحساسية المفرطة للجمال في الطبيعة التي ميزت أعماله.
لقد زحفت العتمة تدريجيا على عالم مان بعد مرض أَلمَ بعينيه في الثلاثينيات من عمره، حتى أطبقت عليه كليا ليفقد بصره نهائيا في السنوات الخمس الأخيرة من عمره (توفي في عام 2015)، وقد كرس هذا المعرض للوحاته التي رسمها في هذه السنوات فقط، أي في مرحلة العمى التام.
على العكس من الظلام الذي يطبق على عيني مان، نرى في لوحات المعرض فيضا من الضوء يشع من نوافذ أو أبواب لينير غرفا وفضاءات هندسية محددة، تحتشد بشخصيات من عائلته وأصدقائه رسمهم بحميمية واضحة، وسط كرنفال لوني مشع.
الرسم باللمس
عرف مان، المولود عام 1937، برسم المناظر الطبيعية والبروتريه أحيانا، وقد أقام معرضه الشخصي الأول في لندن عام 1963، كما عمل مدرسا للرسم بعد تخرجه من كلية كامبرويل للفنون في مطلع الستينيات، مركزا في دروسه لطلبته وبحثه الجمالي، على دراسة القوة التحويلية للضوء واللون والعلاقة بينهما.
بدأت مشكلة الإبصار مع مان، وهو في أوج عطائه عام 1973، عندما أصيب بالسّاد (الماء الأبيض أو إعتام عدسة العين)، أعقبته إصابته بانفصال الشبكية في كلتا عينيه، الأمر الذي انتهى بفقدانه القدرة على الإبصار نهائيا.
خلال فقدان البصر التدريجي، حرص مان على مواصلة الرسم بتطوير تقنيات تساعده في عمله، كتحوير عدسات تيلسكوب تساعده في تكبير الصور، حتى انتهى بعد عماه إلى الاعتماد على حاسة اللمس واستخدام عجينة لاصقة وأربطة مطاطية لتحديد حدود الأشكال التي يريد رسمها على قماشة اللوحة.
طور مان، في تحديه لمحنته تلك، إستراتيجية لمواصلة إبداعه الفني لم تتوقف عند تلك التقنيات الحسية القائمة على اللمس، بل زاوجها مع الاعتماد على عمليات إدراكية ومعرفية لخلق صوره الفنية، معتمدا على الذاكرة "التي يصفها بأنها "رافقتني كنوع من التميمة"، فباتت الذاكرة والخيال والحدس متممات الرؤية لديه وأدواته في خلق أشكاله الفنية.
حرية العمى
على الرغم من ضعف بصره، ظل مان يقوم برحلات لمواصلة ولعه برسم المناظر الطبيعية، ويصف في شهادة نشرها موقع "بي بي سي" عام 2015، تجربته في الرسم في هذه الرحلات بقوله "أفضل دائما الرسم في الضوء الساطع، ومنذ ذلك حتى عماي التام في عام 2005، ذهبنا مرات عديدة إلى إيطاليا وفرنسا، كما ذهبت إلى البرتغال وجنوب الهند مع أختي. في الهند والبرتغال، وفي بعض الأحيان في إيطاليا، حدث أن قضيت اليوم الأول في غرفة مظلمة رفقة نوع من الحمى، لكن دماغي ظل متكيفا مع مستويات الضوء الأكثر إشعاعا في المحيط الخارجي، وفي اليوم الثاني، ذهبت لأكتشف عالما جميلا مختلفا ومدهشا بإشراق ضوء جديد".
لم تكن خيارات مان الأعمى بعيدة عن بحثه الجمالي وخلاصاته الفنية وتأثراته طوال حياته عندما كان رساما مبصرا، إذ عشق لوحات الرسامين الفرنسيين بيار بونار وكلود مونيه، ووصف الأخير في شهادته بأنه كان مثله يعاني من اعتام في عدسة العين، يجعل الأشياء تبدو من خلال غلالة من اللون الأصفر - البني، بيد أن تعلق مان ببونار وأسلوبه في الرسم من الذاكرة وليس من المشاهدة المباشرة، منحه إحساسا خاصا بالفضاء، ساعده كثيرا في الرسم أثناء محنة عماه.
ترجع علاقة مان ببونار (يستضيف متحف التيت للفن الحديث أكبر معرض استعادي له في العاصمة البريطانية حاليا)، إلى مشاهدته أعماله في المعرض الاستعادي الذي أقيم في الأكاديمية الملكية للفنون بلندن عام 1966، وعمل لاحقا قيما مشاركا في إعداد معرض له في غاليري هيوارد بلندن عام 1994.
لقد انجذب مان ليس إلى حرية بونار واستخدامه الإبداعي المميز للون فحسب، بل إلى معالجته للمكان، ونزعته التصميمة المميزة في توزيع كتله وأشكاله في فضاء اللوحة، لاسيما تلك الزوايا الواسعة التي ينظر فيها إلى موضوع لوحته، التي تسمح له بتوسيع حقل الرؤية للنظر إلى العديد من التفاصيل الهامشية في المحيط وضمها في إطار لوحته.
لقد فقد مان قدرة الإبصار، وليس ثمة كارثة بالنسبة لرسام أكبر من تلك التي تفقده أداته الرئيسية في رؤية العالم وتمثيله وعكسه في أعماله الفنية، لكنه اختار التحدي وتجاوز محنته بقوة البصيرة، ليترك لنا كل هذا الجمال في لوحاته، فضلا عن مناقشته النظرية للتجربة الفنية والأسلوب من موقع لم يتوفر لغيره أبدا، هو موقع الرائي الأعمى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.