قبل 49 عاما كانت فكرة استغلال منجم غار جبيلات مجرد خيال بالنسبة للرئيس الراحل هوراي بومدين، لكن بالأمس، تجسد هذا الحلم الذي قطع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، عهدا على نفسه لتحقيقه، ومن المفارقة أن يصادف ذلك شهر فيفري المقرون بحدث كبير للجزائر يرتبط بتأميم المحروقات، ليتعزز بذلك رصيد شهر الانجازات بانتصارات اقتصادية هامة تكرس السيادة الوطنية. لم يكن إعطاء إشارة انطلاق استغلال المنجم و تدشين خط السكة الحديدية المنجمي الغربي غارا جبيلات- تندوف- بشار، مجرد حدث عادي مرتبط برفع التحديات التنموية للبلاد في مرحلة ما بعد الاستقلال، بل رسالة واضحة أرادها رئيس الجمهورية، أن يتمعن الجميع في بعدها التاريخي العميق وفاء لذاكرة الشهداء الذين كانوا يحلمون بجزائر مزدهرة، قوية ومتماسكة. فتجسيد هذا العملاق الذي استيقظ أخيرا من سباته، يعكس الإرادة القوية في تحويل المعجزة إلى حقيقة بائنة للعيان، بعد محاولات مترددة حالت دون الاقتراب من مشروع ضخم، كونه يختلف ببساطة عن بقية المشاريع التي تختزن كنوز يسهل الحصول عليها، لكن "العملاق" أراد أن يكون مختلفا وذو قيمة يفيض بعطائه لمن يستحق ولمن يفقه معنى الجد والكد. يمكن أن نفهم ذلك من كلمة رئيس الجمهورية، خلال إشرافه على تدشين المشروع، عندما قال إن هذا اليوم هو "لحظة نقف فيها على خطوة من خطوات تجسيد إنجاز وطني استراتيجي تاريخي كان دائما يذكر على أنه حلم بعيد المنال"، غير أن هذا المشروع تجسد والحمد لله "استلهاما من الروح الوطنية الدافعة التي حركت ضمائر أسلافنا وأمدتهم القوة في مواجهة الاستعمار الغاصب". ويترجم فخر رئيس الجمهورية، برفع هذا التحدي على أنه وصية لروح الشهداء، بل اعتبر إرثهم قادر على تحقيق النّصر في معركة التنمية، في رسالة واضحة للجيل الحالي والأجيال القادمة بضرورة اقتفاء أثر السلف الذين تغلّبوا على أعتى قوة استعمارية في العالم، بفضل إرادتهم القوية وتضحياتهم الجسام. هذا الانجاز الذي طوى الزمن بتجسيده في ظرف قياسي لم يتجاوز 20 شهرا، يحمل أكثر من دلالة مفادها أن الفرد الجزائري يمكنه رفع الصعاب، فإنجازه تم "بإرادة جزائرية وتمويل جزائري وإطارات جزائرية مع الأصدقاء الصينيين"، ما يعني أن جزائر اليوم هي جزائر التحديات. وبالنسبة لرئيس الجمهورية، فإن تحقيق هذا الحلم ما هو إلا نقطة بداية للانطلاق في تجسد "رؤية استراتيجية متكاملة لتثمين واستثمار مواردنا الطبيعية وثرواتنا الوطنية"، إلى جانب "الربط بين الجنوب الكبير وباقي مناطق الوطن"، بل يرى أن تدشين الخط المنجمي يعد "مرحلة أولى من مراحل مشروع وطني مهيكل سيغير إن شاء الله على المدى القريب وجه المنطقة". وبناء على الرؤية الاستشرافية للرئيس تبون، فإن هذا الانجاز سيحمل الكثير من البشرى لمواطني الجنوب اقتصاديا واجتماعيا، بعد أن كانت المنطقة مقرونة بالمحروقات والغاز. كما يعد الانجاز بمثابة تأكيد على ثبات البرنامج الرئاسي لتكريس التوجهات الاقتصادية الوطنية لاستغلال الثروات المتعددة، على غرار إطلاق منجم الزنك والرصاص بواد أميزور ببجاية وكذا مشروع انجاز خط السكة الحديدية لمنجم بلاد الحدبة والرصيف المنجمي لعنابة، بهدف التحرر من قبضة المحروقات والاعتماد على القدرة الذاتية.