لا تُقاس المواسم في الأزقة الدافئة، فقط بتقلبات الطقس، بل بروائح المطابخ أيضًا، خاصة في شهر رمضان الفضيل، حيث تختلط رائحة الفلفل الأحمر والتوابل بحرارة القدر، إذ تعرف العائلات أن "الشخشوخة" تُحضَّر، ليس كطبق عابر، بل حدث، وموعد اجتماعي تتجدد فيه الروابط وتُستعاد الحكايات. تتفن ربات البيوت في تحضير مكونات طبق "الشخشوخة" ببسكرة، الذي يشمل الدقيق، الماء، القليل من الملح، عجين بسيط في مكوناته، لكنه عميق في رمزيته، تقول إحدى السيدات مبتسمة "الشخشوخة ما تتعلمش في كتاب... تتعلم في العائلة والممارسة المتواصلة". تقول السيدة، تُقسَّم العجينة إلى كرات صغيرة، تُمدد بعناية حتى تصبح رقيقة كالورق الأبيض، ثم تُطهى فوق صفيح معدني ساخن "الطاوة". كل رقاق يُرفع بخفة ويُرص فوق الآخر، في انتظار المرحلة الأهم، وهي التفتيت وتمزيق الرقائق إلى قطع صغيرة متساوية. في الجهة الأخرى من المطبخ، يغلي المرق في قدر من المعدن، حيث يوضع اللحم، الحمص، الطماطم، الماء مع التوابل المحلية، والفلفل الأحمر الذي يمنح اللون القاني، الذي يميز "الشخشوخة البسكرية"عن غيرها، والرائحة وحدها كفيلة بجذب الجيران قبل الضيوف. ليست "الشخشوخة" أكلة استعجال، إنما طبق صبور يحتاج وقتًا، ونارًا هادئة، وأحاديث طويلة حول الموقد. خلال التحضير، تُفتح دفاتر الذكريات؛ أعراس قديمة، مواسم حصاد، ليالي رمضان، وضحكات أطفال كبروا وصاروا بدورهم يجلسون حول القصعة. عند التقديم، يسكب المرق فوق الرقائق المفتتة ببطء، كأنها عملية احتفال. يتشرب العجين الصلصة الحمراء، وتعلو قطع اللحم في الوسط كقلب الطبق. لا تُقدَّم "الشخشوخة" في أطباق فردية، بل تُوضع في قصعة كبيرة مصنوعة من الخشب، حيث يأكل الجميع منها، هذه ليست مصادفة، بل فلسفة حياة اجتماعية كاملة، المشاركة قبل الشبع. "الشخشوخة" تجمع من تفرق طول العام في الأعراس البسكرية، تصبح "الشخشوخة" نجمة المائدة بلا منازع، تُحضَّر بكميات ضخمة، وتُحمل في أوانٍ كبيرة إلى خيام الاحتفال، هناك، لا يسأل الضيف عن القائمة، يعرف مسبقًا أن "الشخشوخة" ستكون حاضرة، مثل وعد قديم لا يُخلف، وحتى في رمضان، حين تتنوع الأطباق، تبقى "الشخشوخة" رمز الليالي المميزة، أول يوم صيام، ليلة القدر، أو استقبال ضيف عزيز، هي أكلة المناسبات التي تحمل معنى الاحتفاء. ورغم تغير أنماط الحياة، ودخول المطابخ العصرية، ما زالت العائلات في بسكرة تحرص على نقل طريقة تحضير"الشخشوخة" إلى بناتها، ليس خوفًا من ضياع الوصفة، بل خوفًا من ضياع جزء من الهوية. "لشخشوخة" في بسكرة طقس جماعي، تُحضَّر غالبًا في الأعراس، رمضان، واستقبال الضيوف، وتُقدَّم في قصعة كبيرة، يتشارك فيها الجميع، في مشهد يعكس روح التضامن والعائلة.