بقلم: معن البياري أمّا وأن أحداً ليس في وُسعه أن يفكّ أحجية السؤال ما إذا كانت الولاياتالمتحدة ستُحارب إيران أم لن تفعل. أمّا وأنهما وحدهما الرئيس دونالد ترامب ووزير الحرب (هذه تسمية منصبه) الأميركي بيت هيغسيث من يقرّران في هذا الأمر ومن يحدّدان موعد ضربة البداية فالأوْلى أن تنشدّ الأبصار والمشاغل إلى كل جهد إقليمي ودولي وكل مباحثات تفاوض وكل وساطة في اتجاه عدم اندلاع الحرب التي يشتهيها بنيامين نتنياهو ويستعجلها ويُقلقه أن المفاوضين من فريقي ترامب وخامنئي قد يصلون في مسقطوجنيف (وغيرهما) إلى تسويات تُنجي المنطقة من حرب يُعتقد عن حقّ أنّ رد إيران فيها على أي ضربات أميركية موجعة في أثنائها سيكون غير هيّن التأثيرات والتداعيات. وإذ يتوازى التحشيد العسكري الأميركي الظاهر بإرسال حاملات الطائرات إلى مياه الخليج مع لغة سياسية مواربة بين تحبيذ سقوط النظام في طهران وإمكانية صعبة للوصول إلى تفاهمات فإن من المحمود الذي يستحقّ البناء عليه وتثمينه ما تُبادر إليه غير دولة عربية من جهود واتصالات نشطة مع طرفي التنازع الحاد السعودية وقطر وتركيا ومصر وغيرها. وهنا يلزم من أهل الحكم في الجمهورية الإسلامية أن يضعوا كل هذا الجهد في الموضع الصحّ ويستقبلوه بمبادرات ملحّة مضمونها أن تُغادر أجهزة القرار بينهم شهوة التدخّل والاستباحة في بلاد عربية تظنّها ساحات لها. ولعل المستجدّ السوري منذ 8 ديسمبر (2024) يوفّر لها درساً ثميناً في هذا فلم يأتِ لها كل الإسناد العسكري والمادي والسياسي الذي وفّرته لنظام الأسد الساقط بغير الخسران والخيبة. والمأمولُ من طهران أن تساعد العراقيين في التحرّر من الاستقطابات الطائفية والتوزّع بين موالاة طهران وواشنطن وأن تدفع أصدقاءها في جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن إلى إنهاء الحالة الشاذّة المستمرّة منذ نحو عشرة أعوام في بلد تسطو فيه هذه المجموعة على مجاله السياسي وعلى مقدّراته. *شهوة التدخّل والاستباحة تخوض إيران مع الولاياتالمتحدة أو على الأصحّ مع إدارة ترامب الموتورة مفاوضات شاقّة على تخوم حرب لا نريد نحن العرب أن ننتظرها بل أن ننتظر نجاح المفاوضين في تفاديها. وها دولٌ عربيةٌ تصدّر الموقف تلو الآخر تطلُب الاحتكام إلى الجهد السياسي وإلى التسويات الممكنة بديلاً عن الصواريخ والمقذوفات وها دولٌ عربيةٌ تنشط بمواظبة طيّبة في اتجاه خفض التوتّر العالي في المنطقة. والراجح أن حال إيران أصلب وأفضل جاهزيةً في الشتاء الحالي على غير ما كانت عليه في الصيف الماضي لمّا بوغتت بعدوان إسرائيلي كبير نجحت فيه دولة الاحتلال في قتل جنرالات وعلماء كبار وفي ضرب مدن في العمق الإيراني. غير أن الراجح أيضاً في المقابل أنها في تفاوضها الراهن أضعف مما كانت عليه في تفاوضها إبّان إدارة باراك أوباما التي توصلت معها إلى اتفاق كان إلغاؤه من أول قرارات خلفه ترامب في ولايته السابقة بتشجيع إسرائيليّ معلن. ولذلك تجد إيران نفسها مضطرّة إلى الوصول إلى تسويات مع إدارة ترامب الراهنة تشتمل على تنازلات كبرى في وُسع المرشد خامنئي أن يسوّغها لمصلحة بلاده ومواطنيها وهي كذلك إنْ وقع الخرقُ الإيجابيُّ المأمول في مفاوضات جنيف غداً الثلاثاء أو في مفاوضات تالية. يطيب لترامب وأركان في فريقه أن يتحدّثوا عن تغيير النظام في إيران مطلباً أو هدفاً أو أمنيةً. وفي الظن العام أن دولاً عربية قليلة تستحسن هذا ولكن أمراً بهذه الانعطافية الكبرى لا تصنُعه الأمنيات ولا الرغبات فنظام الشاه الذي بدأ في غضونه مشروع إيران النووي بدعم أميركيّ غير منسي أسقطته ثورة كبرى لها ظروفها. والنظام الراهن ليس بالهشاشة التي يفترضها كتّاب السيناريوهات في المخابرات المركزية الأميركية وزملاؤهم في الموساد الإسرائيلي. ولذلك ومرّة أخرى وأخيرة أولوية الأولويات التي يجدُر أن تتقدّم جدول الأعمال السياسي عربياً خصوصاً الدفع باتجاه منع حرب ننتظر عدم شنّها فخطير إلى حدّ فادح أن يوكَلَ إلى دونالد ترامب الذي يُعرف بما يُعرَّف به رسم خرائط هنا وهناك وتعيين أشكال نظم الحكم في فنزويلاوإيران وغيرهما وهذا وحدَه كاف لأن نرانا في غير انتظار حرب قد تقوم وقد لا تقوم.