"وداعاً أيها الحبيب" ينطقها قلبها النازف وجعاً على رحيله فيما يهبط جسدّها المترنح أرضاً لكي تطبع على جبينه آخر القبلات.. تضمه إلى صدرها طويلا كما لو أنها لا تريد له أن يذهب بعيداً. هذا المشهد للأم الفلسطينية وهي تُودع ابنها الشهيد كانت أعين الكاميرات تلتقطه دوماً لكن الصورة بدت اليوم أكثر حزنا, وأعمق ألماً والأمهات يُودعنّ أولادهنّ من بعيد حيث تنزف دماؤهم على تراب بارد غريب. ومع توالي الأحداث الدموية الجارية في الجماهيرية الليبية أطلّت أم الشهيد "حسان حاتم أبو مصطفى" (20 عاماً) كواحدة من هؤلاء الأمهات اللواتي فقدن فلذة الكبد في الخارج. حسان الذي قتل بعدة أعيرة نارية أُطلقت عليه من قبل مجموعة من المرتزقة الأفارقة في مدينة مصراتة شرق مدينة طرابلس جاء خبر رحيله قاسياً مزلزلاً على أسماع أمه وعائلته التي تقطن في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. رصاصات الموت الشاب العشريني والطالب الجامعي المتفوق في كلية الهندسة بجامعة مصراتة غادر الأراضي الفلسطينية متوجهاً إلى الدارسة في ليبيا حيث يقطن عمه وفور أن اندلعت الأحداث كما تروي شقيقته لم يعد العم "عمر" إلى بيته وبعد أن تسرب القلق إلى قلب "حسان" خرج ليبحث عن عمه المفقود لتباغته على الفور رصاصات الموت من كل جانب لتتكفل بتحويله إلى جثة هامدة. وبرعب شديد تلقت مئات العائلات الفلسطينية خبر استشهاد أول فلسطيني في ليبيا فيما ظلّ الخوف سيد الموقف أمام قتلى يتزايدون يوما بعد يوم في احتجاجات غابت عنها الأرقام والإحصائيات الدقيقة وهويات الموتى. وب"70 ألف وأكثر" تتواجد الجالية الفلسطينية في ليبيا حيث غادرت أغلب العائلات إلى هناك في نهاية الستينات للبحث عن فرص للعمل وتوظيفاً لما لدّيها من طاقات وخبرات. وبالرغم من حزنها الشديد على ابنها "حسان" أطلقت عائلة "أبو مصطفى" نداء عاجلاً لإنقاذ حياة عشرات آلاف الفلسطينيين الذين ينتظرون الموت في كل لحظة على يد المليشيات التابعة للزعيم الليبي معمر القذافي أو مرتزقته الأفارقة. وفي الخارج تشريد وفي الدقيقة الواحدة تتكرر "حسبي الله ونعم الوكيل" عشرات المرات على لسان الجدة "أم خالد" التي لا تعرف مصير حفيدها في ليبيا وتخشى عائلته أن يتحول إلى رقم جديد في قائمة الموتى وتستدرك بصوتٍ مختنق: "هكذا قدر الفلسطيني أينما حل وارتحل.. كتب عليه التشريد والعذاب.. في وطنه وفي الخارج." ولا يتوقف النحيب والبكاء في عائلة "صبيح" التي انقطع الاتصال بابنها بعد ساعات من تأكيده أن الأمور في طرابلس مرعبة ولا تبعث على الاطمئنان. وباءت محاولات من قبل السفارة الفلسطينية في ليبيا لإجلاء الطلبة والعائلات وتأمين خروج آمن بالفشل بسبب المرتزقة والأوضاع الأمنية المتردية. إنقاذهم وحمايتهم وفي تصريح صحفي قال مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية السفير تيسير جرادات، إن السفارة الفلسطينية تتابع عن كثب أوضاع الجالية الفلسطينية في ليبيا، وخاصة الطلبة منهم (300) وأشار إلى أن جوازات سفر أكثرهم لا تزال في كلياتهم العسكرية: "وهو ما يحول دون إخراجهم من الأراضي الليبية." وأضاف جرادات: "الفلسطينيون بعشرات الآلاف في ليبيا، وكثيرٌ منهم متجذر هنا ولا يحمل أرقاماً وطنية فلسطينية، ما نعمل عليه الآن ضمان سلامتهم، وضمان السفر الآمن للطلبة الفلسطينيين ومن يحملون الأرقام الوطنية ويرغبون في العودة إلى فلسطين." ومن جهته أكد سفير فلسطين في ليبيا عاطف عودة إن الجالية الفلسطينية بخير وأن الأحداث الجارية في ليبيا والوضع الراهن، يتطلب إجراءات عدة من السفارة أهمها وأوَّلها اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أبناء الجالية وعددهم 70 ألف فلسطيني هناك. وقال السفير إن السلطة تتابع عن كثب أوضاع الفلسطينيين في ليبيا وتعمل بأقصى جهد وعلى كافة المستويات لإنقاذهم وتأمين الحماية لهم.