في قلب مدينة دلس العريقة، من بومرداس، وتحديدا بين أروقة أحد مراكزها التجارية، يفوح عبق التاريخ الممتزج برائحة "الكسبر والكروية والفلفل العكري".. هنا يقع دكان "أبو عائشة"، الرجل الذي لم يبع التوابل يوما كبضاعة جامدة، بل كحرفة صقلتها 18 سنة من الخبرة والبحث.. "المساء" دخلت مملكته العطرة، وسط زحام الزبائن، لتكتشف كيف تحول "رأس الحانوت" من مجرد مسحوق إلى "توقيع" يزين مائدة الإفطار الرمضانية. بمجرد أن تطأ قدماك أحد المراكز التجارية بمدينة دلس، لن تقودك عيناك فحسب، بل ستسحبك حواسك نحو رائحة نفاذة تأتيك من بعيد.. رائحة تختزل عبق الصحراء البسكرية، وأصالة المطبخ الجزائري وحرارة التوابل التونسية. هناك، وسط أكوام من الحبوب الملونة والخلطات التي تُطحن بعناية، يقف الحرفي "أبو عائشة" حارسا لأسرار مهنة عمرها 18 عاما، محولا حفنة من التوابل إلى سنفونية، تمنح الأطباق الجزائرية هويتها الحقيقية. "المساء" زارت دكان الحرفي، وعادت بتقرير يفوح بطعم الأصالة. من باحث عن عمل إلى صاحب محل لم تكن بداية "أبو عائشة" مفروشة بالورود، بل ولدت من رحم الحاجة. يقول في حديثه إلينا، إنه بدأ كعامل يومي بسيط لدى أحدهم، هربا من البطالة، ثم تعلم أسرار مهنة بيع التوابل. تعلم الحرفي كيفية طحن الحبوب في شكلها الطبيعي، للحفاظ على زيوتها الطيارة ونكهتها الأصلية، وطور مهاراته بالبحث، حتى أصبح اليوم، صاحب محل تمكن من تشغيل بعض الشباب. قال إن مسيرته الفعلية انطلقت من محل في "برج فنار" ببلدية دلس، ليتطور بمرور الوقت، ويصبح محله قبلة للباحثين عن الجودة من توابل، حبوب، "فريك"، مكسرات، وأنواع الشاي الطبيعي. يؤكد "أبو عائشة" أن تابل "راس الحانوت" هو بمثابة "الختم" الخاص بمحله، خاصة ذلك المكون من 23 نوعا من التوابل، والذي يصلح للمرق الأبيض والأحمر والشوربة الرمضانية. ولا يتوقف الإبداع عند هذا الحد، فالمحل يعرض تشكيلة واسعة، تشمل من هذا التابل تحيدا، فهناك راس الحانوت البسكري، وكذا راس الحانوت التونسي ب7 بهارات (أي 7 أنواع من التوابل المختلفة)، والمتميز بلمسة الفلفل الحار، هناك أيضا توابل مغنية وتوابل المغرب، المعروفة بجودتها العالية. كما تعرض أيضا خلطات تخصصية، كتوابل ل«البوراك، الدوارة، بوزلوف"، وأخرى مخصصة حصريا للدجاج أو اللحوم. ورغم عراقة المهنة، يرى "أبو عائشة"، أن وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت ثورة في تجارته، حيث دفعت الزبائن للبحث عن التجديد، مما جعله في حالة تحديث مستمر لسلعه وخلطاته، لتواكب الوصفات العصرية التي تتابعها ربات البيوت عبر الأنترنت. التوابل.. روح الطبق وسر التميز بدكان "أبو عائشة"، استطلعت "المساء" آراء بعض النساء، حول أهمية التوابل في مطابخهن، لاسيما خلال رمضان، فاتفقت أراؤهن حول كون التوابل ليست مجرد إضافات، بل هي "روح القدرة"، حسب إحداهن، التي تؤكد أنها عندما تشتري خلطة رأس الحانوت من عند حرفي، يطحنها بيده، تشعر أن لطبق الشوربة نكهة زمان، التي لا نجدها في التوابل الصناعية المعلبة، فيما تشير أخرى، إلى أن التوابل هي ما يجعل لأطباقها نكهة خاصة، تميزها عن غيرها من الأطباق، تقول المتحدثة، إنها تتابع وصفات الطبخ باستمرار على وسائل التواصل، ما يجعلها تطلب من صاحب المحل خلطة معينة للتوابل، حتى يكون لأطباقها نكهة تشبه نكهات "الشاف". هي تعتبر التوابل بمثابة سلاح الإبداع، فيما تؤكد سيدة أخرى، أن لمسة بسيطة من الكركم أو "السكنجبير" أو شيئا من راس الحانوت الأصلي، يتحول طبق دجاج عادي إلى لوحة فنية، تشبه ما يقدم في المطاعم الكبرى.. وفيما نعيش روحانية هذه الأيام المباركة من شهر رمضان الفضيل، يثبت "أبو عائشة"، أن حرفته هي القلب النابض، ليس فقط للمطبخ الدلسي، وإنما للمطبخ الجزائري على العموم، فاليوم لا تخلو مائدة إفطار من اللمسات السحرية، التي تضفيها الأنواع المختلفة للتوابل على أطباق مائدة الإفطار، التي تذكرنا بأن رمضان ليس فقط شهر العبادة، بل موعد سنوي لتجديد الروابط مع هويتنا ومذاقاتنا التي لا تشيخ.