مراصد إعداد: جمال بوزيان الزمن آية من آيات الخالق الرؤية القمرية للشهور طريق إلى الله تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ. ///// الزمن آية لا أداة: في البنية الكونية للوقت في الإسلام ومساءلة الرؤية الحداثية أ.د.عمار بن لقريشي ليس الزمن في الوعي الإسلامي مجرّد مقدار يُقاس ولا خط ممتد بين نقطتين تُسميان ماضيًا ومستقبلًا ولا إطارًا محايدًا تتحرك فيه الحوادث كما تتحرك الأجسام في فراغ هندسي بارد. بل هو نسيج من الدلالة وسياق من سياقات التكليف وآية من آيات الله القائمة في هذا الكون قيام الشمس في فلكها والقمر في منازله. إن الزمن — في التصور الإسلامي — ليس خلفيةً للأحداث بل هو أحد عناصر المعنى ذاته لا ينفصل عن العبودية ولا يُفهم بعيدًا عن الوحي. الزمن في القرآن: من الاصطلاح إلى القدر حين يفتح المؤمن المصحف لا يجد حديثًا عن الزمن بوصفه اصطلاحًا بشريًا بل يجده مقرونًا بالخلق الأول منسوبًا إلى التقدير الإلهي السابق. يقول تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة التوبة الآية 36]. فهذا النص يرفع عدد الشهور من دائرة الاصطلاح إلى دائرة القدر ويُخرجه من حيّز التاريخ إلى حيّز التكوين. ليست الشهور نتيجة تجربة بشرية ولا وليدة ضرورة زراعية أو سياسية بل هي جزء من الهندسة الكونية التي أُقيم عليها العالم. وإذا كان هذا هو الأصل فإن أي عبث بالشهور لا يكون عبثًا إداريًا بل خللًا في العلاقة بين الإنسان والنظام الإلهي. لذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [سورة التوبة الآية 37]. فالنسِيء لم يكن أكثر من تقديم شهر وتأخير آخر لكنه وُصف بزيادة في الكفر لأن المساس بالزمن — في بنيته الشرعية — مساس بمعنى الطاعة ذاته. إن من يُبدّل مواضع الشهور كأنما يعلن أن له سلطانًا على ما جعله الله ثابتًا في كتابه. ثم يأتي الإعلان النبوي في خطبة الوداع ليحسم الأمر في عبارة تختصر فلسفة كاملة: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض [رواه ابن ماجه سنن ابن ماجه كتاب الصيام حديث رقم 1643]. فالاستدارة هنا ليست صورة بيانية بل تقرير عن عودة الزمن إلى صورته الأصلية إلى الهيئة التي أرادها الله يوم خلق السماوات والأرض. وكأن الرسالة المحمدية لم تأتِ فقط لتصحح العقائد بل لتصحح العلاقة بالزمن ذاته فترده إلى نظامه الأول بعد أن امتدت إليه يد الهوى. تشريع رمضان: إيقاع كوني وروحي ومن هذا الأصل ينبثق تشريع رمضان ذلك الشهر الذي لم يُجعل موسميًا ثابتًا بل رُبط بحركة الهلال فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [سورة البقرة الآية 189]. وقال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [سورة البقرة الآية 185]. وجاء البيان النبوي: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته [رواه البخاري صحيح البخاري كتاب الصيام حديث رقم 1901]. فالرؤية ليست مجرد وسيلة إثبات قانوني بل إدخال الإنسان في إيقاع الكون. إن المؤمن يرفع بصره إلى السماء يترقب الهلال فيبدأ صومه استجابة لعلامة كونية ظاهرة. وهنا يتجلى المعنى العميق: العبادة لا تُفصل عن النظام الكوني بل تتناغم معه وتنسج من حركته إيقاعًا تعبديًا. وإذا تأملنا انتقال رمضان بين الفصول وجدنا في ذلك حكمة تربوية جليلة. فهو لا يثبت في حر دائم ولا في برد دائم بل يدور عبر السنين ليذوق الناس من مشقته ويسره أطرافًا شتى. فيأتي في نهار طويل يختبر الصبر ثم في نهار قصير يذكّر بالنعمة ثم في اعتدال يوازن بين الأمرين. فالحركة هنا ليست اضطرابًا بل توزيع للامتحان وعدل ممتد عبر الزمن. ولو ثُبِّت الشهر في موسم واحد لتحول الصوم إلى تجربة نمطية ولانقطعت تلك الصلة الحية بين العبادة ودورة القمر. إن تثبيت رمضان ليس مجرد تعديل تقويمي بل هو — في عمقه — إعادة تعريف للزمن نفسه وتحويل التقويم القمري من نظام تعبدي مستقل إلى تابع للنظام الشمسي الغالب. الرؤية الحداثية للزمن هنا يظهر الفارق الحضاري. فالحداثة تنظر إلى الزمن بوصفه موردًا للإدارة ووحدة للإنتاج وخطًا متساويًا تُقسَّم عليه المهام. إنه عندها مقدار رياضي لا يحمل في ذاته معنى بل يكتسب قيمته من الفعل البشري فيه. ومن ثم كان تثبيت المواسم وتوحيد التقويم وضبط المواعيد بدقة لا تتزحزح ضرورة عملية. غير أن هذه الرؤية — حين تُسقط على مجال العبادة — تُفرغ الزمن من رمزيته وتحوله إلى أداة صماء. ويصبح السؤال: كيف نُكيّف الشعيرة لتنسجم مع النظام العالمي؟ بدل أن يكون: كيف نحفظ النظام الذي شرعه الله ونفهم حكمته؟ استقلال النظامين: الشمس والقمر إن القرآن حين يقول: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان ﴾ [سورة الرعد الآية 2]. ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [سورة يونس الآية 5]. لا يجعل أحد الحسابين تابعًا للآخر بل يقر استقلال النظامين. فالشمس لها دورها والقمر له دوره والتعدد هنا ليس نقصًا بل ثراء في البنية الكونية يُنتج أنماطًا مختلفة من الوعي بالزمن. إن القرآن حين يقرر استقلال النظامين — الشمس والقمر — لا يقتصر على البعد الكوني أو الرمزي بل يشير ضمنيًا إلى وظائف عملية لكل منهما في حياة الإنسان. فالشمس بحركتها المنتظمة وإشعاعها الدائم تفرض إيقاعًا مستقرًا على الأرض وهذا الإيقاع يُستغل في تنظيم نشاطات الإنسان المختلفة: الزراعة حيث تحدد مواسم الحراثة والحصاد وإدارة الموارد الاقتصادية بما يتوافق مع ضوء النهار وطول النهار وحركة الأسواق والعمل بما ينسجم مع النهار والليل. أما القمر فلديه دورة خاصة تؤثر على ما هو ديني وروحي بالدرجة الأولى فهو الذي يحدد الأشهر القمرية وبالتالي مواقيت الشعائر مثل رمضان والحج والعبادات التي تعتمد على الهلال. وهكذا ينسج الله للإنسان نظامًا مزدوجًا: الشمس للنشاط العملي المادي والقمر للشؤون الروحية والعبادات مما يضمن التوازن بين الحياة العملية والحياة التعبدية ويجعل كل نشاط بشري متسقًا مع البناء الكوني الذي أُعدّ منذ خلق السماوات والأرض. الزمن كتاب مفتوح ومن أعمق ما يمكن تأمله أن القرآن يقسم بالزمن في مواضع متعددة: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [سورة العصر الآية 1] ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [سورة الليل الآية 1] ﴿وَالضُّحَى﴾ [سورة الضحى الآية 1]. فالقَسَم بالزمان دليل على عظم شأنه وعلى أنه ليس خلفية صامتة بل عنصر فاعل في مسرح الوجود. وإذا كان الله يقسم بالعصر فإن ذلك يوقظ في الإنسان وعيًا بأن الزمن رأس ماله الحقيقي ومجال خسرانه وربحه. هنا يبلغ السؤال ذروته: هل الإنسان سيد الزمن يعيد تشكيله وفق حاجته أم هو عبد يعيش في زمن جعله الله آية من آياته؟ الحداثة تميل إلى مركزية الإنسان وتجعل قدرته على ضبط الزمن علامة سيادته. أما الإسلام فيضع الإنسان داخل نظام لم يصنعه بل خُلق فيه ليعبُره بالعبادة لا ليُعيد تصميمه. فالزمن — في الرؤية الإسلامية — كتاب مفتوح صفحاته الشهور وعناوينه المواسم ومضمونه الامتحان. وكلما أقبل الهلال أقبل معه معنى البداية من جديد لا بداية حسابية بل بداية روحية تذكّر الإنسان بأن العمر يمضي وأن الفرصة تتجدد وأن الاستدارة التي أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم ليست حادثة تاريخية بل مبدأ دائم. ومن وعى هذا علم أن الدفاع عن التقويم القمري ليس دفاعًا عن عادة بل عن رؤية كاملة للكون والإنسان رؤية ترى في الزمن طريقًا إلى الله لا مجرد مسافة بين إنجازين ترى في دورته تربية وفي تنقله عدلًا وفي استدارته عودة إلى الأصل. ليست القضية إذن في تثبيت شهر في موضعه من السنة بل في تثبيت المعنى في القلب وحفظ البنية التي تجعل من الزمن آية لا أداة ومن العبور فيه عبادة لا إدارة فحسب. ///// التغيير طريق النهضة د.جمال حجيرة سؤال النهضة شغل الفكر الإسلامي واستحوذ عليه منذ غروب شمس الحضارة الإسلامية وصعود نجم الحضارة الغربية بمنجزاتها التقنية المتطورة استيقظ العقل الاسلامي فوجد نفسه متخلفا عن الركب الحضاري فشرع يطرح أسئلة وجودية عميقة عن سبب التخلف محاولا الإجابة عنها ومجتهدا في وضع برامج وخطط تساهم في النهضة والإقلاع الحضاري. انخرط في سؤال النهضة مفكرون إسلاميون كبار مثل محمد إقبال في كتابه تجديد الفكر الديني وشكيب أرسلان في كتابه لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ومالك بن نبي في كتابه شروط النهضة وعلي عزت بيغوفيتش في كتابه عوائق النهضة الإسلامية ومفكرون آخرون كثيرون ساهموا في البحث عن سر تخلف الأمة الإسلامية وتراجعها والعنصر المشترك والحاضر في جميع كتابات النهضة الإسلامية هو الإنسان وكأنه كلمة السر التي تمتلك مفاتيح النهضة أو أن الإنسان في ضوء هذه الكتابات هو المشكلة وهو الحل أيضا وقد جعله مالك بن نبي عنصرا جوهريا في معادلة الحضارة التي تقوم عنده على ثلاثة أركان وهي الإنسان والتراب والوقت. إن العودة إلى الإنسان كمكون فردي واجتماعي ودراسته دراسة علمية وموضوعية يسمح لقطع أشواط كبيرة وخطوات جبارة نحو النهضة والنهضة في دلالتها اللغوية ترسم علاقة واضحة بينها وبين الإنسان في جانبه النفسي والعقلي فالنهوض هو استيقاظ وحركة وهو عكس السبات والسكون فنهضة الإنسان تعني حضوره وشعوره بكينونته وذاته. إذا فالنهضة عملية داخلية تنبع من أعماق النفس الإنسانية وليست عملية خارجية تتم بواسطة استيراد المنتجات وتكديسها فالتكديس لا يصنع حضارة كما يقول مالك بن نبي وما دامت النهضة تبدأ من الإنسان وبالإنسان فهي عملية تغيير جذري للمشاعر والتصورات التي تعيق الفاعلية الإنسانية قال تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم سورة الرعد الآية 11. وقال تعالى: ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعهما على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم سورة الأنفال الآية 53. فالقرآن الكريم يعتبر تغيير من الرديء إلى الجيد أو العكس يبدأ من النفس لأن الإنسان مكون نفسي في المقام الأول وعملية التغيير لا تتم ولا تكتمل بواسطة مواعظ إنشائية تدعو إلى التزكية والفضائل إن تغيير النفس يحتاج منا الاهتمام بعلوم الإنسان المختلفة التي تدرس النفس دراسة عميقة وتشرح بدقة عللها الأخلاقية والاجتماعية وتقدم علاجات علمية في ضوء الهدي القرآني والرؤية الإسلامية للإنسان والكون. عندما يشعر الإنسان بإنسانيته الحقيقية كخليفة في الأرض مطالب بفقه العمارة كما هو مطالب بفقه الصلاة والصيام عندما يدرك رسالته في الحياة فإنه يفكر في كيفية الخروج من أنانيته الضيقة وذاته الجسمانية التي ضيقت آفاقه وشلت فعاليته إن وضوح الصورة والهدف يساعد ويدفع الإنسان بقوة نحو التغيير الإيجابي الذي يمهد له طريق النهوض الديني والدنيوي والقرآن الكريم يركز على مقصودية الإيجاد وهدفية الإنسان في مواطن متعددة قال تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون سورة الذاريات الآية 56. وقال تعالى: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا سورة المؤمنون الآية 115. وقال تعالى: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان سورة الأحزاب الآية 72. إن أمانة التكليف تحمل الإنسان على تغيير مشاعره السلبية وأفكاره الخاطئة فيشعر في أعماق نفسه بأنه قيمة إيجابية وليس مجرد كتلة مادية تعيش على هامش الحياة عندما يسترد إنسانيته ورسالته في الحياة يبدأ بتحطيم الحواجز النفسية الواحدة تلو الآخر ويخرج من عالمه الضيق إلى آفاق الحياة الواسعة فيصلح في الميادين المختلفة ويعيش لسعادة الناس وإصلاحهم لأن جوهرة التكليف يكمن في عمارة الدنيا بالخير والسعادة وهنا يضع قدمه في الطريق الصحيحة طريق الإصلاح فيتحول إلى مصلح بعد أن كان صالحا في ذاته لا يهتم بهموم الأمة ومشاكلها ولا يساهم في تغييرها وإصلاحها وقد أثنى القرآن الكريم على المصلحين فقال تعالى: والذين يمس كون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين سورة الأعراف الآية 170 وقال تعالى: وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون سورة هود الآية 117. إن الإصلاح الذي يقوم به الإنسان في جوانب الحياة المتعددة هو ثمرة تغيير نفسي داخلي وليست برنامجا أو منهاجا مستوردا قارن مالك بن نبي بين الإصلاح الاقتصادي الذي قدمه شاخت لألمانيا وإندونيسيا فنهضت به ألمانيا وحطم إندونيسيا إنه نفس المشروع ولكنه قدم نتيجتين مختلفتين والسر عند مالك بن نبي مضمر في الخصائص النفسية والاجتماعية أي أن هذا المشروع يتناسب مع الخصائص النفسية والاجتماعية للأمة الألمانية ولا يناسب الأمة الإندونيسية وبعبارة أخرى فإن مشروع شاخت نبع من النفسية الغربية فهو منتج غربي لا يناسب الشرق الإسلامي.