يعتبر مصحف رودوسي علامة فارقة في الهوية الدينية والحضارية للجزائر, باعتبارها منارة علمية ودينية ذات إشعاع إقليمي ودولي وشاهدا على حرصها في نشر تعاليم الدين الإسلامي الحنيف القائمة على الوسطية والاعتدال. وتجسيدا لهذا المسعى النبيل, كان رئيس الجمهورية, السيد عبد المجيد تبون, قد أمر سنة 2022 بإعادة طباعة مصحف رودوسي التاريخي في إطار إحياء الذكرى الستين لاسترجاع السيادة الوطنية. ويشكل هذا المصحف الذي يعد من أوائل المصاحف التي تمت طباعتها في الجزائر مرجعا مهما في تلقين القرآن الكريم بالمدارس القرآنية والزوايا, كما رافق المجاهدين في كفاحهم ضد المستعمر الفرنسي إبان الثورة التحريرية المجيدة, حيث أضحى, على مدار عقود, جزءا لا يتجزأ من الإرث الذي حافظ به الجزائريون على هويتهم الدينية والوطنية. وانطلاقا من الشهرة الواسعة التي اكتسبها بدول الساحل الإفريقي, حيث أطلقت عليه تسمية "مصحف الجزائر", أصبحت عملية توزيعه مجانا على شعوب المنطقة فرصة لتعزيز الأواصر التاريخية والوشائج الروحية العميقة التي تجمع الجزائر بالدول الأخرى في القارة. ففي إطار حرص الجزائر على خدمة القرآن الكريم ونشره وترسيخ قيمه السمحة, يتم, من خلال مبادرات نوعية, إيصال هذا المصحف العريق إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي مع توزيعه على أفراد الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج, في خطوة ترمي إلى تعزيز ارتباطها بثوابتها الدينية وهويتها الوطنية, وهي العملية التي تجري بالتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية. وفي سياق ذي صلة, يبرز مصحف الجزائر المطبوع بطريقة برايل, هو الآخر, كجزء من الجهود التي تبذلها الجزائر من أجل ترسيخ القيم السامية للقرآن الكريم, حيث تم إصداره بأمر من رئيس الجمهورية, في إطار العناية التي يوليها لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة, علما أن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف تتكفل بتوزيع هذه النسخة مجانا على فئة المكفوفين عبر كامل التراب الوطني. كما يجري توزيعه أيضا عبر دول العالم الإسلامي وكذا لفائدة أفراد الجالية الجزائرية بالمهجر, دعما لجهود الإدماج الديني والاجتماعي وترسيخا لقيم التضامن والتكافل. وقد طبع هذا المصحف سنة 2023 في نسخة فريدة من نوعها تجمع بين الكتابة العادية والكتابة بطريقة برايل, بما يتيح الاستعمال المشترك ويعزز الإدماج والتواصل بين مختلف فئات المجتمع. وقد أشرفت على إعداد هذا العمل لجنة فرعية مختصة في طريقة برايل, تحت متابعة لجنة تدقيق ومراجعة نسخ المصحف الشريف بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف من أجل ضمان سلامة النص القرآني ودقته واحترام الضوابط العلمية والرسم العثماني المعتمد. وبذلك, أصبح هذان المصحفان سفيران للجزائر عبر بقاع العالم الإسلامي ككل وانعكاسا لعنايتها بخدمة كتاب الله, في رسالة حضارية وإنسانية سامية المعاني.