حجز أربع مركبات رباعية الدفع بكل من برج باجي مختار وعين قزام    المنتخب الجزائري العسكري يحتل المركز السادس بالألعاب الدولية    ارتفاع عدد وفيات الحجاج الجزائريين إلى 20 حاجا    إجلاء الحجاج المرضى ممن هم في حالة خطيرة سريعا إلى الجزائر    الأفافاس : التجربة السودانية يجب أن تكون عبرة لنا    إنزال وزاري في إليزي اليوم    انخفاض مخيف لصادرات الغاز الجزائري    بسبب “المافيا”.. الفنانة إليسا تعتزل الغناء    بدوي يفرج عن السلع المحجوزة    الألعاب الإفريقية-2019 / سباحة    تأخر كبير في معالجة ملفات التأشيرة بسبب الانترنت    أولى جلسات محاكمة البشير تنطلق اليوم علنا    الشلف    صعود أسعار النفط بعد هجوم على منشأة نفط سعودية    الرابطة المحترفة الأولى - مولوديّة الجزائر    “الفراعنة” أبطال العالم في كرة اليد للناشئين    الجلفة    الفيلم الروائي الطويل "أبو ليلى"    بسيدي بلعباس وسط حضور جماهيري متميز    بعد مشاركة ممثلي إحداها في الحوار مع لجنة كريم يونس    عسكر تركيا يتوجه إلى خان شيخون.. ودمش تندد    عائلة بورڨعة تطالب بإبقاء قضيته ضمن الإطار القانوني    من ورقلة، السيد كمال بلجود، يعلن:    بشأن الشركات الخاصة المعنية بالتدابير التحفظية    متقاعدو الجيش يشلون حركة السير    بعد أدائهم لمناسك الركن الخامس    وفاة 6 أشخاص واصابة 13 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة خلال 24 ساعة    عقلية «البايلك .. اهلك ونهلك»    قيمة مضافة أم خطوة الى الوراء    التّربية الوقائية في الإسلام    ذكر الله... أيسر العبادات وأسهل الطّاعات    لهذه الأسباب تدهور الميزان التجاري للجزائر    ارتفاع عدد وفيات الحجاج الجزائريين الى 19 شخصا    تشاد تعلن حالة الطوارئ لثلاثة أشهر    100 مليون سنتيم للمستفيدين من التجزئات الاجتماعية بالجنوب    497مؤسسة مصغرة تشكو التهميش    10ملايين مصطاف منذ بداية جوان    استشهاد 3 فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزّة    المغرب يطرد مجددا المحامية الإسبانية كريستينا مارتينيز    قفزت في النهر لإنقاذ هاتفها!    السباحة الجزائرية تسعى لحصد 10 ميداليات    هياكل غير مربوطة بالشبكة ونقص في التاطير    6 فرق فلكلورية تعيد الزمن الجميل لمدينة «موريسطاقا»    « القلتة » ..جوهرة الساحل    فنان الأندلسي إبراهيم حاج قاسم في سهرة تراثية تلمسانية    حضور محتشم في الافتتاح    طفرة هائلة التعقيد    الكتاب وسيلة تعلم القراءة لدى الصغار    عمراني يريد استفاقة كبيرة    شريف الوزاني يشيد بأداء فريقه    انطلاق التربص بالشمرة    1.2 مليار سنتيم لمشاريع تنموية بقرية أولاد أجبارة بتارقة    سكان قرية القواير على حافة كارثة بيئية    ثعبان يبتلع نفسه        الشيخ السديس يستنكر افعال الحوثيين بعد الهجوم على حقل شيبة السعودي    إيسلا وثي مغرا ني مازيغن قوقلا ن تاغرما    اخلع نكسوم نمسلان والدونت إقوسان نالمشتاء ذالمرض    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رسالة إلى صديقي أحمد دلباني،
نشر في النصر يوم 25 - 11 - 2013


كامو ليس صديقي و أنا لست عدوّه..
بقلم: عبد القادر رابحي
-1-
صديقي الأستاذ دلباني..أريد أولا أن أهنئك على ما يجود به قلمك الفياض من فتوحات معرفية ليس أقلها رسائلك الموجهة إلى السياسي المحلي، و إلى السياسي العالمي، و إلى المفكر الإسلامي، و إلى الفيلسوف و المبدع الغربي. رسائلُ لم يتعود عليها الخطاب الثقافي كما تنتجه النخبة الجزائرية في ثوائها الأبدي داخل المنظومة المعرفية المتقادمة في خريرها المتواصل الآخذ طريقه إلى بركة المعنى الآسنة. أهنئك على جرأتك في طرح غير المطروح في سوق النقاش الراكدة، و في التفتيش عن المهمل في ثنايا التاريخ، و في التفكيك المتواصل للبنيات المغلقة التي تعودت على إضافة طبقات من الخرسانة الباردة على جدرانها المتآكلة كلّما شعرت بخطر ما يتهددها، حتى و لو كان نقاشا هادئا، حتى و لو كان مغامرة عقلانية محسوبة المنطلقات و المآلات.
كما أودّ أن أقول لك إنك حرّ في اعتبار ألبير كامو صديقا لك باعتبار ما تحمله رسالتك من زخم معرفي و من ثراء فكري و من أصالة نادرة في صياغة وجهة النظر النافذة إلى عمق المفاهيم النائمة في خدر النصوص الإبداعية غير المفككة بما فيه الكفاية، و الهاجعة في أرائك السيرة الوفيرة، و غير المقروءة قراءة نقدية تسترد أصوات الأجراس المكتومة في بريق الصورة الاستهلاكية للأدب الاستعجالي.
غير أن لي، صديقي دلباني، العديد من الملاحظات بخصوص الرسالة الأخيرة الخاصة بالكاتب الفرنسي ألبير كامو. و هي ملاحظات تتعلق بها دون غيرها من الرسائل الثلاث الأخرى الجديرة هي الأخرى بنقاش هادئ نظرا لما تحمله من أفكار تستدعي حوارا متحضرا و أصيلا.
إنها ملاحظات، كما ستلاحظ، لا تختلف مع كثير من الأفكار الواردة في رسالتك، لكنها لا تتفق معها في الطرح، و في زاوية النظر إلى ما ورد فيها من أفكار هامة. إنها ملاحظات تحاول أن تطرح الإشكال نفسه من زاوية أخرى لا تصب بالضرورة في مسار رؤيتك للمسألة الثقافية من خلال هذه الرسائل- و هذا أصل النقاش-، و لكنها تبحث في سعيها الفكري و المعرفيّ الدّائم، تماما مثل سعيك الفكري و المعرفيّ الدّائم، عن آلية معرفية فعّالة تدفع العدّاء المتعب إلى التقدم إلى الأمام على أملِ وصولٍ نهائيٍّ عِوَض دورانه العبثي المفرط حول كُرَة النبوءات الوهمية الشبيهة بكُرة العرّافة التي ليس لها إلا أن تُحدِّبَ صورته المقعرّة بفعل ما يحمله من خيبات، و هو يحثّ الخطى من أجل الإسراع لتحقيق تأصيلٍ مستحيلٍ لخطابٍ مُنبَتٍّ، أو لتحقيق اجتثاثٍ متسرّعٍ لخطابٍ متأصّلٍ.
إن هذا العدّاء المُتعب لن يكون غير هذه الرؤية الإشكالية الغائبة/ الحاضرة في بنية الثقافة العربية المعاصرة كما يحملها المثقف النقدي- أو الذي يحاول أن يكون نقديّا- عبئا معرفيا و وجوديا يثقل كاهله لكثرة ما تحمّله لوحده من هموم و أوزار. إنها ثقافتنا التي لا تستطيع أن تتزود بطول نفس في الطرح، و في النقاش، و في استخلاص الدروس، يؤهلها للوصول إلى أهدافها الحضارية بروح نقدية متبصّرة، و برؤية عقلانية للذات و للعالم تكفلان لها راحة معرفية و اطمئنانا نفسيّا جديرَيْن بإعادة بعث المحاورة الرُّشدية، و بإعادة ترسيخ تقاليدها المتروكة في دهاليز الذاكرة التراثية كما أراد لها العمل الثقافي و السياسي العربي الرسمي و غير الرسمي، في راهنية ممارساته، أن تكون لأسباب عديدة و متشابكة ليس هنا مجال تفصيلها.
صديقي العزيز دلباني.. وددت أن أقول لك إنك حرّ في اعتبار ألبير كامو صديقاً للأسباب التي ذكرتَها، و لأسباب أخرى ربما لم تذكرها، أو لم أستطع سبر أغوارها في نصك الفارع العميق، و ذلك من خلال تأكيدك على البعد الإنساني في مسيرة الرجل غير المفهوم بما وفره له ظرفه من غموض رهيب لا زال يكتنف تأويلات قراء نصوصه حمالة الأوجه، و العصية على الانصياع، و كذلك من خلال تركيزك على موقفه من الثورة الجزائرية، ونقدك العميق واللاذع لهذا الموقف الذي كثيرا ما اتُّخذ من طرف المثقفين الإيديولوجيين في الضفّتين شمّاعة يعلقون عليه استهتاراتهم العابرة المرتبطة بقصد أو بغير قصد، بالمصالح السياسية المتغيّرة.
و بناء عليه، فإن لك الحق في اعتبار ما توصلت إليه في رسالتك فعلا حيويًّا من مسار الثقافة الجزائرية، و التي ربما كانت الوحيدة في رفع تحديات النقاش و إثارة جوانبه الراكدة في كلّ مرّة تمرّ فيها ذكرى- و ما أكثر الذكريات- لهذا الرجل الذي تماهت سيرتُه الشخصية مع سيرة جزء من التاريخ الوطنيّ الحافل بالتناقضات التي ولّدها الشرط الكولونيالي في بنية اجتماعية راكدة، و لكنها غاضبة كعادتها من ركودها، و منهكة من النتائج السلبية لعديد الثورات المحلية التي خاضتها خلال تاريخها البعيد و القريب، و من الحضور الطاغي للآخر في مرآة ذاتها المحدودبة، و من دخولها المتجدد في النفق المظلم للشرط الكولونيالي المتجدد هو الآخر منذ العهد الوندالي إلى الروماني إلى التركي إلى الفرنسي. و هي، في شرطها هذا، لم تكن لتعير البعد الثقافي، لأنه لم يتوفر لها بسبب هذا الشرط، أيّ اهتمام يجعلها تقف بجرأة و بوعيّ في وجه ما أنتجته الآلة الإيديولوجيّة الغربية في محاولتها تثبيت رؤيتها الثقافية و الحضارية في وعيٍّ لم يكن ليمس إلا القلة القليلة ممن توفرت لهم ظروف التعلّم، لسبب يعلمه الاستعمار.
ذلك أن المسألة- و هذه هي الزاوية التي أريد أن أنفذ من خلالها إلى مضمرات رسالتك المُحْكَمة- ليست في اتخاذها الكاتب الفرنسي ألبير كامو مركزا طاغِيَ الحضور في بنيتيها الظاهرة و العميقة فحسب، و لكن في سعة ما تفتحه من فضاء واسع مشرع على العالم، و مندرج في مسار إحداثياته الثقافية الراهنة بكل ما تطرحه من نقاشات حول قيمة الإنسان في هذا العصر المعولم، و مدى تحقُّقِ حريّته بالنظر إلى ما تتركه القبضة المحكمة للغرب المتربع على عرش الإنسانية من إمكانية تحرّكٍ تبدو عديمة الجدوى بالنظر إلى ما يبذله المثقف المنتمي لبيئة ما بعد كولونيالية مفعمة بالتّأخُّرات من جهدٍ مُضن في اللحاق بما تطرحهُ من أفق، و بما تضعه من شرط من أجل الاصطفاف في طابورها الحضاري الطويل.
هل يُعتبر هذا عيباً في حدّ ذاته؟ لا أعتقد ذلك.. نظرا لما للمثقف المعاصر الباحث عن الاندراج الواعي في عصره من إمكانية الوعي بالذات و بالآخر من دون الارتكان إلى البكائية التي طبعت مثقف القرن الماضي، و التي كان يعلّق عليها إخفاقاته التي منها قلّة الحيلة، و ضيقُ الحال، و غياب الإجابة عن السؤال.
و لكن هل يمكننا أن نتجاوز، بآلياتِ وعْيِ هذا العصر الذي يوفر لنا حرية الانتقال من الذات إلى العالم و العكس، عقدةَ (الموضوعة المركزية) التي تربض في مخيالنا الثقافيّ و كأنها خلاصٌ نهائيٌّ من عقدة ذنب ما، و كأنها إكراهٌ مرجعيٌّ يجب علينا أن نمكث في بيوتاته الشّاغرة في ذواتنا، و كأنْ ليسَ ثمّةَ من بديلٍ مركزيٍّ آخر بإمكانه أن يثير دائرة الاهتمام بالرؤية الإشكالية الغائبة/ الحاضرة في بنية الثقافة العربية، و كأنْ ليس هناك من مرجعية جزائرية أخرى، في مسار الثقافة الجزائرية، بإمكانها أن تثير النقاش و تكون مركزا له و دافعا محرّكا لمضمراته الراكدة بعيدا عن الطرح الهَوِيَّاتي المبالغ فيه للوطنيات المصلحية المصطفة في طابور الموقف و الموقف المضاد.
ربما كانت المسألة مسألة مرجعية إذاً. بل قد تكون كذلك بنسبة كبيرة على الرغم مما يمتلكه مثقف مثلك من حرية في اختيار من يراه مناسبا لتوكيد أطروحاته في الحراك الثقافي الغائب، و من الزاوية التي يراها مناسبة لدعم رؤيته و البرهنة على صلاحية مسارها في هذا الحراك.
و لذلك، يبدو لي أن محاولة إخضاع مسار الثقافة الجزائرية بكل ما أنتجته من تناقضات في أزمنتها المتعددة لِمَا تسعى رسالتكم إلى التأكيد على مركزية حضوره في هذا المسار، إنما هو من قبيل البحث عن خلاص للذات الجمعيّة في مرجعية الآخر، أو من مرجعيّة الآخر، لا بوصفها طريقا للتخلّص من تأثير إشعاعات مرآته المضيئة لدروبنا المظلمة فحسب، و لكن بوصفها مرهما وحيدا للشفاء ممّا لا زالت تتركه تأثيراته من أثر بارز في مسار الثقافة الجزائرية المعاصرة، و في مشروع المثقف الجزائري الحامل لِعَصا وجوده الرخوة، يهشّ بها على الأيقونات الباحثة عمّا نبت من كلأ معرفيّ في مرعى الدولة الوطنية، و ذلك على الرغم من تعدّد رؤاه المأسورة في اللغة الفرنسية، و على الرغم من تعدّد رؤاه المُعبَّر عنها بشاعرية و عمق في اللغة العربيّة. فهل وصلنا إلى مرحلة تجاوز المثقف الجزائري لعقدة اللغة واحتضانه لفكرة الآخر بأفق معرفيّ عابر للغات؟
إن رسالتك الموجهة إلى الكاتب الفرنسي ألبير كامو، صديقي دلباني، تدلّ دلالة قاطعة على تحوّل بنية الخطاب الثقافي المعرّب في الجزائر، و على تغيّر دائرة اهتماماته و زوايا طرحه و أساليب مناقشاته، ليس في التطرق إلى الموضوعات فحسب، و لكن في كيفية التطرق إليها و مستوى مناقشة الإشكاليات الثقافية الكبرى التي كثيرا ما كانت غائبة عن هذه الخطاب المأسور داخل دائرة المسلّمات و البديهيات بوصفها وصفةً مهدّئة لأوجاع الرأس، و مُطَمئِنةً لقلق الذات في مجتمعات مُجزّأة داخل الوحدة، ومفتوحة على الانغلاقات. فهل هي خيبة المثقف المعرّب من مشروع حضاريّ عربيّ، و من مشروع ثقافيّ وطنيّ راوداه خلال مراحل تكوّن الوعي الوطني بالمسألة الثقافية حُلماً جميلاً لم يجد في تفسيراته غير عُقد التاريخ المشفّرة، و في نتوءاته الحاضرة غير راهنٍ مليء بالتناقضات، فغادره غير آسف إلى رحابة ما يجده في الآخر من قدرة على استيعاب امتعاضات الوافدين من ذواتهم، و على امتصاص غضبهم من مرجعياتهم بإعطائهم مُسَكّنات الألم التي طالما حلموا بها في ثقافته الوطنية. مسكّناتٌ شبيهةٌ بالحرية، و بالتعددية، و بالتسامح، و بالقيم الإنسانية المشتركة، في كُرةٍ أرضية مُعَوْلمَةٍ شبيهةٍ هي الأخرى بكُرَة الكريستال الحاملة لنبوءات التحديب و التقعير و التسطيح؟
صديقي دلباني..قد لا يكون كل هذا مزعجا كثيرا من وجهة نظري المتواضعة، نظرا لما نراه من حتمية تاريخية مائلة بثقلها التاريخي، و بوَعيِ مَنْ مالت في كفّتِه، إلى الغرب الواعي وعيا دقيقا بمكنونات اللحظة في حيوية هُنَيْهَاتِهَا الخارجة مِنْ صِغَر الإنسان الذي انطوى فيه العالم الأكبر، و نظرا كذلك لما أصبح يحمله المثقف من وِزْرِ المسألة الثقافيّة التي لم تعد إلا كونيةً في عمق طرحها، و في حريّة انتقالها السريع إلى المناطق الأكثر ظلمة في غابات الإنسان المعاصر.
غير أن الذي يزعجني، و اعتبارا لما سبق، هو هذا التبئير المتواصل على كاتب كان بإمكانه أن يكون عابرا مشهورا للحلم الوطني، كما غيره كثير من مثقفي فرنسا الذين أحبوا هذا الوطن عن صدق، أو كرهوه عن صدق، من دون أن يترك في عمق الذات الجمعية ما يعبّر عن رسوخ أيقونته فيه رسوخاً نجوميًّا يتجاوز ما تطرحه كتاباته من إشكالات وجودية تنبئ عن سرّ انشغال الناس به. يدلّ على ذلك حضورُهُ القويّ في بنية الخطاب الثقافي المكتوب باللغة العربية- و لعل هذا هو الجديد-، و خاصةً عند جيلٍ جديد من المثقفين الجزائريين الذين ينتمون مولدًا إلى مرحلة الاستقلال، وثقافةً إلى ثقافتها، و رؤيةً إلى هذا العالم المنفتح على العلم و المعرفة بفضل ما توفره التكنولوجيا من ثراء في المأدبة المعرفية، ومن سرعةٍ في استهلاك رموزها العابرة للذات عبور البعير للصحراء لا يعير اهتماما لكثبان الرمال و لزوابعها المتشابهة، و هذا الجديد الثاني. فهل يريد المثقف المعرب، الذي يحاول أن ينفتح على العالم بما يوفره له العالم من خيار التنقل بين الذات و الآخر، أن ينقل الآليات نفسها التي كان قد ملّ من ممارستها و من انتقادها في منظومته الثقافية المغلقة المتمثلة في التبئير على..، و المكوث في..، و النهل من..، إلى المنظومة الثقافية التي يعتقد أنها توّفر له زاوية منفرجة على الحرية يرى فيها عورات الذات المُفجِعة ببيكسيلات أكثر دقّة مما كان يُعَايِنُه في شاشة الثقافة العربية الغامضة المأزومة المعقدة؟
ما يزعجني هو اكتشافنا المتأخر بأن الأيقونة أهم من التاريخ، وأن الغياب أهم من الحضور، و المعنى أهم من الفكرة. ما يزعجني هو اكتشافنا المتأخر أن الأيقونة لها حياة بعد الممات، ولها وجود بعد العدم، و لها صلاحية البقاء في الصفّ الأمامي للمسألة الثقافية عندما تتراجع إشكاليات هذه المسألة الثقافية إلى الخلف، بفعل الشحن المستمر لبطارياتها الهرمة من بئر الذات المتفجرة غضباً خامًا من صحارى الوطن الشّاسعة.
ما يزعجني هو اكتشافنا المتأخر لإمكانية أن يجد كلُّ مثقفٍ من أيّ اتجاه كان، و من أيّ ضفة من المتوسط، بل و من أيّ مكان من العالم، إيمانه الدفين الذي يبحث عنه في الأيقونة الكاموية، فيسارع إلى التعلّق بما فيها من تعقيدٍ و ضبابيةٍ و عمقٍ. ما يزعجني هو أننا نجد متعة أكبر في ما نعتقد أنه صِدْقية تختزنها الأسطورة، خاصة إذا كانت معاصرة، مما نجده في الفعل التاريخيّ الحقيقي المشوب بالريبة والشكّ على الرغم من واقعيته، نظرا لما لحقه، أو قد يلحقه عادةً، من تزييفٍ مُتعمّد. و رغم ذلك، فإنني سأحاول الدخول إلى عالم رسالتك من الباب نفسه الذي دخلت منه و هو الباب الكاموي المشرع على مصراعيه بمناسبة مئوية ميلاده.
-2-
صديقي دلباني..إن محاولة إعادة استحضار الدرس الكاموي الذي لا زال يُصْدِرُه المسارُ الوجوديّ لكاتبٍ تخاصم مع ظرفه التاريخي بطريقة مأساوية و هو يأسر العالم في ما كان يسمّيه ب'الدورة العبثية' المفعمة بمكابدات 'سيزيف'، و بيأس'الرجل المتمرد'، و بنكران 'كاليغولا' للإنسان، إنما يُعبِّر فعلا عمّا يُحدِثُه فائضُ القيمة المتسرّب في باطن المعنى من بحثٍ مضنٍ في الانغلاقات الصخرية التي تفتح شهيّة الراغبين في إمكانية التنقيب المختص في/عن بواطن الغرف المغلقة، و تعدهم باستخراج فائض قيمةٍ نائمٍ على كنوزٍ من دلائل البرهنة على أحقية الرجل بالاستحواذ على الذكرى بوصفها عاملا مُدثِّرًا للذّاكرة الوطنيّة النائمة في أدراج التاريخ الأبكم بفعل تحكّم الفاعلين التاريخيين المستلقين على مطارح الضفّتين في مساراته الظاهرة و المتخفيّة، و مُغَمْغِمًا لِبأْبآتِها المكتومة بفعل الإغلاق المُحكَم لقِدْرِها الخاضع لحرارة الاشتعالات المتعاقبة في غابة الجغرافيا القابلة للتحرك في اتجاه معاكس للتاريخ في أيّة لحظة.
لماذا كامو مرّة أخرى ؟ و لماذا 'الغريب' ثانية و ثالثة و رابعة، و أكاد أقول دائماً؟ أَلِأنّ كامو صار الوحيد، من بين كل التجارب المريرة للكتّاب الذين مرّوا على مقصلة التاريخ الحقيقية أو الوهمية، الذي لا يزال يحمل الثقل السيزيفيّ المشبع بمعاناة الإنسان المستمرة، و بطموحاته المقموعة؟ أَلِأنَّ كامو العصيّ على التأويل، و القابل للتفكيك من طرف معاصريه، أصبح ذلك 'الغريبَ' الحاضرَ بصورة جذرية و نهائية في رحلة الشّك التي تقطعها الأجيال الجديدة من المثقفين في الضفّتين، و خاصة في الضفة الجنوبيّة؟ ألِأَنَّ ' الغريب' لا يزال يمارس تسكّعهُ في ضمائر المثقفين الباحثين عن الحلم الكاموي للهروب من رتابة العصر التي أصبحوا فيها مجرّد أرقام محمولة فوق ظهر دبابات الحروب الاستعجالية المشفوعة ب'حق التدخل' في حياة الآخر بحسب 'فيلسوف أطباء بلا حدود' برنار كوشنار، و بحسب ما يبلوره المشروعُ الحضاري المحافظ في حداثته للفلاسفة الجدد من أمثال هنري ليفي، و غلوكسمان، و فنكنفكرافك، المجبولين على الدفاع عن الإنسان حيث ما تكون مصلحتهم في إبقائه تحت طائلة (قانون السود) [ Code noir] بما يحمله لفرنسا المتحضرة من خذلانٍ إنسانيٍّ لا يزال وصمةَ عارٍ في جبين بعض المثقفين الصادقين من أبنائها؟ ألِأَنَّ 'الآخر' السارتري، الذي يتنعّم بشمس الضفّة الجنوبية،لم يستطع أن يحقق وجوده الكاموي في محنة الدولة المابعد-كولونيالية و هي تربط شهقة المجاري التنفسيّة للمواطن البسيط في بطاقة الانتخاب، و في حرية التصويت برفع الأيدي المغلولة؟ أَلِأَنَّ إشارات القرن القادم، الذي سيكون كولونياليا أو لا يكون، تبشّر، ابتداءً بما حملته عشريَّتُهُ الأولى من بشائر جديدة في استراتيجياتها التفكيكية، بتفتيت المفتت ممّا تبقّى من الفكرة الثورية التي لم تعد تستهوي حتى 'التشي' في قبره الرمزيّ الجاثم في ما تبقى من أدمغة الثوار الحالمين كما يجثم المرض العضال، و في موتته الأمريكية العظيمة التي حوّلته إلى أيقونة تجارية كبرى في 'تيشِرْتَاتِ' الشباب العازف عن قراءة التاريخ؟ أَفِي كامو فضيلةٌ مَا كانت لتستهوي 'التشي' الباحث عن القدوة من أجل إقناع العالم بجدوى مساره الوجوديّ الهارب من الفضيلة كما في 'أسطورة سيزيف' ؟ أفِي أبطالِه كذلك فضيلةٌ ماَ لم تكن لتُقْنِع سارتر المجبول على المشاكسة و المكر بجدوى المكوث كما التماثيل اليونانية في متحف الفكرة الكاموية؟ ألِأنَّ ثمّة خطراً مُحدقا بالذّات الهشّة المسلوبة الإرادة تحت ظل الدولة الوطنية المشيّدة على الورق بالملايير الريعية التي لم تكن لتنتهي إلا إلى جيوب أرباب العمل الغربيين المتحالفين مع 'اليسار الكافياريّ' و المصدِّرين للحداثة الوهمية، قد أصبح يتهدّد فعلا بنية الذات و وجودها المفخّخ داخل الجغرافيا المتحركة المتروكة عمداً، و بذكاءٍ استشراقيٍّ خارقٍ، من أجل التحكم المابعدي، و التحكّم عن بُعد، في حركة القبائل المثقفة المتنقلة بكل اطمئنان من مناطقها المنزوعة الكلأ إلى مناطقها المنزوعة الكلأ في صحراء الوطن الشّاسعة؟ ألأنَّ ما نستطيع أن نستخلصه من التجربة الكاموية بطريقة معاكسة لا ينفك يهدي للمواطن المغلوب على أمره في الضفة الجنوبيّة هدايا جميلة زُرعتْ في الخطوط الشائكة التي سيّجت الحلم الجزائري بكهربائها و ألغامها حتى قبل أن يحلم بحريّة متسيّدة على نفسه بما يحققه الفعل التحرّري في جانبه الما- بعد الثوري، من رؤية عقلانيّة في حركة البناء و التشييد و العيش في سلم و أمان تحت ظل دولة وطنية تحترم الحريات، و تحقق العدالة الاجتماعية والمساواة بين أفراد الوطن الواحد، و بين مناطق الجسد الواحد؟
صديقي دلباني..ماذا يفيدني أنا المعلّق بين جرحين غائرين في بنية الدولة الما بعد-كولونيالية التي أنتمي إليها، و التي أمارس فيها مواطنتي المسلوبة من الصناديق لاعتباري صوتا انتخابيّا فقط، وقوفُ كامو ضد المحق المنهجيّ للفعل الغولاغي بوصفه حالة جدانوفية نافذة في انغلاقات الآلة السوفياتية المدجّجة باقتناعات اليسار المؤدلج، إذا كان سيصمت صمتا مطبقا أمام ما هو أعنف من المحق المنهجيّ لفعل الإبادة بوصفه حالةَ تصفيةٍ نافذة في انفتاحات الآلة الاستعمارية المدجّجة هي الأخرى باقتناعات اليمين المؤدلج؟ ما الفرق بين أن تموت في الغولاغ السيبيري، أو أن تُقتَل في زحمة الشارع المُفضي إلى الموت بالجملة في خرّاطة و قالمة و سطيف، على مرأى و مسمع من مثقفي الغرب الخارجين لتوّهم من حالة الغثيان الدموية الناتجة عمّا خلفته الحرب العالمية الثانية من انكسارات في الذات الفلسفية الغربية؟ و ماذا يفيدني رفضُ كامو للمنحى السارتري المائل كعادته إلى اليسار الشيوعي، و وقوفه المبدئي ضدّه، إذا كنتُ أنا الخاسر الأساسي و الوحيد الذي يدفع ثمن الحرية من دمه من دون الحصول عليها بمساعدة المتنورين الوجوديين و المقتنعين العَدَميّين، حرّاس معابد التّموقعات، و أولياء السلطان الحاكم بأمره في برلين ما قبل الحرب، و في باريس ما بعدها؟ و ماذا يفيدني أنا أن يوجه كامو رسالته المشهورة إلى صديقه الألماني إذا لم تكن هذه الرسالة موجهة باسمي إلى صديقه الفرنسي، و لم أكن حاضرا فيها حضورا يستدعي التوقف طويلا عند مأساة شعبي؟ و ما معنى أن يكون المثقّف شجاعا في كل المواقف ما عدا في الضروري؟ ذلك أن الأقلّ القليل ممّن كان يملك الموهبة و الموقف معًا، كانت له موهبةُ الموقِفِ في اللحظة التاريخية الحرجة، و لكنها اللحظة المتوّجة بتجاوز جبن الذات أمام فظاعة التاريخ، و المرصعة بشجاعة وقوف الضمير أمام مرآة الحقيقة وقفةً أُوديبيّةً، لا وقفةً ماكبثيةً.
إنه ضميرُ الذّات الذي لا يمكن أن يكون إلا إنسانيًّا، كما أنها اللحظة العابرة للأزمنة الوجودية، و المتشبثة بما يَحْثُلُ في غربال الوجود، حيث لا يبقى من الإنسان غير ما تحمله مواقفه من رؤى تُذكِّر المستقبلَ بمواهبه، و إلا فما معنى أن تكون صاحب موهبة و لست صاحب موقف؟ ما معنى أن تكون مبدعا عظيما ومثقفا أقل عظمة؟ ما معنى أن تبحث عن الإنسان في عتمة الوجود و هو مُكبّلٌ أمامك في وَضَحِ التاريخ؟ ما معنى أن تدير ظهرك لهذا التاريخ في اللحظة التي يواجه فيها الشعب أشرس المواقف الاستعمارية، و أنت الذي طالما أردته أن يكون منفتحا على الأقوى، و متحضرا مع 'الأعلى'، و متسامحا مع 'الغريب' الفاتح، و منسجما مع القادمين من الشمال، فلا تستطيع التنديد حتى بأقل ما يمكن أن يتحمله المثقف من مسئولية المجاهرة بارتكاب الجُرم على فرد من أفراده بدعوى المحافظة على التوازن الوجودي لوطن لم تَرْشَحْ مكوِّناته بعد في مصفاة الذات المُستعمِرة.
وطنٌ/جغرافيا كما تريد له رغبة كامو الباطنة أن يكون. وطنٌ برؤية طوباوية و بحلم تلفيقيّ تبيَّنَ في اللحظة نفسها للكثير من المثقفين الواقفين على حقيقة الجرم الاستعماريّ استحالة تحقيقه نظرا لما في أرض الواقع من انكسارات لم يضعها في حسبانه لا الموقف الكولونيالي بما يمتلك من منهجية الدرس الاستشراقي و من صرامة تحليلاته و عقلانية استنتاجاته، و لا المثقف المؤدلج الخارج لتوّه من أتون الدم الطالع للرُّكب بسبب ما حملته النازية من رعب عرقيّ تمييزيّ لم تكن النسخة الخفيفة المُطبَّقةُ منه على سكان الخيام و المداشر المنتشرة في المناطق المعزولة في الشمال القسنطيني، و في التلال الونشريسية، و في امتدادات الصحراء الجزائرية، من طرف المستعمر الفرنسي غيرَ مذاقٍ أوّليّ بسيط لما عاناه الإنسان الغربي في بشاعة رهانه على الحلّ العَدَميّ، وذلك على الرغم من بشاعة ما تحمّله هؤلاء السكّان المأسورون في 'الصورة الأنديجينية' من غبنٍ و محقٍ و تجهيلٍ و ترحيلٍ و ترويع و تجويعٍ؟ ما معنى أن يكون كل هذا الثقل التاريخي مختصرا في كلمة (لِي زَاغَابْ) التي تملأ النوايا الكاموية و كأنها صورة تؤثث للزاوية الأكثر ظلمةً و عتمةً في ثنايا البيت الكولونيالي العتيق؟ و هل كان كامو يعرف فعلا كل هذه العذابات التي مارسها المستعمر على الإنسان المُستَعْمَرِ معرفةً حقيقيةً؟ أم أنه كان يتجنّب ثقل ما كانت تزخر به فرنسا من دروس أقل ما يقال عنها أنها هي و الحضارة على طرفي نقيض؟
ربما يكمن الفرق بين كامو و بين سارتر في هذه المسألة بالذات. ذلك أن ما يهمّني في سارتر هو هذه اللحظة التي يلتحم فيها رأي الفيلسوف و موقف المثقف و موهبة الأديب من أجل التنديد بالشرط الاستعماري الذي أسرتني فيه الآلة الاستعمارية طيلة ما يزيد عن القرن من الزمن بغض النظر عمّا تحمله خُططُه المشوبة بالمكر، أو خلفيّتُه المدجّجة بالحيلة. ذلك أن التاريخ يتعامل مع المواقف و الأفعال و لا يتعامل مع النوايا، و أن القليل القليل ممن تقاطع مع التاريخ تقاطعا ذكيا وشجاعا هو من استطاع أن يقرأ لحظاته الموغلة في العتمة قراءَةً صحيحة. و ربما لهذه الأسباب، فإن ما لا يَهُمّني في كامو هو ما تتركه في نفسي تجربتُه المفعمة بالخيبة، و يأسُه الغامر من لحظةٍ وجوديةٍ لم يحسّ بها غيرُه بالدرّجة نفسها التي أحس بها هو لوحده، لكنها لحظة وجودية أصابها كامو، فأخطأ بها التاريخ.
لعلها الأزمةُ إذاً يا صديقي دلباني. أزمةُ الفتى الأنيق المتميّز الموهوب الوسيم، الشبيه بنارسيسيوس و هو يقلِّبُ صفحةَ الماء بحثاً عن صورته العذراء، و طمعاً في مداعبة ذاته النرجسيّة المتعلّقة بالمجد الهيلّيني اليَكَادُ يطلّ برأسه من ثنايا الخطاب لشدّة الحرص على إخفائه. لعلها أزمة الفتى الماثل مع ذاته المعلّقة أمام عقبة الوجود الكأداء كالحلم السيزيفيّ الضّائع بين الدم الأصليّ و الدم المستعار اللذين يبدو أنهما لم يختلطا بما فيه الكفاية في عروق الفيلسوف الأديب ذي العبقرية الناتئة، و التي جعلت منه مواطنا عالميا لا يأبه بالتفاصيل التي تؤرّق الشعوب، و تقضّ مضجعها، و تجعل من أفرادها أشباحا مُستعمَرَةً تابعةً لإرادة المثقفين الانتهازيين في إخضاع الجموع إلى رغباها الاستعلائية المُلِحَّة.
ما لا يَهُمُّني في كامو هو الفجوة التي تركها عمدا، أو جُبْنًا، أو غفلةً، في خطابه الأدبي، و في مسيرته الموقفية، و التي استطاع سارتر أن يسدّها بذكاء كبير، و يجعل منها، ربما بناءً على اختلافه المبدئي معه، و لمعرفته المسبقة بفجوات كامو الفكرية، باباً يعرُجُ منه إلى آفاقٍ تحرّرية أكثر رحابةً من الحلم الكاموي المأسور في قفص التغريدة الوجودية. ما لا يهمني في كامو، هو هذه الصورة الأنيقة، المليئة بالحنين إلى عصر الأبيض و الأسود، و المُذكِّر بجمالِ بإنغريد برجمان، و بأناقة هامفري بوغارت في فيلم (كازابلانكا)، و هي الصورة(الصور) التي لا زالت تملأ جيوب المطابع بالدّولارات الزرقاء، و لا زالت تعكس وسامة جسدية طالما أغرت المثقفين المفتونين بسيميائية اللباس البَارْتِيَّة، و التي كانت و لا زالت تُحيل إلى عكس ما كانت تُمثّله صورة سارتر الدميم القريبة جدّا ممّا تعكسه الصورة المتوحشة للثّوار الجزائريين في مرآة الوهم الكولونيالي، الملمّعة دائما بالشمع المصنوع من فجيعة العمال الجزائريين المخدوعين رميًّا بالأيدي في نهر السين تحت الأنظار الشاعرية للمثقفين الفرنسيين المتجولين إيديولوجياً بين ضفّتيْه، و من عرق 'الدواكرة' الممتلئة رئاتهم برطوبة ميناء الجزائر العاصمة، و من تعب الحطّابين المتكلّسة عظامهم من برد غابات تيهرت، و من عرق الرعاة الباحثين عن الماء في فضاءات توات الحارقة.
فهل كانت الأيقونة الكاموية قد تأسست بسبب الصورة، و بفعل المرآة، تماما كأيقونة السيدة العذراء، على حساب 'أولاد التعبانة' المختارين فئرانَ تجارب بدقّة متناهية في رقّان لتحقيق القفزة الحضارية التي طالما أرّقت الحلم الدّيغولي في الوصول إلى التطوّر التكنولوجي الذي سينقل فرنسا إلى مصاف الدول النووية، و على حساب المتروكين على هامش مسارات التاريخ التي لا تتسع إلا لخطى السيدات الفضليات زوجات السادة الأفاضل الموشّحين بالنياشين، و المتساوين كعناقيد الألم، و المصطفّين كأسنان المشط في إبعادِ كل من يقترب من المنطقة المعزولة للوطن المعزول الغنيّ بما تحت ترابه من بترول، الفقير لما فوق ترابه من أبناء لم يسعفهم الشرط الكولونيالي الذي مكّن كامو رغم فقر والديه المدقع من التمدرس، من الالتحاق هم كذلك بالمدرسة؟
فهل ما لا زالت تعكسه المرآة لم يكن غير حقيقة تاريخية عكست هي الأخرى توجهات كل منهما ( كامو وسارتر) بالنظر إلى ما يطمح إليه الآخر من سموّ بالذات النرجسية من خلال اعتبار الجغرافيا ميدانا لتحرير التاريخ من العوائق الفردانية كما رسختها العقد المتراكمة للمثقف الوجودي، في صورته السارترية و في صورته الكاموية، في ما يستطيع الخطاب الجمالي أن يخبئه من تأويلات متناقضة ستدفع المثقفينَ المنتجعين في الضفتين بالضرورة إلى اقتسام الريع النرجسي للمتخاصمين على (بيت الخماس) الجزائري المسلوب عَرَقُهُ من قبل أن يتفجّر رِزقُه من ينابيع الأرض المسقيّة بالسرّ الذي لم تذكره الثورات في سعيها الحثيث لتأثيث الأفق الوطنيّ المغلق بإكراميات الدولة الوطنية السّخيّة على أبنائها، و من أن يتخذ هذا الرزقُ مسارا بتروليا في أنابيب الشوق التي ستتدفّأ بها (سيدة المقام ) في (شرفات بحر الشمال).
-3-
لا يمكنني، يا صديقي دلباني، أن أعتبر كامو صديقا، مثلما أنني لا يمكن أن أعتبره عدوًّا، لأنني لم ألمس في مساره الحياتيّ و الأدبيّ ما يدلّ على أنّه كان صديقي بصورة واضحة و جذرية حتى تنطلي علينا صفة الصداقة. كما لم يلمس في أفعالي و مواقفي ما يدلّ على أنني كنت أو لا زلت عدّوه بصفة جذرية حتى تنطلي علينا صفة العداوة. و لأنني كذلك لا أستطيع أن أتماهى مع حالة المنزلة بين المنزلتين التي يريد الكثير من المتأرجحين بين قُطبيْها أن ينصبوه على رأسها نبيا مستقبليًّا غير آبهٍ بعذابات البشر الخارجين لتوّهم من خيانات بروميثيوس، و الماثلين أمام محاكم التاريخ الاستعماريّ بكدمات سوداء في الأفكار، و بأغلال ذهبيّة في الأيدي.
لا يمكنني، يا صديقي دلباني، أن أعتبر كامو صديقا، مثلما أنني لا يمكن أن أعتبره عدوًّا، لأنني لا أريد أن أبقى مأسورا داخل عقدة التاريخ الكاموي الطاغي على التاريخ الكولونيالي الذي لا أريد أن أنساه، في كلّ مرّة تحلّ فيها ذكراه. لأنني أعتبر ألاَّ عقدةَ لديّ مع تجربته، و لا مع منجزه الإنساني، و لا مع نجاحاته و إخفاقاته، و لا نيّة لديّ أصلا في محاكمةٍ لن تكون إلا كافكاوية في عبثيتها، لأنّني أعتقد أنه لم يرتكب جريمةً كبرى يحاسب عليها حسابا نورومبورغيًّا، كما لا أريد أن أستمر في مقايضة التاريخ من أجل الظفر بمكان لائق في الذاكرة الكاموية التي لم تنتبه أصلا إلى حضوري في اللحظة التي كنت محتاجا فيها للاعتراف بوجودي الممزق، و بكينونتي المهددة بالمحق، و لأن اللعبة أعمق بكثير من عمق صداقةِ منْ يحملُ الهمّ الاستعماري في أفقه المعرفي، و من يحمله فوق ظهره المحدودبة من شدة الوقع، و من عمق الأثر، و من ضيق الطريق العامرة بالمستوطنين الفارّين من واقع غَرْبِهم، و الباحثين عن أفقِ حريةٍ لا يمكن أن يُبصِروه بوضوح إلا إذا اعتلوا هذه الظهر المحدودبة.
لا يمكنني، يا صديقي دلباني، أن أعتبر كامو صديقا، مثلما أنني لا يمكن أن أعتبره عدوًّا ، لأن اللعبة أخطر بكثير من مسألة موقف يسجله مثقف مستعجل ثمّ يمضي. و لأن المسألة ليست مجرّد جمالية ماكثة في سيمياء العشيرة، أو مجرد قصيدة شعرية تتحدى بارود الشرف الطّالع من فنتازيا خيّالة القُوميَّة'. إن الأمر، يا صديقي دلباني، يتعلق بوطن، و بشعب، و بأمة، بعيدا عن لغة الخشب المستعملةِ متْجراً مُربحًا من طرف سياسيّي اللحظة، وبعيدا عن الخطابات المحنطة التي يصنعها المثقفون تقيّةً لأنفسهم ممّا يصيبهم من تناقضٍ بين موقف المصلحة و مصلحة الموقف، فيبنونها قصورا خالدةً في المسافة الفاصلة بين بَرْدِ السلطة الشديد، و بين حرّها اللافح. ذلك لأنني لا أريد أن أبحث عن حلم دافئ في الحضن الكاموي كما تروّج له المشاريع الرسمية في الضفتين، و في النصين، و في اللغتين.
إن الأمر يتعلق أولا و أخيرا بتاريخ لا يزال قريبا منّا، و بجراح لا تزال تنزف، و بمواقف متناقضة لا يزال أثرها يفعل فعلته العميقة في بنية مجتمع، كما هو حال كلّ مجتمعات ما بعد الكولونيالية، بطريقة مأساوية لا يحرّك لها من ارتكبها ساكنًا إلى اليوم، و لا يجرؤ على الاعتذار بوضوح -ربما كان سيبني صداقة حقيقية لو تمّ- عمّا اقترفت يداه الباردتان إلى اليوم. إن الأمر يتعلق كذلك، وخاصةً، بالاستعمار، و بإمكانية عودته بأشكال مختلفة، و بأقنعة متجدّدة كما هو الحال في ما يجري لجزءٍ كبيرٍ من وطني الكبير المقسّم على حين غفلة، و المغتال في وضح النهار من طرف السفاحين أنفسهم الذين ارتكبوا المجازر في قالمة و خراطة و سطيف، ولكن هذه المرّة في غزّة، و في رام الله، و في الفلوجة، و في طرابلس، و في دمشق، و في عدن، و في غيرها من أماكن الجسد الواحد، بالأسلحة نفسها التي لا تُحرّك قلوب فلاسفة الغرب المليئة بالعطف الإنساني على الحيوانات التي لا تحتاج أصلا لعطفهم، و بناءً على وجهة النظر المُعقلنَة، إلا لأجل دعم القويّ على إخضاع الضعيف من أجل خدمة قضيّة واضحة من المفروض ألا يتبنّاها مثقفون غربيون كبار طالما جعلوا من الحالة الكاموية أيقونتهم البراقة للوصول إلى قلوب المغتربين في أوطانهم من مثقفي أبناء وطني الكبير، المفكّرين على عجل، والمتسرعين على روية، من أجل استنهاض الذات بجلب الاستعمار، و بالوقوف إلى جانب الغازي، وبالموت في سبيل احتلال الأوطان انتصارا للحداثة المظلومة في أرض التخلّف، و نكايةً في التاريخ التحرري للإنسان المتمرد عن حق في سبيل تخليصهم من الغزوات الاستعمارية الأولى.
أنت تعرف يا صديقي دلباني أن 'حارس المرمي' يكره دائما أن تُسجّل عليه الأهداف، و أن المقابلة التي امتدت قرابة قرن و نصف من الزمن لم تكن نتيجتها التعادل، ناهيك عن انتصار المهزوم الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بعد أن ينزع عن عينيه غشاوة الانبهار بالمنتصر. لأنه بإمكان التاريخ أن يكون مقابلة في كرة القدم مشوبة بالسياسة، و متوقّفة فجأةً بسبب ضجيج أطفالٍ من الجيل الثالث، أبناء فاقديّ الهوية بسبب الإغواء الكولومياليّ و غبرهم من المهاجرين الاقتصاديين، عبيد 'الأزمنة الحديثة'، ممّن كبروا في هامش المدينة، و دخلوا ملعب الأمراء بتذكرة مزوّرة، و غَزوا ميدان المقابلة المحسوبة الأهداف و النتيجة قبل انتهاء الزمن الرسمي. ذلك أن التاريخ ليس نشيدا رسميا، و ليس أغنية عاطفية. كما أنه لا يمكننا أن نُذوِّبَهُ في دهاليز المتاهة الوجودية، أو في جرعة من الأسبرين المستورد بالعملة الصعبة. ذلك أن التاريخ هو دخولٌ فجائيّ و غير مبرمج إلى ملاعب الأمراء، كل ملاعب الأمراء.
إن التاريخ في كل الحالات، يا صديقي دلباني، مُضغةٌ نيّئةٌ و نتنةٌ، مضغةٌ عالقةٌ في حلق صانعيه النائمين على أمجاد جرائمهم كما كاليغولا عالقٌ في حلق الجملة الأخيرة من التاريخ. إنه جمرةٌ ملتهبة نازلةٌ كالصّيف الحارّ على برودة القلبِ القَابَ قوسينِ من الموت، فتحرقه فلَذةُ تاريخه المشوب بالضعف الحضاري، و بالخوف من تجاوز إكراهات الذات، و بالتردّد و الخجل أمام مواجهة الآخر 'الغريب'. ذلك لأنه لا يمكننا أن نكون إنسانيين و كولونياليين في الوقت نفسه، و لأنه لا يمكننا أن نأسر الإنسانية في النزق الكولونيالي المزروع في خطوط التاريخ المكهربة، و القابلة للانفجار في وجه أطفال اليوم الذين لم يعرفوا خط موريس و لا خطّ شال، و لم يعرفوا تقنية الدفع المابعدي التي حوّلتهم إلى معوقين بعد نصف قرن من الاستقلال.
ذلك لأنه لا يمكننا أن نكون غربيين في مركزيتنا المتباهية بسعة ضيقها، و نكون في الوقت نفسه كونيين في دعوتنا العالم إلى الالتحاق بمأدبة الوليمة الكبرى لتناول ما تبقّى من فتات الشحم الحضاري المُعوْلَم، لأننا بكل بساطة لا يمكن أن نكون غربيين و كونيين في الوقت نفسه. ذلك أنه لا يمكننا أن نَؤَنْسِنَ لغة الخشب، و 'نُخشِّبَ' لغة الأنسنة، و لأننا لا نستطيع أن نسكن في' فم الغولة' و في حضن'الأم' في الوقت نفسه. فإلى أي مدى يمكننا اعتبار ترديد مبررات التاريخ المعروفة شوفينيةً ممجوجةً لكثرة تكرارها أو العكس؟ و كيف يمكن أن تكون لدينا قابليةٌ للآخر الذي لم يقف معنا يوم الشدّة موقفا حازما، بدعوى الإنسانية المُنفتحة على الآخر، و المُتحَمِّلة لمسئوليتها في النظر إلى التاريخ، و إلى أفراده بنظرة مختلفة؟، و في الوقت نفسه كيف ننكر على الرواية الأخرى حقها في هذا الانفتاح على التاريخ في إنسانية جذوره، و انسيابية مجراه نحو المستقبل الأخوي؟
لا يمكنني، يا صديقي دلباني، أن أعتبر كامو صديقا، لأنني أعتبر أنني لم أكن عدوّه، و لأنه لو كان صديقي فعلا لسخّر كل حياته لخدمة قضية الجزائر التي كان يريد أن تكون له وطنا كما يريد هو. لو كان صديقي فعلا لما ترك رؤيته تذوب في النظرة الكونيّة التي تَوّجتْهُ مواطناً عالميا يحرس مرمى فريق ثقافيّ و فكريٍّ بعيدا جدا عن ملعب المعاناة التي كان يعانيها آبائي و أجدادي و هم يخضعون لضرورة المسخ المنهجيّ. لو كان صديقي فعلا لكان قد حقّق من خلال حضوري في بنيته السردية ما لم يحققه في الذوبان في هذه الكونية، و لاختار طريقي من أجل الوصول إلى وجوده. لو كان صديقي فعلا لجعل من حضوري في نصه الأدبي شرطا وجوديا للوصول إلى الحرية، حرية الإنسان في تحقّقه الوجودي الذي طالما بحث عنه في المرجعية الغربية، الإغريقية منها و المعاصرة التي شكّلت تراثه الحقيقي في صياغة رؤيته للعالم و للكون. لو كان صديقي فعلا، لرأيتُ اليوم، أنا المتأخر عن جيله واقع أجدادي في روايته، و لعرفت من خلال أبطالها الجزائريين حقيقةَ الشرط الكولونيالي الذي فرض عُنوةً على حياتهم القصيرة جدا. ذلك لأنني أشعر أنني أقرب إلى ألبير ميمي، و جون سيناك، و موريس أودان، و جاك بيرك، و فرانز فانون، و غيرهم كثير ممن أدركوا قبل الوقت ما معنى أن يعيش الإنسان فظاعة الشرط الكولونيالي في صورته الخام، لا في صورته المكررّة في مصنع الذائقة الأدبية، و في أروقة الجدل الفلسفي المتعالي، و في تقارير أكاديمية السويد التي لا تكاد تفقه في الشرط الكولونيالي غير اللمسة الإنسانية التي زرعها كامو في خطابه المشهور.
-4-
لا يهمني ماضي كامو الشخصي، و لا حياته الفردانية، و لا مجده الثقافي، و لا حتى أعماله الأدبية المعتّقة بعطور التاريخ الغربي الحاضر في كل أوصال نصه. هذه كلها لا تهمني بالدرجة الأولى يا صديق دلباني. ما يهمني في ألبير كامو فعلا هو الماضي المشترك الذي غرسه الاستعمار بيننا، هو هذه الصورة الأيقونية لوطن عالق بين رُؤيَتيْنَا كما يعلق التاريخ في آخر كلمةٍ يرددها 'كاليغولا'، و الذي لولاه، أي الوطن- و ليس كاليغولا الذي عرِفتُه في وحشية جنرالات الجيش الفرنسي من بيجار إلى أوساريس-، لَمَا عرَفْتُه أصلا، كما لا أعرف الآن الآلاف من الكتاب و المفكرين الفرنسيين الذين لم يكونوا إلاّ حرَناً مستديمًا في بنية الثقافة الجزائرية المعاصرة على ما أنتجته من ضبابية متعمدة على التاريخ، و على ما شيدته من مصانع رمزية لإنتاج هيولى التعتيم على صفحته المقلوبة من دون أن تُقرأ من كل جهاتها، و من كل زوايا تناقضاتها المخفيّة بعناية في رؤوس المنتجعين على الضفتين.
إنه هذا الوطن العالق بيننا في درس التاريخ، و في مساقط الهويّة، و في توجّسات التفكير في الاتجاه الواحد، و في غزارة الحب من الجهة الواحدة، و في ديمومة تَكَوُّنِ دودة الكراهية في لبّ الثمرة المحبوبة، ثُمرة الحرية المكتوبة على كراريس الأطفال، و في طاولات الأقسام، و على تيجان الملوك، ولكنها الحريّة المشفوعة بصكّ قابل للدفع البَعْدِيِّ. و لولا هذا الخليط السحريّ الذي لا تزال روائحُ أبْخِرَتِهِ الغربية تفوحُ في ممرات الذاكرة المعاصرة لجيلي المخضرم، و الموزّع، دون إرادته، بين إرادة المستعمِر في اعتباره فرنسيا بالوثائق فقط، و بالخضوع لمواطنَةِ ما وراءِ البحار، لأنه ولد قبل الاستقلال حسب القوانين الفرنسية، وبين كونه نشأ جزائريًّا، في دولة وطنية مستقلة يُعزف نشيدها الوطني المكتوب بالدم في جدران زنزانات بربروس من طرف الشاعر مفدي زكريا- ذلك الأمازيغيّ الجنوبي الذي لا يزال غائبا رغم حضوره في وطنه-، حسب القوانين الجزائرية، أقول لولا كل هذا الخليط السحريّ، لَمَا وضعتُه كغيره كثير في دائرة اهتماماتي الما-بعد كولونيالية، لا من باب الجهل، لأنني أوصيتُ، بل أُمِرتُ، منذ أن وُلدتُ بأن أقرأ، وأن أعرف قدر استطاعتي و فوق استطاعتي، و لكن من باب الحذر من أن يستولي محبّوه و غيرُ محبِّيه من الدّاعين إلى التبنّي القسري لإنسانيته المسيطرة على ما تطفح به أيقونتُه المغمدة بلطفٍ، و على غير استحياء، بقطنِ المصلحة، من حنانٍ و إنسانيةٍ، ثمّ إلى اتخاذ هذه الإنسانية مسارا حَداثيًّا مفروضا على خصوصيتي التي لم تُحترم من طرف المستعمر، و على تجربتي التاريخية الغنية بما لا يتوافق بالضرورة مع تجربته، و التي هُمِّشت تهميشا كبيرا، و استُغِلَّت استغلالا رهيبا من خلال اتخاذها حقلا للدرس الأنتروبولوجي و العرقي و القبلي الجائع إلى استخلاص النتائج الرّينانية (نسبةً إلى المستشرق أرنست رينان)، لا من أجل إيقاظ الإنسان و تحريره من غفوته الوجودية التي سبّبها الاستعمار، و لكن من أجل تعميقها في وجهات النظر النافذة للباحثين، أصحابِ المقالات المُحكَّمة للمجلّة الإفريقية، و في المنهج الصارم للكتّاب الرسميّين ل'لموسوعة الإسلامية' المتوَّجة بمجد الرواية الأحادية للتاريخ الغربي الباحث عن الهيمنة جرّاء الخوف من أن ينفجر فائضُ القوّة الذي ولّدته الثورة الصناعية على رؤوس مقهوري الحرب من الشعوب الغربية الفقيرة، و إضافتها، من ثمّة، حلقةً أوديسيَّةً إلى الملحمة الهُوميرية المُخلِّدة للإنسان الغربي، و اتخاذها، أخيرا، سلاحاً استباقيًّا لتفتيت من تبقّى من هذا الجسد الشرقيّ الأسمر المنظور إليه دائما على أنّه 'فاكهة غرائبية' مخلوقة خصيصًا لأن تُقْضَمَ بشراهةِ الأنياب الحادّة التي تخبؤها العين الاستشراقية الزرقاء الجائعة إلى التهام غير ما ملّتْ تذوُّقَهُ في الغرب الجليديّ نظرا لما انتاب ذائقتها المعرفية و الفلسفية من تفكّك حداثيٍّ جراء وصولها إلى انغلاق مكعّبات بنياته على نفسها، و نظرا لما انتاب خلفيات منهجها الكولونياليّ المبنيّ على مبدأ استغلال الآخر من تكرار، و نظرا لانتهائها إلى مرحلة (الما- بعد) المُزيّنة باكتشافٍ آخر لمُكوِّناتِ الطّبخة الدموية الجديدة المتزامنة مع الدعوة إلى ما بعد الكولونيالية من خلال ترويج منهج 'ما بعد الحداثة' و منهج 'بعد ما بعد الحداثة'، و التي انتهى إليها الإنسان، متمرّدا كان أو غيرَ متمرد، و هو يجرّ أذيال الخيبة، ويبشّر ب'دورة دمويّةٍ' أخرى في شواطئ الدويلات المُنْبَتّةِ من أصول تُربتِها، والمُستقلّةِ بالصدفة التاريخية- و بفعل كراهيتها النظرَ إلى نفسها في مرآة الحقيقة، و محبتها النظرَ إلى نفسها في مرآة الغرب- عن أخواتها، نظرا لما يحتوي عليه عالم الآخر المتراميّ الأطراف من فائضٍ بشريٍّ قابلٍ للفرم المجانيّ من طرف الآلة الغربية الجائعة إلى فحولة الجسد الشرقيّ الرخيص، و مُستعدٍّ للموت كلحوم مدافع تنهشها آلة التدمير و غربان الحضارة المستعدّين في أيّ لحظة إلى إعادة إدراج الكولونيالية كواقع تنويريّ ملموس في بنية الخطاب ما بعد الكولونيالي. فمن قال إن بعد الكولونيالية لا يوجد إلاّ الفراغ الوجودي الذي يؤرّق كامو؟ و من قال إن ما بعد الكولونيالية ليست فعلا كولونيا مزركشا بالخطابات التفكيكية التي تصدّت لها في 'دائرة الدراسات الاستغرابية' الباحثة عن اعتراف بالدّال في ظل استغراب ما في مدلول الكلمة من استغراب.
من هذه الزاوية، صديقي دلباني، لا يمكن أن يعنيني مسار ألبير كامو الشخصي، و تكاد لا تعنيني عبقريته التي تفرّغ لدراستها المئات من الباحثين لا من قريب و لا من بعيد، لأن ذلك أمرٌ يخصّه هو وحده، و يخص مساره المتلفع بالألم الذي أحسّ به لوحده، و يخص عبقريته العذراء التي مكّنته من البقاء في صفحة التاريخ المفضوضة، يتمختر كيف تشاء.
هذا أمر لا يعنيني، صديقي دلباني، لأنني بحثت عن اسمه في التاريخ، تاريخي، فلم أجده، كما لم أجد اسمي في مدونته، و لم أجد صورتي في تاريخه، و لم أجد آلامي في عبقريته. لقد كان يبحث وحده عن فرصة لترسيخ وجوده في متحف الخالدين من الفرنسيين الكبار الذين عرفهم وتتلمذ على مواقفهم، وحاول، بل استطاع، أن يرقى إلى مستواهم ويزاحمهم في خلودهم، و أن يحفر له قبراً رخاميًّا في مرقد عظماء فرنسا. فكيف يمكن لي أن أبني له متحفا في قلبي و هو لم يفتح لي باب قلبه بما فيه الكفاية، و كيف يمكن لي أن أُخلّده، و هو لم يستطع أن يخلدني في متحف تاريخه باعتباري إنسانا مثله يطمح إلى الحرية ويكره الظلم و يحارب المستولي عليهما غصبا حتى آخر رمق من حياته. لقد كنتُ في مساره الحياتيّ القصير الطويل مجرد صدى عابر لنصه الوجودي العميق، مجرّد صدى عابر في نصّه الوجوديّ العميق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.