زوينة رئيسا لسلطة ضبط السمعي البصري    توزيع 4.759 وحدة سكنية «عدل» على المستوى الوطني    تجربة ناجحة تدعّم بالتكوين المتواصل    الرئيس ولد زمرلي يرمي المنشفة    الفاف تأمل تأهيل ديلور على مستوى “الفيفا” قبل الكان        قادة الاحتجاج في السودان يصعدون ويدعون لإضراب عام    تجدد المواجهات بمحور طريق المطار جنوب العاصمة الليبية    توقيف إثنين مهربين وحجز 66 كلغ من الكيف المعالج بتلمسان    «طلائع الحريات» يدعو إلى حوار جدي ومستعجل    تنافس كبير بين اتحاد العاصمة وشبيبة القبائل على لقب الموسم    ياسين براهيمي مرشح للالتحاق ب ليفربول    المجمع البترولي أول متأهل للدور النهائي    ريال مدريد مهتم بخدمات كوليبالي    نشرية خاصة: أمطار تكون أحيانا مصحوبة برعود متوقعة بعديد ولايات وسط البلاد    40 حالة اعتداء على شبكة الكهرباء والغاز بتيارت    السفير طالب عمر: الشعب الصحراوي لن يتنازل عن حقه في تقرير المصير    بونجاح مرشح للعب مع نجم عالمي آخر الموسم القادم    قسنطينة: هلاك شخصين وجرح اثنين آخرين في حادث مرور في الطريق السيار    الزّاوية العثمانية بطولقة قبس نوراني ... وقلعة علمية شامخة    نحو تأجيل الرئاسيات    150 مشارك في مسابقات حفظ القرآن والحديث النبوي بتيبازة    اليونيسيف : 600 طفل يعانون سوء التغذية الحاد بأفغانستان    بورصة الدروس الخصوصية تلتهب    جهود الجيش مكّنت من الحفاظ على كيان الدولة    تراجع كبير للسياحة الجزائرية    توزيع نحو 18 ألف مسكن منذ 2007 بوهران    صيودة يؤكد ان الآجال التعاقدية محترمة عموما    Ooredoo تُطلق العملية المُواطنة ” كسّر صيامك ” لفائدة مستعملي الطريق    المفوضية الأوروبية: استقالة ماي لن تغير شيئا بمفاوضات بريكست    إدارة شبيبة القبائل تعزل اللاعبين    اللهم ولِّ أمورنا خيارنا..    "حراك الجزائر" يصل إلى المريخ    النجمة سامية رحيم تتحدث عن “مشاعر” عبر قناة “النهار”    توقيف عصابة لسرقة المنازل و المحلات بأم البواقي    المجمع الأمريكي "كا. بي. أر" يفوز بعقد إعادة تهيئة حقل "رود الخروف"    فتح مكة.. الثورة الشاملة التي انتصرت سلميا    توقيف مهربين اثنين و ضبط عدة معدات بتمنراست وعين قزام    الجزائر تتسلم شهادة بجنيف تثبت قضاءها على الملاريا    ورقلة.. سكان تقرت يحتجون ويطالبون بالصحة الغائبة    قال إن الجزائر بأشد الحاجة لتأطير الشباب وتوجيههم: وزير الشؤون الدينية يدعو الأئمة لتبني خطاب يحث على توحيد الصفوف    أكدت حرصها على عدم المساس بالقدرة الشرائية للمواطن    بلغت قيمتها الإجمالية أزيد من 99 مليون دج: تسجيل 31 مخالفة تتعلق بالصرف منذ بداية السنة    الجزائر لا ترى بديلا عن الحل السياسي للأزمة في ليبيا    في الجمعة 14 من الحراك: إصرار على رفض انتخابات 4 جويلية    13 جريح في انفجار طرد مفخخ بفرنسا والبحث جار عن مشتبه به    لا يمكنني الاستمرار في بيتٍ شعار أهله انتهاك حرمة رمضان    ميهوبي في زيارة إنسانية للأطفال المصابين بأمراض مستعصية في مصطفى باشا    خلال موسم الحصاد الجاري    مصدر مسؤول: الترخيص ل”فلاي ناس” بنقل الحجاج الجزائريين موسم 2019    مصانع تركيب السيارات التهمت‮ ‬2‮ ‬مليار دولار في‮ ‬4‮ ‬أشهر    تقديم النسخة الجديدة لمونولوغ «ستوب»    هموم المواطن في قالب فكاهي    « تجربة « بوبالطو» كانت رائعة و النقد أساسي لنجاح العمل »    قال الله تعالى: «وافعلوا الخير.. لعلكم تفلحون..»    نصرٌ من الله وفتح قريب    الحجر يرسم جمال بلاده الجزائر    بونة تتذكر شيخ المالوف حسن العنابي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





في الرواية الجزائرية الجديدة .. تخييل الهوية والتاريخ وإختراق الأنماط الأسلوبية

حين نتحدث عن الرواية الجزائرية الجديدة ينبغي الحذر من مغبة الإنسياق وراء ما يحيل إليه هذا المصطلح في صلته بتيار الرواية الجديدة في فرنسا الذي أرسى دعائمه النظرية والروائية كل من ناتالي ساروت وألان روب غرييه وكلود سيمون بفعل الإختراقات الشكلية والبنائية التي أحدثها هؤلاء في تجاربهم الروائية وعليه فالأمر لا يتعلق سوى بمدونة نصية روائية جديدة من الناحية الزمنية لروائيين جزائريين دون تمييز إعتباطي بين جيل وآخر خارج ما يقوله النص سعت بعد صدمة العاشر إكتوبر 1988 والإنفتاح الديمقراطي وأفول بريق اليتوبيات الإشتراكية وسقوط مختلف الوثوقيات العمياء وإحلال الإختلاف محل التطابق والتماثل إلى محاولة التخلص من هيمنة الإيديولوجي على الإبداعي والجمالي الصرف و كل أشكال التسطيح و التصحر الإبداعي بأتجاه كتابة تخترق سطح المعني الجاهز والمبتذل وشطط التناول إلإبداعي وتجتهد في إرباك جاهزية الكتابة الروائية المألوفة في خطيتها المكرورة لتدفع بوجهة السرد إلى آفاق تغامر صوب التخوم النائية للذات والمخيال والوجود بإسناد من أساليب متعددة كفيلة بمنح باقي الفواعل السردية لأن تعلن عن شكواها بعدما غيبها ردحا طويلا من الزمن ذلك النمط السردي العام الذي إتخذ من السارد المهيمن أداته الأولى و الوحيدة في ملفوظاتنا الروائية رغم أنها “تقيم تشابكا على صعيد الرغبة في إنتهاك الشكل والتعبير بصورة جديدة عن العالم أي بصورة مختلفة عن تلك الطريقة التي عبرت بها الرواية الواقعية عن العالم ” (01) و بالتالي قول مالم يقل بهذا القدر أو ذاك ضمن تجارب إبداعية متباينة لغة وموضوعات إنفتحت فيها أبنيتها السردية على اللاّنهائي من الإستملاكات الجمالية و الأنماط الأسلوبية في مرحلة مغايرة تماما لما سبقتها إنبعثت فيها حقول المعرفة الإنسانية و إنفتحت عن آخرها لتبدع صلات جديدة من ” الإنتاجية النصية ” بتعبير جوليا كريستيفا ا مع مختلف النصوص الإبداعية و الأنواع الأدبية السريعة التحول هي الأخرى ضمن حوارية مثمرة و بناءة في إتجاهاتها التجريبية عبر إنفتاح السرد الروائي على الشعر و التشكيل الفني و الموسيقي و فن الرسائل الأدبية و المقامات و الخطاب الإعلامي والعوالم الإفتراضية وحتى الثقافة البصرية لرويات كتبت بمخيال مشهدي بصري هو أقرب إلى متخيل السيناريست مثلما هوهو الشأن في رواية” لاروكاد” لعيسى شريط وحديث ” الأدب عن الأدب” كما يسميه رولان بارت أو” الميتا أدب مثلما وظفته كأداة إجرائية الدكتورة آمنة بالعلى في حديثها ” الميتا روائي / ” وسؤال الكتابة “”ولذلك عمق الشعريون والبنيويون النظر في المسألة وتحدثوا عن الخطاب المنقول والميتا وفرعوا فيه” (02)في شكل إستطرادات و رسائل بين الشخوص الروائية و السارد وتعد روايات ” بخور السراب” لمفتي بشير و”ملائكة لافران” ليبرير إسماعيل و” هلابيل” و ” الحالم ” لسمير قاسيمي و” الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي ” للطاهر وطار و” ما بيننا ” لمحمد بلقاسم الشايب من أهم الأعمال الروائية التي حفلت بهذا النوع من التداخل النصي الحذر وفي حدود ما تسمح به الرواية كجنس أدبي له قوانينه وهي تؤشر من خلال وحداتها السردية والمعجمية والفنية والموضوعاتية لعوالم يراها الروائي تنفع في البناء الخصوصي للرواية كسندات سيرذاتية أو ” خطابات منقولة ” بتعبير جيرار جينيت بين حداد وصالح كبير والسارد في ” بخور السراب ” لمفتي بشير وبين جميلة بوراس وليليا أنطون في ” الحالم” لسمير قاسيمي حول هموم الكتابة وإشكاليات النشر والترجمة جميلة بوراس إبنة الكاتب المفترض ريماس إيمي ساك وهي تعلن في رسائلها عن آخر أماني والدها التي تتلخص كما جاء في الرواية بضرورة تنفيذ وصية أخيرة له وهي أن ترى روايته النورلتمتد هذه الحوارية إلى نوع آخر من” التفاعل النصي” شمل في روايته ” هلابيل “رسائل بعض الأعلام الذين إتخذ منهم ومن نصوصهم نوعا من المعطى الإبداعي كرسالة أحمد بن شنعان إلى شيخه ورسالة التلي بن الأكحل إلى سيباستيان دي لا كروا “أبدأ أولا بالإعتذار عن أسلوبي الذي لن يكون منمقا نتيجة إطلاعي البسيط عن اللغة الفرنسية مع علمي بمعرفتك بلغتنا العربية وغيرهاولكني إحتراما لك أراسلك بلغتك الأم ” (03) ومذكرات سيباستيان دي لا كروا وبين ياموندا وعباس وبين عباس ونجاة وبين الراوي وياموندا وبين الراوي والدكتور شارل ألفونس لا فران في رواية ” ملائكة لافران ” ليبرير إسماعيل ألفونس لافران الذي يحمل جناح داءالمناعة المكتسبة بمستشفى القطار بالجزائر العاصمة إسمه بعد أن عمل فيه بداية القرن العشرين وإكتشف لقاح حمى المستنقعات ليذكره الرواي بجميله وبخدمته التي أسداها للبشرية ومع ذلك يؤنبه الرواي مذكرا إياه أنك ” كنت مجندا ولم تقل شيئا عن إستعمار فرنسا للجزائر وأن الفرنسيون الذين غادروا منذ سنوات طويلة لم يتصالحوا مع تاريخهم أرأيت كيف منحنا ملائكتنا مكانا يحمل إسمك ” (04) وبين الراوي وعيسى لحيلح الذي لا يتردد الرواي في الإشارة إليه بإسمه الصريح الذي يحيل لشاعر جزائري معروف في ” الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي ” يضاف إلى ذلك حضور المحمول الديني والتاريخي وإستثمار الخصوصيات المحلية للتراث الجزائري الشفوي والمدون كنصوص غائبة أو مرجعية في سيرورة لا تتوفق بعد إستنفاذ مشروعية المشاريع الإيديولوجية و التحديثية والنهضوية ووصولها إلى أفق مسدود خلال العقود السابقة ليس هذا فقط بل إن رواية “ملائكة لا فران” سعت إلى تمثل بعض خصوصيات العوالم الإفتراضية والتواصل الإجتماعي الثقافي الذي وفرته الشبكة العنكبوتية للنت لتشكل في آخر فصول الرواية النهاية المفترضة التي أرادها السارد لشخصية ياموندا أو زينب بعدما قامت بإفتتاح دار لحضانة الأطفال وتفرغت لهمومها الخاصة والتطلع للمواقع الأدبية التي مكنتها من تحميل بعض النصوص والمقالات وإكتشاف موهبتها في كتابة القصة والتواصل مع صديقتها الإفتراضية ميساء التي إرتاحت لها كثيرا وأصبحت تتحرق شوقا لموعد تواصلهما من جانب آخر وفي محاولة لإرتياد آفاق جديدة في الكتابة الروائية لجأ فيصل الأحمر في روايته ” أمين العلواني ” إلى كتابة غريبة عن السائد الروائي وعن الواقع والمجتمع ضمن معطيات معرفته بالخيال العلمي هذا التوجه الذي طالما دعا إليه وبشربه في الكثير من المقالات التي نشرها وعلى صعيد إنتهاك الشكل وإختراق الأنماط الأسلوبية القارة في الرواية العربية عموماوفيما أرى أن الرواية الجزائرية تكاد تفتقر أو هي تفتقر بالفعل إلى هذا النوع من الكتابة الروائية التي تتخذ من تيار الخيال العلمي معطى إبداعيا لها بإستثناء نص روائي واحد نعتقد أنه كان سباقا إلى إرتياد هذا الأفق وهو نص ” مسار على الشاطئ المتوحش” للروائي محمد ديب في حين فضل الحبيب السائح في نصه الروائي ” تلك المحبة ” إفتتاح نصه بلغة هي أقرب إلى السجع والمحسنات البديعية وهي تنفتح على قاموس معجمي صوفي يضاعف من صعوبة قدرة القارئ الكسول على التواصل وقد شكل من ” لغة اللغة” “mita langue هوية نصية له “أستغفر الحق وأرتجى الشفاعة من حبيبه وإرتضى مرضاة الأقطاب والأولياءوالأئمة والأوتاد والحكماءوالصالحين والصوفية والزهاد ورجال الرمل والماء والفقراء والأعماد فإنما أنا للخالق مذعن وإلى الخلق مركن ” (05) وهي اللغة التي إختارها لتشكل هوية تجربته في الكتابة الروائية في تحولاتها الأخيرة لدرجة أن الرواية تحولت عنده إلى تجربة لغة بالأساس وهوس بها خاصة بعد صدور روايته ” ذاك الحنين ” نهاية التسعينيات التي تمثل في تصوري لحظة القطيعة مع الكتابة الروائية والقصصية الواقعية التي كان أحد ممثليها كغيره من مجايليه من الروائيين الجزائريين الذين إنساق أغلبهم خلال فترة السبعينيات من القرن المنصرم صوب التضحية بالفن والجمال لحساب الدعاية الإيديولوجية وفي إعتقادي أن لذلك ليس فقط رغبة منه في التجديد والتجريب وإنما أيضا لعوامل نفسية ووجودية جعلته يسبح في عوالم اللغة بعد صدمة روايته ” زمن النمرود ” التي سببت له الكثير من المتاعب فور مصادرتها من قبل أجهزة الرقابة الرسمية خلال الفترة الأحادية البائدة كما لوأن هناك رغبة محمومة جعلت محمد ساري في ” الغيث ” ينخرط هو الآخر في التجريب محدثا هو الآخر قطيعة مع منجزه الروائي الواقعي الملتبس بإيديولوجيا الصراع الطبقي والإمتلاء بالآخرين وهمومهم على صعيد صيغ القول الروائي بإستخدام لغة المقامة والتراث السردي العربي السفهي منه والمدون لإضفاء نوع من السحر الحكائي وشد القارئ عبردروب النداء ” تعرفون ولا شك أن السماع والإستمتاع يستوجبان الجلوس المريح إستعدادا للسفر مع فعل القص النبيل إذ أنني سأقص عليكم أحسن القصص وأمتعها بدءا سأطلب منكم أن تبحثوا عن أمكنة تلائم المقام لتزيدكم شوقا وتؤجج فضولكم ” (06) وأعمال روائية أخرى جعلت من حقول كتابية على صلة بالأدب كالترجمة متكأ لها كمعطى إبداعي من بين معطيات كثيرة والآية على ما نزعم أن هناك حديث عن هموم الترجمة الأدبية إستبدت بالسارد الخارج نصي في رواية “الحالم”لسمير قاسيمي والخبر الإعلامي والإستطلاع الصحفي وتحولت إلى مجال خصب للمحاكاة إن لم أقل التناص إلى حد الإخلال بالبنية الروائية إلا من بعض الوقائع المتواترة وفوضى الصور والإحالات للوضع المهني والذاتي للسارد فإحميدة عياشي مثلا في روايته ” متاهات ليل الفتنة ” لم يجد حرجا في أن يطعم نصه الروائي ببعض الأخبار المرتبطة بمسيرته المهنية ولم يتردد ولو للحظة واحدة في أن يستعيد صورا من تكوينه النفسي والتربوي وأجواء العمل التي جمعته بزملاءه في مهنة المتاعب من الصحفيين الذين إمتدت إليهم يد الإجرام على غرار بختي بن عودة وعمر أورتيلان وغيرهما ” مما أسس لحضور مكثف للمؤلف بالتصريح والتلميح أحيانا وإن حاول أن يستظل بشخصية حميدو الذي ليس سوى إحميدة وإن أظهره على أنه صديقه الذي يسكن معه نفس الحي حي الزنوج بماكدرة “(07) ولأن ” الذاكرة الموشومة ” بتعبير عبد الكبير الخطيبي كموضوع للسرد لم تقدرالكتابة الروائية في نمطيتها الموروثة من الإمساك بها كمعطى إبداعي ومحاصرة مآخذها وإنزياحاتها اللغوية والدلالية فكان لا بد على الروائي أن يجرب مستويات عدة للقول الروائي ومستويات عدة أيضا للغة هذا القول في محاولة للخروج بالرواية الجزائرية إلى آفاق أخرى للتخلص من الجمود الأسلوبي الذي خيم على السرد الروائي في صوره وتمظهراته الخطية كأفق لنمط واحد من الكتابة يحتل فيها السارد المهيمن العالم بدواخل الشخوص بوصفه المتحدث الأوحد كمعادل موضوعي لصوت الشاعر الذي يفترض صيغة ضمير المتكلم ومن أطراف المجتمع التخييلي للرواية وهو مجتمع له قوانينه الخاصة وليس المجتمع الخارجي الذي يعرفه القراء ولا حاجة لهم به يضاف إلى ذلك على الصعيد الموضوعاتي الغوص في بواطن الذات والتاريخ والمجتمع عبر العودة من جديد إلى الماضي الفردي والجماعي من غير أن تبدوا هذه العودة بمثابة القيمة السلبية في إنبثاقها وتحولها إلى كتابة روائية تحاكي التاريخ القريب أو البعيد كمعطى إبداعي وليس كتوجه مقصود وظف لغرض ما ينخرط فيه الروائي في إستدعاء ما لم يقله التاريخ الرسمي أو سكت عنه ضمن لعبة سردية تكسر النمط الكرونولوجي للحدث في خطيته المتواترة لتدفع بالسرد واللغة إلى التنامي مما يجعل الحاضر ينصهر بالماضي من أجل تقديم وظيفة سردية محددة هي ما يسميه أمبرتو إيكو ” التسارد” إن هذه العودة للتاريخ تتمظهر في قدرتها على نوع من قراءة التاريخ مسقطا على الراهن والواقع بإعتبار أن” النص المستوحي للتاريخ يشكل وجها من أوجه الواقع ” (08) كما يرى جورج لوكاتش ممثلة في ” كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد” و”أصابع لوليتا” للأعرج واسيني و” مرايا الخوف ” لحميد عبد القادر و”متاهات ليل الفتنة ” لإحميدة عياشي و” تلك المحبة ” للحبيب السائح و”هلابيل” لسمير قاسيمي و” نورس باشا ” لهاجر قويدري و” بحر الصمت ” لياسمينة صالح حتى وإن لم يكن التاريخ يشكل المحورالأساسي في نص ياسمينة صالح وفي ” تلك المحبة ” للحبيب السائح بل هو جزء منه فقط لقد تجاوزت هذه التجارب مجتمعة تلك المنطلقات النظرية والمفهومية التي على أساسها شيد روائيو الجيل السابق في فترة السبعينيات من القرن المنصرم رؤيتهم للتاريخ في صهره ضمن بوتقة الخطاب الروائي
الجزائري الذي إتخذ من تاريخ حرب التحرير مطية للقول بوجود صراع طبقي أفضى إلى تصفية القيادات الشوعية من طرف جيش التحرير الوطني خلال حرب التحرير الكبرى كما قدمته لنا تجربة الطاهر وطار في روايته ” اللاز” و” ما تبقى من سيرة لخضر حمروش ” و” ضمير الغائب الشاهد الأخير على إغتيال مدن البحر ” للأعرج واسيني على وجه الخصوص تجاوزته بمحاولة نقل البياض الذي نسيه المؤرخ إلى فضاء السرد التاريخ هنا “كأثر متحول أومفتوح ” بتعبير أمبيرتوإيكو ففي حين يختار واسيني الأعرج في “كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد ” جانبا معينا من ” المسكوت عنه ” في التاريخ الرسمي لحياة الأمير عبد القادر الجزائري هو الوجه المتعلق بالحوار الحضاري الذي أقامه الأمير مع بعض ممثلي التيار المثالي المسيحي الرافضة للتورط في المزالق الكولونيالية المسكونة” بتدويل الهويات”بتعبير المستشرق دوميتروكيكان ومحو خصوصياتها وعلى رأسهم القس مونسينيور ديبوش الذي قال عن الأمير عبد القادر ” ماسمعته عن الأمير عبد القادر جعله يكبر في عيني أكثر ويبدوا أن الأمير من صنف آخر ” (09) بينما حميد عبد القادرفي ” مرايا الخوف” كعادته يلجأ إلى الواقع السياسي والعسكري لحرب التحرير الكبرى ببعدها الثوري والتحرري وبمدلولاتها الواقعية والرمزية وهي تشكل المرجع المركزي في الملفوظ الروائي له في تناص مقصود مع ما غفل عنه التاريخ الرسمي دون إجهاز على خصوصية الكتابة الروائية في علاقتها بالتاريخ وإفراغها من جوهرها الفني عبر تعلق الراوي بجدته وهي تحدثه عن حرب السنوات السبع قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة من يوم أن أجبرت عائلة أمه على مغادرة قرية “آث منديل ” ” بعد أن شرع الطيران الفرنسي في تهديم القرى عقب عودة ذلك الجنرال الطويل ذي الأنف الكبير المدعو” لا سبيرج ” إلى الحكم في باريس عازما في البدء على سحق هذه الثورة التي ينعتها بالحرب قبل أن يدرك لا حقا أن الأمر إنتهى وما عليه إلا الإمتثال للأمر الواقع ” (10) وهناك نماذج روائية أخرى أيضا إتسمت بنوع من العودة إلى بعض الإحداثيات التي تشكل المكون الأساسي لتراثنا الشفوي والإسطوري والسردي فيما يشبه المطابقة والإختلاف في نفس الوقت ترفدها في ذلك خبرة الروائي السوسيولوجية والأنتروبولوجية وثقافته التي تجمع الإسطوري بالمتخيل بالواقعي بالفانتازي كما في” التراس” لكمال قرور و” و” و” الغيث “لمحمد ساري و” تلك المحبة” للحبيب السائح و” حروف الضباب” للخير شوارو” جبال الحناء ” لعبد القادر برغوث و” وحده يعلم ” لعايدة خلدون ” وهي شتات حكايات وأحداث محتملة في الحياة والعالم الماورائي الميتافيزيقي ذلك أن شخوصا مثل الزواوي في ” حروف الضباب ” وميرة في “جبال الحناء ” و” سطورة وإبن عمها ” خثر في رواية ” وحده يعلم لعائدة خلدون “و” اللقلق ونانا خدوج والعرافة ” في رواية التراس ” لكمال قرور وما تحيل إليه من وقائع غرائبية وحالات أقرب إلى الفناء والتجلي بالمعنى الصوفي وهي تغوص عميقا في المنسي والمغيب عن معنى للإختلاف يسكن تجاويف الطفولة والحب والأنوثة والمعرفة والسلطة و والشفوي والعالم والوعي الجمعي والوجود في سعيها للكشف عن رؤية مختلفة وعن وجه آخر لسؤال الكتابة الروائية وهو يختبر فعله الإبداعي الجديد عبر العودة إلى بعض إحداثيات التاريخ ومكونات المجتمع الهوياتيةوتراثه السردي وملاحمه الشعبية التي تعود بجذورها في التراث الروائي الجزائري إلى تلك التجربة المفصلية التي دشنها الأعرج واسيني بنصه الروائي ” نوار اللوز- تغريبة صالح بن عامر الزوفري ” كمرجع نظير ” يحيل إلى رغبة الروائي العربي في إستدعاء التراث السردي ومنحه بعدا معاصرا ” حيث يتحول في الرواية إلى إحدى أهم المتعاليات النصية الحاضرة منعوتة بالتعالق النصي ” (11) في إنبثاقها المتباين من عمل لآخرفي المنجز الروائي الجزائري بما هي نقيض الدليل الواحد الذي درجت عليه الرواية الجزائرية وهي تتجنبه ” كدلالات مفتوحة ” في إستعادتها للدال الروائي المفقود وقد حان وقت إستحضاره ومن المهم الإشارة هنا أيضا أن رواية ” فصوص التيه ” لعبد الوهاب بن منصور تكاد تكون العمل الروائي الوحيد في هذه المرحلة الذي إشتغل فيه عبد الوهاب بن منصور على المحمول الصوفي الشذري ممتدا في ماضي مدينة ندرومة التاريخية عبر فعل المحاكاة والأسلبة للغة ومفاتيح ” فصوص الحكم ” لمحي الدين بن عربي فيما لا تزال رواية المجتمع ممثلة في ” عاصفة الجن ” لخليل حشلاف وبوفاتح سبقاق في ” الإعصار الهادئ” وعبد الباقي قربوعة في ” مضغة النار”وعبد الرزاق بوكبة في” جلدة الظل” ومعظم ما كتبه محمد مفلاح وعز الدين جلاوجي وجيلالي عمراني تؤكد وتستدعي حضورها داخل كينونة الرؤية السوداوية للواقع والراهن السياسي والإجتماعي مثلها مثل عودة المكبوت الديني والسياسي والجسدي كما في تجارب رشيد بوجدرة وأمين الزاوي وفضيلة الفاروق في ” إكتشاف الشهوة ” وهي تجارب خاصة تكاد تشكل الإستثناء من ناحية إستنطاق المكبوت وإحياءه إبداعيا وفيما أعتقد أن مدونة روائية بهذا الحجم والتنوع والتعدد والثراءلأسماء مكرسة بشكل أو بأخر وأسماء أخرى جديدة تقتحم عالم الرواية لأول مرة على غرار عبد الغني بومعزة ومراد بوكرزازة وديهية لويز ونبيلة إبراهيم وأحمد عبد الكريم وآخرين وشهرزادزاغز لا يمكن أن يحتويها ملف إنها تحتاج إلى ورشات نقدية متعددة لتناولها بهدوء ضمن محاور متعددة المشارب بعيدا عن أي خلفية إيديولوجية أو جغرافية في المركز أو في الأطراف ردما لعواصف الإنتقاء والمزاجية والشللية التي حولت بعض التجارب الروائية إلى مجرد ملاحق تابعة لكتاب آخرين أو مكملة لهم بحكم جناية الجغرافيا على بعض الكتاب المتميزين والقرب أو البعد من وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية كمركز وهمي للإشعاع الثقافي والتداول الإعلامي للقضايا الزائفة والمغلوطة إلى حد طمس وعي الخصوصية والتفرد والإختلاف الناشئ عنها ضمن مناخ ” لا زال يرسخ لسلطة المرجع والمعيار وجعل الحقيقة تأسيسا نصيا لا بحثا في مفازة الوجود وإنبثاقا من التجربة الحية ” (12) و نفي التكرار و الرداءة و الإسفاف و إعتبار القول الأدبي ” حجم و فضاء ..حجمه هوفي الدلالات التي يولدها إنتظامه …الدلالات التي تولد في حركة الإنتظام فتشكل بالعلاقات بينها فضاء هذه الحركة … القول الأدبي نبض حياة متوتر ينتظم الكلام وليس العكس (13)
بعيدا عن الوهم بالإحاطة المعرفية والبريستيج الأكاديمي والتطرف لصالح منهج محدد في النقد الروائي لا” كقواعد مؤكدة و ضابطة إذ رعاها الإنسان كان في مأمن من أن يحسب صوابا ما هو خطأ (14) على رأي الفيلسوف ديكارت و لا كمنظومة من الأدوات الإجرائية المساعدة على تقكيك رموز الخطاب الروائي وإنتاج معرفة نقدية به وإنما فقط كقناع يتخذه أدعياء الكتابة والنقد كنوع من الممتلكات الخاصة الواجب التلويح بها وقت ما تطلب الأمر ذالك في ظلال من الوهم بالتقعيد المدرسي وكافة المتعاليات الذوقية والمعيارية والتربوية لتصير مجرد ملفوظات للعرض والطلب لا غير لأن الرواية وإن كانت ” تنوع كلامي منظم فنيا ” (15) كما يرى ميخائيل باختين فينبغي أن يقابلها أيضا تنوع وتعدد في مشارب القول النقدي وليس ” مأسسته” وحصره في زاوية واحدة هي الزاوية التعليمية لتأخذ هذه التجربة الروائية الخصبة حيزها المناسب في المساهمات النقدية ذات الطابع الشمولي وفي أجواء من الحوار النقدي والمعرفي والثقافي المسؤول المنتج لقيم نوعية تطرح حضورها المكثف المسكون بالتعدد والإختلاف الناشئ وهو يناوش الوعي النقدي المدرسي السائد الوعي الشبيه باللوغوس أو الدليل الواحد في سرديات النقد الروائي الجزائري للذهاب عميقا صوب ضخ دماء جديدة فيه تأخذ بالتنوع الحاصل على صعيد إنبثاق تعدد منظورات الكتابة النقدية ورؤياها المستندة على قراءة لأغلب الاعمال الروائية الصادرة في السنوات الاخيرة والوثيقة الصلة بتحولات المجتمع النوعية على أصعدتها المتعددة لإضفاء نوع من المعقولية النقدية وهي تتأسس على الإختلاف والتنوع وتبتعد قدر الإمكان عن الأحكام الوثوقية وثقافة الحسم النهائية في ما لا يقبل الحسم لزحزحة الطرح الدوغمائي العاطفي الذي لا يتوفر على أي مرجع أو خلفية تستند إلى قراءة واعية وشاملة نسبيا للمنجز الروائي الجزائري ولإصول النقد الروائي الجدير بالطرح والتداول والإعلامي والنقدي إن الرواية الجزائرية فيما أرى وكذلك كافة أشكال الإبداع الأخرى تحتاج إلى ” تلاحم في إنتاج العلامات ” مثلما يرى رولان بارت “فالناقد يضاعف المعاني ويجعل لغة ثانية تطفوا فوق اللغة الأولى للأثر أي أنه ينتج تلاحما في العلامات ” (16)وفي غياب وعي نقدي نسبي على الأقل بأهمية هذه التجربة عبر القراءة والتمثل كثيرا ما يحل التلفيق والقيم النفعية ومحاولات التواجد الصوري محل التشبع والتمثل ” لوصل القارئ بالمقروء” بتعبيرالجابري ليغطي على الموضوعية في نسبيتها وهو ما ينبغي الحد منه للتأسيس لحوار نقدي منتج ومثمر يستوعب مختلف التوجهات والآراء إختلافا أو إتلافا ولا بأس أن يشارك فيه الروائيون والنقاد معا لأن شهادة الروائي مهمة أيضا وقد تشكل نواة أساسية تساعد الناقد على مده بالمفاتيح الضرورية للكشف عن عوالمه الروائية والأسئلة التي تلامس مكونات مختلف التجارب الروائية الجزائرية
إحالات :
01) في الرواية العربية الجديدة – فخري صالح – ص11 منشورات الإختلاف الدار العربية للعلوم بيروت – 2009
02 )المتخيل في الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف – آمنة بالعلى – ص 157 – 158 دار الأمل – الحزائر2007 20
03) هلابيل – رواية – سمير قاسيمي – ص146 -منشورات الإختلاف والدار العربية للعلوم – بيروت 2010
04 ) ملائكة لا فران – يبرير إسماعيل – رواية – ص228 منشورات وزارة الثقافة – 2008
05 ) تلك المحبة – الحبيب السائح – ص11 منشورات
06 )الغيث – رواية – محمد ساري – ص 05 منشورات البرزخ – الجزائر2007
07)الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف – مرجع سبق ذكره ص 137
08 )الرواية التاريخية – جورج لوكاتش –ترجمة صالح جواد كاظم – ص86 منشورات وزارة الثقافة – بغداد 1978
09) كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد –واسيني الأعرج – ص 158منشورات – دار الفضاء الحر –الجزائر – 2004
10 )مرايا الخوف – رواية – حميدعبدالقادر – ص 67 68 – منشورات الشهاب – الجزائر- 2007
11) الإستعارة الجسدية – أعمال واسيني الأعرج متنا – جمال بوطيب – ص 153 ضمن كتاب الهوية والتخييل في الرواية الجزائرية – قراءات مغربية – منشورات رابطة أهل القلم – الجزائر 2008
12)متى متى ينتهي نشيد البجعة – أحمد دلباني – مجلة الآخر – ص107 – منشورات دار التكوين دمشق -2011
13)في معرفة النص – يمنى العيد – ص-دار الآفاق بيروت الطبعة الثالثة 1985ص-18
14)تأملات ديكارتية – المدخل إلى الظاهراتية –أدموند هوسرل – ترجمة نازلي إسماعيل ص46 دار المعارف القاهرة 1970
15)الكلمة في الرواية – ميخائيل باختين ترجمة يوسف حلاق ص11 منشورات وزارة الثقافة دمشق 1988
16)النقد والحقيقة – رولان بارت – ترجمة إبراهيم الخطيب – الشركة المغربية للناشرين المتحدين ص 69-1985-
--------
(*) قلولي بن ساعد ( قاص وناقد من الجزائر )
(**) عن مجلة مسارب


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.