قائد الدرك الوطني يقوم بزيارة عمل وتفتيش إلى القيادة الجهوية الرابعة بورقلة    الجزائر مقبلة على مشاريع كبرى أوائل 2021 رغم محنة "كورونا"    الإعلان عن القوائم النهائية للمستفيدين من " LPA" مارس المقبل    إنهاء مهام مدير الديوان المهني للحبوب    الأورو يسجل ارتفاعا قياسي أمام الدينار الجزائري    انتخابات مجلس الاتحاد الدولي : الجزائري زطشي يتوقع "منافسة شرسة"    لفتة رائعة للاعبي نابولي    أمطار رعدية مرتقبة على عدة ولايات ابتداء من مساء الجمعة    وزيرة الثقافة: "الأمير عبد القادر رجل كرّس مفهوم الإنسانية وحقوق الإنسان في الحرب والسلم"    البروفيسور رحال ينفي نقص الأكسجين بالمستشفيات    كورونا… تسجيل 1058 اصابة جديدة خلال 24 ساعة    الجزائر تجدد مطلبها بحق الصحراويين في تقرير مصيرهم    "التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر خط أحمر "    التهيئة تغيب عن حي 165 سكن تساهمي ببوتليليس منذ سنة 2015    المحكمة العليا تقبل الطعن بالنقض في احكام قضية تركيب السيارات    بالصور.. إدارة شبيبة القبائل تكشف القميص الجديد للكناري    فوضى أمام المركز التجاري باب الزوار في " Black Friday"    تسهيلات جديدة لشباب أونساج في تسديد ديونهم    إلقاء القبض على عصابة تمارس الدعارة بالشلف    لجنة الإنضباط تُهدد 15 ناديا محترفا بخصم النقاط    بعد اتهامها بالضلوع في خروقات المغرب.. لودريان يبرئ فرنسا مما يحدث بالصحراء الغربية    الأمن يحكم قبضته على بارونات المهلوسات عبر الولايات    غرداية: ضبط سندات بقيمة مليون دولار صادرة من بنك ليبي    رئيس شبيبة الساورة : إذا تعرضنا لحادث مرور أرواح اللاعبين في رقابكم    الدورة 47 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي: بوقدوم يترأس الوفد الجزائري    أسعار النفط تتراجع وسط مخاوف زيادة الطلب    مسلسلThe Crown عن العائلة البريطانية المالكة يحقق نجاحا باهرا    الدكتور دامارجي :ظهور فحص PCR إيجابي لا يعني أنك مُصاب بكورونا    مروان كريديا، استغلال الحجر الصحي للانغماس في الفن التشكيلي    زطشي: توقيف أحمد أحمد من طرف الفيفا كان منتظرا    حركة الإصلاح الوطني تندد بلائحة البرلمان الأوربي    عنابة: توقيف 1322 شخصا بسبب مخالفة تدابير الحجر الصحي خلال أسبوع    انشاء لجنة وزارية مختلطة بين الداخلية وقطاع الطاقات المتجددة قريبا    إحصاء أزيد من 17690 موقعا أثريا بالحظيرة الثقافية الطاسيلي ناجر    نادية بن يوسف تفقد والدها    تحطم طائرة تدريب عسكرية هندية فى سماء بحر العرب    وزارة التكوين المهني تدعو أزيد من 500 ألف متخرج إلى استلام شهاداتهم النهائية    زرقان: اخترت الجزائر عن قناعة على حساب فرنسا والمغرب    غضب واسع في فرنسا بعد قيام رجال شرطة بضرب مبرح لرجل من البشرة السوداء وماكرون يتدخل!    السويد: إصابة الأمير كارل فيليب وزوجته بفيروس كورونا    تخفيف العقوبة على كندي قتل ستة مصلين في كيبيك    هواوي توفر برنامجا تكوينيا ل 20 طالبا جزائريا    وفاة الفنان المغربي محمود الإدريسي بكورونا    وزير الاتصال : "تغييرات عميقة" في قطاع الاعلام عبر ورشات    البحرين تسير على خطى الإمارات والأردن وتقرر فتح قنصلية بمدينة العيون المحتلة    هبوب رياح قوية تتعدى 50 كلم/سا في هذه المناطق    هزة أرضية ثانية بقوة 5ر3 درجة بولاية المدية    وليامز تحذر من أن الوضع في ليبيا ما زال "هشا" وتدعو الفرقاء إلى مواصلة الحوار    من تكون سندي.. يبحث عن الأمل من جديد    الرئيس البرازيلي يرفض أخد اللقاح ضد كوفيد19    ترامب: تسليم لقاح فيروس كورونا سيبدأ الأسبوع المقبل    عبد القادر بن قرينة يصاب بفيروس كورونا    معسكر: إحياء الذكرى 188 لمبايعة الأمير عبد القادر    السعودية تحذر من وضع "أسماء الله" على الأكياس    أحكام المسبوق في الصلاة (01)    هذا هو "المنهج" الذي أَعجب الصّهاينة!    حاجتنا إلى الهداية    لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المولد الشّريف.. ومنهجية الاقتداء
نشر في الشروق اليومي يوم 27 - 10 - 2020

تتعطّر عقولُنا وأرواحُنا بمناسبة المولد النبوي الشريف من كلِّ سنة، وهو ما يجرّنا إلى الحديث عن جانبٍ من جوانب علاقتنا المقدّسة والمطردة به صلى الله عليه وسلّم، متجاوزين حُجُب الزّمان ومخترقين حدود المكان، لنكون على موعدٍ نادرٍ مع خير البريّة، تتطلع قلوبُنا وتشرئبُّ نفُوسُنا للوقوف على أسرار هذه البعثة وحِكمة هذا الوجود البشري له عليه الصّلاة والسّلام.
عندما نرحل إلى السّيرة النبوية -للاقتداء- فنحن نقف على قمّة التجربة التاريخية الكاملة والمؤيَّدة بالوحي، ولابدّ من القدرة على استلهام الأنموذج التطبيقي له، بل لابدّ من العمل على استمراره وامتداده، تعبيرًا عن خلوده وفاعليته وتجدّده، مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: "لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق، لا يضرّهم من خالفهم ولا مَن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.". كان بالإمكان أن ينزّل الله تعالى القرآن الكريم جملةً واحدةً دون واسطةٍ ملائكية أو بشرية، كمشروعٍ نظريٍّ متكاملٍ ومعصوم "يهدي به الله مَن اتبع رضوانه سُبل السّلام.."(المائدة:06)، ولكن من رحمته سبحانه وتعالى أن قدّم لنا أنموذجًا واقعيًّا وتجربةً بشرية جسّدت لنا عالم القيم في دنيا النّاس، مثّلت الفقه التطبيقي والتجسيد الفعلي والتنزيل العملي لقيم الكتاب والسُنّة على الواقع، وهي البيان الواقعي لكيفيات التعامل البشري القاصر والمحدود مع الوحي المعصوم والمطلق، ومن حِكمة ذلك: الإغراء بتمثّل أنموذج الإقتداء ليكون أدْعَى للإتباع وتحمّل مسؤولية الانتماء، وهو من عطاءات السّيرة لتحقيق الشّهادة علينا، كما قال تعالى: ".. ليكون الرّسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على النّاس.." (الحج:78).
هناك سِّرٌّ في بشريته صلى الله عليه وسلّم، وفي ظِلالها التفسيرية في حدود العصمة وأبعادها، ولهذا المنطلق أهميةٌ قصوى في مجال العقيدة والعبادة والسّلوك والاقتداء، قال سبحانه وتعالى على لسانه صلى الله عليه وسلم: "قل سبحان ربّي هل كنت إلا بشرًا رسولاً." (الإسراء:93)، وما تناوله علماء الأصول في التفريق بين تصرّفاته صلى الله عليه وسلم التشريعية كنبيٍّ معصومٍ وجب الاقتداء به في وظيفته الدّينية، وبين تصرّفاته غير التشريعية كشخصٍ له اجتهادته البشرية وحياته الاجتماعية في قضاياه الدّنيوية، وقد روى الشيخان البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلّم: "إنّما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسَون فإذا نسيتُ فذكروني."، وقال الإمام النّووي رحمه الله في شرحه على صحيح الإمام مسلم لحديث تأبير النّخيل، باب: وجوب امتثال ما قاله صلى الله عليه وسلم شرْعًا، دون ما ذكره من معايش الدنيا على سبيل الرّأي. إنّ الخطأ في فَهْم "بشريته" عليه الصّلاة والسّلام إمّا أن تؤدّي إلى إلغائها والمغالاة في العصمة والوصول إلى مقامات يتعذّر الاقتداء به فيها، كونه فوق الطبيعة الانسانية والقدرة البشرية، وهو ما نهانا عنه بقوله فيما رواه البخاري عن عمر رضي الله عنه: "لا تُطْرُوني كما أطْرَتِ النّصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله."، وإمّا المغالاة في التركيز عليها حتى تُنفى عنه الصّفة النّبوية والصّبغة الرّسالية المتصلة بالسّماء والمرتبطة بالوحي، فيُصوّر بالتصوير الاستشراقي بالزّعيم والقائد والبطل والعبقري، كغيره ممّن صنعوا التاريخ وغيّروا مجراه، وبالتالي لا يتميز بخاصية الاقتداء والتأسّي. وعندما تقرأ قوله تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.."(الأحزاب:21) تدرك بأنه لابدّ من امتلاك القدرة على تجريد السّيرة النبوية من ظرفيْها الزّماني والمكاني، وتقديمها كقيمٍ تتجاوز ذلك في قراءاتٍ تجديدية تتناسب مع كل عصر، فتولّد الرّؤية التي تعالج الواقع وتجيب عن الأسئلة وتحلّ المشكلات وتجسّد فاعليتها في الحياة، باستدعاء قيمها وتنزيلها كنماذج بشرية تمثّل صدقية: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين."(الأنبياء:107)، بحيث ترتقي إلى عالم الأفكار وتترفّع عن عالم الأشياء، وقد كفانا الأوّلون أمانة الرّواية والنّقل والسّرد التأريخي لها، وبقي علينا الدراسة الاستراتيجية المتحرّكة والناطقة لها.
إننا نسيء إلى "الاقتداء" به صلى الله عليه وسلّم عندما نكتفي بمجرد الاحتفالات الفولكلورية والمادية والشّكلية، وننسى أنّ العبرة هي في امتداد المنهج وتوسّع عطاء السّيرة ومعرفة أسرار قوله تعالى: "..واعلموا أنّ فيكم رسول الله.."(الحجرات:07)، إذ الاقتداء نزوعٌ فطريّ بشريٌّ في الإنسان، وعندما تمليه هدايات القرآن الكريم يصير عقيدةً وتعبّدًا..
إنّ التكليف الرّباني بالاقتداء به صلى الله عليه وسلّم يعني أنّ السّيرة (وهي أشمل من السُّنّة) قد بلغت ذروة الكمال في بناء أنموذج التأسّي، وحازت على معيارية الشّهود على كلّ النّاس، وقد استوعبت كلّ أقضية الحياة، وهذا يعني أنّ تلبية حاجات الأفراد والجماعات والمجتمعات من معين النّبوة موجود، تحتاج فقط إلى فقه الواقع الذي تعيشه وفقه مرحلة السّيرة التي تناسبها، باجتهادٍ مقاصديٍّ عقلي واستنباطي يستنطق الأنموذج ليُسعد الإنسان والبشرية الحائرة.
إنّ الاقتداء يستند إلى المعرفة اليقينية والاطمئنان القلبي والأمان العقلي والفعل الإنجازي، وهو يختلف عن التقليد الذي يفتقد إلى ذلك، وهو من ابداعات ودقّة التعبير القرآني وقوّته الدلالية حين يسمو بالاقتداء إلى مرتبة "الأسوة" والتي تعني: تحريم الإتِّباع دون مشروعية الدليل، وهو نوعٌ من التكريم الإلهي للعقل الانساني.
ولا يمكن لهذا الإقتداء أن يتحقّق إلا إذا استوعب المنهج النبوي بكلّ أبعاده الإنسانية، ولا يمكن لأحدٍ تحقيق ذلك إلا إذا تكاملت فيه حقائق التديّن الصحيح، وذلك بالمستويات الثلاثة التالية:
1) سلطان النّبوة على القلب بالمحبّة: بتحرير القلب وتصويب توجّهه إلى أنوار النبوّة، وقد جاء فيما رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور: أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم أخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحبّ إلي من كلِّ شيء إلا من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبّ إليك من نفسك"، فقال عمر: فإنّه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النّبي صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر.".
2) سلطان النّبوة على العقل بالعلم: وهي المعرفة التي تقتضي حضور النّبي صلى الله عليه وسلّم في حياة المسلم، تنزيلاً للنّص في قوله تعالى: ".. واعلموا أنّ فيكم رسول الله.."(الحجرات:07)، إذ لا تتمّ محبّتُه ولا يمكن الاقتداء به مع الجهل بجماله وكماله وروعة هداياته..
3) سلطان النّبوة على الجوارح بالإتِّباع: وهي تحتاج إلى قدرة العقل على الامتداد في النّص لاستخراج السّر والجوهر فيما يجب الاقتداء به، دون الارتهان إلى الزّمان (التاريخ) والمكان (الجغرافيا)، لنعيش حاضرنا ونتطلع إلى مستقبلنا. قال صلى الله عليه وسلّم: "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديين من بعدي، عضّوا عليها بالنواجذ.."، والسُّنّة هي الطريقة والمنهج، وهي تختلف عن مجرد النوافل والفضائل، إذ هي تعبّر عن الحقيقة في الاعتقاد، والطريقة في التّخلّق، والوسيلة في التعبّد، والمنهج في العلاقة مع الله والكون والإنسان والحياة على هديه صلّى الله عليه وسلّم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.