نجم بوافيشتا لبلماضي :"مُستعد للقدوم مشيا على الأقدام للجزائر"    أمطار رعدية غزيرة تصل إلى 50 ملم محليا على هذه الولايات    ثلوج بسمك 10 سنتيميتر عبر 19 ولاية    جمعية عين مليلة تحقق الأهم في يوم التعادلات    ضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة من أجل تنمية مستدامة للأجيال    التساقطات الأخيرة ساهمت في رفع منسوب السدود    الجزائر ترفض أي تدخل في شؤونها الداخلية    الدولة واقفة دوما إلى جانبكم    انهيارات عصبية وسط الجيش.. و"جنرال" يفقد الذاكرة    الإتفاق على زيادة الإنتاج النفطي بمقدار 500 ألف برميل يوميا بداية من جانفي 2021    الجزائر ملتزمة بالتنسيق مع الشركاء لصالح القارة السمراء    دراسة ملفات نشاط صناعة المركبات تتم وفق دفتر الشروط    جراد يؤكد على توزيع عادل وسريع للقاح المضاد لكورونا    الجزائر «عصيّة» وقادرة على إدارة الأزمات    الأغواط تستعيد الذكرى 168 لإحدى مجازر الاحتلال الفرنسي    لائحة الاتحاد الأوروبي "مجحفة للغاية"    تشييع الشهيد للماية سيف الدين    الزّهد في الدّنيا والزّهد في الآخرة!    إطلاق نظام معلوماتي لمراقبة البضائع المستوردة    إعادة 100 جزائري «حراق» من إسبانيا عبر خط ألميريا- الغزوات    وزيرة الثقافة بن دودة تؤكد مرافقتها للألعاب المتوسطية    لحمري يصاب ويخلط حسابات إيغيل    مأمورية صعبة للرابيد بعين الفوارة    3 رحلات جوية من البيض الى وهران و العاصمة أسبوعيا    الأورو ب 20200 دج للشراء و20600 دج للبيع بالسوق السوداء    تسهيلات للمؤسسات المصغرة وفق الشفافية ومكافحة البيروقراطية    ركود تنموي على بوابة الجنوب    مركز نفسي بيداغوجي لمرضى التوحد ببلعباس    عقود نجاعة مع مدراء 8 مسارح جهوية    نسخة جديدة من كتاب "تلمسان أو أماكن الكتابة" لمحمد ديب    « الاجتماع» عمل جديد قريبا على الركح    تتويج فيلم «صخرة ضد الشرطة» للجزائري جدواني بالفضية    بوادر انفراج للأزمة الخليجية    «إلزام المصاب بكورونا بمواصلة العمل خطر يزيد من حالات العدوى»    «الحجر المنزلي إجباري لمن تأكدت إصابته»    توزيع مطويات وكمامات على تلاميذ الإبتدائيات    الجوية الجزائرية تبرمج 24 رحلة إجلاء تستمر إلى 19 ديسمبر    أسد من أسود الجيش    بايدن يقر الانفتاح على «نهج متعدّد الأطراف» في السياسة الأمريكية    سي الهاشمي عصاد يشارك في اجتماع لتحديد محتوى وآجال إطلاق المنصة الرقمية للغات الأفريقية    "سبيربنك" يخطط لافتتاح أول معهد ذكاء اصطناعي في روسيا    تعاون بين "تايال" للنّسيج والمركز الجامعي    مناوشة كادت تتحوّل إلى جريمة قتل    عشريني يحوز مهلوسات    دعم أبدي للشعوب المستعمرة    اللقاح مجاني لكلّ الجزائريين    اكتشاف نقيشة ليبية قديمة بموقع قرقور بباتنة    منتخب كرة الريشة يلغي تربص السويدانية    "محمد رسول السلام"… أحدث كتاب علمي في الغرب    "سوسطارة" في مهمة رد الاعتبار ببشار    تمدرس الطفل المعاق حق مكفول قانونا ولكن الواقع صادم    وفد شباب بلوزداد يشدّ الرحال نحو مصر    هرمان تبادلا الإعجاب    محمد إسياخم الممحون بالرسم    الأمم المتحدة: تداعيات الوباء سترفع عدد المصنفين في فقر مدقع إلى أكثر من مليار شخص    دين الحرية    ما أجمل أن تحيَا هيّنًا خفيفَ الظلّ!    د.فوزي أمير.. قصة حياة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحمام التركي
إشراقات زينب / حكايات أبي
نشر في الجمهورية يوم 21 - 10 - 2019

كثيرة هي الحمامات الشعبية القديمة في مدينتي، والتي نسميها حمامات تركية ، كان ولا زال وقتها إلى حد الآن وحسب علمي موزعا على فترتين، الفترة الصباحية حتى العصر للنساء وبعدها يسلم للرجال . أما فِي رمضان تستمتع بِه النساء ليلا إلى ساعات متأخرة. حمامات لها تاريخ وجذور. لها ذاكرة وعلامات لا زالت محفورة في المخيال الشعبي وفي أذهان كل من ارتادوها كبارا أو صغارا. تلك الحمامات لعبت دورا مهما ومركزيا في الثورة التحريرية، لتبادل الرسائل الشفهية والوثائق والتنظيم واستقطاب المتعاطفين ومعرفة أسماء وأماكن الحركى والجواسيس وتحركاتهم. دور كانت تلعبه المرأة بكل قوة وشجاعة واقتدار؛ كما أنها كانت مخبأ للأسلحة وملاذا للمجاهدين الذين كانوا في السرية التامة لأن من يفتضح أمرهم كانوا يجدون مباشرة طريقهم إلى الجبل إن لم يسجنوا أو يقتلوا ويمثل بهم. العمة يمينة المسكونة بكل الجراح والخيبات، المرأة الهادئة والطيبة التي سيق جدها مع من سيقوا إلى محتشدات كاليدونيا الجديدة، وهاجر أبوها إلى فرنسا وهي طفلة؛؟لم تكن هي صاحبة الحمام، لكنها تربت وكبرت فيه ومع أهله كون أمها كانت هي المشرفة الأولى على قاعات الماء، ولأنها كانت في مستوى الثقة ما إن استوى عودتها حتى كلفت بالصندوق وما يدخله من مال. لما ساءت صحة أمها أصبحت هي المسيرة للحمام والساهرة على طلبات الوافدات إليه من نساء عاديات وعرائس ونافسات، كان لكل ظرف ولكل مناسبة طقوسها الخاصة بالرغم من الحرب والتهجير والتقتيل.
لم تنتبه لعمرها الذي كان يمضي وينطفئ ببطء إلا عندما سمعت لأول من يناديها بالعمة يمينة. كانت أول من يستلم المفاتيح صباحا من عمي يحيى وآخر من يخرج بعد العصر لتسليمها له من جديد. لا أحد كان يشك في تواطئهما الجميل لحظة استلام المفاتيح للتناوب على تسيير الحمام. كانت العمة يمينة حريصة جدا على التظاهر باللامبالاة ومخها يغلي مثل البركان خوفا، وصدرها يخبئ دقات قلب بحجم العواصف، وعمقها يردد " آه لو علمت السلطات العسكرية الاستعمارية ما يدور ويحدث في الحمامات لنسفتها عن آخرها وعذبت حد الموت من فيها" كما فعلت في الكثير من الأماكن والبيوت في مختلف المناطق لمجرد الشك.
تعوّد المستعمر منذ أن استولى على المدينة، على دخول النساء والفتيات والأطفال إلى الحمامات، مثلما تعود على ذلك مع بيوت القابلات والطبيبات الشعبيات. كم أُحرقت من وثائق وألبسة جنود وأحذية عند الضرورة، أو تلك التي تأخرت في الوصول إلى أصحابها لسبب أو لآخر، أو خوف افتضاح أمر من لجأوا للحمام، في الفرناق على يد نوّار الفرناڤي الذي كان يسهر ليل نهار على تسخين الماء وعلى إذكاء النار ورعاية لهيبها وزهيرها. لاحقا عرفت من أبي أن الشاب الوسيم نوار الذي أتلفت حرارة الفرناق ملامحه فقد كل عائلته بعد أن أبيدت قريته عن آخرها. نجا هو وبعض الأطفال صدفة لأنه كان يوم عملهم عند أحد الكولون. لمحه أبي في سوق الفخار يبحث عن شيء ما في القمامة، فاصطحبه عند عمي يحيى ليساعده في الحمام، تعلم المهنة ليصبح هو المسؤول عن الفرناق وحافظ أسرار المكان . العمة يمينة وفِي مكان معزول وسري تماما كانت تجمع ما تيسر من أنواع الحايك لتسهيل التحرك للمجاهدات اللواتي يأتين للحمام لمهمة ما، يدخلن من الباب الرئيسي ويخرجن من الباب الخلفي وكأنه باب بيت عادي بحائك مغاير أو بالجلابة المغربية التي كانت ترتديها النساء في المنطقة الغربية. بمحاذاة بابيْ الحمام على الدوام يتواجد طفل أو طفلة بحجة اللعب يراقب أي طارئ لإخبار العمة يمينة، التي لم تكن تغفل على أية صغيرة أو كبيرة خارج الحمام أو داخله، منذ أن تنبهت لامرأة تأتي للاستحمام وبيع بعض الأغراض، ناسجة الكثير من الحكايا والأسئلة عن العائلات بحجة خطبة فلانة أو فلانة لقريبها؛ كانت تزرع الغث من الأخبار لتأخذ السمين منها. راقبتها لعدة أسابيع دون أن تحس المرأة بأي شيء، إلى أن استدرجها بذكاء إلى منطقة الفرناق لتكتشف أنها مدسوسة من طرف الحركى المعروفين في المنطقة، وأنها تأتي إلى الحمام لالتقاط الأخبار . ما عدا العمة يمينة والعم يحيى والفرناقي لا أحد كان يعلم بأن مطرح الكْرانْ الخشن الذي كان ينام عليه نوار؛ كان هو الآخر نائما على مخبإ كبير يلجأ إليه المجاهدون عند الضرورة؛ مخبأ بأدراج ملتوية تنزل إلى عمق الأرض، لتتحول إلى بهو طويل مضاء بلامبات الكانكي التي تسهل لمن يتخفى، السير دون خوف. كان الثلاثي المتواطئ وحده من يعلم أين ينتهي الممر وأين مخارجه. لا زال الثلاثة يعيشون بيننا ولا من انتبه أو ينتبه لهم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.