أسعار النفط تتراجع وسط مخاوف تباطؤ الطلب العالمي    السعودية والعراق يلتزمان بإتفاق أوبك في خفض الإنتاج    ملك إسبانيا يختار منفاه    تونس.. المشيشي يلتقي اليوم برئيسي الجمهورية ورؤساء الحكومة السابقين    أجواء حارة مرتقبة بالسواحل والمناطق الجنوبية    الحبس والغرامة لآخذ الصور بمستشفى المدية    تلمسان: توقيف المشتبه فيه بسرقة مركبة سياحية    وفاة 56 شخصا وجرح 227 آخرين إثر حوادث مرور خلال أسبوع    الصحة الروسية: اللقاح الأولي ضد كورونا للأطباء وكبار السن    ارتفاع حصيلة قتلى انفجار بيروت وتوقيف 16 شخصا        بودبوز في القائمة السوداء وسانت إيتيان يريد التخلص منه    وزير التعليم العالي يبحث سبل التعزيز العلمي مع سفير فلسطين    فروخي: إعداد مرسوم خاص لتنظيم الصيادين الحرفيين في شكل تعاونيات    حركة واسعة في سلك الرؤساء والنواب العامين لدى المجالس القضائية    الرئيس تبون يجري حركة واسعة في سلك الرؤساء والنواب العامين لدى المجالس القضائية    تبسة: حجز 22 مليون مزورة وتوقيف ثلاثة أشخاص    ترامب يحظر التحويلات المالية ل" تيك توك "    العاصمة: غلق 6040 محل تجاريا لعدم احترام تدابير الوقاية من كورونا    برمجة 21 رحلة إجلاء إلى غاية 16 أوت    بشار: الأئمة يقدمون وجبة عشاء للأطقم الطبية والمرضى    انطلاق 4 طائرات جزائرية محملة بالمساعدات نحو لبنان    مجلة الجيش: ضرورة ايجاد حل سلمي لأزمة ليبيا    الاتحاد الدولي للغاز: جائحة كورونا ستخفض الطلب العالمي ب4%    القصة الكاملة لشحنة نترات الأمونيوم في ميناء بيروت    بشار: قتيل وجريح في إنقلاب سيارة ببوعياش    شيخي: الحديث عن كتابة مشتركة للتاريخ بين الجزائر وفرنسا "غير مستحب وغير ممكن"    توزيع اصابات كورونا عبر ولايات الوطن        ميلاد "مبادرة القوى الوطنية للإصلاح"    نحو إلغاء البطولة العربية للأندية بسبب كورونا    العميد يدشن إستقداماته بالتعاقد مع معاذ حداد    مجلة الجيش تؤكد على "ضرورة إيجاد حل سلمي" للأزمة الليبية    موريتانيا:تعيين محمد ولد بلال رئيسا جديدا للوزراء    العاصمة: تعقيم منتزه "الصابلات" وغابة بن عكنون تحسبا لإعادة فتحهما    وزيرة الثقافة توقع مع السفير الأمريكي على برنامج تنفيذي لحفظ و ترميم التراث    عين مورينيو على بن رحمة    مؤسسات ناشئة: إنشاء خلية للإصغاء والوساطة لفائدة حاملي المشاريع المبتكرة    طماطم صناعية: انتاج اجمالي يقارب 13 مليون قنطار الى غاية أغسطس    دوري أبطال أوروبا يعود بقمة منتظرة بين مانشستر سيتي وريال مدريد    الطريقة التيجانية : دور هام في نشر تعاليم الدين الاسلامي السمح واحلال السلم عبر العالم    هذا هو عتاد الحماية المدنية لمكافحة الحرائق    الفريق سعيد شنقريحة يعزي نظيره اللبناني و يؤكد له استعداد لجيش الوطني الشعبي لتقديم المساعدات الضرورية.    خام برنت يتخطى 45 دولارا للبرميل    النجمة اللبنانية "إليسا" تشكر الجزائر على المساعدات المقدمة إلى لبنان    وزير المالية: "النمو الاقتصادي خارج قطاع المحروقات عرف ارتفاعا خلال الثلاثي الأول من 2020"    مديرية الثقافة لبجاية تقرر توبيخ مسير صفحتها وتنحيته من تسييرها    مواعيد مباريات إياب الدور ثمن النهائي لدوري أبطال أوروبا    احذر أن تزرع لك خصوما لا تعرفهم !!!    بعد تعرضه لإصابة قوية    منافسة توماس كاب 2020    المال الحرام وخداع النّفس    الانطلاق في تهيئة حديقة 20 أوت بحي العرصا    بعض السنن المستحبة في يوم الجمعة    هذه فوائد العبادة وقت السحر    التداوي بالعسل    الشغوف بالموسيقى والأغنية القبائلية    يحيى الفخراني يؤجّل "الصحبة الحلوة"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ثقافة التسامح والرفض.. ومستقبل الأجيال..
نشر في الحوار يوم 25 - 06 - 2009


01- توطئة:
وإذا جريت مع السفيه كما جرى
فكلاكما في جريه مذموم
قبل أن ألج الموضوع لابد من توضيح المعنى والمصطلح حتى لا يحصل الخلط في المفاهيم فما هو معنى...؟
أ- التسامح: لغة هو التساهل، والشعور بالتعاطف والرحمة، بحيث تكون القلوب مفتوحة للخير مع الابتعاد عن المواقف السلبية، وهو مصطلح ديني ظهر في أوروبا خلال القرن السادس عشر كمطلب للتعايش السلمي بين الدول والشعوب، بدلا من الحروب التي تجلب المآسي وتحصد الأرواح البريئة، وثمارها هي العنف والأحقاد والمظالم ب- التعصب: عكس التسامح هو انغلاق المرء على نفسه عقيدة وفكرا، واعتبار الآخرين خصوما وأعداء، والمتعصب كالغريق ينزاح مع كل التيارات ''.. وإن الغريق لا يخشى البلل''..
ج- الرفض : سلوك يجعل الإنسان يبحث له عن مناخات للانعزال، ربما يجد فيها راحة ومتعة، هو حافز لتبني ثقافة رفض الآخر، دفاعا عن بعض الأفكار التي يعتقدها، ويبحث من خلالها عن مبررات ثقافية و فكرية و سياسية ودينية يستعملها لتحقيق مآربه، وفي ظلها يشاكس ويخاصم، فهو كالجمل المخشوم ''في أنفه ثقب''، وهذا السلوك معروف لدى بعض الأحزاب التي لا تجد في أجندتها السياسية إلا في الرفض منهجا وأسلوبا ''..ولا يكثر من نفي الشيء إلا المتصف به ..''
د- العنف: سلوك يؤدي للمسّ بالآخر، وهو أنواع.. لفظي، نفسي، جسدي، و الإنسان لديه طاقة معتبرة من المكبوتات يعبر عنها بصوّر مختلفة، وإحداها هو الغضب، وأخطرها العنف بأشكاله، أضرب مثلا: الشخص الذي لا يتورّع عن ملاحقة الناس بنظرات مريبة أو كلمات بذيئة، تحمل معاني السخريّة وعبارات الاحتقار والازدراء، فهذه صفات لها علاقة بالعنف''.. ومن راقب الناس مات مهموما..'' وعاش بالتطرف مسموما...
ه- الحوار: هو الرجع عن الشيء وإلى الشيء، بعبارة أخرى الحوار مراجعة الكلام بين شخصين أو أكثر، ومعناه المناقشة والمجادلة والمناظرة، بعيدا عن الخصومة والتعصب مع التزام الهدوء، حتى لا ينتهي الحوار قبل أن يبدأ، لعدم التزام المتحاورين بآداب الحوار ''على قدر الود يكون العتاب..''، والحوار نافذة فكرية بين المتحاورين، لإظهار الحق بالحجة والبرهان، ومن أهداف الحوار ترسيخ قيم التسامح، وتمهيد الطرق للتعاون المثمر، والتسامح هو أسلوب تفكير ونظرة إلى الآخر بعين الرضا والاحترام، فهو انسجام في الاختلاف القائم على العدل ونبذ الظلم والإقصاء، شعاره ''اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية''.
02- ثقافة الرفض: إذا كان إبليس هو المؤسس الأول لثقافة الرفض باتخاذه موقفا عدائيا من آدم عليه السلام، ورفضه السجود له على غرار بقية المخلوقات، فانه اتخذ الموقف تعاليا ومن باب التفاضل، ولم يتوقف عند هذا، بل ظل يلاحق أبناء آدم بالغواية والاستدراج، وأن ثقافة الرفض ظلت قائمة إلى يوم الناس هذا، لتتخذ أشكالا وسبلا، ففي الثقافات المعاصرة ارتبط الرفض بالانتماء والجنس واللون والثقافة والدين والوطن والجهة، ومواقف عدائية غاية في التطرف، كثقافة الكراهية والتطرف.. يقول علي كرم الله وجهه ''..لا تكن ممن ينهي ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، ويصف العبرة ولا يعتبر، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن..''، فالرفض سلوك يجعل الإنسان يبحث له عن مناخات للانعزال، ربما يجد فيها المتعة والراحة، ويبحث عن مبررات سياسية أو دينية أو ثقافية، وفي ظلها يشاكس ويخاصم، وأن رفض الآخر يفسد التواصل الذي يعد من أهم المهمات الحياتية وأقوى الواجبات في عصرنا، لأن الرفض يعني الفشل في التواصل، وهو حافز ودافع لتبني الرفض دفاعا عن بعض الأفكار التي يتشبث بها لإثبات شخصيته المهتزة، أو يعتقد أن الرفض يلبي له بعض الرغبات والمنافع.. وللرفض أسباب:
2-1- المصالح: فالطفل يغضب عادة ويثور ويصرخ من أجل الحصول على بعض الأغراض، فإذا ما تحققت له التزم الهدوء، ومع مرور الوقت يكتسب عادة الغضب لنيل المطالب ويصعب التخلص من هذه العادة، كذلك الكبار يجدون في هذه الثقافة ميلا وملاذا لنيل بعض المكتسبات والمنافع، حتى إذا نالها طالب بأخرى، ولذلك تنضوي تحت لواء هذه الثقافة الرافضة جماعة تكون مواقفهم مطلبيه ينشدون المصلحة وبعض الامتيازات، ويبقى نهجهم هذا قائما، فإذا ما لحقهم ضرر أو كانوا سببا في مشكل، بحثوا عن مبررات لتغطية فشلهم متخذين الوطنية شعارا، والأقلية سقفا، والثقافة منهجا وتبقى لديهم الثوابت هشة..
2-2- عنصر الثقة: عندما يهتز عنصر الثقة بالآخر، يصعب التركيز على المشتركات من ثقافة ووحدة وطنية والمصير المشترك، ويتخذون من مبدأ عدم الثفة شعارا يروّجون له ويرفعونه لتسويق مشاريعهم والمصالح الآنية، وعند هؤلاء الرؤية غير واضحة إذ تتركز المطالب على المتناقضات و تنشدها، في ظل غياب الثقة يتيه الأبناء، وتتضارب المواقف، ويحدث التصدع .
2-3- وضوح الرؤيا: إن تراكم الخبرة يساعد على خلط المفاهيم، واعتماد معتقدات أو فلسفة أو شخص ينظر ويرتب بعض المواقف، ولا تكون صائبة ولا متلائمة مع الأحداث والإشكالات، تجعله متحيزا رافضا من أجل الرفض، قد يقف في وجه المشكلات فيترك بعض الآثار السلبية من فرط ما يتبناه من قيّم وأيدلوجيات، وثقافة متلبسة بالمتناقضات، يصر على سلامتها، لأن وضوح الرؤيا يعتمد على الظروف الموضوعية المحيطة بالأحداث، وليس على المواقف التي لا تنسجم مع الواقع، ولذلك فان هذه الثقافة تجعل صاحبها متأزما لا يخرج من أزمة حتى يدخل أخرى ''فهو كالحلقة لا يعرف أولها من آخرها'' لأن الرافض لا يملك رؤيا واضحة فيلجأ إلى الرفض وهذا يفضي إلى نشر ثقافة الفوضى..
2- 4- ثقافة الاستعلاء: وان من أسباب ثقافة الرفض الاستعلاء، وتجاهل الآخر واعتباره غير شريك ولا متعاونا، بل عدوا يسعى إلى إبعاده ورصد حركاته، ورفض مقترحاته، ووجهات نظره، وحتى نجاحاته، ومن ثقافة الاستعلاء يبدأ الرفض والرفض المضاد ويشتد التنابذ بالألقاب ويتطلب الأمر استدعاء بعض أحداث التاريخ للاحتماء بها والتحجج..
03- ثقافة التسامح: يقال أن ''الشجرة تعرف من ثمارها..''، كيف نبني ثقافة التسامح ونحن نجهل ثمار أشجارنا الثقافية؟ وكيف تكون هذه الثقافة حاضرة في الوعي الإنساني ونحن نقول ولا نفعل؟ هي الأخلاق تنبت كالنبات *
إذا سقيت بماء المكرومات
لدينا الكثير من الأوراق التي تفيد، وأخرى تسئ، ولدينا إرادة وإدارة، ومتكآت لبناء الأوطان وإشاعة جو من الثقة والأمن بين الأفراد والجماعات، ولامناص من زرع ثقافة التسامح، إذ أن الاختلاف بين الناس أمر طبيعي بل مشروع، والإنسان لا يستطيع أن يتجرّد من عقله ومن قيّمه وإنسانيّته، فعقل الإنسان العاقل يميز بين النور والعتمة، بين الحق والباطل، والحق حق لا يلغي أحدا، ولا يزدريه، ومن كان له حق فليسعى إلى استرجاعه بالطرق السلميّة المبنية على الحوار، والحوار معناه التسامح، واحترام رأي الآخر، وترسيخ قيم التسامح، التي تفضي إلى تعاون مثمر وتواصل حضاري سليم، فالتسامح قيمة من القيّم الجوهريّة في بناء العلاقات، وهو أسلوب تفكير ونظرة إلى الآخر مبنيّة على الاحترام، قائمة على العدل ونبذ الظلم، فمبدأ التسامح عظيم وهو ملجأ الإنسان الطيب المتحضر :''كل ابن آدم خطاء وخير الخاطئين التوابون''، نحن في البيت نؤسس لثقافة التسامح، والأم هي المدرسة الأولى التي تغذي هذا السلوك بنبل مشاعرها، وسلامة تعاملها وعدلها بين الأبناء، وفي المدرسة يتم صقل ثقافة الفرد ومزج المعرفة بقيّم التسامح عن طريق مدخلات المناهج ومخرجاتها ''وكما نزرع نحصد''، والمعلم هو الزارع والمجتمع هو الحاصد، وان ظاهرة العنف في المدارس والملاعب وبين سكان الأحياء سببها غياب الحوار، وانعدام ثقافة التسامح، وأن العنف بكل أنواعه يتغذي عن التزمت في المواقف، وغياب الرعاية، وأن الرفض والتهميش والإقصاء والاستعلاء سلوكيات كلها تخدم ثقافة الرفض.
04- ثقافة السلام: إن ثقافة الحوار في البلاد العربية تطل برأسها من وسط معتم، والأمر هذا يفضى إلى طرح الكثير من الأسئلة حول الثقافة بمفهومها الواسع، فما هي ثقافة السلام؟ هل ثقافة السلام يقبل بها الآخر؟ أم أن السلام موضوع شائك جيء به لإبطال الصّحوة لدى الشعوب المقهورة؟، لماذا الخطاب موجّه فقط للمسلمين باتهامهم بالعنف؟ من استعمل العنف وروّج له ويستعمله؟ هل عنفهم جائز لأنهم يملكون القوة؟ ألا يخجلون من مجازر العراق ولبنان والأفغان والصومال وباكستان وغزة؟
نحن في حاجة إلى استكشاف أبعاد قراءة هذا المفهوم على ضوء أحداث غزة وجديد خطاب أوباما الرئيس الأمريكي، إن الأمر بات ليس ثقافة فقط ، وليس مجرد رفض الآخر، وليس عنفا ولا تسامحا ولا حوارا، وإنما هو تأزيم الأزمة بطرق ملتوية غاية في الضبابية ليصعب على قوم تبع إدارتها، نحن في حاجة إلى فضح وتفكيك ما هو قائم في الواقع، باستنطاق الواقع المتعفن، ولسنا في حاجة إلى استيراد الشعارات الفجّة دون المفاهيم؟
أبناؤنا يتأثرون بالإشاعات ''عود كبريت يبخر قرية..'' مشكلتنا ازدواجية المعايير، ازدواجية الشخصية، ازدواجية الولاء، ازدواجية العدوانية، فمتى نتصالح مع الذات لنكتسب الثقة المفقودة ونكسبها الأجيال؟ متى تكون لنا فرصة للتفكير في ثقافة التسامح والتخلي عن ثقافة الرفض والعنف؟ نحن ضحايا مواقف سطحية متسرعة يكتنفها الغموض وسوء التفكير والتخطيط وغياب الهدف، وأزمتنا أزمة ثقة وعدم تواصل... فمتى نتصالح مع الذات المهزومة التائهة؟ لماذا نرضى بالانزياح لأطروحات التآمر دون تمييز ولا تبيّن؟ متى نزرع ثقافة التسامح بين أفراد مجتمعنا وفي أنفسنا ضمانا لمستقبل الأجيال وخدمة للأوطان ؟
وان تجد عيبا فسد الخللا **** فجل من لا عيب فيه وعلا
مفتش متقاعد في التربية والتعليم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.