رئيس البرلمان الإفريقي للمجتمع المدني يشيد بدور الجزائر الريادي في إفريقيا    نيويورك تايمز: رئيس أحمق ولا أخلاقي.. العقد الفظيع بين ترامب وبن سلمان هو الدم مقابل المال    بوعلام شارف يستقيل رسميا من مديرية المنتخبات الوطنية    محرز وعطال في التشكيلة المثالية للجولة الخامسة من تصفيات كان2019    “البياسجي” في ورطة قبل موقعة ليفربول    في ذكرى مولد النبي العالمي!!    سارق أغراض مسجد في قبضة الشرطة بسيدي بلعباس    أول سيارة بيجو جزائرية في 2019    رئيس لجنة التحكيم الجزائرية :”لا نشُك في نزاهة عبيد شارف”    الحكم المؤبد على بريطاني متهم بالتجسس في الامارات ولندن تحذر من التداعيات وتعرب عن "صدمتها العميقة"    فيروز تطفيء الشمعة ال83    الأمن الوطني يفتح مسابقة لتوظيف أعوان شبيهين في مختلف التخصصات    الشيخ شمس الدين”يجوزلك تدي منحة التقاعد تع باباك إذا ما شرطولكش الوظيفة”    وفاة 44 شخصا وإصابة 1112 في حوادث المرور خلال أسبوع    القانون المتعلق بحماية الطفل ترجم إلى اللغة الامازيغية    أمن مطار هواري بومدين يحبط محاولة تهريب 60468 دولار    مجموعة "الاستمرارية" في لقاء تحسيسي بقسنطينة السبت    تكريم الفقيه والمفكر الجزائري محمد الصالح الصديق عرفانا بجهوده في خدمة الوطن والدين    جمعية وهران : المدرب سليماني واثق من إخراج الفريق من أزمته    لوح يشارك غدا الخميس بالسودان في أشغال الدورة ال34 لمجلس وزراء العدل العرب    الجيش الجزائري ضمن أقوى 25 جيشا في العالم    عبد الوهاب بحري يفوز بجائزة عبد الكريم دالي 2018    الإتحاد يواجه المريخ السوداني بذكريات أم درمان    انتخاب الكوري الجنوبي كيم جونغ يانغ رئيسا للأنتربول    مارك لوسي: اليونيسف تشيد بالالتزام "المستمر" للجزائر لصالح حقوق الطفل    قيطوني: الجزائر المموِّل الثالث للشركات الأوروبية في مجال الطاقات    خالدي: "الشاحنات" ممنوعة من دخول الطرق السريعة.. !!    النفط يرتفع دولارا للبرميل بعد انخفاضه 6 بالمائة    وزير التجارة الأندونيسي بالجزائر اليوم    موجّه للأطفال في‮ ‬طبعتها الأولى    في‮ ‬لقاء مؤجل عن الجولة ال12    الجعفري‮ ‬يؤكد من الأمم المتحدة‮: ‬    بهدف تعزيز التعاون العسكري‮ ‬الثنائي    أبرزت أهمية ترقية التكوين وتحسين نوعيته‮.. ‬بن‮ ‬غبريط‮: ‬    الأطباء الأخصائيون‮ ‬يهجرون المستشفيات‮ ‬    الشروع في المقابلات المهنية مع المؤسسات الصناعية    الجزائر ترد بقوة على الدول الرافضة لترحيل المهاجرين الأفارقة وتؤكد :    6716 إعذارا لأصحاب المؤسسات    «الصدريات الصفراء» تكشف حقيقة الواقع الاجتماعي    بوادر انفراج في الحرب المدمرة    بحيرى الراهب.. لقي النبي وهو طفل وبشر بنبوته    "الحمراوة" لتقليل الخسائر فقط    ديناميكية كبيرة في ترجمة الأعمال الأدبية من والى اللغة الأمازيغية    المخطوطات دليل انتشار الفكر والعلم    صدور «أنطولوجيا» عن الأدب النسوي العربي    المنشد العالمي أبو محمود الترمدي يتحف الحضور في بلعباس    مسرح الشارع يعود إلى الواجهة    سائق جرار يقتل حفيدته بالخطإ في عين الحجر    ميناء مستغانم يتعزز بقاطرة بحرية جديدة    32 عارضا محليا يقتحمون الإنتاج الوطني للأثاث بنجاح    رعية كوبي يعتنق الإسلام بمسجد الهدى    النيران تأتي على مرقدين لعمال صينيين بقاعدة الحياة بحي النور    مجانية العلاج حُلم 8 آلاف مُصاب بتلمسان    91 حالة بتر القدم ما بين جانفي و أكتوبر بمستشفى دمرجي    5000 مريض بالغزوات    4آلاف حالة قدم سكرية    يقطع يدي زوجته بفأس    في ذكرى المولد النبوي الشريف…    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الزوايا في الجزائر.. الأم التي رعت الجزائريين وتنكّروا لشهادة ميلادها
نشر في الخبر يوم 27 - 06 - 2014

الأغواط، مستغانم، وهران وتيزي وزو:
إذا زرت الزوايا في الجزائر تجدها تتكون، في جانبها المادي، من كل البنايات الدينية: المساجد والمدارس القرآنية وحتى المعاهد. وتقوم الزاوية بإكمال الشعائر الدينية وفق المذهب السني المالكي والعقيدة الأشعرية، إلى جانب قيامها بالتكوين الإجباري للطلبة الشباب. وتجمِع آراء شيوخ زوايا التيجانية والعلوية والبلقايدية والرحمانية ومريديها ممن تحدثوا إلينا أن الزاوية تقدّم خدمات تنحصر في عمل تقليدي هو مساعدة واستقبال المحتاجين وعابري السبيل، يتم ذلك على أساس مبدأين، هما: المنافسة والتنافس في أداء النشاطات الاجتماعية والتضامن، ويكون ذلك من خلال الهبات والعطايا والمساهمات المختلفة، ولكن يجب على المريد أن يمنح ويسخّر وقت فراغه للأعمال الخيرية. فيما ينحصر المبدأ الثاني لخدماتها في إعادة توزيع الأموال المحصّل عليها، كأن تتكفل بمن يعانون من مرض ما، كما تتدخل في فضّ النزاعات والصراعات الفردية والجماعية.
تأطير وتسيير الشأن العام
وقد عرّف الباحثون والعلماء الطرق الصوفية على أنها ممارسة “الرياضات الروحية” مثل الدعاء والذكر والإكثار من الصلاة على النبي محمد عليه الصلاة والسلام لتحقيق سمو روحي وصفاء نفسي، فهو فضاء روحي وإنساني، وتنسب كل طريقة في الجزائر إلى مؤسسها. ويرى الباحث عبد اللطيف الهرماسي، أستاذ علم الاجتماع بتونس، أن هناك عاملين اثنين ساهما في جعل التصوف ركيزة لبروز “دين شعبي” في بعض مناطق الجزائر وتونس؛ يتمثل العامل الأول في توغل الإسلام في أعماق المجتمع الزراعي الريفي، في مقدمتها منطقة القبائل التي تحصي قرابة 50 زاوية بين ولايتي بجاية وتيزي وزو، اتّبعت فيه الزاوية نظاما تعليميا صارما، فيما يتمثل العامل الثاني في تنامي أسباب اللااستقرار واللاأمن في الجزائر منذ بداية حملات بني هلال إلى الغزو الإسباني وصولا إلى حملات بايات ودايات الأتراك على بعض المناطق ثم مرحلة غزو الاستعمار الفرنسي للجزائر، ما جعل السكان يضاعفون من طلباتهم ويلحّون على توفير الحماية والأمن. هذا المعطى أعطى مزيدا من الشرعية لشيوخ الزوايا ممن كانوا ينوبون عن الدولة الغائبة وينظّمون ويسيّرون الشأن العام، في ظل وضع عام مشحون يطبعه أيضا تنامي النعرات والصراعات القبلية، أي الشيوخ هم من يؤطر المجتمع، وعلى هذا الأساس أصبحت لديهم مكانة اجتماعية ورمزية في وسط الناس.
في 1774 أسس سيدي امحمد بن عبد الرحمان الطريقة الخلواتية بمنطقة آيت اسماعيل بتيزي وزو، ليعطى لها في ظرف قصير اسم الطريقة الرحمانية نسبة إلى والده عبد الرحمان. إلا أن الإدارة الاستعمارية سنة 1857 حاصرت الزاوية وضايقت نشاطها في المنطقة بسبب مساهمتها في مقاومة الغزو الاستعماري، خاصة وأن الزاوية، استنادا لكل الخطاطات التاريخية والروايات الشفوية، مارست تأثيرا ملحوظا بمنطقة القبائل، على اعتبار أن الشيخ سيدي امحمد أدخل عناصر جديدة على الطريقة ساهمت في كسر جمود التقاليد الدينية التي يدافع عنها من يطلقون على أنفسهم اسم “المرابطين”. من بين هذه العناصر الجديدة توسيع إطار الطريقة الرحمانية (أي كان من اللائكيين بوسعه الانخراط في الطريقة ويصبح من اتباعها، بشرط أن يعترف ويطبق قواعد الطريقة). لكن بعد أن قامت الإدارة الكولونيالية بغلق الزاوية بآيت اسماعيل انتقل مقرها إلى منطقة صدوق ببجاية، وأصبح قائدها الروحي هو الشيخ الحداد (1860 إلى 1871).
قواعد خلفية للثورات الشعبية
في غمرة ذلك ظهر اسم الأمير عبد القادر كحامل راية الجهاد في الجزائر الذي كان يجعل من الزوايا قواعد خلفية له، بدليل أنه أمر الشيخ سيدي محمد ابن أبي القاسم الذي جاء ذات مرة لمبايعته بالعودة إلى قريته وتأسيس زاوية يعلم فيها المسلمين ويكوّنهم حتى يصبح لديهم وعي بالجهاد ضد المحتل، فأسس زاويته الواقعة بمنطقة الهامل (12 كم جنوب غربي بوسعادة باتجاه الجلفة). إذ إن تصاعد المدّ الكولونيالي بقوة، آنذاك، والشروع في سلب الجزائريين ممتلكاتهم ونزع الملكية من أراضيهم المضافة إلى سلسلة الإهانات المسلطة على السكان المحليين المتزامنة مع نكبة المجاعة التي ضربت المنطقة بين 1867 و1868، وخلفت آلاف الضحايا في وسط الجزائريين، ناهيك عن الأمراض الوبائية كالطاعون، كان بمثابة البارود الحقيقي للثورات الشعبية. ففي 16 مارس 1871 فجّر المقراني ثورته الشعبية، وكان الشيخ الحداد ملهمه بمبادئه الروحية، الوفي أيضا لتنفيذ أوامر الأمير عبد القادر.
الكبريت الأحمر
وقبل توقيفه من قِبل الإدارة الاستعمارية وغلق زاويته ونفيه، حرر الشيخ الحداد وصية إلى أبنائه وطلبة زاويته، يطلب منهم الانضمام إلى شيخ زاوية الهامل الذي أطلق عليه اسم الكبريت الأحمر (عليكم بالكبريت الأحمر).
بعد أشهر من توقيفه توفي الحداد، والتحق من بقي من أفراد عائلة المقراني، ممن سلبت منهم أراضيهم وممتلكاتهم وعدد من الطلبة، بزاوية الهامل ووضعوا تحت حماية ورعاية شيخها الذي توفي سنة 1896 في بيته، بعد أن فرضت عليه الإدارة الاستعمارية الإقامة الجبرية وألا يخرج إلا بترخيص خاص. وتذكر الكاتبة السويسرية ايزابيل ايبرهارد، في دفاتر سفرياتها، تداعيات هذه الثورة الشعبية ومحاسن رجال الزوايا، وهي التي كان لها لقاءات مع ابنة شيخ زاوية الهامل “لالة زينب”.
في غمرة الثورات الشعبية كانت الزوايا تجود بما لديها من مؤونة يأتي بها الزوار (الزيت والسمن والعسل والقمح والشعير والتين والعنب الجاف والدجاج والبيض والخرفان والماعز والأموال). ولكن المصير الذي لقيته الزاوية الرحمانية على يد الإدارة الاستعمارية، من رقابة وغلق، لقيته أيضا الزاوية القادرية، فمن بين الأسباب التي قادت الشيخ بوعمامة إلى تفجير ثورته سنة 1881، هو منع هذه الإدارة للسكان من زيارة زاويته وهو المنحدر من قبائل أولاد سيدي الشيخ. والحصار نفسه عاشه الأمير عبد القادر، إذ كان والده محي الدين هو الأب الروحي للزاوية القادرية الموروثة عن الطريقة القادرية لسيدي عبد القادر الجيلاني أحد رجال الإصلاح في بغداد. والحصار نفسه لقيته الزاوية كذلك من قِبل الإدارة الفرنسية الاستعمارية، بعد انخراط شيوخ الزاوية ومريديها في مقاومة الاحتلال، ولو أن هناك من يقول إن بعض الزوايا “سالمت” الاحتلال الفرنسي.
الزوايا غير مذكورة في المقررات المدرسية
إلا أن مسألة الزوايا في حقبة الثورات الشعبية هذه تقود اليوم إلى طرح مزيد من الأسئلة على ضوء التطورات السياسية والثقافية والتربوية والاجتماعية الحاصلة في البلاد، من قبيل: لماذا يتم ذكر الثورات الشعبية التي قام بها المقراني والشيخ الحداد والأمير عبد القادر وبوعمامة في المقررات والبرامج المدرسية الرسمية وأيضا في بعض الأعمال الجامعية، مثلما تتم الإشادة بأسماء قادة هذه الثورات، لكن يتم تجاهل ذكر الزوايا والطرق التي صنعت هؤلاء الرجال وجعلت منهم أبطالا مثل الزاوية الرحمانية والقادرية والشيخية والعلوية، وظلت كلها مقصية في المراجع الدراسية ومن الذاكرة الجماعية، فهل الزوايا هي ضحية الذاكرة الانتقائية. بل ومازالت مقصية ومبعدة إلى غاية اليوم من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية على نحو رسمي، ولكنها قواعد خلفية غير معلن عنها يتم الاستئثار بها من قِبل السلطة والمجتمع في وقت الأزمات والاستحقاقات الكبرى، بدليل أن الأمين العام للاتحاد الوطني للزوايا يقول: “بالرغم من الإمكانيات المحدودة لدى الزوايا، إلا أنها تبقى دائما هي الحكم في الأوقات الصعبة والحرجة”.
الزائر للزاوية التيجانية ببلدية عين ماضي، الواقعة على بعد 70 كيلومترا عن مدينة الأغواط، تستقبله لوحة تذكارية كتب عليها “يوم 24 سبتمبر 2005 تفضّل فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة بتدشين المجمّع الديني سيدنا عبد الجبار التيجاني الخليفة العام للطريقة التيجانية”. واستنادا لأقوال الخليفة علي بن محمد التيجاني، المدعو الحاج علي بلعربي، الذي استقبلنا ذات صباح من يوم جمعة في مقر المجمّع الديني للزاوية، فإن العادة جرت في مناسبة تنصيب خليفة الطريقة أو وفاته أن يحضر ممثل عن رئاسة الجمهورية ووزارة الشؤون الدينية ورئيس القطاع العسكري بالولاية والوالي، وأحيانا بعض الوزراء.
“بوتفليقة شجّعنا ولم يدعمنا بالمال..”
كانت الحركة داخل المجمّع الديني شبه منعدمة، إلا من حركة بعض أقارب الخليفة، فيما كانت أشغال إنجاز إحدى البناءات المتصلة بالمجمّع جارية، ولو أن ما استنتجناه هو أن التدشين الذي قام به بوتفليقة لم يرق إلى طموحات الخليفة وأتباع طريقته، على اعتبار أن ذلك لم يخرج الزاوية من الوضع والإطار التقليدي الذي ظلت تعيشه منذ عشرات السنين، “بيننا وبين الدولة احترام متبادل، بدليل أن بوتفليقة زار الخليفة التيجاني سيدي عبد الجبار مرتين، سنة 2000 و2005 خلال فترة خلافته، إلا أن بوتفليقة لم يدعمنا بالمال، بل شجعنا من الناحية المعنوية، ولاسيما من جانب إرشاد الناس وإصلاح ذات البين”، يقول شيخ الزاوية، الخليفة الشيخ علي بلعربي. لكن ما هو سبب عدم دعم الزاوية بالمال؟ “الحجة التي ترفعها الدولة حاليا هي وجود زوايا كثيرة في الجزائر، وأنه ليس بالإمكان تفضيل زاوية على أخرى، مهما كانت قوية أو ضعيفة. فالدولة لم تعط اعتبارا للزاوية التيجانية، رغم أنها زاوية جزائرية”. وعندما طرحنا السؤال على خليفة الطريقة التيجانية، والذي مؤداه: لماذا بقيت الزوايا بشكل عام في الجزائر حبيسة الأطر التقليدية القديمة من غير أن تتطور إلى مؤسسات متفتحة؟ قال: “الزوايا ليست لديها وسائل وإمكانيات، فأغلب أملاكها الوقفية أممت كالغابات والحدائق، والأراضي والبناءات، ومن بينها أملاك الزاوية التيجانية، وكذا زاوية الهامل. وحدثت عملية التأميم خلال حقبة التوجه الاشتراكي، حيث كان يقال، آنذاك، إن الزوايا أنشئت بهدف نشر الشعوذة والخرافة، فنظام الحكم آنذاك كان وهابيا”، في إشارة إلى أن الرئيس الراحل هواري بومدين هو من وقف في وجه الزوايا وحاصرها، على خلاف الرئيس الراحل الشادلي بن جديد، الذي يبقى لدى شيخ وأتباع التيجانية أول رئيس ردّ الاعتبار للزوايا في البلاد، على اعتبار أن زوجته حليمة تنحدر من العائلة التي أسست الزاوية السنوسية بمستغانم.
لكن هل يعني أن التزام السلطة الصمت وعدم اكتراثها بوضعية الزوايا يندرج ضمن حسابات سياسية، من بينها عدم ترك المبادرة للزوايا حتى لا تبرز كقوة منافسة على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي، خاصة وأنها طرف متجذر في عمق المجتمع الجزائري، تبعا للأدوار التي تقوم بها. “لقد ساهمت الزاوية التيجانية في تهدئة الأوضاع وإطفاء نار الفتنة الناجمة عن الأزمة الأمنية خلال العشرية الحمراء التي تسبّب فيها الفيس والجماعات المسلحة، وذلك خلال اجتماع نظّم في ولاية أدرار جمع الشيخ بلكبير والشيخ بلقايد والشيخ سيدي عبد الجبار، ودعوا آنذاك إلى الوئام والمصالحة في عهد حكم الرئيس السابق اليمين زروال”. فضلا عن حلّ نزاعات صعبة مميتة، من بينها النزاع الذي يقع بين العروش بشأن المراعي، والبث في قضايا الزواج والطلاق.
وما لمسناه من أقوال شيخ الزاوية وأتباعها هو الشعور بالتهميش من قبل السلطة وعدم الارتياح لطريقة تسيير الشأن العام في الجزائر بشكل عام، “تم استدعاؤنا للمشاورات الوطنية الخاصة بالإصلاحات السياسية العام الماضي وقدمنا رأينا، وقلنا إن البرلمان لابد ألا يدخله إلا أصحاب الكفاءة، وليس الذين يشترون الأصوات أو النساء الأميات، والمشكلة تكمن في غياب الرجال والإدارة التي لا تريد فتح الأبواب”. الطريقة التيجانية التي يقول شيخها إنها زاوية عابرة للقارات، على اعتبار أن عدد أتباعها وصل حاليا إلى 350 مليون شخص عبر العالم، غير معنية بالحملة الانتخابية وغير منخرطة في السياسة، حسبهم، زارها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة موسى تواتي وعبد العزيز بلعيد وعلي بن فليس، “نحن لا ننخرط في السياسة ونحذّر من الفتن وشق عصا الطاعة، ونحبذ أن نبقى مهمشين على أن ندخل السياسة لأن مؤسس الطريقة التيجانية كان يقول إياكم والرئاسة فإنها كعبة تطوف بها جميع الشرور”، مع أن بعض المقربين من الزاوية والعارفين بها جيدا قالوا لنا “إن جماعة عين ماضي، ممن لا زالت في صراع مع جناح التيجانية بتماسين بتڤرت، بايعت المرشح علي بن فليس وألبسته برنوس الوفاء”.
“الفضل يعود لنا في حل النزاع المسلح في دارفور”
كان لشيوخ التيجانية في الجزائر الفضل في حل النزاع المسلح بدارفور بالسودان، “جاءنا علماء تيجانيون من السودان برسالة وطلبوا مني التدخل لحل النزاع في دارفور، واستجبنا لطلبهم، وقد استقبلنا 05 وزراء في حكومة هذا البلد”، يقول شيخ الطريقة علي بن العربي، قبل أن يضيف “رئيس الجمهورية السوداني ونائبه منحانا طائرتهما الخاصة وسياراتهما الخاصة للتنقل من ولاية إلى أخرى مدة شهر، وقمنا آنذاك بتنظيم لقاء صلح بين
طرفي النزاع: الحكومة والجبهة المسلحة، وتوّج الاتفاق ببيان اخترنا له شعار “الصلح خير”، وبعد 15 يوما تخلى الطرفان عن السلاح”.
لكن لماذا تقطع التيجانية آلاف الكيلومترات للتنقل إلى بلد أجنبي لحل نزاع مسلح ولا تقطع 100 كيلومتر لإطفاء نار الفتنة في غرداية؟ يجيب الشيخ: “نحن نستجيب لمن يعطينا اعتبارا وقيمة ويستدعينا لحل المشاكل، على اعتبار أن الدولة الجزائرية تقول إن هناك قوانين ينبغي احترامها. التيجانية ليس لها قيمة في الجزائر، عكس ما هو حاصل في بلدان أخرى، ومع ذلك مساعينا متواصلة لحل النزاع في غرداية، قدمنا رأينا وقلنا إنه لابد من تنازل من الطرفين على أن تقوم الدولة بالتعويض للمتضررين”.
إلا أن الدكتور امحمد دلاسي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأغواط، يرى أن الزوايا في الجزائر “تدعو إلى التسامح والإخاء وغيرها ولكن قولا وليس فعلا، لأنها لم تتمكن من استقطاب العدد الكبير من الشباب لصفوفها، لأن السلطة الأبوية في الجزائر لم يعد لها مفعول وتأثير، لذلك لابد من عمل فكري وعلمي جديد لتكييف عمل الزوايا مع التطورات الحاصلة في المجتمع” هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن “عمل الزوايا بقي منحصرا في بعض الأساليب التقليدية التي ورثوها عن مؤسسي الطرق الصوفية، كالطريقة التيجانية والقادرية والهبرية أو الشادلية وغيرها، مثلا النشاط التعليمي والندوات العلمية والملتقيات الفكرية الكبرى ظلت من اختصاص الجامعات ومراكز البحث الجامعي وليس الزوايا، بل وليس لها نشاطات حرفية واقتصادية، فالزوايا فقدت مصدر تمويلها قصد توسيع وتطوير نشاطها وتنمية ثروتها، بعد أن كانت في القديم تزاول نشاطا زراعيا وتقوم بتربية المواشي من قِبل مريديها”. لكن القناعة التي تسكن الأستاذ امحمد دلاسي هي أن العزة والكرامة في الجزائر لا تجد لها أثرا في أي زاوية في الجزائر، ماعدا الزاوية البلقايدية (الهبرية) المتواجدة بولاية وهران، وهي القناعة التي تسكن أيضا بعض أتباع ومريدي الطريقة التيجانية ممن قالوا لنا إن الرئيس بوتفليقة هو من شجعها على أساس وجود قرابة عائلية بينه وبين الشيخ بلقايد. فهي طريقة تفرعت عن الشادلية، مثلها مثل العلوية والدرقوية والحبيبية والميساوية، تفرعت لأن كل خليفة يأتي له الحق في الزيادة والنقصان ويطلق عليها اسما جديدا.
ودشنت الزاوية البلقايدية (الهبرية) كمعهد وكمدرسة الواقعة بمنطقة سيدي معروف على بعد 08 كيلومتر إلى شرق مدينة وهران سنة 1999 بعد أن نقلها عبد اللطيف بلقايد من تلمسان إلى وهران مباشرة بعد وفاة والده محمد بلقايد سنة 1998. ويقول أحمد معزوزي، المنسق العام للدروس المحمدية، الذي استقبلنا في حدود الساعة الثامنة والنصف مساء بمقر الزاوية نيابة عن الشيخ عبد اللطيف بلقايد، إن الزاوية البلقايدية زارها الرئيس بوتفليقة أربع مرات، وهو رجل يحب الزوايا”.
“الزوايا لم تنجب التطرف بل هو وليد الفكر الوهابي”
وبقدر ما تحاشى المتحدث مرارا الخوض في المسائل السياسية ورفض الإجابة على أسئلتنا، مقدما نفسه على أنه أحد المتصوفة لا تربطه لا هو ولا الزاوية بالسياسة صلة، حرص على الدفاع عن دور الزوايا في الوقت الراهن وعبر المراحل التاريخية، مبرّئا إياها من كل أعمال التطرف التي ظهرت في الجزائر، قائلا: “إن رئيس جامعة الأزهر سابقا الدكتور أحمد عمر هاشم كان يقول دائما إن التطرف لم يخرج من الزوايا أبدا ولن يخرج منها، بينما يخرج من غيرها، لأنها تربّي الصبي على الأخلاق”. في إشارة إلى أن الإرهاب الذي ساد وتسبب في أحداث دموية خلال العشرية الحمراء لم يولد من رحم الزوايا. هذه القناعة تأتي لتؤكد مرة أخرى الصراع المتواصل بين الطرق الصوفية والسلفية، بين الإسلام الشعبي والفكر الوهابي. السلفية التي تم تشجيعها مند سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في البلاد على أمل مجابهة الفكر الشيوعي، بعد أن تم تشجيع الخطب الحماسية لعبد الحميد كشك عبر الأقراص المضغوطة والأسطوانات وفتاوى ودروس حسن البنا وسيد قطب.
وتعود جذور الصراع إلى حقبة الحركة الوطنية التي تخللتها مواجهات بين جمعية العلماء المسلمين والزوايا، رغم أن ابن باديس كان من أتباع الطريقة الرحمانية. إذ ظهرت الحركة الإصلاحية التي قادها ابن باديس بعد أن تراجع تلقين المعرفة والتعليم في الزوايا وتراجع مستواها بعد أن انخرطت في الدروشة والشعوذة، وأصبحت تعيش على هامش الحياة الاجتماعية ساكنة في طقوسها، لذلك تركزت أفكار جمعية العلماء على تنوير الذهنيات ومحاربة المعتقدات الباطلة كالإيمان بأن الاحتلال هو قضاء وقدر ونقد الخضوع الأعمى لرجال السلف. ويتجلى أثر محاربة بن باديس للطرق الصوفية في خلو منطقة شرق البلاد من الزوايا، بينما يتواجد معظمها في مناطق غرب البلاد المتأثرة بالمغرب الذي شجع الزوايا ولم يحاربها.
وعادت المواجهات لتطفو إلى السطح مرة أخرى غداة ما يسمى التصحيح الثوري الذي وقع يوم 19 جوان 1965، وتم توظيفها من قِبل رموز الحزب العتيد (جبهة التحرير الوطني) لأن بعض شيوخ الطرق الصوفية عبّروا عن عدم ارتياحهم للنظام الجديد، تبعا لما يذكره الدكتور محمود عمر شعلال، رئيس الاتحاد الوطني للزوايا، في كتابه “مسيرة زاوية آل شعلال” بالسوڤر، إذ إن وزارة الشؤون الدينية والأوقاف كانت بيد تلاميذ عبد الحميد بن باديس ممن اتهموا الزوايا بالقيام بأعمال ونشاطات غريبة عن الإسلام، كل ذلك بغرض تقسيمها. ويقال إن الرئيس الراحل هواري بومدين لم تكن له نية ليحط من قيمة نظام الزوايا، على اعتبار أنه كان تلميذ مدرسة قرآنية بزاوية القطانية، العارف بمدى امتداد جذورها في أوساط الشرائح الشعبية، وكان يقول لأصدقائه: “إن وقت الزوايا لم يحن بعد، الأولوية حاليا هي للاقتصاد”.
“نربي المراهقين حتى لا يصبحوا حراڤة..”
تضمن الزاوية البلقايدية التعليم لمائتي طالب مراهق (200) وتوفر لهم الإطعام والإيواء. لكن ماذا لو انحرفوا؟ يتساءل السيد معزوزي: “هؤلاء نقوم بتربيتهم على ألا يصبحوا حراڤة يركبون قوارب الموت باتجاه الضفة الأخرى للمتوسط، وعلى هذا الأساس نقول إن الزوايا لعبت دورها قبل الوقت”. هكذا، وفي ظرف عشرية فقط من تدشينها بوهران، ذاع صيت الطريقة البلقايدية عبر ربوع الوطن، وحققت شهرة لم تحققها تلك التي تأسست مند قرون، ووصل صدى تعليمها الروحي والقرآني حتى الأراضي المقدسة ومختلف البلدان الإسلامية (مصر والأردن والمغرب..)، واستقطبت إليها آلاف الأتباع عن طريق الدروس المحمدية، التي انفردت ببثها كل شهر رمضان على شاشة التلفزيون الرسمي، “قمنا بتنظيم ملتقى دولي لمدة 15 يوما دعي إليه 50 عالما وألقيت فيه 50 محاضرة وشاركت فيه 10 دول، ولذلك سلطت عليه الأضواء الإعلامية. فانفرادنا بالدروس المحمدية هو اعتراف لنا عن جدارة واستحقاق بنجاحنا”، يقول أحمد معزوزي.
ولكن بعض المقربين من الزاوية بمدينة مستغانم قالوا لنا إن شهرة الزاوية تحققت بفضل دعم بوتفليقة لها، بدليل أنه سلّم صديقه شيخ الزاوية، عبد اللطيف، 04 سيارات من نوع “مرسيدس”، وهو الذي لا يزال مبجّلا ومرحبا به في أي وقت بقصر المرادية. وإذا زرت الزاوية العلوية بمستغانم، التي تأسست سنة 1869، تجد هذه المؤسسة التقليدية قد بدأت تستعيد دورها وراحت تتفاعل مع المؤسسات التحديثية، بدليل أننا عندما زرنا مؤسسة (جنة العارف) التابعة للزاوية وجدنا فرنسيين وسويسريين وألمان، جاءوا لملاقاة الشيخ خالد عدلان بن تونس، الخليفة الثالث للشيخ أحمد بن مصطفى العلوي، وكان محيط المؤسسة الدينية (جنة العارف) مختلفا تماما عن محيطات كامل الزوايا التي زرناها، فهناك تمتد حديقة على مساحة شاسعة لم ير مثلها في كامل أنحاء الوطن، تستوي على مساحات خضراء وأخرى مخصصة للعب الأطفال وهي المزودة بمختلف وسائل اللعب والمرح، فيها الخيول، وبها 03 أبواب على شكل أقواس، كل باب وراءه رمز ديني. تحيط بالحديقة فيلا لإيواء الضيوف ومدرسة ومعهد وبيوت لإيواء الطلبة وقاعة أخرى لإطعامهم.. إنه فضاء تغازل فيه الروح الهدوء والجمال.
الأمم المتحدة تعترف بالطريقة العلوية كطريقة صوفية
ويقول الشيخ خالد عدلان بن تونس، الذي استقبلنا بمكان اقامته، إن “الحديقة هي ملك وقفي قمنا باسترجاعه سنة 1985، كما استرجعنا المسجد والمدرسة بأمر قضائي بحي تجديد العتيق، وهي أملاك تتربع على 07 هكتارات ورفعنا دعوى قضائية ضد وزارة الشؤون الدينية أيضا قصد استرجاع زاوية ببلدية القصبة بالعاصمة، فيما نرتّب لاستعادة زاوية ببوڤاعة بولاية سطيف وأراض فلاحية أخرى”. الطريقة الصوفية العلوية بالجزائر هي أول طريقة صوفية في العالم يعترف بها من قبل الأمم المتحدة في شهر جانفي من العام الجاري، حسب ما ذكره حمدي دمو، رئيس الجمعية العالمية للطريقة العلوية بأوروبا وهي منظمة غير حكومية لها صفة استشارية بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة. وللطريقة العلوية حضور قوي بالمدن والعواصم الأوروبية أكثر من أي زاوية أخرى، ذلك بحكم السبق التاريخي لتواجدها بأوروبا. “ففي 1926 كان للطريقة العلوية أتباع في باريس قبل فتح مسجد باريس، وأول من اعترفت به بلدية باريس هي العلوية كجمعية دينية، وأول من أعطيت له رخصة الذبح الحلال هي العلوية، بل إن المفكر الفرنسي روني غينو كان من أتباع الطريقة وهو المعروف باسم (عبد الواحد يحي)”، يقول خالد بن تونس. وقد وقّعت الزاوية عقودا خاصة بالتكوين المهني مع مؤسسات من بينها المدرسة الفلاحية لعين تيموشنت والمعهد الوطني للتكوين المهني بالمدية، فيما تم التوقيع يوم 09 ماي الفارط على بروتوكول اتفاق مع منظمة هولندية لتكوين الشباب في الفلاحة؛ كل ذلك من تمويل الزاوية التي يقول القائمون على تسييرها إنها تتلقى الدعم من أتباعها وبعض المحسنين، كما ترتّب لعقد واحد من أكبر الملتقيات بوهران شهر أكتوبر المقبل شعاره “الأنوثة والسلام”.
“بومدين حاصرنا والشادلي وبوتفليقة أعتقانا”
ويعترف شيخ الطريقة بأن الرئيس بوتفليقة ردّ الاعتبار للزوايا، وخاصة لما جاء الى مستغانم وجمع شيوخ الزوايا وقدّم لهم دعما معنويا، وقبلها زار ضريح الشيخ المهدي بن تونس في مستغانم سنة 1999 قبل تنظيم الانتخابات الرئاسية، ومع ذلك يقول الشيخ إننا لم ندعم أي مرشح، والزاوية تبقى همزة وصل مع الجميع، بدليل أن كل وزير يأتي لمستغانم لا يتردد في زيارتنا “تربطنا علاقة ودية مع السلطة، ولاسيما من الجوانب الإدارية. وزارنا كل المرشحين لرئاسيات 1999”. ومع أن الطريقة العلوية كانت لها علاقة بحزب الشعب، على اعتبار أن والد مصالي الحاج كان مقدما للطريقة الدرقاوية بتلمسان، فضلا عن كون الشيخ المهدي بن تونس كان يلتقي بانتظام بكريم بلقاسم وعميروش وبن بلة، إلا أن “بومدين في سبعينيات القرن الماضي كان يرى في خطابات شيخ الزاوية العلوية، المهدي بن تونس، خطرا على توجهاته، لأنها تستقطب الشباب، وبعدها بدأت حملة صحفية قادتها “المجاهد” و«الجزائر الأحداث” مفادها أن الزاوية العلوية تشتغل مع المخابرات الخارجية ولها دعم خارجي، وقد حاول الوزير مدغري إسكات الشيخ المهدي بمنحه منصبا سياسيا إلا أن الشيخ رفض”، يقول خالد بن تونس. وتوّجت الحملة بتأميم ممتلكات الزاوية عبر التراب الوطني، بينها المسجد والأراضي الفلاحية والمعهد الإسلامي، وسجن الشيخ المهدي دون محاكمة لمدة 08 أشهر، حجزت إثر ذلك وثائق هامة، ثم فرضت الإقامة الجبرية على الشيخ إلى أن توفي. و«تحسنت الوضعية في عهد الشادلي ما مكننا من استرجاع بعض الأملاك وعادت الزاوية إلى النشاط. لكن في سنة 1984 نزع مني جواز سفري”، ولو أن الانشغال الأكبر الذي يطرحه القائمون على تسيير الزاوية هو أن ضرورة أن يكون للزوايا إطار قانوني يساعدها على العمل.
ويقول مواطنون ممن يعرفون بعض الزوايا هناك إن زاوية من الزوايا بالمنطقة، فضّلوا عدم ذكرها بالاسم، تقوم بجلب الأفاعي لاستعمالها في مظاهر بهلوانية وشعوذة. بيد أن التساؤل الأكبر الذي يمكن طرحه بشأن الطرق الصوفية بالجزائر (التيجانية والقادرية والرحمانية والعلوية والبلقايدية..) هو مدى فاعلية الفكر الذي تلقنه وما هي علاقته مع المجتمع ومع الحداثة، على اعتبار أن الجزائر تحصي 380 زاوية، بها 4000 مدرسة قرآنية ومئات المعاهد التي تدرس علوم الشريعة، إلا أن الملاحظ هو أن كل مصيبة تحلّ أو تنزل بالجزائر(السرقة والمخدرات واختطاف الأطفال واستفحال ظاهرة الحرڤة) إلا وتجد من يستقبلها. فهل نحن أمام أزمة فقدان المعنى وسيادة العبثية والعدمية؟
البلقايدية.. الزاوية المبجلة في قصر المرادية
والواقع أن الزوايا التي اعتادت الوقوف الى صف الرئيس بوتفليقة دون قيد أو شرط، على مر الثلاث عهدات السابقة، تحفظت وترددت في مساندته للمرور إلى الرابعة وفضّلت ضبط حساباتها لخدمة مصالحها على نحو صحيح قبل أن تراهن على مساندته، استنادا لما جاء في تعليق المحللة السياسية الألمانية “ايزابيل ويرانفال”، المتخصصة في الطرق الصوفية بالمغرب العربي، عشية الانتخابات الرئاسية، موضحة، في سياق ذلك، بأن “الاتحاد الوطني للزوايا ليس منظمة منسجمة، فبعض أعضائها مقربون من الرئيس بوتفليقة، بينما يحتج أعضاء آخرون على أن الزوايا لا تتم معاملتها بطريقة متساوية وعادلة”.
وأضافت المحللة السياسية أن “زاوية مثل البلقايدية أو الهبرية (الدرقاوية) قدّمت لها مساعدات وإعانات كثيرة من قِبل الرئيس بوتفليقة مقابل مساندتها له، بينما زوايا أخرى فضلت مساندة نظام سمح لها، منذ 20 إلى 30 سنة، بالعودة إلى الساحة بعد مرورها بمرحلة صعبة طبعها التهميش والإقصاء في فترة حكم بومدين”. وهذه التفاصيل تكشف، إلى حد ما، الأبعاد الخلفية من وراء زيارة إطارات عسكرية سامية ومسؤولي أحزاب ورؤساء ووزراء وغيرهم لزاوية الهامل (الرحمانية) والتيجانية والقادرية والعلوية والبلقايدية وغيرها.
الزوايا تفاجأت لعدم وجود أي اسم لشيخ زاوية في الحكومة رغم مساندتها
ويقول الدكتور محمود عمر شعلال، رئيس الاتحاد الوطني للزوايا الجزائرية: “ليكن في علم الناس أن الزوايا، وخاصة تلك المنضوية تحت لواء الاتحاد الوطني، ساندت بوتفليقة منذ العهدة الأولى وساندته في عهدة رابعة، إلا أنه في وقت الحملة الانتخابية برمج الاتحاد ملتقى دوليا، نظم يوم 11 و12 و13 من شهر مارس الفارط، وقلنا خلال الملتقى ليس لدينا مرشح معين، وأطلعنا مقربين من الرئيس بأن بيان المساندة سيعلن عنه بعد انتهاء الملتقى العلمي، ولم يروا في ذلك مانع، إلا أن بعض الإداريين ومنشطي الحملة في محيط الرئيس حاولوا الضغط علينا لحملنا على الإسراع في الإعلان عن بيان المساندة”. واستندت الزوايا في مساندتها لبوتفليقة على مبدأ عزم الرئيس على تعميق مسار المصالحة الوطنية، خاصة وأن الزوايا كانت طرفا فعالا فيها، عبر48 ولاية، ما عدا البلقايدية التي قال عنها رئيس الاتحاد إنها لم تنخرط في عمل إطفاء نار الفتنة. ولا يزال المتحدث يتذكر كيف أعلنت السلطة عن نيتها في دعم الزوايا خلال الملتقى الأخير للزوايا، إلا أنها وإلى غاية اليوم لم تردّ الجميل.
ولم يستسغ كثير من شيوخ الزوايا كيف تم تشكيل الحكومة الجديدة من غير أن يستوي أي اسم لشيخ زاوية على قائمتها. إذ يقول محمود عمر شعلال “إن الاتحاد الوطني للزوايا لم يتلق إلا 250 مليون سنتيم كدعم مادي من قِبل الدولة منذ 15 عاما على نشأته، مع أننا نظمنا 27 ملتقى وطنيا وملتقيين دوليين بفضل المحسنين وإعانة بعض الولاة. ومن أهم أسباب نشأة الاتحاد معاناة الزوايا من العزلة والتهميش وعدم العناية بها من قِبل مؤسسات الدولة”، ويطالب حاليا بالإسراع في سنّ القانون الخاص بالزوايا (طلاب القرآن الكريم في الزوايا والجوامع)، وثانيا إنشاء المجمّع الصوفي العالمي ويكون مقره بالجزائر.
البيروقراطية والزاوية
ولكن في بلد ما يزال يجد فيها المجتمع المدني صعوبات في التشكل، في هذه الحالة تبقى الزاوية كهيكل اجتماعي ذات جذور عميقة لها أهمية كبيرة، على نحو الدور الذي لعبته خلال مرحلة الاستعمار وحتى بعد الاستقلال في منطقة القبائل؛ “احتلت الزوايا مرتبة سامية في أوساط الأهالي تصل حد التقديس نظير المهام التي كانت مسنودة إليها، كإصلاح ذات البين بين الأهالي، حتى إن الناس كانوا يحتقرون من يحتكم إلى المحاكم الاستعمارية ويفضّلون الزوايا ويقولون نذهب إلى (شرع سيدي خليل)، حتى إن السلطات الاستعمارية كانت تتساءل في استغراب كيف تستطيع هذه الزوايا أن تحلّ معظم النزاعات بين الأهالي”، يقول سي حاج محند محند الطيب، أمين مجلس اقرا في مديرية الشئون الدينية بتيزي وزو ووسيط قضائي في لجنة الصلح في مجلس قضاء الولاية، مضيفا: “الناس في منطقة القبائل بدأوا مؤخرا يعودون وبقوة إلى مجالس الصلح المعمول بها قديما، الموجودة بالزوايا، وذلك نفورا من تعقيدات المحاكمات القضائية والبيروقراطية. والناس حسب علمي يثقون في شيخ الزاوية قبل الزاوية، مثل الشيخ محند والحسين”.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.