طلبة دفعتي 2014-2015 و2015-2016 الممنوحين بالمملكة المتحدة في حالة "إخلال بعقد التكوين"    الرئيس تبون يؤكد موقف الجزائر الداعم لحل الأزمة الليبية    الشروع في تنصيب ورشات لإصلاح قانوني البلدية والولاية بداية من أكتوبر المقبل    البرلماني "رحماني" ينقل انشغالات الجالية الجزائرية خلال مناقشة مخطط عمل الحكومة    بن عبد الرحمان: الاعتمادات المالية المخصصة لفائدة ذوي الهمم فاقت 22 مليار دج خلال سنة 2021    صيرفة إسلامية: إيداع 10 مليار دج إلى غاية ماي 2021    اجراءات استعجالية لفائدة الفلاحين المتأثرين من ارتفاع أسعار المدخلات في السوق الدولية    ترشيح المناضلة الصحراوية سلطانة سيد إبراهيم خيا لنيل جائزة "ساخاروف"    وفاة 11 شخصا وإصابة 393 آخرين في حوادث المرور خلال أسبوع    أوبرا الجزائر تنظم مسابقة وطنية لانتقاء موسيقيين ومغنيين سيمفونيين من 20 إلى 24 سبتمبر الجاري    الاستثمار في رأس المال البشري مطلب رؤساء المجموعات البرلمانية    أيمن بن عبد الرحمان يؤكد أن مخطط عمل الحكومة سيطبق في الميدان وفق معايير متابعة "صارمة"    عمال النظافة يستأنفون العمل بعد إضرابهم المفاجئ لعدة أيام    الكوني يشدد على "التشاور والتنسيق مع الجزائر بشكل مستمر" حول الشؤون الليبية والمنطقة    مسابقة وطنية لإنجاز شعار خاص بالذكرى ال 60 لعيد الاستقلال    فاوتشي يحذر: "متحور متوحش" لكورونا في الطريق    وزارة الصحة: تسجيل 219 إصابة جديدة و21 وفاة    تنحية الأمين العام لمنظمة المجاهدين    بيب غوارديولا يوضح سبب توبيخه للنجم الجزائري رياض محرز    أستراليا تنسحب من صفقة شراء الغواصات مع فرنسا وتطلق شراكة أمنية مع الولايات المتحدة وبريطانيا    جازي تنظم النسخة الأولى من مسابقة الاتحاد العالمي للرياضات الإلكترونية بالجزائر!    عصابات إجرامية على الحدود وشبكات تُروّج الأكاذيب في الفضاء الأزرق: المخدرات والتضليل أسلحة المغرب الخبيثة في حربها القذرة على الجزائر    بالتوسعة الغربية للمقاطعة الإدارية علي منجلي : الشروع في ربط موقع 774 سكنا اجتماعيا تساهميا بالكهرباء    سكان هلة يطالبون بتحسين أوضاع القرية    حجز 118 كلغ من المخدرات ببشار    عبيد شارف يعود للقاءات الأهلي بعد غياب 3 سنوات: طاقم تحكيم جزائري بقيادة غربال لإدارة كأس السوبر المصري    سجلت في 24 ساعة الفارطة بجيجل: 16 حريقا يخلف أضرارا في الممتلكات بسلمى بن زيادة    الوجهة التونسية الأكثر استقطابا للّاعبين: نقاش ورايح يرفعان عدد المغادرين نحو الخارج    مانشيني يعارض مقترح إقامة كأس العالم كل عامين    تعليمة وزارية لتشغيل حاملي الدكتوراه    تفكيك جمعية أشرار من 6 أشخاص من بينهم3 نساء    المسجد مؤسسة اجتماعية شريكة في تحقيق التنمية الشاملة    إيداع المشتبه فيهم ال 8 الموقوفين بتيزي وزو الحبس    "وضعية الفريق تسودها الضبابية و قدوم شركة وطنية بيد السلطات"    تراجع حدة الموجة الثالثة وراء ضعف الإقبال على التطعيم    تطوير الصناعة الصيدلانية الناشئة من أولويات الحكومة    التصدّي لتحديات اللقاح ضد كورونا    العهدة أثبتت قيمة التعددية والنظام الدولي القائم على القواعد    تطوير اللغة الامازيغية    الرئيس تبون يقرّ 15 سبتمبر يوما وطنيا للإمام    تمديد "تقني" لبعثة الأمم المتحدة بليبيا إلى 30 سبتمبر    الخارجية الفلسطينية تدين دعوات لتنظيم اقتحامات للأقصى    الشروع في سحب أوامر دفع الشطر الأول    899 مستفيد من الإدماج المهني    التوقيع على عقد المشروع المشترك للاستغلال قريبا    متفائلون بحكم المحكمة الأوروبية والقضية الصّحراوية ستنتصر    "حطب سراييفو" بالإنجليزية في الأسواق    المسرح العربي يمر بمرحلة ركود ويبحث عن هويته    خلاف بين نيفيل وكاراجر بشأن رونالدو وميسي    أسعار حديد البناء تحلق في السماء    " المشاكل دفعتني إلى تغيير الأجواء والمولودية تبقى في القلب"    التغيير مطلب الجماهير....    أئمة ومشايخ وأساتذة يشيدون بقرار رئيس الجمهورية ترسيم يوم وطني للإمام    هذه ضوابط صلاة المريض    فضائل ذهبية للعفو عند المقدرة    الرسول الكريم والنظرة التكافلية للمجتمع    رقصة المجاز    «..الفُرڨڤة موت»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



علي أحمد باكثير أول من أدخل شخصية جحا إلى المسرح

الباحث أحمد إبراهيم الشريف يؤكد أن الأعمال المسرحية للكاتب علي أحمد باكثير، تحفل بتقنيات جمالية وإقناعية، سعى من خلالها إلى تقديم أفكاره، مستخدما في ذلك بلاغة متنوعة. انطلاقا من فكرة أنه كي نفهم واقعنا المعاصر، وجب علينا فهم الماضي القريب، عن طريق معرفة الأدبيات التي ناقشت أزمات وقضايا لا تزال مستمرة، أو لا يزال صداها موجودا، وقع اختيار الباحث أحمد إبراهيم الشريف على الخطاب المسرحي، في مسرح الكاتب والشاعر المصري علي أحمد باكثير، ليكون محور أطروحته "بلاغة الخطاب في مسرح علي أحمد باكثير".
في أطروحته لنيل الدكتوراه بعنوان "بلاغة الخطاب في مسرح علي أحمد باكثير"، يرى الباحث أحمد إبراهيم الشريف أن المطلع على الجانب الإبداعي عند باكثير، سيجده واعيا تماما بما يقوله في خطابه، محملا نصوصه رسائل ترصد الارتباك الذي أصاب الشخصية العربية، في فترة خطيرة من تاريخ العالم، عاصر فيها حربين عالميتين وسقطت فيها فلسطين في يد الصهاينة.
يقول الشريف "كان خطاب باكثير مشغولا بما يحدث حوله في مجتمعه وفي العالم أيضا انعكاس ما يحدث في العالم على مجتمعه الإسلامي والعربي محاولا الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بالهوية والوضع الراهن لجمهوره وقرائه، وقد كشف عن رأيه، من خلال أقنعة مسرحية، ومن خلال الهدف الذي سعت إليه الأعمال المسرحية.
عرب أم فراعنة
يؤكد الشريف في أطروحته، أن خطاب باكثير جاء متنوعا غنيا؛ فقد استمد مصادره من ثقافة عالمية وثقافة عربية؛ وظهر لديه التوظيف التاريخي والديني والاجتماعي والسياسي، وقرأنا في مسرحه، نصوصا تراجيدية وأخرى كوميدية، وبينهما الملهاة تسخر من الذات والآخر، وفهمنا معه الإسقاط السياسي والخطابات المضمرة والمعلنة، وغير ذلك من التقنيات التي جعلت خطابه متسعا، يتحدث عن الله والكون والإنسان، خاصة الإنسان العربي.
يوضح أنه استعان لتحليل الخطاب عند باكثير بالمنهج الوصفي، وأداتُه التحليل بما يطرحه من توقف عند جماليات العمل الفني، ووسائل قوته وضعفه، وما تبثه السيمولوجية من أيقونات وإشارات ورموز، في محاولة للتعرف على الرسائل التي يود النص أن يرسلها، على أن يضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي، والتعرف على مرجعية الخطاب ومصادره، واستفاد مما تقول به "التداولية"، ولم يستبعد آليات الدرس الحِجاجي أو النقد الثقافي.
يضيف الشريف أن خطاب باكثير كشف أن جيله على كل المستويات، حتى على مستوى السرد، متمثلا في نجيب محفوظ، كان يعاني أزمة في أصل الهوية، فالاحتلال الذي كان يفرض كلمته على الجميع، دفع المصريين ليتساءلوا؛ هل نحن عرب أم فراعنة؟ ولأن باكثير عربي يمني عاش في مصر ومات فيها، فقد انتسب إلى العروبة وحاول في خطابه أن يثبت ذلك.
سعى الباحث إلى تحقيق عدد من الأهداف الفنية، من خلال الدراسة التي جاءت في مقدمة وتمهيد تناول مسرح باكثير، وعرج على المسرح العربي قبله وبعده، ثم ثلاثة أبواب هي "سياقات خطاب علي أحمد باكثير وأقنعته"، و«بلاغة الخطاب القيمي في مسرح علي أحمد باكثير"، و«بلاغة الخطاب الإقناعي في مسرح على أحمد باكثير".
في سبيل تحقيق هذه الأهداف، تعامل الباحث مع مسرحيات باكثير من زاويتين؛ الأولى باعتبارها خطابا جماليا، والثانية باعتبارها وثيقة. ويؤكد الشريف أن الأعمال المسرحية لباكثير بصفتها نصوصا أدبية، تحفل بتقنيات جمالية وإقناعية لا ينقص منها عدم تقديم بعضها على خشبة المسرح الذي كان سيضيف إليها بالتأكيد لكن باكثير كان حريصا على اكتمال النص كتابيا من وجهة نظره وعدم المراهنة على العروض.
يقول إنه تبين بالدراسة، أن خطاب باكثير كان مدركا أن المسرح هو فن المواجهة، وأنه في حالة عرضه على الخشبة، يصبح تأثيره في الجمهور كبيرا، لذا أنتج نحو أربعين عملا مسرحيا، وسعى من خلالها إلى تقديم أفكاره، ثم عمل على إقناع الجمهور بما جاء في هذه المسرحيات من أفكار، مستخدما في ذلك بلاغة متنوعة. وقد غلب على خطاب باكثير توظيف التراث وإعادة إنتاجه مرة ثانية متجاوزا فكرة السرد أو الحكي بوصفه استعارة كبرى لها دور جديد في الظروف الراهنة، مانحا لنا فرصة جديدة لمساءلة هذه الشخصيات أو للتعلم منها.
إبداع الضرورة
يلفت الشريف إلى أن خطاب باكثير في مسرحه، تحرك من فكرة أن غرضه الأساسي هو التواصل، لذا فهم قيمة الحوار في المسرحيات، الذي جاء في أوقات كثيرة، مؤديا لهدفه ومقدما للشخصيات وصانعا للصراع، كما حرص باكثير في مواضع كثيرة، أن يكون حواره جماليا، فيحمل قيمة فنية لا تقلل من كونه حاملا رسائل ما.
نظرا إلى طبيعة المسرح التي تمنع ظهوره بشكل شخصي على الخشبة، أو أن يكتب شيئا مباشرا على لسانه، لجأ باكثير إلى حيلة القناع الفنية؛ حيث اختار من خلال شخصيات أعماله المسرحية بعض الشخصيات وحمَّلها رسائله، وجعل بعضها حُججا تدافع عما يريد باكثير قوله، ومن هنا تعاملنا مع باكثير بصفته بطلا مضمرا في النصوص، واستطعنا التعرف على أفكاره وشكلنا منها خطابه، وحددنا قيمه التي يدافع عنها.
يشير الباحث إلى أن خطاب باكثير استعان بحجج مرجعية، جاء على رأسها القرآن الكريم والكتب المقدسة، وصنع من هذه الحجج إطارا من القداسة أحاطت بالنصوص المسرحية وأفكارها، وأضفت الكثير من المصداقية على الرسائل الظاهرة، والمضمرة في الأعمال المسرحية.
يلاحظ الشريف في دراسته أن خطاب باكثير اهتم باللغة العربية الفصحى، وسيطرت على أعماله جميعا، لكننا في الوقت نفسه، لم نعدم وجود ألفاظ من اللهجة العامية، خاصة في المسرحيات الاجتماعية، وفي المسرحيات المتأخرة، بعد ممارسة طويلة مع المسرح، فلم يعد يخشى أن يُتهم بأنه "يقلل" من الفصحى أو غير ذلك، لكن هذه الخروجات عن الفصحى كانت قليلة، وجاءت معظمها على ألسنة النساء كما ذكرنا، كذلك ظهرت بعض الألفاظ التراثية الصعبة غير المناسبة للشخصيات ولا لطبيعتها، لكنها كانت قليلة.
وقد عمل الخطاب على حماية نصِّه من الملل بطرق شتى، منها صناعة الإيقاع عن طريق الإنشاد، فبث في مسرحياته أغنيات وصاغ هتافات وضعها على ألسنة المجاميع، كي يعلو صوتها فتثير الحماس في قاعة العرض.
يشدد الشريف على أن البلاغة في خطاب باكثير حجة في حد ذاتها، يستخدمها مؤكدا بها الهوية العربية والخصوصية الشرقية، لذا كان للمجاز بأشكاله المتنوعة دور كبير في تشكيل خطابه، معتمدا على استعارات كبرى، مثل استعادة الأحداث والشخصيات التاريخية وقيامها بأدوار جديدة فيها وعي مختلف عن زمنها كذلك الاستعارة الجزئية داخل العمل، بما يضفي حركة إضافية على الشخصيات والجمادات داخل العمل المسرحي، إضافة إلى أن طبيعة المسرح اقتضت وجود أنواع مختلفة من البلاغة، منها "بلاغة الجسد" وحركته، من خلال الإشارات المسرحية.
يتابع "كان لتقنية الاستفهام دور في تقديم خطاب علي أحمد باكثير، فالسؤال يعمل على اتساع دائرة التأثير، لأنه عادة يتجاوز النص الأدبي أو العرض المسرحي، إلى جمهور القراء والمشاهدين، كما أنه على مستوى الكتابة يكشف عما في داخل النفوس من شغف بالمعرفة أو مشاعر غضب".
صورة مختلفة لشخصية "جحا" التراثية
يبين الباحث أن خطاب باكثير قدم صورة مختلفة لشخصية "جحا" التراثية، وبعيدا عن كون باكثير أول من قدمه في المسرح، فهو أيضا قدمه مغايرا للصورة الذهنية التي شكلتها الحكايات الشعبية، فجعل منه رجل ثورة يقود الشعب ضد المحتل الأجنبي، وجعله يعاني في سبيل قضيته الكثير، ومن ذلك أنه أدخله السجن، لكنه لم يفقده حسه الساخر أبدا. بل إن باكثير حرص على تقديم نص فني مثقف، وقد حقق له كل من الشعر والقصص التراثية والأمثال الشعبية ذلك، ومقصده من ذلك، إظهار شخصيته في العمل الأدبي، إضافة إلى تأكيد الهوية العربية.
يلفت إلى أن باكثير حاول إعادة تفسير النبوءات، وفعل ذلك في مسرحية "مأساة أوديب"، فجعلها "مؤامرة" من المعبد ضد بيت الحاكم، وهذا التفكير العقلاني يحسب للخطاب، لأنه سيبعث رسالة لجمهوره أن بعض ما يوحى إليه بأنه غيبيات ليس كذلك، بل هناك يد تديره وعقل يدبره. كما أن خطابه تحرك في رصده لقيمه التي يدافع عنها، والتي أطلق عليها الباحث دائرة الذات من باب الدفاع عن الهوية، ومن ذلك مفهوم الشعب الذي تتطور صورته من الشعب المقهور إلى الشعب المتحقق، ولا يخفى لدارس الخطاب التنبه إلى تأثير الظروف الخارجية "ثورة 1952" على هذا التصور الفني، فما قبل هذا التاريخ كان الشعب في معاناة كبرى، كان مجرد "كورس" يردد ما يقال أمامه، وبعد هذا التاريخ، نجد شعبا واعيا بدوره وبأهميته.
يكشف الشريف، أن خطاب باكثير كان أول من أشار إلى أزمة فلسطين في مسرحية كبرى، هي "شيلوك الجديد 1944"، وقد تطورت طريقة تعامل باكثير مع العدو الصهيوني في هذه المسألة؛ في البداية كان يرى جيش الاحتلال مجرد عصابات قادمة من مجاهل أوروبا، وكان لديه إحساس بأنه يمكن القضاء عليها بسهولة، لكن بعد ذلك، اختلفت اللهجة وصار يطالب العرب بالتضامن، واضطر في معالجاته المسرحية، إلى أن يعترف بوجود إسرائيل -بالطبع لم يخرجها من دائرة العدو- وأن يبحث عن حلول أخرى للقضاء عليها، بعيدا عن إلقائها في البحر.
يخلص الشريف إلى القول، إنه "يمكن في النهاية وصف ما قدمه علي أحمد باكثير بأنه إبداع الضرورة؛ بمعنى أن المجتمعين العربي والمصري كانا بحاجة حقيقية لكاتب يخوض في هذه القضايا، ويناقش هذه الأفكار ويستعيد التاريخ والتراث ويبحث عن الهوية والخصوصية، فقد كانت الأوضاع في العالم مرتبكة أكثر مما يجب، فهناك دول تصعد وأخرى تسقط، ودول تتحرر وأخرى تدخل في العبودية من جديد، وهناك فلسطين تخسر كل شيء، وهنا كان يجب لكاتب ما أن يرفض كل ذلك، وأن يصرخ حتى ولو كان الصوت مرتفعا قليلا في وجه الصامتين، طالبا منهم أن يتنبهوا أكثر، وأن يقبضوا على قيمهم في ذلك الزمن المتحول.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.