يلتقي الفنانان الزوجان كمال بلطرش وماريا إلتسوفا، في معرضهما المشترك "اللون بلغتين"، الموشّح بالعطور والألوان والتراث، والممتد نحو رؤى فلسفية عميقة، تعطي للوحة هوية ومعنى وصوتا، لتصبح خطابا، يدعو للتأمل والوعي وتفتح مع الزائر مناجاة وتقاربا، عماده الإحساس المشترك. استقبل الفنان كمال بلطرش "المساء"، في معرضه المقام برواق "محمد راسم"، إلى غاية 14 جانفي الجاري، موضحا أن شريكته في المعرض السيدة ماريا إلتسوفا تمرّ بوعكة صحية منعتها من الحضور، ثم راح يتجول مع "المساء"، عبر هذه التشكيلة من اللوحات، التي قال إن أغلبها جديد لم يسبق عرضه. قال الفنان بلطرش، إن هذا المعرض الثنائي يضم 80 لوحة تشكيلية، وعنوانه "اللون بلغتين" يستكشف الثراء التعبيري للون بوصفه مساحة لقاء بين مقاربتين فنيتين متمايزتين، مضيفا "يتعامل كل منا مع اللون بوصفه لغة قائمة بذاتها، أحدنا يترك لطاقة اللون الخام أن تنبثق عبر حركات عفوية، وآثار سريعة، وخامات كثيفة نابضة، بينما يشكله الآخر بدقة داخل تركيبات أكثر أكاديمية، متقنة وصامتة، حيث تفكر كل درجة لونية، بوصفها عنصرا من عناصر العمارة البصرية". يقترح المعرض مسارا يصبح فيه اللون صوتا ونفسا وإيقاعا، وكل عمل هو ومضة خطاب، قد يكون، حسب الفنان، جملة، أو همس، أو تصريح، وقد تتجاوب الألوان أو تتعارض وتتآلف، وتنسج حوارا متواصلا بين الاندفاع والإتّزان، بين الفوضى والنظام، بين الانفعال الفوري والتفكير المُتأني، وهذا الحوار كما تم توضيحه، ليس ثابتا أبدا، بل يعاد تشكيله وفق حساسية الزائر، الذي يصبح بدوره طرفا في هذا الحوار. من خلال هذا التقابل الودي بين رؤيتين، يتساءل المعرض عن قدرة اللون على ترجمة عالم مشترك، مع الحفاظ على تفرد وتميز كل لغة فنية، ويكشف كيف يمكن لممارستين (أي الفنانان الزوجان) أن تتقاسما المادة نفسها، دون أن تذوبا في بعضهما، وكيف تخلقان فضاء مشتركا تثريه الاختلافات، بدلا من أن تفصل بينهما، ويكشف أيضا المسار عن أرض تتجاوب فيها الأعمال أحيانا برفق، وأحيانا بتوتر، لكنها تسعى دائما إلى فتح فضاء حسي حي، وعميق في الإنسانية. أضاف الفنان أيضا، أن المعرض يكشف الثراء التعبيري للون، بوصفه أرضية تلتقي فيها مقاربتان فنيتان مختلفتان، يتعامل هو وشريكته مع اللون كلغة مستقلة، كلاهما يترك طاقته تنفجر بحركات عفوي. كما يقدم المعرض مسارا، تصبح فيه الألوان صوتا ونفسا وإيقاعا، وكل عمل فني يشكل قطعة من خطاب متعارض أو متكامل، وتنسج حوارا متواصلا بين الاندفاع والانضباط، بين الفوضى والنظام، بين الشعور الفوري والتأمل الواعي، وهذا الحوار ليس ثابتا، بل يعاد تشكيله وفق حساسية الزائر الذي يصبح بدوره طرفا في المحادثة. يقدم الفنان التشكيلي كمال بلطرش في هذا المعرض، عدة لوحات، بعضها في الأسلوب التشخيصي والآخر في الانطباعي والتجريدي، الذي هي وقفة للتأمل والغوص في أغوار النفس البشرية، بعضها حمل الألوان القاتمة والمساحات الممتدة، كما زادت الرموز الأمازيغية بعضها جمالا وعمقا، وقال عنها إنها تتماشى واحتفالات يناير. بالمقابل، في منعرج آخر من الرواق، عرض الفنان بلطرش التراث، من خلال المدن والأماكن الأثرية، بعضها قال إنه رسم لأول مرة من ذلك المسمكة بالجزائر العاصمة، وأبدع أيضا في رسم القصبة في أجواء نقية، تخترقها الأنوار وتقابلها زرقة المتوسط، ورسم غرداية وساحل بجاية وغيرها كثير، وقد اعتبر رسم كل تلك الآثار والمواقع والأماكن توثيقا لها، كي تبقى حية في الذاكرة. بالمقابل، فضلت الفنانة ماريا إلتسوفا، باقات الورد بكل تشكيلاتها، تنسّم منها الزوار العبق الفواح، وقال زوجها الفنان كمال بلطرش ل"المساء"، إن كل تلك الباقات من طبيعة الجزائر، فلقد كانت زوجته تشتري الورود وتشكلها في باقات، أو تضعها في مزهريات بلمسة فنية أنثوية رقيقة، لتشرع بعدها في رسمها على المباشر. عبر كافة اللوحات، كان الورد وسيلة للتعبير عن الجمال والحب والصداقة والارتباط بالطبيعة، ويتجلى الجمال الرباني أكثر، من خلال الظلال والأنوار التي اختارتها الفنانة بتمكن. كما رسمت الفنانة زهورا برية منها تلك الموجودة مثلا في حديقة التجارب بالحامة، وكانت روعة في الإتقان والجمال، تفيض بالألوان الجذابة، خاصة منها البرتقالي والوردي. على هامش المعرض، صرح الفنان بلطرش ل"المساء"، أنه سيصدر قريبا كتابه الجديد، بعنوان "فن السينوغرافيا"، علما أنه سينوغرافي سابق بالتلفزيون الجزائري. للإشارة، درس كمال بلطرش بأكاديمية الفنون التشكيلية سوريكوف في العاصمة الروسية موسكو، وشارك في العديد من المعارض الفردية والجماعية في الجزائر، وأيضا بروسيا وتركيا وبريطانيا، ونال الجوائز، كما درّست زوجته الفنانة إلتسوفا الفنون التشكيلية بنفس الأكاديمية، ولها العديد من المعارض والجوائز.