مع حلول موسم البرد، تبدأ موجة من الخمول الجماعي في الاجتياح، حيث يصبح الاستيقاظ من السرير معركة يومية، يرافق ذلك شعور بالثقل وضيق المزاج طوال النهار، وفي الوقت الذي يهرع أغلب الناس لاتهام ضغوط العمل، أو "اكتئاب الشتاء" بهذا الإرهاق، يحذر الأطباء من عدو خفي يسكن في أعناقنا، وهي الغدة الدرقية التي تتقاطع أعراض اضطرابها، بشكل مضلل مع منغصات فصل الشتاء. واثبت عديد الدراسات، أن شهر جانفي يمثل ذروة التضليل الصحي، فالناس بطبعهم يميلون إلى ربط جفاف البشرة بالهواء البارد، وربط زيادة الوزن بقلة الحركة في الشتاء، وربط الرغبة المستمرة في النوم بقصر النهار، لكن الحقيقة قد تكون أعمق من ذلك بكثير، إذ أن الغدة الدرقية تعمل بمثابة محرك الاحتراق الداخلي للجسم، وعندما يصيبها الخمول، تتباطأ كل وظائف الأعضاء، مما يجعل المريض يشعر وكأنه يعيش في حالة "سبات شتوي" إجباري لا ينتهي بالراحة. خلال حديثنا مع طبيب مختص في الغدة الدرقية، أحمد بن براكن، أكد أن الفارق الجوهري بين تعب الحياة اليومية واضطراب الغدة، يكمن في استمرارية الأعراض وشموليتها، مضيفا أن الإرهاق الطبيعي يزول بنيل قسط من النوم أو تغذية جيدة، أما خمول الغدة فهو تعب "عضوي" لا تداويه الراحة، بل قد يصاحبه تساقط غير مبرر في الشعر، وشعور بالبرد القارس، حتى في الغرف الدافئة، وبطء ملحوظ في نبضات القلب، إلى جانب أعراض أخرى تبدو طبيعية، حتى وأن منها ما هو مرتبط بالسلامة النفسية واضطرابات في المزاج، هذه العلامات ليست مجرد آثار جانبية للموسم، يشدد الطبيب، بل هي صرخة استغاثة من غدة صغيرة الحجم، لكنها كبيرة التأثير. يوضح الطبيب المختص، أن الغدة الدرقية قد تواجه بعض المشاكل الشائعة، التي تؤثر على عملها، من أبرز هذه المشاكل قصور الغدة الدرقية، حيث لا تنتج كمية كافية من الهرمونات، مما قد يؤدي إلى الشعور بالتعب، زيادة الوزن، الشعور بالبرد، والإمساك، إلى جانب هذا، قد يحدث فرط في نشاط الغدة الدرقية، حيث تنتج كمية كبيرة من الهرمونات، مما قد يتسبب في فقدان الوزن غير المبرر، سرعة ضربات القلب، والشعور بالتوتر والقلق، ويؤكد الطبيب على أن هذه الأعراض قد تكون مؤشرا على وجود خلل يتطلب استشارة طبية." إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الكثيرين في هذا الوقت من العام، هو "التشخيص الذاتي" الخاطئ، فالكثيرون يلجؤون للمكملات الغذائية أو المنبهات بشكل عشوائي، مما قد يخفي الأعراض لفترة قصيرة، دون علاج أصل المشكلة، لذلك، يبقى التحليل المخبري البسيط هو الحل الوحيد الذي ينهي هذه الحيرة، فبدل أن تضيع شهور الشتاء في صراع مع جسد لا يستجيب، يمكن لتعديل بسيط في مستويات الهرمونات أن يعيد للإنسان حيويته. وفي الأخير، أكد المختص قائلا: "لا يمكن اختصار الصحة في مجرد تغيرات موسمية عابرة، بل هي مؤشر حيوي، يتطلب الوقوف بجدية أمام كل إشارة يرسلها الجسد، لذا، فإن استشارة المختص وإجراء الفحوصات الدورية ليسا مجرد إجراءات تكميلية، بل هما الركيزة الأساسية، لضمان عدم تحول بعض الأعراض إلى مشكل صحي أكثر خطورة".