مبادرات الجزائر تعزز ثقافة الحوار بين الثقافات والأجيال    "اليقظة الاستراتيجية" في فضاء الإعلام "لم يعد خيارا أو بديل "    استلام 134 حافلة بميناء الجزائر    الجزائر مؤهلة لتعزيز الربط نحو أوروبا وإفريقيا جنوب الصحراء    بين منطق القوة والهشاشة البنيوية ج4    وزار ة الفلاحة تنظم حملة تشجير كبرى لغرس خمسة ملايين شجرة    إحباط محاولة تهريب أكثر من 117 كلغ من الكيف المعالج    المغرب نقطة عبور رئيسية لتهريب المخدرات نحو أوروبا    دورة تكوينية لغوية للإعلاميين    ارتقاء بالخدمة الصحية ندعم كل المبادرات الرامية إلى تثمين مهامها    هذا جديد إجراءات الحج    استعراض آفاق التعاون الطاقوي بين الجزائر ونيجيريا    إعادة النظر في التنظيم الإداري بالعاصمة    مشاريع متعدّدة لدراسة وإنجاز وصيانة الطرق    إصلاحات الرئيس تبون عزّزت الاستثمار وأهداف تنويع الاقتصاد    استخدام الذكاء الاصطناعي لرفع مستوى التكوين    التزام تام للجزائر بدفع العمل العربي المشترك    مشروع مركز وطني كبير لأبحاث علم الفيروسات    14 مليون دولار مستحقات الجزائر لدى دولة لم تتكفل بمرضاها    الوفرة والتنوّع مضمونان بكميات كبيرة في رمضان    فتح 17 مطعمَ إفطار وتوزيع 8 آلاف مساعدة و5 آلاف قفة    إدارة " الحمراوة" تقيل المدرب غاريدو    فتح معبر رفح دون مساعدات لا يغير من الواقع    المخزن يستغل الكوارث الطبيعية لتهجير المواطنين    لبنة إضافية في العمل التضامني مع القضية الصحراوية    مستعدة لخوض أي اختبار للمشاركة في أولمبياد 2028    الجزائر أمام رهان التأهل إلى نهائيات "الكان"    وزارة الفلاحة تعلن عن حملة تشجير كبرى لغرس خمسة ملايين شجرة يوم 14 فبراير    بطولة الرابطة المحترفة: «النسر» السطايفي واتحاد خنشلة يواصلان التراجع    بعقد لثلاثة مواسم ونصف..اتحاد العاصمة يضم الدولي أشرف عبادة    عميد جامع الجزائر يستقبل سفير مصر ويبحثان سبل تعزيز التعاون العلمي والثقافي    الجولة 18 من الرابطة المحترفة الأولى: مواجهات قوية وحسابات متباينة في سباق الترتيب    وزارة التضامن تطلق حملة وطنية لترشيد الاستهلاك قبل وخلال شهر رمضان    سايحي: التكفل بمرضى الأمراض المستعصية داخل الوطن والتحويل إلى الخارج يبقى استثنائيا    زيارة إعلامية إلى مركز التدريب للمعتمدية بحاسي مسعود بالناحية العسكرية الرابعة    اليقظة الاستراتيجية في المؤسسات الإعلامية محور ملتقى وطني بالجزائر العاصمة    ضبط وتوحيد المصطلحات محور يوم دراسي    الشروع في طبع مجموعة من الكتب بالإنجليزية    دار الأرقم بن أبي الأرقم.. البيت المباركة    مُنعرج حاسم لمولودية الجزائر وشبيبة القبائل    المجازر تتجدّد في غزّة    نحو ثقافة واقعية للتعايش بعيدا عن الاحتراب    مشروع ضخم.. في زمن قياسي    صندوق النقد الدولي يشيد بالجزائر    القضاء على 4 إرهابيين وآخران يسلمان نفسيهما    يجب" تعزيز آليات المتابعة والرقابة الدورية للخدمات"    بين منطق القوة والهشاشة البنيوية ج3    " قطاع غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية"    الهدف .. الألعاب الأولمبية    فارس غلام يُمتع بمعزوفات على القانون    استعادة لروح المدينة وتراثها    مليانة تستعيد إشعاعها الثقافي    تعزيزا للانفتاح الأكاديمي ودعما للنشر العلمي ذي البعد الدولي..الشروع في طبع مجموعة من الكتب الجامعية باللغة الإنجليزية    المديرية العامة للأرشيف الوطني : ضبط وتوحيد المصطلحات الأرشيفية محور يوم دراسي بالجزائر العاصمة    نحو بناء منظومة أخلاقية تتناسب مع تراثنا الديني والثقافي    التعامل مع الناس.. والأمل المفقود!    بوابة الاستعداد لرمضان..    دعاء في جوف الليل يفتح لك أبواب الرزق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حكايات فلسطينية حميمية بعين نسائية
نشر في أخبار اليوم يوم 07 - 03 - 2012

تتحدث قصص الفلسطينية ميسون أسدي (لملم حريم) عن الحياة الخاصة لنساء يعذبهن الفقد للحميمية ويعشن حيوات تترنح تحت ضغط الروتين والاعتياد، فتجتمع عندهن صورتان نقيضتان، واحدة ظاهرة يومية وتشبه القناع، فيما الثانية باطنية، مستترة، نساء يتجوّلن في البيت والشارع وأماكن العمل وعلى شاطئ البحر في صور تبدو طبيعية وعادية، فيما تصطرع في أعماقهن نار القهر والحرمان·
ميسون أسدي ابنة قرية (دير الأسد) في الجليل، والتي تقيم في حيفا، تذهب إلى تلك المساحات الشائكة من عيش نسوي يطفح بمرارات لا تحصى من تفاصيل ومشاهد تؤلف مجتمعة ومنفردة محنة الروح في جحيم اليومي الطافح بالمرارات والخيبات·
(لملم حريم) مجموعتها القصصية الجديدة (منشورات مكتبة كل شيء (حيفا) 2012) تختار لها منذ البداية عنواناً لافتاً، سنجد تفسيره في القصة التي تحمله وتعبر عنه، وتحمله كذلك عنواناً لها وللمجموعة معاً، وهو اختيار لافت من الكاتبة، ف (لملم حريم) هو اسم الاتحاد النسائي في اللغة الأفغانية، على ما يضمره ذلك من مفارقات حياة النساء في تلك البقعة القصية من العالم·
في الهواء الطلق
في قصة (الصفر يربح)، تحكي ميسون أسدي عن تباهي النساء بفحولة أزواجهن في نوع من إغاظة الأخريات، وعن حكايات وأجواء حميمة لتنتهي القصة بخاتمة هزلية، إذ تروي إحداهن لصديقتها حكاية عجوزين يراهن أحدهما الآخر على الروليت حول عدد المرات التي يعاشر كل واحد منهما زوجته فيها، فيختار كل منهما رقماً، لكن الروليت تقف عند الرقم صفر، فينظر كل منهما للآخر قائلَيْن: كنا ربحنا لو اخترنا الرقم صفر·
في القصة سرد يذهب مع النساء إلى الطبيعة، الأماكن المفتوحة والهواء الطلق، وبالذات البحر، حيث تلتقي الصديقات هناك، في ما يشير إلى رغبة عميقة في التحرر من الروتين اليومي وأثقاله· نساء ميسون أسدي يحتفلن بالحياة، ويملأهن جموح عيشها· هنا بالذات تزدهر كتابتها بالجزئيات والتفاصيل الصغيرة التي تجعل سطور القصة تجمع بين السرد وبين البوح الدافئ والذي يضفي على القصص حميمية العلاقة مع القارئ· قراءة المجتمع من خلال عالم نسائه وما يحيط بتلك العوالم من ضنك، لا يطفو على سطح الجدالات الفكرية والثقافية عادة، وأعتقد أن ميسون أسدي بهذه القصص تفتح باباً واسعاً لرؤية ذلك المسكوت عنه، والذي قد يبدو من النظرة العابرة بعيداً من (العناوين الكبرى) والموضوعات العامة، ولكنه بقليل من التأمُّل يشير لها، بل يصدر من أتونها ومن تفاعلاتها، التي تحكم المجتمع وتخضعه لسطوتها وهيمنتها·
في قصة (شحنة من الأمل) تكتب أسدي حكايات الطفولة الفلسطينية في شقيها، المقيم في فلسطين وذلك الذي في مخيمات اللجوء في لبنان· هي قصة جذابة وجارحة، من خلال أطفال ينشدون لأي طائرة تحلق في السماء كي تعيد لهم أهلهم وأقاربهم الغائبين· هي قصة تنتمي لما يمكن أن نسمّيه (فلوكلور العادات) عند أطفال فلسطين في كل أماكن تواجدهم: الطائرة رمز الحركة الحرة، تشبه معادلاً لبساط الريح، يرمي لها الأطفال أمنياتهم، ولكنهم يكتشفون فجأة أنها لم تعد طائرة أحلامهم وأمنياتهم السعيدة، بل وحشاً كاسراً يتهددهم بالموت·
ثمة هتاف واحد تردّده فتاتان، واحدة ولدت وعاشت في (عين الحلوة)، والثانية ولدت وعاشت طفولتها في الجليل وجاءت إلى عين الحلوة، وتكتشف الفتاتان أنهما دون ترتيب مسبق تحفظان الهتاف ذاته· توقفت طويلاً أمام هذه القصة الجميلة التي تتناول التراجيديا الفلسطينية من حدقات الأطفال: هنا تجانب ميسون الكليشيهات الجاهزة وميلودراما الشعارات التي راجت طويلاً في الأدب المباشر، وتكتب عن ذلك النبض البريء والمشاعر البسيطة، وأبلغها الحلم بعائلة مكتملة بحضور أفرادها·
الطبقة الوسطى
لافتٌ في مجموعة ميسون أسدي الجديدة بطلاتها، من النساء اللواتي تختارهن الكاتبة من صفوف الطبقة الوسطى، أعني هنا بالتحديد نساء فاعلات اجتماعياً ويشاركن بالعمل والعلاقات الاجتماعية عامة، ويعشن حالات ازدواجية تخبئ معاناة هائلة تتكثف كلها في غياب الحب، وفقدان التواصل مع الشريك حتى في حالات الزواج بعد علاقة حب عاصف· لافتة تلك القصة التي تختتم بها الكاتبة مجموعتها، والتي حملت العنوان (أشعلت مصباح السرير)، ففيها نقف على فضاء سردي لعله الأجمل والأعمق بين قصص المجموعة كلها: قصة إذ تتناول رتابة العلاقات بين الزوجين من وجهة نظر المرأة وما تعانيه، نراها تعود (وفي حبكة سردية جذابة) لرؤيتها في الجانبين، أي أيضاً في ذلك الجانب المتعلق بالرجل· القصة تحكي عن امرأة تعيش حالة من الحرمان الجنسي تشعر معها أن جسدها يصاب بارتعاشات تظنها ارتعاشات الشهوة لتكتشف لاحقا أنها مصابة بالسرطان، وأن عليها الخضوع لجراحة·
نهاية رمزية بالغة الدلالة تختارها ميسون أسدي لقصتها، ففي حين تبدأ القصة ببوح بطلتها أنها لا تحب أن تشعل ضوء السرير لأنها لا تريد أن ترى زوجها، نجدها في خاتمة القصة على عكس ذلك، ترغب في إشعاله بعد أن تفاجأت بحجم الحب الذي يحمله زوجها لها· قصة تحيل المسألة إلى الحياة الاجتماعية ذاتها التي تجعل الرجل والمرأة معاً ضحيتين للاغتراب ووحشة الوحدة·
أعتقد أن واحدة من ميزات هذه المجموعة القصصية هي بالذات في موضوعاتها ومناخاتها الاجتماعية التي جاءت متنوعة، ترى بحدقتين يقظتين ما بعد الظواهر الاجتماعية التي تبدو عادية أو مألوفة ولا تثير عادة انتباهات لافتة عند الناس· الكتابة في حالة كهذه تمزج الرؤية العميقة لجماليات القص، وفي الحالتين نجحت ميسون أسدي في كتابة قصصية عالية المستوى، أخذتنا إلى القراءة بمتعة واهتمام·


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.