حجز أكثر من قنطارين من الكيف المعالج بسيدي بلعباس    سيرغي لافروف يترحم على أرواح شهداء الثورة التحريرية    إلغاء رحلات الخطوط الجوية الجزائرية على مستوى مطارات شرق الوطن بسبب سوء الأحوال الجوية    تقرير مجمع أكسفورد 2018 : ينبغي على الجزائر تسريع تنويعها الاقتصادي أمام تقلبات السوق النفطية    النقل البحري: تأجيل رحلة وهران - أليكانت وإلغاء رحلة وهران-برشلونة بسبب تقلبات الأحوال الجوية    انهيار جسر في جيجل    وفاة ثلاثة اشخاص جراء تسممهم بغاز أحادي أكسيد الكاربون بكل من الجلفة وخنشلة في ظرف 24 ساعة    ميهوبي: انخفاض الميزانية ونقص المهنية في التنظيم أثرا في سير الطبعة 11 لمهرجان وهران للفيلم العربي    عملاق إسبانيا يدخل سباق التعاقد مع ماندي    إصابة نايمار تحبس أنفاس الجميغ في باريس سان جرمان    الثلوج تتسبب في غلق الطرق ب 14 ولاية    12 مشروعا لصناعة السيارات في الجزائر    رقم “مميز” ل “محرز” مع “مانشستر سيتي” !    سرار: ” نفس التشكيلة لم تحقق أي لقب خلال السنوات الثلاث الأخيرة”    هذه تفاصيل ما يحدث في فنزويلا    جلاب: قضية المكمل الغذائي “رحمة ربي” أمام مجلس الدولة ولم يتم الفصل فيها    سرار يحسم مصير “فروجي” !    «50 ألف منصب جديد في لاداس.. والملف بطاقة تعريف»    الأغراض الشخصية للمغني‮ ‬والشاعر إرث للمجتمع    الجولة ال19‮ ‬من الرابطة المحترفة الثانية    سالفيني‮ ‬يأمل بأن‮ ‬يتخلص الفرنسيون من ماكرون    من أجل محاربة العنف في‮ ‬الملاعب    مواطنون مستاؤون من تحايل التجار    رياح قوية تجتاح‮ ‬24‭ ‬ولاية‮ ‬    مارس المقبل‮ ‬    تسجيل‮ ‬62‭ ‬مترشحاً‮ ‬في‮ ‬ظرف أربعة أيام    الخبير الاقتصادي‮ ‬آيت شريف‮ ‬يحذر‮: ‬    تستمر إلى‮ ‬غاية ال6‮ ‬فيفري‮ ‬القادم‮ ‬    إجراءات جديدة لمحاربة التحايل ببطاقة الشفاء    الصندوق الوطني للتقاعد يتنفس    مقري سلطاني وجهاً لوجه    هذا آخر أجل لإيداع ملفات الترشح للرئاسيات    النتن ياهو عند جارنا الملك ؟    جرائم الاستعمار بالجزائر ضمن النقاش الوطني بفرنسا    هذه حقيقة احتراق طائرة جزائرية في كندا    معرض حول سجون الاستعمار    فلوسي عميداً لكلية العلوم الإسلامية    في رحاب قوله تعالى: (واحذرهم أن يفتنوك)    أحب العمل إلى الله بر الوالدين    إذا كان الشغل مجهدة فان الفراغ مفسدة !    إرهابيان يسلمان نفسيهما للسلطات العسكرية    إحصاء 111 عاملا أجنبيا غير مصرح بهم بغليزان    التطعيم ضد الحصبة: حسبلاوي يلح على بلوغ 95 بالمائة على الأقل    حصة إضافية بأزيد من 13 ألف جرعة لقاح بتلمسان    الأوبئة تحاصر اليمنيين    الفريق قايد صالح يؤكد في الذكرى السادسة لحادثة تقنتورين :    الشاهد وأمين الاتحاد العام للشغل يفشلان في نزع الفتيل    تفسير: (الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم ):    « العمل التلفزيوني مُتعِب والأشرطة العلمية تحتاج إلى فرق مختصة »    تراجع عدد المشاركين إلى 100    تصنيف 5 معالم إسبانية قديمة بوهران    «أديت مباراة في القمة وشتمت من قبل أنصارنا»    سكيكدة تكرّم بوتران    نفوق "ألطف" كلب    طفلة العامين تسلم نفسها للشرطة    خمس فوائد للعناق وتبادل الأحضان    إنشاء أول مؤسسة خاصة بباتنة    المنشد جلول يرد على مهاجمي الراحل هواري المنار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حكايات فلسطينية حميمية بعين نسائية
نشر في أخبار اليوم يوم 07 - 03 - 2012

تتحدث قصص الفلسطينية ميسون أسدي (لملم حريم) عن الحياة الخاصة لنساء يعذبهن الفقد للحميمية ويعشن حيوات تترنح تحت ضغط الروتين والاعتياد، فتجتمع عندهن صورتان نقيضتان، واحدة ظاهرة يومية وتشبه القناع، فيما الثانية باطنية، مستترة، نساء يتجوّلن في البيت والشارع وأماكن العمل وعلى شاطئ البحر في صور تبدو طبيعية وعادية، فيما تصطرع في أعماقهن نار القهر والحرمان·
ميسون أسدي ابنة قرية (دير الأسد) في الجليل، والتي تقيم في حيفا، تذهب إلى تلك المساحات الشائكة من عيش نسوي يطفح بمرارات لا تحصى من تفاصيل ومشاهد تؤلف مجتمعة ومنفردة محنة الروح في جحيم اليومي الطافح بالمرارات والخيبات·
(لملم حريم) مجموعتها القصصية الجديدة (منشورات مكتبة كل شيء (حيفا) 2012) تختار لها منذ البداية عنواناً لافتاً، سنجد تفسيره في القصة التي تحمله وتعبر عنه، وتحمله كذلك عنواناً لها وللمجموعة معاً، وهو اختيار لافت من الكاتبة، ف (لملم حريم) هو اسم الاتحاد النسائي في اللغة الأفغانية، على ما يضمره ذلك من مفارقات حياة النساء في تلك البقعة القصية من العالم·
في الهواء الطلق
في قصة (الصفر يربح)، تحكي ميسون أسدي عن تباهي النساء بفحولة أزواجهن في نوع من إغاظة الأخريات، وعن حكايات وأجواء حميمة لتنتهي القصة بخاتمة هزلية، إذ تروي إحداهن لصديقتها حكاية عجوزين يراهن أحدهما الآخر على الروليت حول عدد المرات التي يعاشر كل واحد منهما زوجته فيها، فيختار كل منهما رقماً، لكن الروليت تقف عند الرقم صفر، فينظر كل منهما للآخر قائلَيْن: كنا ربحنا لو اخترنا الرقم صفر·
في القصة سرد يذهب مع النساء إلى الطبيعة، الأماكن المفتوحة والهواء الطلق، وبالذات البحر، حيث تلتقي الصديقات هناك، في ما يشير إلى رغبة عميقة في التحرر من الروتين اليومي وأثقاله· نساء ميسون أسدي يحتفلن بالحياة، ويملأهن جموح عيشها· هنا بالذات تزدهر كتابتها بالجزئيات والتفاصيل الصغيرة التي تجعل سطور القصة تجمع بين السرد وبين البوح الدافئ والذي يضفي على القصص حميمية العلاقة مع القارئ· قراءة المجتمع من خلال عالم نسائه وما يحيط بتلك العوالم من ضنك، لا يطفو على سطح الجدالات الفكرية والثقافية عادة، وأعتقد أن ميسون أسدي بهذه القصص تفتح باباً واسعاً لرؤية ذلك المسكوت عنه، والذي قد يبدو من النظرة العابرة بعيداً من (العناوين الكبرى) والموضوعات العامة، ولكنه بقليل من التأمُّل يشير لها، بل يصدر من أتونها ومن تفاعلاتها، التي تحكم المجتمع وتخضعه لسطوتها وهيمنتها·
في قصة (شحنة من الأمل) تكتب أسدي حكايات الطفولة الفلسطينية في شقيها، المقيم في فلسطين وذلك الذي في مخيمات اللجوء في لبنان· هي قصة جذابة وجارحة، من خلال أطفال ينشدون لأي طائرة تحلق في السماء كي تعيد لهم أهلهم وأقاربهم الغائبين· هي قصة تنتمي لما يمكن أن نسمّيه (فلوكلور العادات) عند أطفال فلسطين في كل أماكن تواجدهم: الطائرة رمز الحركة الحرة، تشبه معادلاً لبساط الريح، يرمي لها الأطفال أمنياتهم، ولكنهم يكتشفون فجأة أنها لم تعد طائرة أحلامهم وأمنياتهم السعيدة، بل وحشاً كاسراً يتهددهم بالموت·
ثمة هتاف واحد تردّده فتاتان، واحدة ولدت وعاشت في (عين الحلوة)، والثانية ولدت وعاشت طفولتها في الجليل وجاءت إلى عين الحلوة، وتكتشف الفتاتان أنهما دون ترتيب مسبق تحفظان الهتاف ذاته· توقفت طويلاً أمام هذه القصة الجميلة التي تتناول التراجيديا الفلسطينية من حدقات الأطفال: هنا تجانب ميسون الكليشيهات الجاهزة وميلودراما الشعارات التي راجت طويلاً في الأدب المباشر، وتكتب عن ذلك النبض البريء والمشاعر البسيطة، وأبلغها الحلم بعائلة مكتملة بحضور أفرادها·
الطبقة الوسطى
لافتٌ في مجموعة ميسون أسدي الجديدة بطلاتها، من النساء اللواتي تختارهن الكاتبة من صفوف الطبقة الوسطى، أعني هنا بالتحديد نساء فاعلات اجتماعياً ويشاركن بالعمل والعلاقات الاجتماعية عامة، ويعشن حالات ازدواجية تخبئ معاناة هائلة تتكثف كلها في غياب الحب، وفقدان التواصل مع الشريك حتى في حالات الزواج بعد علاقة حب عاصف· لافتة تلك القصة التي تختتم بها الكاتبة مجموعتها، والتي حملت العنوان (أشعلت مصباح السرير)، ففيها نقف على فضاء سردي لعله الأجمل والأعمق بين قصص المجموعة كلها: قصة إذ تتناول رتابة العلاقات بين الزوجين من وجهة نظر المرأة وما تعانيه، نراها تعود (وفي حبكة سردية جذابة) لرؤيتها في الجانبين، أي أيضاً في ذلك الجانب المتعلق بالرجل· القصة تحكي عن امرأة تعيش حالة من الحرمان الجنسي تشعر معها أن جسدها يصاب بارتعاشات تظنها ارتعاشات الشهوة لتكتشف لاحقا أنها مصابة بالسرطان، وأن عليها الخضوع لجراحة·
نهاية رمزية بالغة الدلالة تختارها ميسون أسدي لقصتها، ففي حين تبدأ القصة ببوح بطلتها أنها لا تحب أن تشعل ضوء السرير لأنها لا تريد أن ترى زوجها، نجدها في خاتمة القصة على عكس ذلك، ترغب في إشعاله بعد أن تفاجأت بحجم الحب الذي يحمله زوجها لها· قصة تحيل المسألة إلى الحياة الاجتماعية ذاتها التي تجعل الرجل والمرأة معاً ضحيتين للاغتراب ووحشة الوحدة·
أعتقد أن واحدة من ميزات هذه المجموعة القصصية هي بالذات في موضوعاتها ومناخاتها الاجتماعية التي جاءت متنوعة، ترى بحدقتين يقظتين ما بعد الظواهر الاجتماعية التي تبدو عادية أو مألوفة ولا تثير عادة انتباهات لافتة عند الناس· الكتابة في حالة كهذه تمزج الرؤية العميقة لجماليات القص، وفي الحالتين نجحت ميسون أسدي في كتابة قصصية عالية المستوى، أخذتنا إلى القراءة بمتعة واهتمام·


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.