حرب أخرى ..    سنحول غلاف غزة إلى مكان غير قابل للحياة    باماكو تثمّن "الالتزام الشخصي" للرئيس تبون بالسّلم والمصالحة في مالي    لعمامرة يستقبل السفير الجديد لدولة ليبيا لدى الجزائر    العناصر الجزائرية تحقق إنجازاً تاريخياً    مخطط لتزويد قرى البيض والمناطق الصناعية بالغاز والكهرباء    ندوة وطنية حول العمل والرواتب لتحقيق النجاعة    الارتقاء بالعلاقات بين الجزائر وكولومبيا لآفاق متميزة    باماكو ترغب في استمرار الدور الريادي للجزائر في مالي    الحفاظ على الديناميكية الإيجابية للسلم والمصالحة ودعمها    توقيف خمسة أشخاص بتهمة حيازة مخدرات    والي وهران يقرّر غلق شاطئ "عين فرانين"    قاعة الفنون الجميلة تتوشح بأعمال رسامين جزائريين    الحرب التحريرية تتطلب قدرات وكفاءات موجودة لدى الطلبة    توقيع اتفاق سلام بين السلطات التشادية وجماعات معارضة    الحكومة الانتقالية ومجموعات المعارضة يوقعون اتفاقية سلام الدوحة    مطالب برحيل الوزير بوريطة "العار"    وقف إطلاق النار.. حلّ مؤقّت    اكتتاب التّصريح التّقديري بالضّريبة الجزافية قبل 15 أوت    وفاق سطيف يتلقّى دعوة للمشاركة في «السوبر» الافريقي    بن رحمة مطلوب في نوتنغهام فورست    الكشف عن قائمة المنتخب الوطني لاقل من 23 سنة    بوغالي ينقل تهاني الرئيس تبون إلى الرئيس الكولومبي الجديد    إطلاق خط النّقل البحري بين مسمكة العاصمة وميناء تامنتفوست    حالة التّأهّب القصوى لا تزال مستمرّة    حملة تحسيسية لفائدة سائقي الدراجات النارية    صراع الأقوياء على قارة عذراء ...    وجوه لامعة تحيي المهرجان الوطني لأغنية الشعبي    منحة كورونا استثناء للمستخدمين المعرضين للخطر    تراخي المواطنين وراء ارتفاع الإصابات بكورونا    الإطاحة بعصابة مختصة في "الحرقة"    قميص باسم عبد المجيد تبون.. تقدير وشكر وعرفان    147 رياضي جزائري في مهمة تشريف الراية الوطنية    تأجيل الأيام المسرحية "الغزال الأحمر"    خيمة بمسرح تيمقاد تبرز خصوصية الأوراس    الجزائر تمكنت من منع التهديد الإرهابي بفضل العمل الأمني الاستباقي    أجواء روحانية وتضامنية    منتج جزائري يفوز بثاني ذهبية    شباك موحد للاستفادة من قرض "الرفيق"    أول مسجد أخضر بالجزائر    أسعار النفط تصعد مجددا    إدراج 17 ممتلكا ثقافيا ضمن مشروع المسار السياحي لولاية ميلة    أسبوع ثقافي وعلمي لأطفال الجزائر    مهرجان "سبيبا".. حدث ثقافي هام ومحطة للترويج للسياحة بمنطقة طاسيلي ناجر    أوامر ل"كوسيدار" بتسريع إنجاز محوّل العاشور    بعد وفاة رجل وابنه: غلق شاطئ "عين فرانين" بوهران عقب حادث انهيار صخري    الهند تسجل 16 ألفا و167 إصابة جديدة بفيروس كورونا    فيروس كورونا: 102 إصابة جديدة مع عدم تسجيل أي وفاة    المنافسات الإفريقية للأندية: اتحاد الجزائر وشبيبة الساورة معفيان من الدور التمهيدي الأول    كرة السلة (البطولة الإفريقية لأقل من 18 عاما)/إناث: فوز الجزائر أمام أوغندا 72-69    "مهياوي " ينبه لأعراض الموجة الخامسة للوباء    رفع التجميد عن مشاريع ترميم المدينة العتيقة في قسنطينة    المتحف "أحمد زبانة"بوهران : قاعة الفنون الجميلة تعرض أعمال رسامين جزائريين    النّبوءة    ابن ماجه.. الإمام المحدّث    وزارة الشؤون الدينية تحدد قيمة نصاب الزكاة لهذا العام    وزارة الشؤون الدينية والأوقاف ..هذه هي قيمة نصاب الزكاة للعام 1444ه    الكعبة المشرّفة تتوشح بكسوة جديدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوم مزدهر للفلسفة
نشر في الفجر يوم 24 - 05 - 2010

كانت زيارتي إلى الجزائر ثقافية، كمعظم رحلاتي: المشاركة في الملتقى الدولي السادس ليوم الفلسفة. والفلسفة هي بنت المدينة، إذ ترافقت نشأتها مع ولادة المدينة/ الدولة في بلاد الإغريق مع أعلامها الكبار: سقراط وأفلاطون وأرسطو الذين سطعوا في سماء أثينا، ثم تطورت وازدهرت مع تشكيل المدينة/ الأمة، كما في العصر الإسلامي، خاصة في العصور الحديثة.
والمدينة تُفهم هنا بمعناها الأوسع والأغنى، بوصفها مجتمعا مدنيا وسياسيا، أو بوصفها حاضرة مزدهرة يعيش فيها مواطنون متساوون في الحقوق، بقدر ما تشكّل فضاءً لحرية التفكير والتعبير.
من هنا كانت الفلسفة عند نشوئها، ثمرة لعملية مركّبة تفاعلت فيها أربعة عناصر: علمنة الرؤية إلى العالم، عقلنة الخطاب مع ولادة المنطق، الحدّ من العنف بنقل المشكلات والصراعات إلى خشبة المسرح، بالإضافة إلى الصيغة الديمقراطية كنظام للحكم.
واليوم يتسع المجال، بحيث يمكننا الحديث عن المدينة/ العالم، نظرا للتحولات التي رافقت ثورة المعلومات والاتصالات، حيث تتعولم الهويات والمشكلات والخيرات. نحن نعيش في مدن معولمة، بقدر ما أصبح الفلاسفة والمشتغلون بصناعة الأفكار يفكرون عالميا، وينشطون على مستوى كوكبي.

فيما يخص الملتقى الذي انتظمت أعماله في ندوتين، كانت العروض والمناقشات غنية، خصبة، مثيرة، بأسئلتها وإشكالياتها، بطروحها ومقارباتها، سواء في العاصمة الجزائر، حيث كان محور اللقاء: الفلسفة وأسئلة الواقع الراهن أو في وهران حيث كان محور الندوة: واقع الكتابة الفلسفية في العالم العربي.
وسأتوقف عند مسألتين: الأولى تتعلق بالأطروحة التي تقدم بها أحد الزملاء المنتدين، مفادها أن الفلسفة في الجزائر والعالم العربي منقطعة الصلة بالحياة اليومية للناس، ولكنه استثنى من ذلك مفكرين كتشومسكي ونصر حامد أبوزيد وإدوار سعيد.
فكان ذلك محل اعتراضي في غير نقطة:

الأولى: أن الأطروحة تُبنى على المبالغة فيما يخص دور الفلسفة وأثرها، إذ هي تحمّل الفلاسفة وحدهم تبعة ما نعانيه من الأزمات، كما تنتظر منهم وحدهم وضع حلول للمشكلات. وهذه نظرة نخبوية نرجسية إلى الفلسفة في معرض المطالبة بنزولها إلى أرض الواقع اليومي.
فالفلاسفة يحملون جزءا من المسؤولية، شأنهم في ذلك شأن سواهم من العاملين في بقية فروع المعرفة، كما أنهم يساهمون بدورهم في معالجة الأزمات، بالمشاركة مع الفاعلين في بقية الحقول والقطاعات.
النقطة الثانية: أن الأطروحة المذكورة تنطوي على قدر من الادعاء والإقصاء، لأن الدعوة إلى ربط الفلسفة بالواقع اليومي ليست جديدة. ولأن هناك في العالم العربي كتابا يمارسون التفكير بالتركيز على مجريات الأحداث ومفردات الوجود اليومي، الملموس والمعيش.
وقد ضربت مثالا على ذلك كتابات الفيلسوف المغربي عبد السلام بن عبد العالي. وفيما يخصني، فأنا أكتب في صميم العالم المعيش، ولذا أتحدث عن الأزمة المالية، كما أكتب عن العنف الأصولي وأتحدّث عن البرقع وفضائحه.
كما أكتب عن تراكم النفايات وأزمة المرور وعن سائر منغصات العيش اليومي في المدينة. ولكن بعض من يتحدث عن الواقع اليومي، لا يعني ما يقول أو لا يعرف معنى ما يقول.
النقطة الثالثة: أن المثالات التي ذكرها صاحب الأطروحة ليست مطابقة، بل خادعة، لأن من استثناهم، ليسوا من الفلاسفة، ولا هم ممن ينشغلون بشؤون الحياة اليومية.
بالعكس، ما يشغلهم هو القضايا الكبرى، كالتحرير والوحدة ومقاومة الإمبريالية وسواها من القضايا التي باسمها جرى في العالم العربي خنق الحريات ومصادرة الحياة وعسكرة المجتمعات. ولكن ما يُرجأ أو يُحجب يفعل فعله السيئ والعقيم والمدمر، كما ترجم ذلك في تلغيم المشاريع وسقوط الشعارات على أرض الواقع اليومي.
المسألة الثانية تتعلق بي شخصيا، لأن بعض الأوراق التي قدمت كان محورها أعمالي، كما فعل الدكتور عبد القادر بودومة في مداخلته التي أثار فيها علاقتي بمنهج التفكيك وصاحبه جاك دريدا.
عالميا، لأن التفكيك هو ثمرة الانعطافة اللغوية، كما هو ثمرة تشكّل حقل معرفي جديد محوره الخطابات والنصوص. ولهذا فهو يتعدى أعمال دريدا لكي يشمل معظم فلاسفة ما بعد الحداثة، وخاصةً ميشال فوكو، الذي هو أكبر مفكك للخطابات.
وأنا أفدت من ذلك كله، بالعمل على استثمار المنهج، باللغة العربية وفي سياق ثقافي مختلف، على سبيل التصنيع والتحويل أو التنويع والتوسيع، في ضوء تجاربي ومشاغلي، أو على وقع أسئلتي وهمومي. أي كل ما صنع فرادتي وشكّل عيني النقدية التي أقرأ بها ما لا يقرؤه غيري.
ثمة أمر آخر أثير، هو غياب المنهج عندي. وكان ردي أنني أستخدم طريقة جديدة في التفكير من غير التنظير لذلك، كما في قولي إن مشكلة الفيلسوف هي مع مفاهيمه، أو أن من يفكر بحريته هو الذي يتحرر من أوهامه بالدرجة الأولى.
أما الأمر الأخير الذي جوبهت به، فهو وقوعي في التكرار. وكان عليّ الاعتراف بذلك. ولهذا كان جوابي أنني بلغت الحد الأقصى، إشباعا وقتلاً للمسائل، وعليّ أن أغيّر نمط كتابتي، كي لا أستنفد نفسي.

وفي مسألة الاعتراف كان من سعادتي أن أكون موضع احتفاء في الجزائر، كما تجلى ذلك في اللقاء الحي في قسم الفلسفة، وفي الحوار الخصب مع الطلبة الذي أداره رئيس القسم الدكتور عبد العزيز بن يوسف أو أن تكون أعمالي تركت أثرها لدى شريحة واسعة من المعنيين بالشأن الفلسفي ومن المثقفين عموما، أو تكون هذه الأعمال مراجع يستشهد بها، أو مادة لدراسات أو لكتاب مستقل سوف يصدر قريبا.

ولهذا أنهي كلامي معترفا، أيضا، بأن ما شهدته في الجزائر كان حقا يوما للفلسفة حافلاً ومزدهرا.
ويعود الفضل في إنجاحه إلى الذين نظموا الملتقى بمبادرتهم الخلاّقة وإدارتهم الفعّالة: عمر بوساحة، أستاذ علم الجمال في جامعة الجزائر، منير بهادي، مدير مخبر الفلسفة في وهران، عمر زاوي، الذي استضاف الندوة في المركز الإعلامي للتوثيق.
وإذا كانت الجزائر قد تأخرت بسبب محنتها وجراحها، فإنها تحاول استدراك ما فات. يشهد على ذلك هذا الشغف بالدرس الفلسفي لدى الطلبة، وهذا الفيض من الدراسات من جانب باحثين وكتاب جزائريين.
فالقادر والعاقل هو من يحول المحن والأزمات إلى حقل لعمل الفهم والتشخيص لاستخلاص الدروس والعبَر، وذلك بفتح ممكنات يتجدّد معها سؤال الوجود أو معنى الحياة أو صيَغ العيش.
بقلم/ علي حرب
كاتب ومفكر لبناني


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.