الاستماع إلى الوزير السابق عمار غول في قضية طحكوت    الفريق ڤايد صالح : جسدتم الجهود على أرض الواقع باحترافية عالية وإخلاص    30 جيغا حجم أنترنت ومكالمات مجانية غير محدودة    إطلاق إصلاحات لتفادي أزمة اقتصادية جراء الوضع السياسي الراهن    بن ناصر يجري الفحص الطبي ب"ميلان"    بونجاح وبلايلي يكرمان في حفل أسطوري من والي وهران    برناوي: “خصصنا أكثر من 86 طائرة لنقل أنصار الخضر إلى القاهرة”    ضرورة التكوين لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة    سهرة غنائية تكريما لقامة «الديوان» بن عيسى    "أفنجرز.. نهاية اللعبة" يطيح بفلم أفتار    تسجيل 17 حادث مرور و46 حريقا    بريطانيا تطالب إيران بالإفراج الفوري عن ناقلة النفط التابعة لها    صحيفة إيطالية تفضح وحشية القمع المغربي للصحراويين    الجزائري لعروسي ينجو من تدخل عنيف    وفرة كبيرة.. وبأسعار معقولة    جحنيط يجدّد عقده لموسمين    المؤسسةالعسكرية: تعلن عن اجراءحركة في صفوف رؤساء أركان ونواب قادة اربعة نوحاحي عسكرية    عرقاب: اعتراض ناقلة النفط الجزائرية اجراء عادي قامت به البحرية الإيرانية    وزير التعليم العالي: “تعزيز الإنجليزية كلغة ضرورة حتمية”    طائرات حربية روسية جديدة للجيش الجزائري    وزير التعليم العالي يتعهد بتوفير النقل الجامعي بشكل عادي خلال الموسم الجامعي المقبل    "دروغبا" يفضّل نجم "الخضر" على صلاح وماني    وقفة احتجاجية للحجاج أمام مقر الولاية بالوادي    الجوية الجزائرية تستكمل مخطط نقل المناصرين الجزائريين من القاهرة    المحامي سليمان برناوي يرد على “محامي السيسي”    هزة أرضية بقوة 3.7 درجات بولاية البويرة    موجة حرّ شديدة في ثلاثة ولايات غرب البلاد    حليش: “أخيرا.. بعد 29 سنة من الإنتظار”    أسعار النفط ترتفع بأكثر من 2 بالمئة    العثور على “غواصة فرنسية” مفقودة منذ أكثر من خمسين عاما    جبهة الحكم الراشد تدعو لحوار دون وساطة !!    حجز كميات معتبرة من الكيف المعالج    محمد السادس يعلن طلاقه من الأميرة سلمى    تسجيل 66 حالة التهاب الكبد الفيروسي “أ” منذ بداية السنة    المحنة أنتهت    مهرجان تيمقاد الدولي بدون نجوم !!!!    “مبولحي” يظهر في بث مُباشر وينفي الشائعات    معدل التضخم سجل 3.1 بالمائة على أساس سنوي    رئيسة حركة الشبيبة والديمقراطية شلبية محجوبي في ذمة الله    12 مسبحا متنقلا حيز الخدمة بقسنطينة    دعوة البعثة الجزائرية إلى التقيد بخدمة الحجاج والسهر على مرافقتهم    الشروع في إنجاز مصنع "بيجو سيتروان الجزائر" بوهران    عشرة فرق من الجنوب الجزائري في الايام التاسعة لمسرح الجنوب    نقل المناصرين الجزائريين: شركة طاسيلي للطيران تنهي عملية عودة المواطنين من القاهرة    عمي علي، مثال عن الإصرار في أداء الواجب الديني بعين الدفلى    أزيد من 368 ألف ناجح في البكالوريا على موعد مع التسجيلات الأولية اليوم    1 كلغ من الكيف داخل حافلة لنقل المسافرين بالبيض    ضرورة التقيد بخدمة الحجاج ومرافقتهم    مسار رافق الحركة الوطنية وقضايا المجتمع    منذ إنشاء الوكالة الوطنية لدعم‮ ‬تشغيل الشباب    قوّتنا في وحدتنا    تنظم في‮ ‬أكتوبر‮ ‬2019    ألعاب الفروسية وطلقات البارود متواصلة بالأبيض سيدي الشيخ    تكريم خاص للمنتخب الوطني وانطلاق جائزة بلاوي الهواري الكبرى    عامان حبسا ضد سارق 290 مليون من داخل سيارة    لسلامة اللغة العربية أثرٌ في حِفظ كِيان الأُمَّة الإسلامية    كيف علمنا الشرع التعامل الصحيح والمحافظة عليها    السيدة زينب بنت جحش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أبو حامد الغزالي، الشغف باليقين
رأي حر
نشر في الفجر يوم 08 - 08 - 2012

لاشك أن السمعة التي حظي بها العالم والمفكّر الأشعري الغزالي لم يعترها أي كسوف رغم مضي القرون والحقب. فلا تكاد أعماله ومؤلفاته تنقطع عن الطبع والتوزيع، إلا أن هذه الطبعات المتتالية لم تخضع يوما للمعايير العلمية الحديثة ويترتب على هذا الوضع افتقار القارئ العربي لطبعة منقّحة ونقدية لأعمال الغزالي.
كرّست الجامعات ودور النشر الأوروبية والأمريكية المختصة في الفكر العربي والإسلامي عددا محترما من البحوث والدراسات عن الإمام الغزالي (450\505). وفي هذا السياق، صدرت مؤخرا في الولايات المتحدة الأمريكية ترجمة إنجليزية جديدة، وهي الثانية من نوعها لكتاب الإمام "تهافت الفلاسفة" في حين تفتقر المكتبة العربية في وطننا إلى دراسات علمية تتناول بالعرض والتحليل مذهب ذلك المفكّر العبقري الذي وسم بطابعه الحركة الدينية والفلسفية في العالم الإسلامي.
لم يعش الغزالي طويلا؛ إذ انتقل إلى الرفيق الاعلى دون الستين وكان لم يتجاوز الثلاثين وقد ارتفع الى درجة العلماء الأفذاذ، فسرعان ما أضحى من أنبغ العلماء في علوم الدين والفلسفة لا يضارعه فيهما إلا الأشعري من جهة وابن رشد من جهة أخرى. ومات الغزالي مخّلفا تراثا علميا جعله يتبوأ مرتبة أنبغ نوابغ الفكر الاسلامي.
كان هذا المنظّر الذي استوعب كل علوم عصره من علم الكلام وعلوم الدين والفلسفة يعدّ من أمهر نقّاد العقل اليوناني وأتقى المتصوفة وهو الذي وضع كتاب "إحياء علوم الدين" في زمن كاد السبات يعتري علوم الدين والفقه. وقد قيل إن "الإحياء" كان نبراسا للمتقين وقد هدى طالبي العلم الى سبل الرشاد وأعاد فيه الغزالي صياغة المفاهيم وأنار بالعلم الوافر عقول المؤمنين.
أرسى أبو حامد الغزالي قواعد العقيدة في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد" وهو أول من شنّ حملة نقدية كان لها الأثر البعيد في الفلسفة اليونانية، تلك الفلسفة التي كانت آنذاك محط أنظار علماء الإسلام وقد حارب الإمام الغزالي الإلحاد و زعزع أسسه الفلسفية بقوة جدله ولذلك لقّب "حجة الإسلام".
وجدير بمن كانت هذه منزلته أن نتعرض بالحديث عنه، لأنه بحث في كل العلوم وطرق أبواب جميع الفنون وهو أول من تقدم بإحياء روح الدين الإسلامي وبعث علومه.
ومن المؤرخين من كان يتصور الغزالي أسمى ثمرة الحضارة الإسلامية؛ إذ كان مثالا حيا للتفكير المنظّم والتعبير الواضح وفقا لمعايير الأدب العربي، ومنهم من قرّب الغزالي من فلاسفة العهد الكلاسكي الفرنسي مثل ديكارت وباسكال على أساس أن الغزالي كان أقوى حماة الدين الحنيف، إلا أنه كان يكره التقليد الأعمى. كان الغزالي ينتقد رجال الدين الذين ضلوا سواء السبيل ونسوا أن "الهمة في الروح والهزيمة في النفس والموت في البدن". ويوبخ أيضا الغزالي الفلاسفة، الفرابي وابن سينا، ذاكرا زمرة من المتفلسفة "يعتقدون التميّز عن الأتراب والنظراء بمزيد من الفطنة والذكاء، قد استهانوا بتعبّدات الشرع وحدوده ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده، بل خلعوا ربقة الدين بفنون من الظنون يتبعون فيها رهطا "يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون". ولا مستند لكفر هذا الرهط إلا "تقليد سماعي إلفي" لنظريات أفلاطون وأرسطو و أمثالهما ولم يقتصر نقد الإمام الغزالي على الفلاسفة، بل تجاوزه الى بعض الطرق الصوفية التي أصابها نوع من الزيغ واعتراها الانحراف المتمثل في الشطحات مثلا.
ويبدو أننا بصدد مؤلف عملاق، مفكر تقي حتى التصوف، ناقد حتى التهكم، مؤمن حتى التعصب وهادي الى سبل اليقين؛ إذ قيل عنه "لو بعث نبي بعد محمد (ص) لكان الغزالي".
كان الغزالي مشغوفا باليقين، هذا اليقين الذي يمكن إدراكه من خلال الرموز والعلامات والآيات القرآنية. فالقرآن الكريم، قوت القلوب والعقول، يدلنا، إذا أحسنا التأمل في معانيه، إلى هذه العلامات والرموز، إلا أنه لا يسمو إلى الوقوف على تلك المعاني إلا "الراسخون في العلم".
فالغزالي يتأمل الآيات ويفسرها بأساليب تمت إلى الحداثة أكثر مما تمت إلى المناهج التقليدية الموروثة لأنه أيقن أنه لا يمكن أن يرسخ الإيمان إلا بالعقل، إذ لا تكليف في الإسلام للمرء غير العاقل أو المرأة غير العاقلة، ثانيا لا يمكننا أن نتخلص من التقليد إلا بالعقل، لأن التقليد في صميمه متعلق بمنطق الكفر، وكان القرآن يرد على الذين يستندون إلى التقليد: "أو لو كان أباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون".
ولكن، كيف يتم التوصل إلى هذا اليقين وإدراكه؟
يرى الإمام الغزالي أنه يجب التخلي عن الميادين والسبل التي تفتقر أساسا الى اليقين، الفلسفة اليونانية مثلا وعلم الكلام. يبيّن الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" أن الفلاسفة الذين يلقبون أنفسهم "أصحاب البرهان" هم قاصرون على إدراك الحق وإثبات أطروحاتهم وتكاد تنهار تلك الأطروحات بسبب التناقضات التي تسكنها. وهنا تظهر جليا حداثة الإشكالية الغزالية. قرون قبل الفيلسوف الألماني كنت، واضع كتاب نقد الفكر الخالص، أثبت الغزالي عجز العقل البشري، اعتمادا على قواه، لإدراك اليقين . فعلى طالب اليقين أن يجمع بين العقل والقلب لأننا قد نرتفع بالقلب إلى حقيقة غيبية لا نظير لها.
بقلم عمر مرزوق
دكتور في الفلسفة الإسلامية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.