الجزائر والمغرب للمحليين في ديربي عربي مغاربي    ميلان و إنتر ميلان .. من يحسم ديربي الغضب ؟    مزيان اساسي في فوز العين على ضيفه اتحاد كلباء    التأخر في إعلان حركة تنقلات مدراء الابتدائي لأكثر من شهر يثير الاستياء واتهام لأطراف بعرقلة العملية    بن فليس يعلن نيته الترشح لرئاسيات 12 ديسمبر القادم    تعديل أجور القضاة : فوج عمل بين الوزارة و النقابة الوطنية    المواطنون يجددون تمسكهم بالوحدة الوطنية ورحيل رموز النظام    بن مسعود يستقبل سفير ايران    غوارديولا يشيد باللاعب الجزائري محرز    بونجاح يقود نادي السد للفوز على أم صلال    دحمون يوفد لجنة تحقيق حول حادثة وادي رهيو بغليزان    عرقاب يستقبل سفير روسيا بالجزائر اغور بالييف    الأجندة الثقافية    موعد راسخ مع روّاد الكلمة الأصيلة هذا الأربعاء    الأيام الولائية للمسرح التربوي تنعش يوميات ورقلة    اللقاء الوطني لتعزيز الرعاية الصحية بالجنوب والهضاب    اكتشاف مخبأ للأسلحة الحربية والذخيرة بتمنراست    أسعار النفط تواجه مزيدا من الهشاشة تحت اضطرابات دولية    فرق التّدخّل تكثّف من خرجاتها    المسالك التّرابية تعرقل النّشاطات التّنموية    «النهضة» تعلن دعمها لقيس سعيّد في انتخابات الرئاسة التونسية    حمدوك يرحب بدعوة غوتيريس شطب السودان من قائمة الإرهاب    ألمانيا تشدد على التهدئة ومعالجة أزمة الهجرة في ليبيا    41 دولة بحاجة لمساعدات غذائية خارجية    محليّو «الخضر» أمام حتمية تحقيق الانتصار لتعزيز حظوظ التّأهّل    الشعب الجزائري يريد التخلص من الوضع القائم في أقرب وقت    لا حرية إقتصادية في الجزائر .. !    جميعي ثاني أمين عام ل “الأفلان” يودع الحبس المؤقت بالحراش    بيراف يبرئ نفسه من تهم الفساد    أزيد من 55 مليار نهبتها “سيال” من أموال الخزينة وضختها في حسابات شركات فرنسية مفلسة    سليماني يصدم مدرب موناكو    سكان مشاتي قصر الأبطال يطالبون ببرامج تنموية تنقذهم من “التهميش”    “الإنتربول” نفذ عملية ناجحة في الجزائر    المراجعة الاستثنائية للقوائم الانتخابية تنطلق يوم 22 سبتمبر    شاب يذبح صديقه في حي الكلم الرابع بقسنطينة    توقيف 6 موظفين ببلدية قسنطينة في قضية اختلاس أموال عمومية    مديوني: التعليمات الأخيرة تندرج ضمن إدارة المخاطر    إحباط 5 عمليات لتهريب الأقراص المهلوسة والأدوية بالوادي وسوق أهراس    قريبا.. لجان مختصة في مجال الاستثمار والتكوين السياحي    تأجيل لقاء واد ارهيو لدواع أمنية    “نضال الجزائري” تدخل عالم التقديم التلفزيوني    تراجع وادرات الحبوب بنسبة 12%    مقتل لاعب هولندي في أحداث شغب    أزيد من 1359 تلميذا يدرسون اللغة الأمازيغية بتبسة    الرئيس التونسي الاسبق زين العابدين في ذمة الله    زوكربرج يناقش مع ترامب مستقبل تنظيم الأنترنت    روسيا: لا تغيير على اتفاق النفط    ينظمه مركز البحث في‮ ‬الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية    ندرة الأدوية تتواصل    سبب اعراضا مزعجة للعديد للمواطنين    ضرورة حماية الموقع وإقامة قاعدة حياة    تسجيل 3 بؤر للسعات بعوض خطيرة عبر ولاية سكيكدة    المخيال، يعبث بالمخلص    شباك متنقل يجوب البلديات والمناطق النائية    الشيخ السديس: "العناية بالكعبة وتعظيمها من تعظيم الشعائر الإسلامية المقدسة"    فضائل إخفاء الأعمال وبركاتها    فلنهتم بأنفسنا    ازومي نوساي وابربوش سكسوم نالعيذ امقران واحماد نربي فوساي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





58 سنة على اندلاع ثوة نوفمبر
نشر في النصر يوم 31 - 10 - 2012


الحرب لازالت مستمرة في الذاكرة
تمر اليوم 58 سنة على اندلاع ثورة التحرير التي مكنت الجزائر من الاستقلال بعد استعمار طويل دام 132 سنة. و تتصادف ذكرى الثورة هذا العام مع خمسينية الاستقلال، التي تستوجب وقفة لفحص خمسين سنة من عمر الدولة بمنجزاتها وخيباتها، لكنها تتصادف أيضا مع عودة النزعة الاستعمارية التي بدأت على مستوى الخطاب السياسي بتمجيد الاستعمار قبل أن تنتقل إلى ممارسة في الواقع، ووجدت الجزائر المعتدة باستقلالها وثمنه نفسها مطوقة بحزام ناري على الحدود وضغوط ديبلوماسية لحملها على مراجعة عقيدتها السياسية. وبالطبع فإن فرنسا تحاول لعب الدور الأبرز في هذا "الدمار الجيوستراتيجي". ما يعني أن إطلاق النار توقف لكن الحرب متواصلة في الذاكرة وفي الصدور. في هذا المناخ المتوتر تسعى الجزائر لدفع فرنسا نحو الاعتراف بجرائم الاستعمار، وفي الداخل يجري نقاش حول كتابة تاريخ الثورة على ضوء الشهادات الشحيحة وآخرها شهادة الرئيس الشاذلي بن جديد التي تعد من أهم الوثائق التي القى بها صناع الثورة قبل اختفائهم وهم الذين تعودوا على الاختفاء في صمت. في هذا العدد تقترح النصر على قرائها ملفا يتضمن شهادات تقدمها وجوه تاريخية عن الثورة، فضلا عن روبورتاجات في معاقل الثورة في عدة مناطق من الوطن إلى جانب محاورة مختصين، والدافع في ذلك أن الشأن التاريخي من اختصاص الصحافة أيضا خصوصا حين يتعلق الأمر بتاريخ تختفي فصول هامة منه في الظل.
النصر
خمسون سنة في بلد .. " القسم "
* العربي ونوغي
خمسون سنة من الاستقلال في حياة الشعوب و الدول ، ليست أكثر من بداية المشوار ، حتى لا نقول هي الرشفات الأولى من كأس الحرية.
بدليل أن مخلّفات الاستعمار مازالت شواهدها و آثارها في كل ربوع الجزائر . خطوط شال و موريس ، و قنابل الذين مرّوا على أرضنا مازالت تحصد في كل الأوقات أرواحا برئية ، غالبيتها من سكان المداشر و الأرياف و من الرعاة و المحتطبين ...
و الجزائر مازالت تحصي شهداءها و مجاهديها و مشرّديها إلى اليوم . و ضحايا الكفاح من المعوقين ، اعاقات دائمة و شبه دائمة ، و المفقودين في قبور مجهولة الهويّة و الأسماء ، الله أعلم بأعدادهم ، ناهيك عمّا سبّبه الاحتلال من تخلّف و تجهيل وفقر و تكبيل للأذهان و السواعد و الأعراف ، و التفّكك الاجتماعي و التهجير إلى مختلف بقاع الدنيا من كيان إلى كاليدونيا ... طوال 132 سنة من الاستدمار الممنهج و الاستغلال البشع الذي لا نظير له في تاريخ البشرية رّبما ... أقول 50 سنة من الاستقلال ، قد لا تكفي لمحو كل مخلّفات و آثار 132 سنة من الاستدمار ... بل أكاد أقول ، أننا لم نتخلّص أصلا من شرنقة تلك الفترة الحالكة ،بدليل أن علاقتنا مع فرنسا مازالت بين مدّ و جزر ، و هدوء و توتر متواصل ... ذاكرة و أحداث تاريخية ، تعكّر باستمرار كل "خطوة" لبدء صفحة جديدة ، خارج بروتوكولات الديبلوماسيين وارادة الحكام في البلدين .
صعب أن تعترف فرنسا بجرائمها الاستعمارية ليس فقط من باب تبعاتها في التعويض و الاعتراف و الاعتذار ، فلقد سبق و أن اعترفت و عوّضت لشعوب و دول أخرى دون خجل أو تردّد ، و لكن ربّما لأن فظاعة جرائمها في الجزائر تفوق كل تصوّر ، لذلك هي تراهن على مرور الزمن لتخفيف الوقع و الصدمة و تغليب النسيان ... هذا ربّما رهانها.
الحكام الجزائريون على تعاقبهم و اختلاف سياساتهم و كذلك من ورائهم غالبية الجزائريين ( ولا أقول كل الجزائريين ) ، يعتقدون بأن فرنسا شريك رئيسي في التنمية و الاقتصاد و التجارة و النفوذ المتوسطي بصفتها قوّة عالمية كبرى و عضو مؤثر و فاعل في مجلس الأمن وفي صنع القرار الدولي ، لكن طيّ صفحة الماضي و بدء صفحة جديدة يتوقف على موقف شجاع يبدأ باعتذار صريح . قوامه تعامل ندّي بمنظار دولة مستقلة مع دولة مستقلة من باب الذهن و القناعة الخفية ، لأن على الصعيد الديبلوماسي الرسمي الأمر كذلك ، و لا أحد تصدّق علينا أو وهبنا الاستقلال ، لأننا كجزائريين و على مرّ التاريخ : إذا أردنا شيئا ، نحقّقه ، لأنّ الله رتبّنا تحت " القسم"...
و عندما نقسم ، فبأرواحنا و بثورتنا، و بأمجادنا و بجبالنا ...
50 سنة هل تكفي ...؟
السؤال الذي أردت إثارته : هل تكفي 50 سنة من الاستقلال لنضع أنفسنا ضمن كوكبة الدول التي تطورت و أصبحت تقود العالم اقتصاديا و علميا و تجاريا و تسهم بشكل بارز في النمو الإنساني للشعوب ؟.
الجواب يحتاج إلى تدقيق جوانب السؤال ، ومراميه القريبة و البعيدة .
ثمة انجازات كبيرة تحققت . و مكاسب متعددة لا ينكرها إلاّ جاهل أو ناكر أو جاحد ... و دون تعدادها اكتفي بالإشارة إلى عدد المتمدرسين و المتعلمين في كل الجزائر ، بات عددهم بالملايين و ما رافق ذلك من هياكل و مؤطرين ، و مستشفيات و مصانع و سدود و شبكات الطرق و الخطوط الحديدية و مختلف أوجه التنمية الفلاحية و التجارية الأخرى ... فلا أحد ينكر التحسّن الكبير في حياة الجزائريين المعيشية و الصحية و الثقافية و التربوية و العمرانية .
لكن كثرة الجامعات و المتخرجين و الباحثين لم تعطنا فائزا بنوبل على سبيل المثال ، و لم تعطنا اختراعا أو إكتشافا علميا، يردّده العالم على كل لسان ... و مازلنا نستورد شفرة الحلاقة و الموز و الحليب و لعب الأطفال و علب الكبريت و أقلام الرصاص و التلوين و حبات الحلوى و أحذية الرياضيين ، بل حتى الرغيف السوري و الحلوى التركية و فناجن مريم و قش بختة ...!
بعد 50 سنة ، مازلنا لم نحقق الاكتفاء الذاتي . فنحن نأكل و نلبس ممّا ينتجه الآخرون . و اقتصادنا و صادراتنا تقوم على 98 بالمئة من صادرات البترول و الغاز.
دول كثيرة تخّطت تخلّفها و فقرها و كانت في نفس وضعيتنا ، لكنها اليوم تشهد نمّوا ماليا و اقتصاديا أمّم كل الأسواق العالمية ككوريا الجنوبية و ماليزيا و اندونيسيا و تركيا و جنوب افريقيا و البرازيل و الهند...
نحن اليوم بحاجة إلى تشخيص دقيق صارم و شجاع ، و بحاجة إلى وصفة تلائم "علّتنا " دون شعبوية أو منطق "نعامي" ( سياسة النعامة)، علينا أن ننهض و نهبّ إلى مصّاف الدّول التي تطورّت فعلا. لأننا نملك الكفاءات و الثروات و الرشاد...
ع / ونوغي
الشرعية الثورية .. نهاية مرحلة
كان خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة إحياء ذكرى مجازر 8 ماي 1954 بسطيف إعلانا صريحا بانتهاء مرحلة ما يعرف بالشرعية الثورية وضرورة انسحاب المجاهدين من عملية تسيير البلاد بعد 50 سنة من الاستقلال.
الشرعية الثورية كلمة لطالما تم تداولها في الأوساط الشعبية أو السياسية إما للإشادة بدور المجاهدين في بناء الجزائر المستقلة أو لمطالبتهم بالانسحاب والتنديد يإحتكارهم السلطة مع تحميل هذه الفئة انحرافات التسيير ، وقد تعالت في السنوات الأخيرة الأصوات المطالبة بالتغيير معتبرة نصف قرن فترة كافية لترك المجال لأجيال أخرى وخاصة الشباب والدفع بوجوه جديدة ومنحها فرصة قيادة البلاد بعيدا عن السلطة الأبوية التي يتهم المجاهدون بممارستها منذ أول يوم من الاستقلال، وقد طالب سياسيون بالفصل بين الثورة والدولة المستقلة وإبعاد وجوه ظلت تسيطر على المشهد رغم "هرمها" وحمل ملاحظون هذه الفئة مساوئ التسيير واعتبروا المحاسن تأدية واجب، فيما يرى بعض المجاهدين أن الجزائر لا تزال في حاجة إلى خدماتهم وأن 50 سنة في عمر دولة فترة قصيرة تمنعهم من ترك زمام الأمور فجأة وهي تجاذبات خلقت حالة من الصراع بين جيلي الثورة و الاستقلال.
وقبل خطاب 8 ماي الماضي سبق لرئيس الجمهورية وأن تحدث عن ضرورة منح الشباب فرصة المشاركة في التسيير لكن ما قاله بسطيف وبحضور حشد من المجاهدين وفي مناسبة تاريخية بحجم مجازر 8 ماي اعتبر قرارا سياسيا لا مجرد خطاب، كون رئيس الجمهورية وبعد أن نوه بالتضحيات الجسام التي قام بها المجاهدون لأجل استقلال الجزائر وبنائها من العدم قال صراحة أن "دور المجاهدين في تسيير البلاد قد انتهى" و استعمل عبارة تم تداولها بشكل واسع وهي" طاب جناننا" للتأكيد على أنه آن الأوان لتسليم المشعل مثمنا ما لعبه المجاهدون في حياة الجزائريين لكنه يرى أن هذه الفئة تستحق كل تكريم وآن الأوان لأن تستريح من عبء التسيير، وقد جاء الخطاب في سياق إصلاحات عميقة تخوضها الجزائر وعشية الانتخابات التشريعية التي اعتبرها رئيس الجمهورية حاسمة لإتمام مسار الإصلاحات التي تعتبر تغييرا سلسا تزامن و تغييرات دموية يشهدها الوطن العربي حيث يعتبر الدفع بجيل الشباب إلى الواجهة من بين التحديات التي تراهن عليها الجزائر.وقد ظلت مسألة الشرعية الثورية محل جدل في الجزائر لعقود بين من يرى بضرورة الفصل بين الكفاح المسلح والتسيير، على اعتبار أن ليس كل مجاهد يصلح لأن يسير، ومن يعتبر بقاء فئة معينة على رأس الجزائر ضروريا بحكم أن الدولة كانت في طور الإنشاء وأن تكوين كوادر بديلة يتطلب عقودا كاملة ويتم عبر ما كان يسمى بمجلس الثورة أنذاك وهياكل الحزب الواحد، و رسخت بعض الممارسات فكرة الاحتكار في الأذهان، حيث كان الأمر في بداية إنشاء الدولة الجزائرية لا يعتمد على الكفاءة بقدر ما كانت تحكمه اعتبارات جهوية و سياسية وحسابات أخرى جعلت المناصب السيادية حقا للمجاهدين فقط و خلقت حالة من الشك في كل من يصلون إلى مناصب معينة ،حتى وإن كانوا مؤهلين لذلك، وظلت التوازنات تدور في فلك الأسرة الثورية ومحيطها حتى بعد كسر تلك القاعدة، إلا أن مفهوم الشرعية الثورية بقي راسخا في الذاكرة الجماعية بين السخط والترحيب، وكاد أن يتحول إلى هاجس بالنسبة للبعض، لكن عامل الزمن كان له دور في تراجع التصور حتى و إن ظل البعض يعتقد بأن من صنعوا الثورة لا يزالون يتحكمون في زمام الأمور، ويرى ملاحظون أن أحداث أكتوبر غيرت أشياء كثيرة لكنها لم تحدث القطيعة من تلك الشرعية بدليل أن من تمت الاستعانة بهم لسد الفراغ الحاصل في منصب الرئيس آنذاك كانوا مجاهدين بداية ببوضياف إلى مجلس الثورة فزروال.
وقد كان عبد العزيز بوتفليقة أول رئيس يطرح مسألة الشرعية الثورية بشكل علني وجاء خطاب سطيف رسالة مباشرة وواضحة اعتبرها المحللون قطيعة نهائية مع الشرعية الثورية وبداية لمرحلة جديدة من تاريخ الجزائر بعد مرور نصف قرن على عمر الجزائر المستقلة، وبما أن حزب جبهة التحرير الوطني كان جزء من تلك الشرعية فقد طالته ثورة التجديد حركتها أجيال جديدة تعمل على لعب الأدوار الأولى.
نرجس/ ك
فرنسا لم تشف من جرائم الاستعمار و تحاول تطويق الجزائر بحزام من النار
يتجدد عند كل مناسبة تاريخية، الحديث عن واقع ومستقبل العلاقات الجزائرية-الفرنسية، فبرغم العبارات الدبلوماسية التي تحث على التعاون، والتي تستعمل عند كل زيارة لمسؤول من البلدين، إلا أن الواقع يشير عكس إلى ذلك، لعدة أسباب، لعل أهمها رفض فرنسا الاعتراف بجرائمها بالجزائر، بل أكثر من ذلك عودة الحديث في الآونة الأخيرة عن "الآثار الايجابية للاستعمار"، ومحاولات بعض السياسيين الفرنسيين المساواة بين الضحية والجلاد، من خلال الحديث عن قتلى من الجانبين، وارتفاع صوت الحركى، المطالبين بحقوقهم "المهضومة" والداعين إلى تمكينهم من حق العودة إلى الوطن الذين وقفوا ضده وعارضوا استقلاله بل وشاركوا في آلة القتل الاستعمارية.
وبرأي المحللين فان العلاقات بين البلدين، لن تعرف طريقها إلى "الصفاء" طالما هناك إصرار فرنسي رسمي على رفض "الوجه الفرنسي الاستعماري القبيح" والتستر على الحقائق ورفض فتح الأرشيف أمام المؤرخين لمعرفة حقيقة الاستعمار وما ارتكبه من مجازر في حق ملايين الجزائريين من تشريد وقتل وتهجير وإبادة بكل الترسانة العسكرية التي كانت تحوز عليها فرنسا آنذاك.
المعطى الجديد في العلاقات هذه المرة، يتمثل في استعادة فرنسا لنفوذها في بعض دول شمال إفريقيا، ومحاولة فرض طوق من النار حول الجزائر، واستغلت الحكومة الفرنسية السابقة أحداث الربيع العربي، لدخول ليبيا بحجة تغيير نظام القذافي، وحولت ليبيا إلى خراب، وغذت النعرة الطائفية والفكر القبلي، وحولت الجماهيرية إلى مناطق تحكمها ميليشيات مسلحة تفعل فيها ما تشاء.
وتكشف الأحداث التي شهدتها منطقة المغرب العربي ودول الساحل على مدار ما يقارب السنة، كيف نجحت فرنسا في استعادة موقعها على عدد من الدول المحسوبة تقليديا ''كمستعمرات قديمة''، مثل تشاد ومالي والنيجر، إلى جانب استغلال باريس ما يسمى بالربيع العربي، لتنصيب أنظمة سياسية موالية لها في كل من ليبيا وتونس بدرجة أقل، بينما ظلت الجزائر بمثابة البلد الوحيد الذي ''يغرد خارج السرب''، والتي أصبحت مطوقة بحكومات موالية لفرنسا، وتستعد هذه الأخيرة لشن حرب على الحدود الجنوبية بحجة محاربة الإرهاب.
وتثير هذه التحولات الجيو سياسية في المنطقة مخاوف سياسيين ومحللين، يرون بأن الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية، لن تكون بمعزل عن أي محاولة فرنسية لمحاولة استهدافها عبر بوابة الجنوب، وهو السيناريو الذي تحدث عنه "عراب" الربيع العربي اليهودي برنارهنري ليفي، الذي قال في تصريح لقناة فضائية عربية، انه يتمنى أن يمتد لهيب الخريف العربي إلى الجزائر، التي قال انه يملك بها "أصدقاء" أي بعبارة أخرى يملك "اذرع" سيحاول تحريكها في الوقت المناسب. وهو ما يفسر دعوة الوزير الأول عبد المالك سلال، لتشكيل جبهة وطنية قوية لقطع الأيدي التي تحاول العبث باستقرار البلاد.
هذا المعطى الجديد، يضاف إلى الإرث التاريخي، و ما يسمى "حرب الذاكرة" التي البلدين لن تنتهي فصولها، دون وضع النقاط على الحروف خصوصا بعدما سنت فرنسا في سنة 2005 قانون تمجيد الاستعمار الذي صب الزيت على النار بين الجزائر وباريس. ويعتبر ومراقبون للعلاقات الجزائرية الفرنسية أن "الذاكرة التاريخية" لازال المحدد الرئيسي في تحديد بنية وطبيعة العلاقات السياسية بين البلدين منذ استقلال الجزائر في ستينيات القرن الماضي، ولذلك فان مستقبل العلاقات بين باريس والجزائر سيظل محكوم بمدى تغير فرنسا لطريقة تعاملها مع الجزائر وتاريخها، هذا التعامل الذي يجب أن يقوم حسب الأسرة الثورية على أساس الاحترام المتبادل بين الدولتين.
وبدوا أن هذا الانفراج لن يكون قريبا، بفعل إصرار الساسة الفرنسيين من اليمين واليسار، على رفض الاعتراف بجرائم فرنسا الاستعمارية، وهي عبارة قالها صراحة وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، والذي رسم خطوط حمراء لن يتجاوزها الاشتراكي هولاند في علاقاته مع الجزائر، واعتبر بان إقرار الرئيس الفرنسي بمجازر 17 أكتوبر 1961 لن يكون أبدا ممهدا لاعتراف فرنسي صريح عن مجازرها الاستعمارية.
وتبرز التصريحات الأخيرة لمسؤولين فرنسيين، بأن اللوبيات المعادية للثورة الجزائرية لا تزال نافذة وتخوض معركتها في فرنسا على خلاف الجزائر، وتعتبر بأن التاريخ سلاحا استراتيجيا. بل أكثر من ذلك، يحاول الفرنسيون في الآونة الأخيرة، عبر تقارير إعلامية، وأشرطة، التشكيك في تاريخ الثورة، والمساواة بين الضحية والجلاد وبين جيش جرار قوامه نصف مليون جندي مدعوما بالحلف الأطلسي، وبين شعب أعزل واجه دبابات وقنابل عدوه بصدور عارية، مع عودة الاتهامات الفرنسية، للجزائر بارتكاب مجازر ضد الأقدام السوداء والمدنيين الفرنسيين وقد اشتعلت هذه الحرب في عهد ساركوزي وقبله، فقانون فيفري 2005 فسح المجال لمناقشة قضايا الاستعمار والاستعباد، وعلى هامش ذلك كانت لوبيات الأقدام السوداء وقدماء الجيش والحركى وغيرها تستغل هذه الحرب لخدمة مصالحها السياسية وموقعها الاجتماعي ومن أجل تبييض وجهها تاريخيا. ويؤكد المؤرخون على ضرورة البحث في التاريخ واستظهار الحقائق لدحض ادعاءات الفرنسيين الممجدة للاستعمار، وفتح نقاش جماهيري ووطني حول مطلب تجريم الاستعمار وتجديد مطالبة فرنسا بالاعتراف بما ارتكبته من جرائم في حق الشعب الجزائري.
ويشير المحللون إلى أن هذا النقاش الوطني يجب أن يكون ردا على إصرار فرنسا على تمجيد الاستعمار، وتسعى بذلك إلى طمس الذاكرة وتحريف التاريخ وتقديم الاستعمار الفرنسي على أنه جهد لنقل الحضارة إلى الجزائر. فالجزائريون الذين دفعوا ثمنا غاليا مقابل الحرية والاستقلال ضيعوا في كثير من المناسبات فرصة فتح ملف جرائم الاستعمار. بالمقابل لم تفوت فرنسا الاستعمارية أية فرصة تأكيد التزامها بتمجيد الاستعمار. وأعادت فرنسا الرسمية الاعتبار لقدماء منظمة الجيش السري، وللجزائر الفرنسية بواسطة قوة القانون الممجد للاستعمار.وتعتبر المجاهدة زهرة ظريف بيطاط أن فرنسا مجبرة على الاعتراف بجرائمها التي ارتكبتها في الجزائر. وقالت بيطاط إن عددا من المؤرخين والسياسيين الفرنسيين والناشطين هم الأكثر مطالبة لحكومة بلادهم للاعتراف بمسؤوليتها الأخلاقية على جرائمها الدموية طيلة فترة استعمارها للجزائر. وأكدت بيطاط أنه من الخطأ الاعتقاد أن الجرائم الفرنسية يقصد بها فترة الثورة التحريرية فقط، لكنها امتدت منذ دخول فرنسا إلى الجزائر منذ عام 1830.ودعت عضو مجلس الأمة، المجتمع المدني في الجزائر إلى أن يكون في مقدمة القوى التي تؤسس للوعي الوطني وتعمل في مجال التاريخ وكشف الحقائق ودعوة الشباب إلى الاهتمام بالثورة وبالتاريخ، لمنع محاولات التشويه والتزييف التي تقوم بها فرنسا، والتي تستفيد من وسائل الإعلام تستغل قصد تزييف الحقائق التاريخية وتجميل الماضي الاستعماري والإجرامي لفرنسا في الجزائر، ومن حراك قوي للجمعيات والمنظمات التي تدور في فلك خيار «الجزائر فرنسية»، لدرجة سعيهم لتجريم المجاهدين الجزائريين ومحاكمتهم على ما قاموا به إبان الثورة، مشيرة إلى أنها كانت ضحية لهذه المحاولات.
أنيس نواري
مذكرات الشاذلي الأهم بين المذكرات
كتابة تاريخ الثورة لازالت مؤجلة
بعد خمسين سنة عن استقلال الجزائر لا تزال مسألة كتابة تاريخ الحرب التحريرية تطرح بإلحاح خاصة من طرف الجيل الذي ولد بعد الخامس جويلية 1962، ولم تعد التبريرات التي يقدمها المجاهدون ورجال السلطة والنظام في كل مرة من انه لم يحن الوقت بعد لكتابة تاريخ هذه المرحلة تقنع أحدا، وعدا بعض التسريبات المحتشمة ومودة المذكرات التي لا تزال هي الأخرى جد محتشمة فإن أجزاء واسعة من تاريخ هذه المرحلة لا تزال في الدرج.
بالتأكيد أنتظر الكثير من المواطنين بشوق وتلهف كبيرين مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد التي تزامن صدورها و الاحتفال بالذكرى الثامنة والخمسين لاندلاع ثورة أول نوفمبر المجيدة،علها تطفي نار ظمأهم وتشفي غليلهم لمعرفة ولو جزء بسيط من تاريخ الحرب التحريرية التي قيل حولها الكثير ولم يكتب حولها سوى القليل.
ويمكن اعتبار مذكرات الرئيس الشاذلي في جزئها الأول الأهم من بين الكتابات والمذكرات المتعلقة بهذه المرحلة من تاريخ الجزائر حتى الآن – أي مرحلة الحرب التحريرية- لأنه لم يسبق لأحد في مرتبة الشاذلي أن كتب لحد الآن عما عايشه خلال فترة الثورة، عدا ربما مذكرات الرئيس علي كافي، لكن مذكرات الشاذلي يمكن أن تحمل أكثر من مذكرات كافي بالنظر إلى كثير من العوامل.
فالشاذلي الذي كان نائبا لقائد القاعدة الشرقية أصبح عندما اقترب الاستقلال واحدا من المقربين لهواري بومدين الذي قاد جيش الحدود ودخل به الجزائر وحكمها بعد ذلك، وعليه فإن مذكرات الشاذلي يمكن أن تزيح الستار عن مرحلة من تاريخ الحرب التحريرية الأقل، واقصد بها مرحلة 1962 وما صاحبها من صراع على السلطة كما يعرف ذلك الجميع.
لكن لحد الآن فإن اللاعبين الحقيقيين لم يدخلوا اللعبة بعد واقصد بهم المؤرخين لأنهم وحدهم من يمكلون حق كتابة التاريخ، أي تاريخ.. وعليهم وحدهم تقع المسؤولية الكاملة في آخر المطاف.
وهل يمكن اعتبار مذكرات هذا القائد أو ذلك أو مذكرات الرئيس الفلاني كتابة للتاريخ؟ بالتأكيد فإن الموضوعية والعلم يقولان ..لا.. لأن كتابة التاريخ والتأريخ من اختصاص المؤرخين فقط وما شاهدناه حتى الآن في بلادنا مجرد نقل شهادات عن فاعلين من طرف صحفيين وكتاب واو مجرد مذكرات اتسمت هي الأخرى بالحياء لأان أصحابها لا يريدون إحراج زملائهم أثناء الثورة وزملائهم الموجودين اليوم في مراكز السلطة في إطار منطق لا يخدم الأجيال والبلاد على الإطلاق.
ومن هذا المنطلق إذن فإن المذكرات والشهادات التي تنقل من هنا وهناك ما هي في الأصل سوى مادة خام في مرحلتها الثانية، لأن المرحلة الأولى عندنا تتمثل في بقاء الأحداث في صدور أصحابها، إذن هي مادة خام تحتاج لتدخل عقل وفكر المؤرخ الذي سيحولها بعد مراحل أخرى إلى تاريخ حقيقي.
لكن يبدو أن على المؤرخين أن ينتظروا المزيد من الوقت قبل الشروع في التأريخ لمرحلة الحرب التحريرية التي ترى الأجيال الجديدة أنها القاعدة التي بنيت عليها الدولة الجزائرية الحديثة بعد الاستقلال، وبالتالي فهم متلهفون لمعرفة ما جرى خلال تلك المرحلة لمعرفة أسباب ما يجري اليوم، ولإيجاد الإجابة عن أسئلة كثيرة ظلت تطرح عليهم في كل مرة من قبيل من يحكمنا؟ ولماذا يحكمننا هؤلاء؟ ولماذا يحكموننا بهذه الطريقة؟ ولماذا بنوا الدولة ومؤسساتها على هذا الشكل؟ ولماذا هم يتسترون على التاريخ بهذا الإفراط وهذه الحساسية؟ ومن هو المجاهد المناضل الوفي الحقيقي المخلص ومن هو الخائن "البيوع" ما يقال في اللغة الشعبية؟ هي أسئلة وأخرى لم يجد لها الجيل الجديد لحد الآن إجابة.
المؤرخون يشكون من جهتهم من عدم توفر المادة التاريخية ومن حرمانهم من الأرشيف الوطني الذي لا يفتح إلا بطريقة انتقائية وكما تريد السلطة الحاكمة في كل مرة، وهم أيضا غير قادرين على الأقل من الناحية المادية من الاطلاع على الأرشيف الذي يخص تلك المرحلة الموجود في فرنسا.بناء على كل هذه العوامل فإن كتابة تاريخ الحرب التحريرية مؤجل إلى إشعار آخر على ما يبدو والسبب دائما إرادة السلطة السياسية في البلاد التي ترى من منطق عدم المس بالأشخاص، وعدم خلق الفتنة انه من الأفضل تأجيل الإفراج عن هذا التاريخ إلى وقت لاحق، قد تكون على صواب.. وهي بهذا المنطق ترغب في تأجيل الفتن حتى يموت صانعوها...وقد تكون على خطأ لان التصالح مع التاريخ هو تصالح مع الأجيال أيضا، و هو الذي يبني الدول والأمم والحضارات، لكن ليعلم الجميع أن الجيل الجديد مهتم كثيرا بتاريخه كل تاريخه وكما هو.
محمد عدنان
المجاهدة وعضو مجلس الأمة زهرة ظريف بيطاط "للنصر"
تاريخ الثورة لا يحمل صفحات سوداء وفرنسا ترفض الاعتراف بوجهها الاستعماري القبيح
أجرى الحوار: أنيس نواري
تتحدث المجاهدة عضو مجلس الأمة زهرة ظريف بيطاط، في حوار مع النصر عن تاريخ ثورة الفاتح نوفمبر الذي اعتبرته محصلة كفاح سياسي وعسكري، وترد على الأطراف التي تحاول تشويه الثورة، وتنفي وجود صفحات سوداء في تاريخ الجزائر، واعتبرت بان إقرار الرئيس هولاند بالقمع الذي طال الجزائريين في 17 أكتوبر 1961 لا حدث في ظل إصرار الفرنسيين على رفض الاعتراف والاعتذار عن المجازر، وتقول بان فرنسا ترفض الاعتراف بوجهها الاستعماري القبيح وتصر على صورتها الوردية أمام الأمم.
فتح ملفات الماضي والعودة إلى الأرشيف لكتابة تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية والحقبة الاستعمارية، من خلال عمل تأريخي موضوعي وجاد وفقا للمعايير الدولية، يمكن على ضوئه متابعة فرنسا أمام المحاكم الدولية على الجرائم التي ارتكبتها في الجزائر، وبخصوص الدعوات التي يرفعها البعض والتي يريدون من خلالها إحالة الأفلان إلى المتحف، أجابت المجاهدة بيطاط بالقول إن الشعب الجزائري هو وحده المخول بالحسم في هذه المسألة.
النصر: الجزائر احتفلت هذه السنة ب50 سنة عن الاستقلال وتستعد للاحتفال بذكرى الفاتح نوفمبر، ماذا بقي من قيم بيان نوفمبر؟ وهل ترين بان جزائر الاستقلال ظلت وفية لمبادئ الثورة ؟
زهرة ظريف بيطاط: يجب أن نعي أن الثورة التي اندلعت في نوفمبر كانت محصلة كفاح أجيال تعاقبت منذ 1830، وكانت البداية مع الكفاح المسلح الذي استمر 45 سنة، وتوصلنا إلى قناعة بان المعركة بالسلاح وحدها لن تمكن الجزائريين من هزم فرنسا عسكريا، وكان لا بد من عمل سياسي مكمل للشق العسكري، ولهذا فان الأجيال التي جاءت بعد هذه الحقبة اقتحمت الحقل السياسي أو المعركة السياسية التي تكمل الشق العسكري، وسمحت لمختلف التجارب السياسية بتشكيل رصيد سياسي بلغ ذروته في الخمسينيات، وسمحت ببروز نخبة سياسية، أخذت على عاتقها مواصلة النضال في أوساط المجتمع وغرست روح المقاومة والوحدة الوطنية في صفوف الجزائريين ومكنت من بروز مفهوم الدولة.
هذه التجربة كانت محصلة 50 سنة من الجهد والنضال لتجنيد كل الجزائريين بمختلف أعراقهم، لتكريس مبادئ وحدة الشعب والانتماء لوطن واحد، في الحقيقة كان الظرف الدولي مواتي ساهم في تحقيق هذه الوثبة السياسية، وسمحت للجزائريين بقبول التضحية بالنفس، روح نوفمبر كان إحساس عميق بالانتماء لوطن واحدة ورغبة في استعادة الحرية والهوية الجزائرية، ومكن هذا الصراع السياسي من إيقاظ الضمائر التي أدركت أن استعادة هذا الوطن وتحريره يتطلب تضحيات كبيرة
الجيل الذي انتمي إليه أراد منذ 1962 تفادي الإخفاقات والإحباط الذي عايشته الأجيال التي جاءت بعد الاستقلال، ربما لم نتمكن من إيصال صورة كاملة عن كل التضحيات التي بذلت لانتزاع الاستقلال. ولكن رغم كل ما يقال عن جهل الشباب بالتاريخ وعدم اهتمامهم بالثورة، يمكن القول ومن خلال تجربتي الخاصة خلال الندوات واللقاء التي شاركت فيها على مستوى الجامعات أو الثانويات لمست شغف لدى الشباب لمعرفة تاريخهم وأدركت مدى تعلقهم بهذا الوطن واعتزازهم بما قدمه الآباء لكي يعيشوا في وطن حر ومستقل، وهم مرتبطون بوطنهم وفخورون بذالك.
النصر: الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند اقر بالقمع الذي تعرض له الجزائريون في 17 أكتوبر 1961، ومجلس الشيوخ الفرنسي اقر ذالك بدوره، كيف ترون هذه الخطوة ؟ هل يمكن اعتباره مقدمة لاعتراف فرنسي عن الجرائم الاستعمارية؟
زهرة ظريف بيطاط: فرنسا ارتكبت مجازر منذ 1830 و جرائم ضد الإنسانية، نحن نكن الاحترام للشعب الفرنسي ولسنا في مواجهة ضدهم، لكن هذا لا يعنى أن نتناسى الماضي الاستعمار لفرنسا، والذي أن يقال على حقيقته، وإبراز الجرائم المرتكبة. ما قاله فرانسوا هولاند لا يختلف كثير عن ما قاله الرؤساء السابقون، هولاند استعمل مصطلح "القمع الدموي" وهو ما عبر عنه رؤساء سابقون لفرنسا ولو بأشكال مختلفة.
اعتقد بأنه ما دام لم تعترف فرنسا صراحة أنها ارتكبت جرائم ضد الإنسانية في الجزائر، فان كل ما يقال بعبارات أخرى لن يغير في الأمر شيئا، فالواجب هو اعتراف فرنسا بكل جرائمها وليس الحديثة عن حقبة تاريخية دون غيرها، لكن كل الماضي الاستعمار كان حافلا بالمجازر في حق الجزائريين
النصر: فرنسا الرسمية ترفض الاعتذار عن ماضيها الاستعماري، وهي بالمقابل تتغنى بحقوق الإنسان والعدالة، كيف ترين هذه الازدواجية في المواقف لدى الفرنسيين ؟
زهرة ظريف بيطاط: فرنسا تحاول إنكار ماضيها الأسود في الجزائر وترفض الاعتراف بأنها ارتكبت هذه المجازر، لان ذالك قد يضر بصورة فرنسا "الوردية" والتي تظهر فرنسا أنها بلد الديموقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحرية، وتحاول الإبقاء على هذا المظهر أمام الدول الأخرى ولو كان على حساب دماء ملايين الجزائريين
النصر: بعض الأطراف في فرنسا تتحدث عن جرائم من الجانبين، وتساوى بين الضحية والجلاد، وتصور بان كفاح الشعب الجزائري لاسترجاع أرضه كان موجها ضد كل الفرنسيين وليس ضد الاحتلال، ما هو ردكم على هذا الخطاب الصادر عن الفرنسيين ؟
زهرة ظريف بيطاط: هناك بالفعل أطرافا في فرنسا تحاول أن تساوي بين الضحية والجلاد، وذالك من خلال الحديث عن جرائم من الجانبين، وهذا أمر غير مقبول ونرفضه إطلاقا لأنه لا يمت للحقيقة وبعيدا عن الوقائع التاريخية، هذه المطالب تخفي في الحقيقة نوايا ورغبة لرفع الشرعية عن كفاح الشعب الجزائري لتحرير وطنه، وهذا ما نرفضه لان كفاحنا كان عادل لاستعادة وطن مغتصب، وهذا الأمر لابد من مواجهته نحن في الجزائر بنخبنا وبإعلامنا أيضا "فلا يعقل أن نبقى مكتوفي الأيدي وفرنسا تسعى لتشويه ثورتنا المجيدة.
النصر: الحركى أو ما يسمون في فرنسا ب "قدماء الجيش الفرنسي" يطالبون بحق العودة، ما هو موقفك من هذا المطلب، ومن ملف الحركى ؟
زهرة ظريف بيطاط: قضية الحركى ليست مشكلة جزائرية، بل تهم الفرنسيين، لان هؤلاء اختاروا صفهم وهم بذالك فرنسيون ولا يحق لهم مطالبة الجزائر بأي شيء ما داموا قد فضلوا قطع الحبل الذي كان يربطهم مع الجزائر والجزائريين وانخرطوا في آلة القتل والتدمير الاستعمارية، اعتقد بان هذا الملف فرنسي ولا يوجد ما نقدمه لهم. وعليهم أن يقدموا مطالبهم للحكومة الفرنسية.
النصر: بعد أكثر من نصف قرن على ثورة نوفمبر، ما يزال الجدل يحيط بعديد من القضايا ذات العلاقة بالثورة والحقبة الاستعمارية، وبعض الحقائق التاريخية، كيف يمكن التعامل مع هذه الحقائق ؟ هل من الأفضل التزام الصمت حول بعض جوانب الثورة؟ أم بالعكس قول الحقيقة ومحاولة فهم الحقائق وفق الأحداث التي كانت تعيشها الجزائر آنذاك ؟
زهرة ظريف بيطاط: لا شيء نخفيه عن تاريخ الثورة والأحداث التي عرفتها، ولا توجد صفحات سوداء في تاريخ الثورة، هناك بعض الأطراف تحاول بث هذه الأقاويل للأجيال الجديدة وإظهار الجزائريين وكأنهم كانوا يأكلون بعضهم وهذا أمر غير صحيح، نعم كانت هناك اختلافات في وجهات النظر واختلافات حول الممارسات والقرارات ولكن لم تصل إلى الحد الذي يحاول البعض الترويج له.
الثورة الجزائرية قادها رجال عظماء، يستحقون التبجيل والتكريم وتسليط الضوء على تضحياتهم، وليس استهدافهم ومحاولة تقزيم صناع هذه الثورة، الذين يقولون عكس ذالك غير مطلعين على الأحداث ويجهلون الحقائق، اكرر كان هناك صراع أفكار وهذا طبيعي وأمر سليم ودليل على حيوية الثورة، وهناك أمر مهم يجب أن لا نغفل عليه، هو أن الاجتماعات التي كانت تعقد بين القادة كانت تتم في دوائر ضيقة لأسباب أمنية ولم تكن هذه الاختلافات في وجهات النظر تصل إلى الشعب ولا حتى إلى المجاهدين. وهنا أقول شيئا على الجميع التحلي بروح المسؤولية عند تناول حقائق تاريخية، وأتمنى من الذين يخوضون في التاريخ أن يكتبوا عن الأحداث التي عايشوها هم وليس الأحداث التي سمعوا عنها في السجون أو في أماكن أخرى
النصر: رفضت الخوض في الجدل القائم بين مجاهدين بخصوص الماضي الثوري واعتبرت بان ما يجري من تبادل للاتهامات «في خدمة مصلح فرنسا» أكثر مما يخدم الجزائر.كيف يتوجب الرد والتعامل مع هذا الجدل من وجهة نظركم؟
زهرة ظريف بيطاط: أعتقد أنه حان الوقت للقيام بعمل جدي للبحث في تاريخ الثورة والفترة الاستعمارية وبطريقة موضوعية، كما أعتقد أننا نجحنا في تكوين مؤرخين وعلماء اجتماع وخبراء في هذا المجال، أصبح من الضروري أن ننكب على البحث في التاريخ لمعرفة حقيقة تاريخ بلادنا منذ الاحتلال إلى اليوم من خلال عمل علمي وتاريخي، بالاعتماد على الحقائق التاريخية وعلى ما هو مدون في الأرشيف، وعديد من الباحثين يطالبون اليوم بتمكينهم من الأرشيف، وهو ما يقودني إلى القول أن هناك ملفات في الأرشيف لم يطلع عليها أحد، وحان الوقت لفتحها على الأقل للباحثين للقيام بعملهم.
النصر: وجهتي دعوة لتقييم حصيلة 50 سنة من الاستقلال، لفتح حوار حقيقي وصريح حول واقع ومستقبل البلاد، وهذه الدعوة أثارت ردود أفعال، هل يمكن أن نعرف ماذا تقصدين من هذه الدعوة ؟
زهرة ظريف بيطاط: الإصلاح والتجديد ضروري في كل زمان لتصحيح الاختلالات التي تكون قد وقعت، لا يعنى هذا أننا ننتقص من الانجازات المحققة منذ الاستقلال، بل لمعرفة من أين جئنا والى أين نذهب، وما هو الطريق الواجب أن نسلكه لتحقيق الأهداف التي نصبوا إليها، يجب إعداد حصيلة رقمية وموثقة وقول الحقيقة، كل الحقيقة عن الأموال التي صرفت وأين ذهبت، والخيارات التي تم اعتمادها حتى لا نقع في نفس الأخطاء مستقبلا، لا يمكن أن ننكر ما تم انجازه لكن علينا الآن أن ننتقل من مرحلة الكم إلى النوعية وهي مسالة ضرورية لمستقبل الوطن..
النصر : تاريخ الثورة يواجه ما يسمى "القراءات السلبية للتاريخ"، وهنا تبرز مطالب بضرورة استرجاع بعض الحقائق التاريخية، ألا تعتقدين انه من واجب جيل الثورة تقديم الصورة الصحيحة للأجيال الجديدة؟
زهرة ظريف بيطاط: ما لاحظته شخصيا هو أن الكثير من أبناء الجيل الحالي يجهلون تاريخهم، هناك قصور وعجز في إيصال الصورة واضحة للشباب عن حقيقة الثورة، والبعض يعتقد أن الثورة الجزائرية بدأت في 1954، وهذا من اكبر الأخطاء التي ارتكبت في حق الأجيال التي سبقتنا إلى الكفاح المسلح، واعتقد انه أن الأوان لتصحيح المفاهيم وإظهار الصورة كاملة، لنعلم أولادنا كيف تأسس هذا الوطن والتضحيات التي بذلها الآباء في سبيل الانعتاق والتحرر، هذا أمر بالغ الأهمية لأنه الضامن الوحيد لوحدة هذا الشعب وإحباط محاولات بعض الأطراف في فرنسا التي تحاول بث أفكار كاذبة تسعى إلى نزع الشرعية عن الثورة الجزائرية وكذا التقليل من أهميتها. وهي تسعى بذالك إلى التفرقة بين الجزائريين
النصر: تحدثت عن «مؤامرات» تحيكها فرنسا ضد الجزائر منذ عدة أشهر. مرتبطة بالأحداث التي تشهدها منطقة الساحل المحاذية لحدودنا الجنوبية، وقلتي بان هذه الأحداث أعادت بعث أطماع فرنسا في خيرات الجنوب الذي فقدته بعد الاستقلال. من يحرك هذه المؤامرة، وكيف يتم مواجهتها. ؟
زهرة ظريف بيطاط: هناك إرادة قوية من القوى الاستعمارية للعودة إلى مستعمراتها السابقة بأشكال جديدة لاستعادة ما فقدته من ثروات في الماضي، وخير دليل على ذالك ما وقع في ليبيا من تدمير وبث الفكر القبلي وإدخال المجتمع الليبي في صراعات داخلية بينما تقوم الدول الغربية باستنزاف ثرواتها النفطية، هذه الدول التي استخدمت مصطلحات الديموقراطية والحرية كانت تخبئ نوايا استعمارية للاستيلاء على ثروات المنطقة لصالح شعوبها وليس من اجل شعوب دول المنطقة. وهذا المخطط مستمر الآن في مالي ودول أخرى في الساحل، أين نسجل عودة الاستعمار والحديث عن تدخل عسكري.
كل هذه المؤشرات لا تبعث على الارتياح إطلاقا، وهذه الأحداث لم تقع بالصدفة، لان الجزائر أصبحت مطوقة بحزام من لهب، وأصبحنا الآن ندرك بان الجزائر مستهدفة للاستيلاء على ثرواتها التي تم تأميمها بعد الاستقلال محل أطماع الدول الغربية، وهذا ما يتطلب منا تشكيل جبهة داخلية قوية لمواجهة التحديات، والتركيز على وحدة الشعب الجزائري لان الوحدة هي صمام الآمان.
النصر: صرحت بأن الجزائر بحاجة إلى "تغيير النظام السياسي" بسبب أزمة في العلاقة بين المجتمع والدولة، كيف السبيل لتحقيق الجمهورية الثانية، ما هي الخطوات العملية التي يمكن من خلالها تغيير النظام القائم؟
زهرة ظريف بيطاط: حلمنا بعد الاستقلال نحن جيل الثورة كان بناء دولة قوية تكون في حجم التضحيات التي بذلت على مدى أجيال متعاقبة وفي حجم هذا الوطن الكبير وشعبه، ألاحظ أن جزائر 2012 ليست جزائر 1962 وحتى نواصل المسيرة ونتقدم أكثر يجب أن نتأقلم مع الحقائق والأوضاع المحيطة بنا إقليميا ودوليا، يجب أن نعطي لهذا البلد كل الوسائل والمقومات التي تسمح له بالتقدم أكثر والالتحاق بركب الدول القوية، لان الجزائر تستحق مكانة رائدة بين الدول إقليميا وجهويا، ولتحقيق ذالك يجب وضع كل الوسائل والأدوات في خدمة تطوير البلد وتنميته في كل المجالات. والاهتمام أكثر بالأجيال الجديدة التي تتأثر بالتطورات التي تحصل عبر العالم.
النصر: هل التعديل الدستوري المرتقب كفيل بتصحيح بعض هذه الاختلالات؟
زهرة ظريف بيطاط: يجب أن يكون كذالك، التعديل الدستور يجب أن يكون وسيلة للتغيير، وضع دستور يأخذ بعين الاعتبار التحولات التي عرفتها الجزائر ويأخذ بعين الاعتبار بناء مستقبل البلاد، ووضع الإمكانيات المناسبة لتحقيق ذالك.
النصر: هناك مطالب بوضع حد للشرعية الثورية والانتقال إلى الشرعية الدستورية، ما هو رأي الجيل الذي صنع الثورة من هذا المطلب ؟
زهرة ظريف بيطاط: الانتقال والتحول يتم بشكل طبيعي وليس بحاجة إلى قرارات و هذه طبيعة الأمور، فالجيل الذي صنع الثورة لم يبق منهم إلى القليل، والمسؤولين في كثير من المناصب هم من جيل الاستقلال، ولذا أقول بان هذا الأمر لا يطرح إشكالية، فالبلاد تتغير ولا يوجد استثناء، المهم هو النجاح في نقل المشعل إلى جيل يكون قادرا على مواجهة متاعب بناء الدولة العصرية والحديثة والتوقف عن استهداف الرموز لان ذالك لا يخدم الوطن.
النصر: ما هو موقفك من مطلب تحويل حزب جبهة التحرير الوطني "الافلان" إلى المتحف ؟
زهرة ظريف بيطاط: الافلان ملك للجزائريين وليس لمجموعة من الأشخاص هو ارث تاريخي وأعتقد أن القرار يعود للشعب الجزائري، ليقرر ما يريده بشأن الأفلان، إن كانوا يريدونه كحزب سياسي أم لا، على الجزائريين التفكير في ذلك وحينذاك إذا تطلب الأمر يمكن اتخاذ الموقف المناسب.
النصر: طلبت من الرئيس بوتفليقة إجراء قراءة ثانية لبعض نصوص القوانين الجديدة المندرجة في إطار الإصلاحات السياسية، ومنها قانون ترقية المرأة سياسيا، هل ترين بان القوانين التي صوت عليها البرلمان السابق جاءت ناقصة ؟
زهرة ظريف بيطاط: القوانين التي صادق عليها البرلمان لم تأتي بالجديد، هذا مجرد رأي وليس حكم على القوانين، النصوص لم تغير شيئا، الرئيس التزم بسن قوانين تمكن الشعب من تحقيق التغيير المنشود وإيجاد الحلول المناسبة للمشاكل التي يواجهها المجتمع لكن في النهاية لم تكن هذه القوانين في مستوى الطموحات.
والمشكل مرتبط في احد جوانبه بالعمل السياسي الحقيقي، وما أسجله بان الجزائر تفتقر لأحزاب سياسية بمعنى الكلمة تحمل مشروع مجتمع وفلسفة حزبية ونظرة إستراتيجية على المدى البعيد لمعالجة مشاكل الجزائريين، ويلتزم المناضلون في الحزب بهذه المبادئ ولا يحيدون عنها ولا يغيرون مواقفهم عند كل موعد انتخابي، وأقول أن الاستثناء الوحيد هو حزب العمال الذي اعتبره الحزب الوحيد الذي يجمع مقومات الحزب، أما التشكيلات السياسية الأخرى فهي لا تحمل هذه المقومات واعتقد انه لا يمكن تطوير الأوضاع نحو الأحسن إذا غابت الوسائل الضرورية لإحداث هذا التغيير وفي مقدمتها أحزاب تكون قادرة على تجنيد الجزائريين وطرح مشاريع بديلة أمامهم وبذالك يكون التنافس على أساس برامج وخيارات وليس على أساس شعارات.
النصر: ما تقييمك لدور المرأة في معركة البناء منذ الاستقلال وإلى اليوم، ولماذا من وجهة نظرك ظلت بعيدة عن مواقع صنع القرار؟
زهرة ظريف بيطاط: صحيح المرأة غائبة عن الساحة السياسية، أن لم نقل مغيبة، نسبة تمثيلها في مواقع صنع القرار وفي المجال السياسي دون المستوى، هناك بعض الأشخاص الذي يحكمون قبضتهم على المسؤولية السياسية يرفضون أن تشاركهم المرأة التسيير، هذا المنع دفع بالمرأة للتوجه إلى المجتمع وتثبتت جدارتها في العديد من المجالات وتولت مناصب عليا في قطاعات مختلفة فنجد المرأة مسؤولة على مستشفيات، ونجد المرأة كذالك في مواقع مسؤولية في سلك القضاء وهي بذالك أثبتت جدارتها.
اعتقد أننا أمام نظام يمنع تولى المرأة مناصب سياسية، كما أن الأحزاب لا تشجع المرأة على الانخراط في العمل السياسي، فلا هي تقدم برامج ولا تشجع المرأة على المساهمة في الحياة السياسية، ربما حزب العمال يشكل الاستثناء الوحيد عن القاعدة.
ألغام فرنسا الاستعمارية جريمة مستمرة
أكثر من 7 آلاف ضحية و 3 ملايين لغم استعماري مازالت تترصد الجزائريين في الشرق والغرب
رغم الشواهد والأدلة على الموت الذي لا زال يتربص بالجزائريين على الحدود الشرقية والغربية ورغم معرفة الفاعل إلا أن الجريمة ظلت بلا عقاب، ولا تزال آثار تلك الألغام باقية بعد عقود حيث أصابت عبر السنوات قرابة 7000 ضحية عبر الوطن وفق ما تحصيه الجمعيات المعنية بالملف، والذين تعددت معاناتهم مع تعدد إصاباتهم، فمنهم من قطعت أطرافهم وتشوهت أجسادهم ومنهم من بتر أجزاء حساسة من ابدانهم، ومنهم من لم يستشعر أخطارها ولم يحس بوجودها بعدما جرفتها مياه الوديان والأمطار والفيضانات عن أماكنها ودفنتها في أماكن بعيدة عن مسرح الجريمة، إذ يصعب إحصاؤهم لعدم تسجيلهم ومع ذلك تحصي جمعية 4 مارس 56 بتبسة لوحدها قرابة 3000 ضحية ألغام بالمنطقتين الخامسة والسادسة بولاية تبسة، وتشير ذات المصادر إلى تقاضي 984 ضحية ألغام بولاية تبسة لمنحة من وزارة المجاهدين أغلبهم من مبتوري اليد او الساق، ومن ضحايا الألغام كذلك عسكريون آمنوا بالقضية الوطنية فأرادوا كسر الحصار المضروب على الجزائر حينها من خلال فتح ثغرات بخطي موريس وشال، وتشير المصادر التاريخية وأهل الاختصاص إلى أن فرنسا زرعت 11 مليون لغما عبر البوابة الحدودية الشرقية والغربية وحتى بالجنوب على طول 1710 كلم على مستوى ولايات تبسة، سوق أهراس، الطارف، قالمة، بشرق البلاد وبشار، النعامة وتلمسان بالغرب الجزائري، وقد تركت هذه الحصيلة الثقيلة للجزائر بعد 1962، وقد تم نزع 8 ملايين لغم بفضل مجهودات الدولة وعناصر الجيش الوطني كانت مزروعة بالولايات السالفة الذكر، وقد سمح ذلك بتطهير 12 بلدية من مجموع 17 معنية بالعملية بولاية تبسة لوحدها، و3 بلديات من أصل 10 بولاية سوق أهراس فضلا عن تطهير 6 بلديات من مجموع 15 بلدية بالطارف، كما تمت العملية بصفة نهائية بولاية بشار، و5 بلديات من 11 بولاية تلمسان و مثلها بولاية النعامة، وتخطط الجزائر في أفق 2017 للقضاء نهائيا على 3 ملايين المتبقية التي منها المضادة للأفراد والجماعات وأخرى مضيئة.
وكانت جمعيات ضحايا الألغام قد طالبت بسن قانون خاص لحماية هذه الفئة ومنحهم كامل حقوقهم مع مراعاة بعض خصوصياتهم التي تميّزهم عن باقي المعاقين حركيا، مؤكدة بأن هؤلاء الضحايا الذين بترت أعضاؤهم او جزءا منها بحاجة إلى تكفل نفسي واجتماعي ومهني، وبالنسبة للوقاية والتحسيس بمخاطر هذه الألغام فيقترح هؤلاء برمجة أيام إعلامية تحسيسية لفائدة مواطني المناطق الحدودية المعنية لتفاديها مستقبلا، مع التركيز على فئة الرحالة والبدو الرحل للحدّ من تسجيل ضحايا جدد، وفي هذا السياق نظمت الجمعية الوطنية للدفاع عن ضحايا الألغام الكائن مقرها الاجتماعي ببسكرة، حملة تحسيسية لتلاميذ المدارس عبر ولايات بسكرة و تبسة وسوق اهراس للتحسيس بمخاطر هذه الألغام والتعريف بها وذلك خلال شهر أكتوبر 2012 عبر المطويات والأقراص المضغوطة، واعتبرها المتدخلون بمثابة "حرب نائمة ومدفونة تحت الأرض" و"سلاح بدون جنود" و"جريمة مستمرة في حق الأبرياء"، وستستأنف العملية التحسيسية منتصف شهر نوفمبر، مع الضغط على الدول الاستعمارية لتدمير مخزونها من هذه الألغام وإعطاء الخرائط الدالة على تواجدها رغم صعوبة البحث عنها في ظل تغير مواقعها بسبب عوامل جغرافية .
الجموعي ساكر
المجاهد عبد العزيز فضلون يكشف للنصر
جيش الولاية الثانية قام بحماية الحركى في فج مزالة بعض الخونة نجوا لأن وراءهم أعراشا كبيرة
* إمام الخروب منع مصالي من أداء الصلاة في المسجد
يذكر المجاهد عبد العزيز فضلون أنه قام ضمن فيلق من جنود جيش التحرير الوطني مباشرة بعد إعلان وقف القتال بحماية الحركى من القتل و التنكيل الذي كان الشعب يريد الفتك بهم و قد تم إنقاذ احدهم في فج مزالة من الحرق بالنار بعدما أشعل السكان النار في كومة تبن أيام الحصاد في بداية صيف 1962 و قال في لقاء بالنصر في بيته بحي "البوسيجور" في مدينة الخروب أين تعلم تأييد لحركة انتصار الحريات الديمقراطية مثل بقية رفاقه في "طريق لاغار" أي شارع محطة القطار أن الزعيم مصالي الحاج حينما زار الخروب في نهاية الأربعينات قدم الناس للقائه مشيا على الأقدام من سكيكدة، لكن الإمام منعه من أداء الصلاة في المسجد، و لا يزال المجاهد فضلون يتذكر كيف حمل الأنصار سيارة الزعيم مصالي في الهواء و طافوا بها في الشوارع، و يقول المتحدث أن عائلة الشهيد شيهاني بشير تبرأت منه و كانت تنعته بأبشع الأوصاف حفاظا على امتيازاتها و مصالحها المادية و قد طلب مير الخروب من والد بشير شيهاني طرده من بلديته و لذلك لجأ عند اخته زوجة لعسكري فرنسي في ثكنة تلاغمة و منها صعد إلى الجبل في الأوراس.
في سياق ذكريات السيد عبد العزيز فضلون من مواليد دوار أولاد ناصر بولاية ام البواقي المجاورة قيام رئيس بلدية قسنطينة الأسبق السيد محمد الطاهر العرباوي بقيادة المعتقلين في محتشد أقامته الإدارة الاستعمارية الفرنسية مباشرة بعد انطلاق شرارة الثورة في الجرف الذي يبعد عن مدينة المسيلة ب 12 كيلومتر يقول كان العرباوي واسطتنا مع غدارة المحتشد الذي ضم أكثر من 1400 معتقل من مناضلي حركة انتصار الحريات الديمقراطية مثله و من الحركة الوطنية الجزائرية التابعين لمصالي الحاج بعد تشتت حزب مصالي و من شتى الفئات جمعتهم فرنسا الاستعمارية لوأد الثورة في المهد لكنها وفرت لهم دون أن تدري المكان المناسب للرفع من معنوياتهم و العزم اكثر على محاربتها.
شهد فضلون عبد العزيز و هو مسؤول التنظيم حاليا بالمنظمة الولائية للمجاهدين بقسنطينة التحضيرات الأولى للثورة و العمل المسلح من خلال مسؤوله في اللجنة الثورية للوحدة و العمل المنشقة عن حركة انتصار الحريات الديمقراطية حجاج بشير الذي كان يتلقى التعليمات مباشرة من قائد الولاية التاريخية الاولى الأوراس مصطفى بن بولعيد و كانت الخروب تابعة للولاية الأولى و يفصلها عن قسنطينة في الولاية الثانية واد الحميميم و يحدها خط السكة الحديدية.
" كنا حوالي 18 شابا اغلبنا من طريق لاغار و الأحياء الشعبية من" دوزيام كولاج" القسم الثاني الأدنى الذين كان يشار إليهم بعبارة "تاع اللوطانية" من طرف عناصر الفئة الأولى من الميسورين في الخروب و كانوا يلتقون في مقهى سي العيد بطريق لاغار في مكان الصيدلية الحالية قرب حي طنجة الشعبي و حين تقرر البدء بالعمل المسلح ليلة أول نوفمبر 1954 سارت مجموعة منهم للقاء في منزل سي العربي الخروبي و اسمه العربي بن عبد القادر صار مسؤولا في جيش التحرير و ضابط اتصال قرب زاوية سيدي حميدة بالقرب من محكمة الخروب حاليا و هناك توزعت مهام المجموعة و تحددت أهداف الهجومات الاولى للكفاح المسلح، يقول محدثنا "بقت غصة في قلوبنا نحن الشباب المتحمس الذين أيدوا اللجنة الثورية للوحدة و العمل على أساس فعاليتها و نبذها لأحاديث الصالونات و الموائد المستديرة، و في الغد حينما حملنا جريدة لا ديباش دو كونستانتين - و التي صارت جريدة النصر الحالية التي هي بين يديك- علمنا بما نفذه أصحابنا و قد فشلت عملية مهاجمة "الموزينة تاع القرزي" بقيادة العربي لخروبي و تمت مهاجمة الكوميسارية دار الشرطة بدلها ثم صعدت المجموعة الصغيرة الاولى إلى الجبل، وشى أحد المعتقلين بعبد العزيز فضلون قائلا أنه منعه من تناول التبغ و كانت قيادات الثورة قد منعت الجزائريين من استهلاك منتجات شركات التبغ الفرنسية فتم سجنه أربعة أشهر في الكدية بقسنطينة و منه إلى معتقل الجرف بالمسيلة.
سرقنا أدوية و أدوات قلع أسنان من محتشد الجرف و سلمناها للمجاهدين
في المعتقل كنا نسرق مختلف التجهيزات و ما نحتاجه في الخارج من أدوات و البداية بوسيلة هروبنا مقص لقطع الأسلاك و قد كنا خمسة في كل غرفة و توجد أربعة غرف في كل بناية بالمحتشد و كان الطاهر العرباوي وسيطنا مع ادارة المحتشد و كنا لا نبادل عناصر الحركة الوطنية الجزائرية أتباع مصالي إلا السلام و لا نحدثهم عن نوايانا مطلقا بعد حصولنا على المقص لقطع الأسلاك صرنا نهرب كل المقتنيات التي يطلبها المجاهدون منا و نحن معتقلين، و كان أكثر شيء يريدونه الأدوية و كنا نذهب لعيادة المعتقل و نأخذ الادوية تيراميسين و كلاليب قلع الأسنان و أجهزة قياس ضغط الدم قانونيا او بالسرقة و السطو و نسلمها لعمال المحتشد من سكان القرى القريبة و بدورهم يسلمونها للثوار في الجبال، كان الكناسون ينقلون لنا الأخبار و ما يجري في الخارج و بعد 16 شهرا نجحت مع مجموعة صغيرة من بينها الدكتور عبد السلام بن باديس الطبيب الذي سمي مستشفى قسنطينة الجامعي بإسمه و حيحي المكي و كان طالبا في الفرار من المحتشد و بعد مسير ساعات و جدوا دليلهم الذي الحقهم بالجبال في حضن نظام جيش التحرير الوطني في جبال المعاضيد التابعة لناحية بريكة بالولاية الاولى التاريخية أين التقى بسي الجمعي بوقادير و هو من جهته و كان مسؤولا سياسيا على ناحية بريكة تنقل عبد العزيز فضلون بين دواوير أولاد تبان و أولاد حناش و اولاد اخلوف حتى وصل الى الشمال و صار جنديا في بني صبيح بولاية جيجل الحالية في القسم الثالث بالمنطقة الثانية من الولاية الثانية كان مسؤولوه صالح بوبنيدر قائدا للولاية و الطاهر بودربالة مسؤولا عسكريا و العربي لخروبي مكلفا بالاتصال عن وزارة التسليح و الارتباطات العامة لا يقدم تقاريره إلا لعبد الحفيظ بو الصوف.
"حين نشبت أزمة صيف 62 و تحاربت الولايات فيما بينها كنا نتبع قادتنا الذين وثقنا بهم و حاربنا تحت قيادتهم و أطعنا أوامرهم في كل شيء يأمروننا بالقتل فنقتل دون تردد و قد وقف بعض رفاقنا في صف جيش الولاية الثانية مع بوبنيدر رافضين التسليم لجيش الحدود و مات منهم قدور بومدوس و الطاهر جواد برصاص إخوانهم من جيش الحدود و الولاية الاولى الذين دخلوا قسنطينة عنوة و بقوة السلاح جاؤوا بشاحنات عسكرية كثيرة و نزلوا جيشا منظما و قوي التسليح و قد طلب احدهم من الطاهر جواد رفع يديه عند باب ثكنة "الساليغان" ساحة خميستي الحالية في شارع الدكتور كالمات مكان موقف الحافلات الحالي و لما رفض و حرك يده متلمسا سلاحه امطره الجندي بوابل من الرصاص.
يقول عبد العزيز فضلون كنا نرى أن بومدين كقائد لجيش الحدود غير مناسب لتولي المسؤولية لكنه كان داهية و ذكيا عرف كيف يتقرب منا نحن جنود الولاية الثانية و جر بعض القادة إلى صفه مثل العربي الميلي و هو العربي بالرجم و صالح لوصيف لأنه وقف خلف بن بلة و كنا لا نجادل في زعامة بن بلة، كان تصرفه ذكاء سياسيا و حيلة شيطانية انطلت علينا و سرنا خلف قادتنا في سياقها و لم نعارض تلاحم جيش الولاية الثانية مع جيش الحدود و كونا فيلقا في الحامة و منها سرنا في مهمة لحماية القومية و الحركى الذين كانوا يتعرضون للتقتيل في نواحي فج مزالة بالقرب من فرجيوة.
" جمعناهم في مقر ثكنة عسكرية بوسط فرجيوة و كان احدهم يحترق في بيدر تبن أشعله السكان انتقاما منه لما فعل بهم اثناء الثورة و رمى احدهم نفسه من علو شاهق فمات ، ثم احتمى بنا عدد من الحركى كانوا ستة تقريبا هربا من الانتقام و لاحقهم الشعب يريد الاقتصاص منهم فجمعنا الناس و صببنا عليهم الماء و ضربناهم بخراطيم المياه البلاستيكية و منعناهم من التنكيل بالحركى قائلين هناك حكومة و جيش تحرير سيتولى معاملتهم وفق القانون".
عن الخونة و تصفياتهم قال عبد العزيز فضلون أن العمليات كانت تتم وفق قواعد محددة و بقرار من مجلس متألف من خمسة أشخاص و لكن في الواقع كان من الصعب قتل الكثير من الخونة في منطقته رغم علم جيش التحرير بتعاونهم مع فرنسا لكون مكان تنفيذ العقاب غير مناسب من جهة و لأن أغلب الخونة يتحصنون بعلاقات و روابط قبلية و عشائرية و عروشية قوية تضر بالثورة و المجاهدين أكثر مما تنفعهم و قد كان الثوار يمتنعون عن معاقبة خونة من عروش كبيرة متلاحمة يعيشون بين أفرادها و يحتمون ببيوتها من مطاردات الجيش الفرنسي و لا يزال محدثنا يعرف الكثير من العملاء و الخونة لكنه يرفض الإشارة إليهم لأن هذا الشيء فات و لا فائدة من تحريك جروح قديمة.
يقول السيد فضلون و هو ابن المدينة أن سكان الأرياف كانوا جميعا دون استثناء سندا للثورة و كانوا عونا كبيرا لها رغم كونهم بين نارين الجيش الفرنسي نهارا و المجاهدون الذين يسمون الفلاقة ليلا و لكن الثورة كانت مغامرة حقيقية قامت بها مجموعة صغيرة و فرضتها ظروف استعمار مهينة و لم يكن أمام الشعب من خيار إلا التمرد و حمل السلاح لاسترجاع كرامته.
سجل الشهادة ع.شابي
المسبل منيفي الطيب للنصر
نقلت سلاحا من ثكنات فرنسية إلى المجاهدين
يؤكد المسبل منيفي الطيب أن عائلته الريفية في منطقة طرفانة كانت ثورية بالطبيعة و قد شارك ابن عمه بوجمعة في الثورة عند انطلاقتها و مات أخوه شهيدا في هجومات 20 أوت 1955 ، و لم يكن امامه خيار إلا العمل في التموين بجمع الذخيرة و القنابل و الألبسة من جزائريين في الجيش الفرنسي و تسليمها للثوار في نواحي الهرية بلدية بن باديس الحالية بولاية قسنطينة و التي كانت على التماس بين الولايتين الأولى و الثانية.
مما يذكره منيفي أن أخوات البروفيسور عبد الحميد ابركان كن متعاطفات وكان والدهن ترجمان في الخروب و ذكر أن بناته كن يخطن الأعلام الوطنية سرا في بيتهم و يسلمنها لحضرية نموشي و حمداوي فاطمة ، وكانت فئة قليلة من الميسورين مع فرنسا لا تتجاوز نسبتها 10 بالمئة و كان 20 بالمئة من الشعب "خبزيست" لا مع فرنسا و لا ضدها اما 70 بالمئة من الناس فكانوا مع الثورة و يريدون إستقلال الجزائر و هذه النسبة كانت في كل المدن تقريبا أما في الأرياف فقد كان كل السكان مع الثورة حسب تقديرات المسبل منيفي.
يذكر المتحدث هو مسؤول بمنظمة المجاهدين بالخروب منتخب للمرة الثالثة أسماء المجندين الذين كانوا يمدونه بالذخيرة من داخل ثكنة الخروب منهم قريبة رابح و معمر بشكري و باطلي مسعود، و قد طلب أول الأمر من قريبة صديقه تسليمه لباسا عسكريا، و أكد جدية طلبه بشهادة أم زوجته التي كانت تعلم بعلاقته بالمجاهدين في طرفانة و في الغد جاء بالبزة العسكرية و معها قنبلة يدوية و 40 خرطوشة، ثم أتصل بباطلي الذي كان في نفس الثكنة و يقوم بنفس المهمة و بعدهما قام بشكري بالانضمام إلى المجموعة، كان الطيب منيفي يحمل الذخيرة و يركب حافلة بلطرش التي كان يقودها الطيب و يخفي الكيس حتى يصل بلدة الهرية و منها يصعد سيرا على الأقدام بإتجاه مزرعة العائلة و هي بمحاذاة الجبل في منطقة كاف حمارة على طريق الحمبلي قريبا من مركز القسم الثالث من الولاية الثانية، و لم يطل العمل كثيرا في نقل الذخيرة التي بلغت أحيانا 100 خرطوشة منذ بدايته في أواخر 1959 لتنكشف المجموعة في شهر أوت سنة 1961 و تحدث باطلي عن عناصر الشبكة و جرت مواجهة المتهمين و أنكر الطيب منيفي، تحت التعذيب بالماء و الكهرباء في القصبة بقسنطينة ثم جرت محاكمة المجموعة في ديسمبر 61 و حكموا على العسكريين المتواطئين مع الثورة ب 18 شهرا سجنا و على المسبل منيفي بثلاث سنوات و تم الحكم على قريبة بالإعدام غيابيا و كان قد التحق بالجبل و في 31 مارس 1962 و كان يوم سبت أطلق سراحهم و نقلتهم شاحنات الشرطة الفرنسية إلى الحميميم خوفا من انتقام المنظمة الجيش السري "أو. أ. أس" منهم.
سجل الشهادة ع.شابي
الدكتور في التاريخ مصطفى نويصر للنصر
كتابة التاريخ بشكل موضوعي تكون بعد 50سنة أو أكثر
* هناك نقص كبير في المادة التاريخية الخاصة بمرحلة الثورة وعلى السلطة تشجيع ودعم الباحثين
يرى الدكتور مصطفى نويصر أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر وباحث في التاريخ أن عدم كتابة تاريخ الحرب التحريرية حتى الآن طبيعي جدا لأن كتابة التاريخ الحقيقي بشكل موضوعي يكون دائما بعد 50 سنة عن وقوعه، لكنه يدق ناقوس الخطر فيما يتعلق بنقص المادة التاريخية التي يشتغل عليها المؤرخون، لذلك يدعو السلطات الوصية في البلاد إلى تشجيع العمل في هذا الاتجاه، والى فتح الأرشيف الوطني أمام الباحثين والمؤرخين ومساعدتهم حتى يتمكنوا من التأريخ لهذه الحقبة من تاريخينا.
- النصر: لماذا لم يكتب تاريخ الثورة التحريرية لحد الآن رغم إلحاح الأجيال الجديدة على ذلك؟
مصطفى نويصر: هذا شيء منطقي لأن كتابة التاريخ انطلاقا من موضوعيتها لا يمكن أن تكون إلا بعد 50 سنة أو أكثر، اليوم وبعد 50 سنة عن استقلال الجزائر نفكر في ذلك، لكن المرحلة السابقة يفترض أن تكون مرحلة جمع المادة التاريخية التي يعتمد عليها الباحثون والمؤرخون.
- وهل جمعت هذه المادة بالقدر الكافي الذي يسمح بكتابة تاريخ الحرب التحريرية؟
لا ما جمع يمكن أن يكون بداية في طريق كتابة تاريخ مرحلة الثورة التحريرية، لكن أن نقول أن المادة التي جمعت حتى الآن كافية صعب للغاية، مثلا لما نؤرخ «لأول نوفمبر» يكون ذلك انطلاقا من ماذا؟ بالطبع يكون انطلاقا من وثائق وشهادات الفاعلين الذين شاركوا فيه وكانوا في الحركة الوطنية قبل ذلك، ومذكرات كل الذين ساهموا في التحضير لهذا الحدث،وعليه لو نأتي الآن لإحصاء مذكرات الذين ساهموا في أول نوفمبر لن نجد سوى القليل والقليل جدا، وهذا معناه أنه لا يسمح لنا بكتابة التاريخ بطريقة موضوعية وحقيقية، لما نأخذ أيضا مجموعة ال 22 التاريخية هل كتبوا جميعهم؟ طبعا لا، وهناك مؤسسين ومساهمين كثر في اندلاع الثورة التحريرية منهم من لا نعرفه هل لنا مذكراتهم؟ هل تركوا أو كتبوا شهاداتهم؟ لا نجد الشيء الكثير، وعليه فإن الناس الذين يستعجلون أو يتساءلون باستغراب عن عدم كتابة تاريخ الثورة لحد الآن مخطئون.
لكن ما نتمناه هو أن تقوم الجهات المعنية بجمع شهادات الناس ..شهادات كل المساهمين والمشاركين في الثورة التحريرية وفي كل جوانبها العسكرية والسياسية والفدائية وغيرها، وجمع شهادات رجال الحركة الوطنية الذين لا تزال مجموعة كبيرة منهم على قيد الحياة لكن لا احد يعرفهم، الدولة من خلال وزارة المجاهدين والمنظمة الوطنية للمجاهدين ومركز الدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر ومن خلال المتاحف المختصة في الولايات ( متاحف المجاهد) تقوم بما تستطيع القيام به لكن، هناك أيضا ما يسمى بالبحث الأكاديمي الذي يعد رافدا من روافد كتابة التاريخ وهذا الأخير لا يزال هو أيضا في بداياته لعدم توفر المادة.
على مستوى قسم التاريخ بجامعة الجزائر نوقشت مجموعة رسائل دكتوراه وماجيستير حول الموضوع، لكن هذا لا يكفي على الأقل لما نقارنه بما يحدث عند جيراننا في تونس والمغرب فقط، في تونس مثلا هناك المعهد الأعلى للحركة الوطنية الذي يقوم بدور كبير في التاريخ للحركة الوطنية التونسية، نفس الشيء تقوم به مؤسسة التميمي في المغرب مثلا حيث توجد عشرات المذكرات لرجال المقاومة في المغرب.
- برأيكم لماذا لا توجد عندنا سوى القلة القليلة من الكتابات حول تاريخ الثورة التحريرية؟
النظام السياسي المنتهج عندنا خلال ثلاثين سنة الأولى للاستقلال كان نظام الحزب الواحد وبالتالي الحزب الحاكم لا يسمح لأي شيء خارج هذا الإطار بمعنى هو الطاغي، وحتى لما تأسست المنظمة الوطنية للمجاهدين كانت تحت وصاية وإشراف الحزب، وعليه كل ما تم خلال ال 40 سنة الأولى للاستقلال اخذ الطابع الرسمي..لم تكن هناك اجتهادات، لم يكن يسمح للناس بنشر مذكراتهم فأصبحوا يخافون، ولحد الآن وبعد اعتماد التعددية مازال الكثير من رجال الحركة الوطنية يهابون نشر مذكراتهم بسبب طغيان الرأي الواحد.
- ظاهرة كتابة المذكرات هناك من يعتبرها كتابة للتاريخ كيف تنظرون إلى هذه المسألة؟
لا ..كتابة التاريخ لها شروطها العلمية والأكاديمية.. الشهادات الشخصية والمذكرات تدخل في إطار المادة التي يعتمد عليها المؤرخ، المجاهد يكتب إسهاماته ذلك شيء جيد، لكن هذا ليس تأريخ إنما مادة يأخذها المؤرخ ويتعامل معها.. يحللها من اجل كتابة التاريخ، فالخمسين سنة الماضية هي مرحلة جمع المادة التاريخية، وحتى المذكرات تأخرت لأنه كما قلنا كان الجانب الرسمي هو الطاغي.
- بالنسبة لكم انتم المؤرخين هل كل الشروط متوفرة لكم من اجل كتابة موضوعية وحقيقية لتاريخ الثورة؟
الشروط غير متوفرة فبالإضافة إلى أننا جزء من المادة فإن جزءا من تاريخ الثورة يتمثل في الأرشيف، وهذا الأرشيف موجود في فرنسا، وذلك يتطلب التنقل إلى هناك للإطلاع عليه في «فان سان» و»الكي دورسي» وغيره، وحتى الأرشيف الموجود في الداخل عندنا يقال انه غير مفتوح أمام كل الباحثين، وهذا من المعوقات التي تقف في طريق المؤرخين والباحثين.
- هل يعود هذا برأيكم لتدخل السلطة السياسية دائما؟
نعم السلطة التاريخية لا زالت لها اليد الطولى في احتكار المادة التاريخية.
- هل معنى هذا أنها تخاف من التاريخ؟
دون شك لأن التاريخ لا يرحم.
- كمؤرخ وكباحث في التاريخ بماذا تنصح في هذا المجال؟
ونحن نحتفل بخمسينية استعادة السيادة الوطنية والاستقلال نناشد كل الجهات المعنية بأن تساهم في جمع المادة التاريخية، على السلطة أن تشجع البحث العلمي والتاريخي، ونتمنى من الجهات المعنية أن تجد صيغة لمساعدة الباحثين والمؤرخين.
- هل هناك من يستعمل تاريخ الثورة لخدمة أهداف سياسية آنية اليوم؟
طبعا لكن بالنسبة لنا كمشتغلين في هذا المجال فإننا نشجع ذلك لماذا؟ لأنه بالنسبة لنا كل معلومة تنشر هي إضافة حتى لا تضيع، لأن المؤرخ بعد ذلك يأخذ هذه المعلومة ويمحصها ويحللها بموضوعية، وبطرق علمية و يكتبها في الأخير بالشكل الصحيح، ومن هذا المنطلق فإننا نعتبر الجدالات التيس تثار تارة هنا وهناك حول بعض الكتابات نعتبرها نحن إضافة وذات فائدة.
أجرى الحوار: محمد عدنان
الدكتور مومن العمري أستاذ في التاريخ السياسي المعاصر- جامعة قسنطينة
فرنسا لا تقدّم شيئا دون مقابل واعتراف هولاند لم يتجاوز حدّ الإشارة
* تاريخ الثورة ليس مثاليا ويجب أن نكتبه أولا قبل الحديث عن وجود انحرافات أو تجاوزات فيه
بداية، يعود الحديث في كل مرة عن اعتراف فرنسا بجرائمها سيما في المناسبات التاريخية، غير أنه لم يتم حقيقة تسجيل تقدم في هذا الشأن بعد أكثر من نصف قرن، فلماذا يعود ذلك برأيك ؟
أولا يجب التأكيد أن مطلب اعتراف فرنسا بجرائمها من المفروض أن يكون محوريا في سياسية الدولة الجزائرية، سيما وأن فرنسا تجرؤ أن تدعّي على تركيا مثلا الاعتراف بما تقول أنها جرائم ضد الأرمن، كما أظن أن الجزائر كدولة وكهيئات ومراكز قرار مقصّرة من حيث عدم الدفع بقضية الاعتراف أمام المحكمة الجنائية الدولية، ومن حيث عدم المبادرة للحصول على الاعتراف والتعويض على جرائم فرنسا طيلة فترة الاحتلال التي كان يمكن للجزائر أن تحقق فيها تنمية حقيقية وعوض ذلك نامت في عقود من التخلّف .
في أية خانة يصنّف إذا ما صرّح به الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند مؤخرا حول مجازر 17 أكتوبر الأخيرة، وبعد ذلك تصريحات وزير خارجيته الذي أكد أن هولاند لن يقدم اعتذارا للجزائريين في زيارته المرتقبة قبل نهاية العام؟
لا يجب أن ننكر أن اعتراف الرئيس الفرنسي الأخير بجرائم 17 أكتوبر 1961 قد يفتح الأبواب نحو الاعتراف ببقية الجرائم الأخرى، إلا أن ما قام به هولاند لم يتجاوز الإشارة لما وقع وحسب، كما يجب أن ندرك أن فرنسا الرسمية لا تقدّم أبدا شيئا دون مقابل وفي هذه الحالة قد يكون المقابل مكاسب اقتصادية أو تجارية، والملاحظ أن هناك استغلالا من الحكومة الفرنسية لمناسبات أو ظروف محددة لتضغط على الجزائر ببعض القضايا كما هو الحال بالنسبة لقضية الحركى، وأدعو هنا إلى تفعيل دور البرلمان من خلال تجنّد كل الأحزاب لسن قانون تجريم الاستعمار كرد على القانون الفرنسي الصادر سنة 2005 والذي مجد الاستعمار رغم بشاعته .
صدرت مؤخرا عديد المذكرات لشخصيات تاريخية تروي وقائع وتفاصيل ربما لم يتم الكشف عنها قبل ذلك، فهل ترى أنها اتسمت بذاتية مفرطة تغلبت على الموضوعية الذي يفترض أن تتسم بها الكتابة التاريخية؟
أظن أنه فيما يتعلق بكتابة تاريخ الثورة، فإنه قبل الحديث عن وقوع انحرافات أو تجاوزات من هذا الطرف أوذاك، يجب الكلام أولا عن كتابة هذا التاريخ والمحافظة على الذاكرة الوطنية من بعض الممارسات لطمسها وتشويهها، وأؤكد هنا أن تاريخ أي ثورة في العالم لم يكن أبدا مثاليا أو خاليا من الأخطاء، وهو ما لا يعرفه إلا قلة من الناس سيما أصحاب الإختصاص، وذلك سواء بالنسبة للثورة الجزائرية أو نظيراتها كالثورة الفيتنامية، ويجب أن لا ننسى أن ثورة التحرير كانت عنيفة لأنها واجهت صعوبات كبيرة، فلا يجب تشويه صورة قادة تاريخيين واجهوا ظروفا لا يفهمها الكثيرون منا حاليا، وتعقيدات كثيرة وقوة مدعمة بالحلف الأطلسي، فالواجب إذا الحفاظ على صورة هؤلاء القادة وعدم المساس بالتاريخ وجعله ممسوخا ومشوها كما يريده أعداء الجزائر، لأنه حينها لن يبقى لنا شيء.
وأشير هنا إلى أن المبدأ القائل بأن الثورة تأكل أولادها لم يستثن الثورة الجزائرية، وكمثال على ذلك ما وقع في صائفة 1962 أو ما يعرف بالصائفة السوداء بسبب الخلاف الذي وقع حينها بين قيادة أركان جيش التحرير والحكومة المؤقتة بقيادة بن يوسف بن خدة، والصراع الدموي الذي خلّف ضحايا بسبب الاقتتال الذي وقع في العاصمة بين الطرفين وكذا الشرخ الذي وقع في صفوف المجاهدين حينها بسبب الانحياز إلى أحد الطرفين ومانتج عن ذلك من انتصار قيادة الأركان وانكماش السياسيين على أنفسهم.
هناك بعض الأطراف التي تحمّل المؤرخين والأكاديميين مسؤولية التهاون في كتابة التاريخ الثوري للجزائر، فهل هذا صحيح ؟
الكثير من المجاهدين يمتنعون عن تقديم شهاداتهم ربما لعدم المساس بأشخاص أو هيئات محددة، كما أظن أنه لا يجدر ببعض الساسة محاولة «أدلجة» التاريخ وتفسيره على هواهم، أو أن يضربوا بعضهم باستغلال وقائع تاريخية خاصة عندما لا يكون هناك يقين من بعض تلك الوقائع، وهنا لا يخفى ما ألحقته بعض ممارسات السياسيين بصورة الثورة سيما لدى جيل الاستقلال.
هشام-ع
بلديات انقرض فيها المجاهدون دون أن يتركوا أثرا بميلة
مع احتفال الجزائر بالذكرى ال 58 لاندلاع لثورة التحرير في الفاتح من نوفمبر تكون ولاية ميلة حسب احصائية كشفت عنها مديرية المجاهدين لمكتب النصر بالولاية قد فجعت في عدد آخر من صناع الثورة بفقدانها 35 مجاهدا آخر من صناع الثورة ليصل مجموع المجاهدين الذين التحقوا بالرفيق الأعلى مند مطلع الاستقلال إلى 1170 مجاهد ومجاهدة ناهيك عن قوافل الشهداء لهذه الولاية المجاهدة التي كانت إحدى القلاع الحصينة للولاية التاريخية الثانية خلال سنوات الثورة. و لازال البعض منهم يجهل قبره ومكان دفنه حتى و إن كانت الارض تكشف بين الحين و الآخر عما في جوفها من هياكل عظمية تارة بفعل السيول وتارة اخرى بفعل اشغال البناء والتعمير، آخرها ما تم العثور عليه من قبور شهر سبتمبر الماضي بمحاذاة برج آليز للمعمر الفرنسي الذي حمل البرج اسمه أين تجري أشغال بناء احدى مجمعات المركز الجامعي لميلة والتي تذهب التخمينات الاولى إلى أنها لشهداء قضوا هناك مادام المكان من نقاط التعذيب أيام الاستعمار الغاشم .
ميلة اليوم تحصى 3144 مواطن ومواطنة من المتحصلين على بطاقات الاعتراف بالمشاركة في ثورة التحرير الكبرى منهم 171 مجاهدة، كان لهم حظ حضور الاحتفالات المخلدة لعيد الاستقلال والشباب في ذكراها ال 50 .
وبقدر ما يعتز ويفرح ابناء الولاية من جيل الاستقلال بتواجد هؤلاء الابطال بينهم ويتمنون الصحة وطول العمر إلا ان الخوف يبقى من فقدان هذه البقية القليلة تباعا دون الاستفادة منهم في كتابة تاريخ مرحلة مهمة من حياة البلاد او نوثق شهاداتهم على الأقل .
فرحيلهم لا يعتبر خسارة لذويهم فقط وإنما خسارة لكل أبناء هذا الوطن الذين لم يعرفوا كيف يجمعوا شهادات هؤلاء ومعاناتهم مع الاستعمار ويوثقوها حتى تكون مادة للمؤرخين والدارسين.
و بولاية ميلة ثماني بلديات على الأقل من اصل 32 بلدية انقرض بها المجاهدون، تأتي في مقدمتها بلدية الشيقارة التي كانت في احدى مراحل الثورة مقرا لقيادة الولاية الثانية وبالضبط في المكان المعروف أكثر بالسطارة أنتاع برزيز متبوعة ببلديات سيدي اخليفة ,تسدان حدادة ، دراحي بوصلاح و حمالة، حيث فقدت في الفترة الأخيرة كل مجاهديها تباعا، فيما لم يبق ببلديات أخرى مثل عين التين ، تسالة لمطاعي ،عميرة اراس ، ترعي باينان ، بن يحى عبد الرحمان ، عين التين ،مينار زارزة ، سوى مجاهد او اثنان في أحسن الأحوال، مثلما صرح لنا به في وقت سابق الأمين الولائي لمنظمة المجاهدين بميلة الحاج محمد بن داس، مشيرا إلى أنه حتى و إن كان الامر يتعلق بمشيئة الله فهو يشكل خسارة كبرى لذاكرة الامة الجزائرية في إحدى أهم حلقات تاريخها كون العديد من المجاهدين رحلوا وصدورهم تحمل الكثير من تاريخ هذا الوطن وأحداثه الكبرى .
وعلى ذكر كتابة التاريخ يؤكد الحاج بن داس بأن المنظمة بميلة شهدت في السنوات الخمس الأخيرة انجاز عدة كتب ومطويات تصب جميعها تسجيل الأحداث التاريخية للثورة وبطولات صانعيها، على غرار جهاد المرأة الجزائرية بولاية ميلة ، مراكز جبهة وجيش التحرير، رواد الثورة والتغيير، مدونة الفداء، من رياض الفداء، من رياض شهداء الثورة. وأحداث الكتب السالفة الذكر كلها تدور بولاية ميلة. كما توجد كتب أخرى تحت الطبع نذكر منها قاموس المجاهد الذي يعتبر في حقيقة الأمر تكملة لكتاب آخر تم طبعه هو الأول بالولاية يحمل عنوان قاموس الشهيد وقد تم جمع مادة الكتاب الجديد بأمر من الأمين العام لمنظمة المجاهدين وهناك كتاب أمهات المجاهدين ، ثم المجاهدون ومعركة الكرامة، شهادات حية حرة، بالإضافة لمطويات خاصة بكل بلدية من بلديات الولاية ال 32 .
تجدر الاشارة إلى ان ولاية ميلة كان لها فضل السبق في القيام بمبادرات رائدة تم تعميمها على ولايات الوطن الأخرى، مثل انجاز كتب رخامية مفتوحة بساحات الشهداء التي تتوسط مراكز البلديات، أو أمام مدخل مقر البلدية نفسها لتعريف أجيال الاستقلال بأسماء الشهداء الذين سقطوا بميدان الشرف .
ابراهيم شليغم
المجاهد بحري رابح
حكموا علي بالاعدام وأمضيت ثلاثة أشهر مغمض العينين
المجاهد رابح بحري ذو 76 عاما والذي يعاني اليوم من المرض الذي لحق به بسبب غاز تعرض له وزملاءه أثناء الثورة وأجرى عمليتين جراحيتين، يروي للنصر وحشية أساليب المستعمر ومسيرته مع النضال والاعتقال إلى غاية الحكم عليه بالإعدام.
فبعد عودته الثانية من فرنسا التي كان يعمل بها، قرر الالتحاق بالثورة في نواحي سوق نعمان التابعة لأم البواقي وسأل عن المجاهد مسؤول الناحية "سي النور عموري"، واتصل بأحد أقاربه المسمى "التهامي بحري" الذي طلب منه الاستعداد للقيام بعملية فدائية كتأشيرة الانضمام للمجاهدين، ليتم التخطيط لأولى عملياته الفدائية بتسلمه بتاريخ 20 جويلية 1956 قنبلة يدوية على مستوى "فيرمة الحاج أمبارك بوطي"، أين طلب منه رميها على العساكر الفرنسييين في أجل لا يتعدى أربعة أيام، ليستغل بعدها فرصة قدوم ثلاثة جنود فرنسيين لشراء اللحم من قصابة بعين مليلة ليرمي القنبلة غير أن أحد الواشين بدأ يصرخ فانفجرت بعيدا عنهم وانكشفت هويته للفرنسيين الذين طوقوا بعد لحظات سكنه العائلي وأوقفوه إلى جانب والده وشقيقه ثم أطلقوا سراحهما وأبقوا عليه، ليذوق ألوان من التعذيب طيلة 17 يوما، يضيف عمي رابح أن العسكر قام بتقديمه لقاضي التحقيق بمحكمة عين مليلة الذي أودعه السجن ليعيد فتح ملف القضية بعد شهر وقام بعد ذلك بسجنه 6 أشهر إضافية لتبرئه المحكمة العسكرية بقسنطينة بعد ذلك.
وبعد ذلك انتقل ليلتحق بصفوف الثورة التحريرية بمنطقة طاربانت، وتعرف حينها على المسمى (غديري محمود) الذي لم يعلم بالتحاقه بالثوار إلا بعد تجنيده، مؤكدا في معرض حديثه بأنه كلف رفقة 16 مجاهدا آخرين بمهمة منتصف شهر أفريل من سنة 1957 والمتضمنة القيام بجولة بين جبلي عنودة ونيف النسر لجمع التبرعات ومتابعة تحركات العسكر الفرنسي والخونة، المجموعة انقسمت بعدها إلى فوجين وانضم هو إلى فوج جبل عنودة المكون من سبع أفراد، ليضيف أن فوجه تعرض للخيانة بتاريخ 24 أفريل 1957 ليحاصر في الصباح الباكر من طرف العساكر الفرنسيين، حيث أن القوات الفرنسية نادت عبر مكبر الصوت بأسماء كل واحد من المجموعة المختفية عن الأنظار ما يعني أن أحدا قام بالتبليغ عنها وفي ظل عدم استجابتهم فضل المستعمر الفرنسي رمي القنابل المسيلة للدموع وبعدها عمدوا إلى رش المكان بالبنزين بواسطة طائرات الهيلوكوبتر وتطوّر الوضع بعدها إلى تبادل لإطلاق النار، وبحسب ذات المتحدث فالقوات المحتلة لجأت إلى قنابل محرمة دوليا تحوي غازات سامة أين أصاب كامل أفراد الفوج الدوّار ما جعل البعض يحاول وضع حد لحياته بطلقات نارية هروبا من التعرّض للتعذيب ومحاولة الاستنطاق عن مكان بقية المجاهدين، غير أن المستعمر تمكن من إلقاء القبض على كامل الفوج وتم عرضهم على المواطنين ونعتهم بالخونة بمحاذاة سور مدرسة العرفان بعين مليلة ليتم نقلهم لمنطقة "بيرطو" أولاد حملة حاليا أين وضعوا بمركز التعذيب المسمى "الكبانية".
أحكام بين 10 سنوات والإعدام في حق الفوج الموقوف
حوّلت القوات الفرنسية الفوج الموقوف من المجاهدين والمكوّن من خمسة عناصر بعد استشهاد فردين هما بشوشان أحمد وبن دعاس أحمد المكنى "الروج"، للاستنطاق والتعذيب ليلة القبض عليهم وحاولوا قلع أسنانهم وقام قائد فرنسي يطلق عليه اسم "القبطان" بإطلاق النار على الشهيد المدعو "الروج" فأرداه قتيلا، عمي رابح بحري الذي كان برتبة جندي بسيط أضاف بأنه ظل مغمض العينين طيلة 3 أشهر بسبب الغازات المنبعثة من القنبلة المحرمة ليحوّل إلى المستشفى العسكري بالقصبة أين مكث هناك طيلة الفترة التي قضاها دون إبصار يتلقى علاجات بالنهار ويوضع خلف القضبان ليلا ليصدر في حقه حكم بالإعدام غيابيا وحكم آخر بالسجن 15 سنة، فيما تفاوتت الأحكام الصادرة في حق بقية أعضاء الفوج الذي تعرضوا للتعذيب، فبحري حسين ابن عم المتحدث أدين بالإعدام أيضا أما غديري محمود فصدر في حقه حكم بالسجن المؤبد، و قرفة بولعراس فعوقب ب20 سنة سجنا في وقت أدين مصطفى بن مدور ب10 سنوات سجنا.
وقضى رابح بحري المجاهد المحبوس عقوبته متنقلا بين سجن الكدية بقسنطينة أين قضى فترة 3 أشهر وبعدها بعين مليلة ثم القصبة بمحاذاة المحكمة العسكرية، وأودع بعد ذلك سجن لامبيز بباتنة ومكث فيه طيلة 4 سنوات بين أكتوبر 1958 و4 ماي 1962 وهي الفترة التي قام فيها بأعمال شاقة وهنالك التقى بمجموعة من المجاهدين ومشايخ ومنهم أحمد حماني وأحمد سابق بن مخلوف وبوزيد من بلعباس وبلقاسم زياني الذي سميت أقدم ثانوية بأم البواقي باسمه.
المجاهد بحري رابح يروي أنه درس في إحدى المدارس التي لا تقدم حينها إلا ما يهم فرنسا ويترجم ذلك أنه وحين اجتاز الشهادة الابتدائية سنة 1951 رفقة عديد الشباب الجزائريين رسبوا جميعا ونجح فقط أبناء الكولون وغيرهم من الفرنسيين، وفي معرض حديثه أوضح بأنه التقى بمارسيليا بشيوعي يسمى "دوفاز"، هذا الأخير قال له بأن الفيتنام استقلت عن فرنسا وبأنه سيأتي اليوم الذي ستستقل فيه الجزائر وتسجل اسمها بأحرف خالدة، وهو الشيوعي الذي تحدث عن موقفه من ثورة التحرير التي انطلقت بعد أن اعتبرتها صحف فرنسية على غرار "مارسياز" و"لوفيقارو" بأنها كانت من فعل بمجموعة قطاع طرق، واعتبر الثورة مطلبا شرعيا لاستقلال الجزائر في ظل خسارة فرنسا في فيتنام ومدغشقر.
أحمد ذيب
موسى تواتي للنصر
فرنسا لا تود الاعتراف بكل جرائم ماضيها الاستعماري في الجزائر وإعادة الأرشيف
ويجب اللجوء إلى المحاكم الدولية لحملها على ذلك
* يجب صيانة حقوق أبناء وأحفاد الحركى الأوفياء للجزائر وعدم أخذهم بجريرة آبائهم أو أجدادهم
حاوره عبد الحكيم أسابع
دعا موسى تواتي ابن الشهيد والسياسي الذي يتزعم الجبهة الوطنية الجزائرية إلى اللجوء إلى المحاكم الدولية لحمل فرنسا على إعادة الأرشيف الذي سطا عليه الجيش الفرنسي ابان الفترة الاستعمارية، إلى جانب حملها على الاعتراف بجرائم ماضيها الاستعماري، معتبرا بأن اعتراف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بالجرائم المرتكبة في حق الجزائريين في أحداث اكتوبر 1961 مجرد ‘' مناورة دبلوماسية''.
كما دعا تواتي في لقاء خص به النصر إلى صيانة حقوق أبناء وأحفاد الحركى الذين آثروا العيش في الجزائر وبقوا أوفياء لوطنهم الجزائر وعدم تحميلهم ‘' وزر ‘' آبائهم وأجدادهم.
كيف تنظرون كرجل سياسي وكأحد أبناء الأسرة الثورية إلى اعتراف الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بالجرائم المرتكبة في حق المهاجرين الجزائريين في 17 أكتوبر 1961 ؟
أعتقد أن هذا الاعتراف لا يعدو أن يكون سوى سلوك دبلوماسي ذكي بل مناورة من هولاند لاستمالة الجزائر إلى صف التيار اليساري الفرنسي على حساب غريمه اليميني، لذلك أعتقد أن ما قاله الرئيس الفرنسي بخصوص أحداث 17 أكتوبر 1961 مجرد عبارات دبلوماسية ، حيث تحدث فقط عن " قمع دموي واعتراف بالقتل عندما تحدث عن وقوع " مجازر " دون أن ينطق بكلمة " عقوبة ".
ولكن الكثير من الملاحظين يرون بأن هذه " الخطوة " قد تكون بداية مشجعة ومقدمة لاعتراف فرنسا بجرائم ماضيها الاستعماري؟
لا أعتقد أن الفرنسيين سواء الاشتراكيين منهم أو اليمينيين سيفكرون يوما في الاعتراف بجرائم الماضي الاستعماري لبلادهم ما دام لديهم عملاء في الجزائر، وبودي هنا الإشارة إلى أن الجزائر ليست في حاجة إلى فرنسا على الصعيدين الاقتصادي والسياسي وحتى على الصعيد الثقافي، وبإمكانها الاستغناء عنها في ظل وجود شركاء أكثر أهمية من فرنسا ونحن لا ننتظر من فرنسا حماية اقتصادنا فلسنا في تبعية لها في شيء لذلك لا يجب أن تبتزنا بمسألة الاعتراف.
وهل تعتقدون أن هناك ورقة أو أوراق ضغط في يد الجزائر لحمل فرنسا على الاعتراف وتقديم الاعتذار عن الجرائم المقترفة في الجزائر على مدى 132 سنة؟
يجب على فرنسا الرسمية الاعتراف بجرائم الاستعمار وعمليات الإبادة ومخلفات التجارب النووية والألغام المضادة للأشخاص وتفقير وتجهيل الشعب الجزائري وتعيد كل ما نهبته من الجزائر خلال فترة الاحتلال ويجب أن تترسخ لديها القناعة بأن الجزائريين لن يتنازلوا عن هذا المطلب أبدا.
الأرشيف الجزائري تعرض لعملية قرصنة منظمة من طرف الجيش الفرنسي وقد سبق وأن دخلت الجزائر في مفاوضات من أجل استرجاعه منذ الثمانينيات فهل ترون أن ثمة آليات قانونية لتحقيق ذلك؟
الأرشيف الجزائري الموجود في فرنسا حق من حقوق كل الأجيال المتعاقبة في البلاد لذلك يجب بذل كل الجهود والقيام بكل التحركات على مختلف الأصعدة من أجل استرجاعه فنحن بلد مستقل وذو سيادة كاملة واستعادة الأرشيف يدخل في إطار هذه السيادة، لذلك ينبغي تفعيل الآليات القانونية لأجل هذا الشأن واللجوء إلى المحاكم الدولية لاقتطاع هذا الحق، لكنني أخشى من وجود أطراف في السلطة ترفض تسلم هذا الأرشيف حتى لا يجلبون أوجاع الرأس لأنفسهم لسبب أو لآخر، وينبغي على الجزائر أن تتكفل بهذا الموضوع وتطلبه رسميا لأنها المخولة قانونيا لفتح هذا الملف من جديد.
عاد الحديث في الفترة الأخيرة عن أبناء وأحفاد الحركى وعن حقوقهم فما هي نظرتكم لهذا الملف؟
أولا يجب التنبيه إلى نوعين من أبناء وأحفاد الحركى إذ ثمة من مازال منهم مرتبطا بجذوره الجزائرية، وصلته بها موضوعية وإيجابية، وهناك من ساروا على خطى آبائهم ويطالبون بتجريم الجزائر المستقلة، وهنا وجب أن تكون هناك مقاربة حذرة حتى لا يكون خلط بين الفريقين ومعلوم أن الذي يسلط الضوء على الحركى الذين فضلوا الخروج مع المستعمر والعيش في فرنسا، هي الحركات الجمعوية الفرنسية، بالإضافة إلى السلطة الفرنسية التي تقوم بتكريمهم في كل مناسبة، أما أبناء الحركى الذين يعيشون في الجزائر فإنه من غير المعقول التشهير بهم اليوم أو حرمانهم من حقوقهم، فهم جزائريون ولا يجب أن نشكك في جزائريتهم وهم مندمجون بشكل جيد في المجتمع ولا يمكن أن يتحملوا " أوزار " آبائهم.
معروف عنك أنك بدأت النشاط النضالي في صفوف أبناء الشهداء قبل أن تتحول إلى السياسة، فكيف تلخص لنا مسيرتك في التنسيقية الوطنية لأبناء الشهداء وهل تمكنتم من تحقيق الأهداف التي رسمتموها في البداية لتنظيمكم؟
بداية بعد معاناتي الطويلة خلال الفترة الممتدة بين سنة 1963 إلى غاية سنة 1971 في المراكز التي تم تخصيصها للتكفل بالإيتام أبناء الشهداء، شرعت في سنة 1988 في لم شمل أبناء الشهداء من أجل تنظيم صفوفهم وقمت لأجل ذلك بالاتصال بعدة مؤسسات رسمية إلى جانب وزارتي الداخلية والمجاهدين في إطار هذا المسعى، فقمنا في سنة 1989 بتأسيس جمعية في إطار القانون الساري المفعول آنذاك، لكننا وقعنا في اختلاف مع بعض إخواننا الذين كانوا يريدون إعطاء صبغة ثقافية للجمعية من المدافعين على الأمازيغية، والذين من بينهم من زج بهم في السجون فيما بعد، وتمكنا في 18 /08 /1989 من إعلان هذا المولود الذي أردناه أن يكون مستقلا عن أي تنظيم سياسي وإداري إلا أن حزب جبهة التحرير الوطني سحب البساط من تحت أرجلنا خلال شروعنا في التحضير لعقد مؤتمرنا التأسيسي في بجاية، عندما جند مناضليه من أبناء الشهداء وزودهم بكل الوسائل لتأسيس منظمة أبناء كمنظمة جماهيرية تنشط تحت سلطته والتي تم تنصيب الطاهر بن بعيبش أمينا عاما لها.
و في التسعينيات بدأت في إعادة تحريك العملية لتأسيس تنظيم مستقل وشرعنا في تأسيس جمعيات ولائية لأبناء الشهداء الذين رفضوا النشاط تحت لواء المنظمة المنضوية تحت لواء حزب جبهة التحرير الوطني التي يترأسها بن بعيبش، وواصلنا نشاطنا النضالي إلى غاية أن تمكن من الحصول على اعتماد التنسيقية الوطنية لأبناء الشهداء في 1994 وعقدنا مؤتمرها التأسيسي يومي 6 و7 جويلية من نفس السنة بنادي الصنوبر بعد ذلك وبعد النشاط في صفوف التنسيقية طيلة 10 سنوات اقتنعت بأن أمور التنسيقية تسير نحو الانسداد ولم يخرج عملها عن مسعى الترقية الاجتماعية لأبناء وأرامل الشهداء أو بالأحرى من أجل الدفاع عن المصالح الاجتماعية على حساب المصالح المعنوية والقيمية.
وما هي المكاسب التي تحققت في مدة العشر سنوات لأبناء وأرامل الشهداء بعد 50 سنة من الاستقلال؟
في عهدي حظي أبناء الشهداء بحل الكثير من مشاكلهم واسترجعوا جزء كبيرا من حقهم إن على الصعيدين الاجتماعي والمهني، وهذا في رأيي يعود الفضل فيه للضغط الدائم والمستمر للتنسيقية، غير أن المنظمة كانت تستفيد أكثر وقد قمنا بإحياء الكثير من المناسبات والذكريات وحاولنا القضاء على احتكار النظام للمآثر التاريخية.
وما رأيكم في توجهات جمعية مشعل الشهيد التي تفرعت عنكم واختارت طريقا آخر لعملها؟
أعتقد أن جمعية مشعل الشهيد التي انبثقت عن تنسيقيتنا قد أصبحت الأحسن من بين تنظيمات أبناء الشهداء الآن لا سيما بعد أن اختارت غاية محددة وأصبحت تؤثر في الساحة السياسية وهي نفس الغاية التي كانت تطمح إليها التنسيقية والمتمثلة في الاهتمام بتدوين التاريخ من خلال شهادات صناعه.
وما هي الدوافع التي أدت بكم إلى تأسيس حزبكم السياسي، الجبهة الوطنية الجزائرية؟
عندما وجدت نفسي خارج البعد الذي كنت أحلم به من خلال التنسيقية فكرت مليا في تأسيس حزب سياسي للتعبير عن شريحة وطنية وبعد وطني حتى أشارك في بناء الحق والعدل وهذا ما قامت به الجبهة الوطنية الجزائرية التي اتخذت شعار " العدل والعدالة الاجتماعية " انطلقنا بأرضيتنا من المبادئ الثورية والقيم الإنسانية حتى لا تبقى الجزائر تابعة للاستعمار الذي قدمنا لأجله النفس والنفيس، وكان أغلب المؤسسين للحزب من أبناء الشهداء وقد دخلنا كل الستحقاقات التي تم تنظيمها بعدحصولنا على الاعتماد قبل 14 سنة ووحققنا نتائج هامة ولكن الحزب تعرض للعديد من الأزمات والهزات بسبب تغليب بعض المنتخبين وحتى أعضاء قياديين لمصالحهم الشخصية على مصلحة ومبادئ الحزب المستمدة من مبادئ أول نوفمبر.
ع.أسابع
المجاهد عمر مزيان أحد مسؤولي مركز مكناس لتدريب وعلاج الجنود للنصر
مراكز العلاج في المغرب خدمت الثورة، بن بلة أدخلني إلى الحكومة وبومدين حولني إلى القضاء
حاوره: عبد الجليل- س
الحديث عن ثورة نوفمبر العظيمة ونجاحاتها الكبيرة يقترن حتما بالدور الذي لعبته مراكز التدريب التي كانت متواجدة بالمغرب وتونس، والتي ساهمت أيما مساهمة في إنجاح مسيرة المجاهدين ودعمهم وإسنادهم ماديا ومعنويا وبكل الوسائل المتاحة، ومن بين هذه المراكز هناك مركز مكناس بالمغرب الذي كان حصنا وقلعة متينة للثورة بفضل مساهمته الفعالة والكبيرة في معالجة الجنود الجرحى وكذا تدريب الأفواج الجديدة قبل إعادة بعثها للصحراء الجزائرية على الحدود مع المغرب ومن ثمة الإنطلاق نحو مختلف مناطق الوطن للإلتحاق بركب المجاهدين، وقد كان للنصر لقاء نادر مع أحد الرجالات الذين سهروا على تسيير وتأطير هذه المراكز وهو المجاهد عمر مزيان الذي كان نائب رئيس مركز مكناس وأحد الذين أشرفوا على معالجة وتدريب الجنود في سنوات عاش فيها الكثير من المغامرات والذكريات التي لا تنسى، والتي كشف لنا الكثير منها في هذا الحوار .
في البداية، كيف غادرت الجزائر باتجاه المغرب لتلتحق بالجبهة هناك؟
لقد كنت على اتصال دائم بمناضلي حزب الشعب بقيادة الزعيم مصالي الحاج، وهذا بمنطقة مسيردة التابعة لدائرة مغنية، وهو ما جعل القايد يشكوني إلى الحاكم الفرنسي لمغنية الذي هددني بالحبس إذا واصلت علاقتي بحزب الشعب، وهو ما دفعني لأغادر المنطقة باتجاه المغرب لألتحق بجامعة القروين بفاس طلبا لمزيد من العلم في مطلع الخمسينات، وهناك ناضلت مع جيش التحرير المغربي ونلت ثقة قادته، ولما تأسست قيادة جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الجزائري كنت من أوائل المنضوين تحت لوائه بالمغرب لأقوم بعدها رفقة المجاهد الطيب النهاري بتأسيس مركز مكناس لتدريب ومعالجة جنود الجيش الجزائري بعد أن استأجرناه من معمر فرنسي.
ألم تكن أنت والطيب النهاري تخشيان من ملاحقة رجال المخابرات الفرنسية؟
هذا ما كنا نضع له ألف حساب، صحيح أننا كنا نتنقل في المغرب بكل حرية بفضل العناية الكبيرة التي حظيت بها الثورة الجزائرية والجبهة في المغرب من طرف الملك محمد الخامس ، هذا الأخير أمر المغاربة بفتح بيوتهم للمجاهدين الجزائريين واحتضان ثورتنا وكان يقول دائما أن استقلال المغرب سيبقى ناقصا ما دامت الجزائر لم تنل استقلالها، غير أن اليد الحمراء وهو الاسم الذي كان يطلق على المخابرات الفرنسية هناك، كانت تلاحق قادتنا ورجال الجبهة بالمغرب، وفي هذا الصدد وعلى سبيل المثال كنا نتعامل مع الصيدلي الجزائري سعد رحال الذي كانت له صيدلية بالمغرب سخرها لفائدة المجاهدين كما سخر بيت والديه لإخفاء سلاح الجبهة وتخزينه، وهو ما جعل المخابرات الفرنسية ترسل له طردا مفخخا على عنوان والديه لينفجر الطرد بمجرد أن فتحه سعد رحال ويستشهد على الفور هو ووالداه، وقد كان رجال الجبهة عرضة لاختطافات عديدة من أجهزة المخابرات ومختلف أنواع التهديدات ما يثبت أن الجزائريين في المغرب عاشوا هم أيضا ما عاشه وقاساه جزائريو الداخل في سبيل نيل الاستقلال.
هلا حدثتنا عن مركز مكناس وأهم الأحداث التي عاشها؟
في البداية احتضن المغاربة والجالية الجزائرية الجنود المصابين وفتحوا لهم أبواب بيوتهم غير أن هذه التجربة لاقت بعض المشاكل بسبب اضطرار أرباب البيوت للذهاب نهارا نحو العمل فكانت زوجاتهن يبقين لوحدهن مع الجندي ما أحدث إحراجا للجميع فقررنا استئجار بيوت وشقق للجنود غير أنهم كانوا محل متابعة من طرف أجهزة الاستخبارات الفرنسية، ولم يكن خيار أحسن من إنشاء مراكز مستقلة، منها مركز مكناس الذي كان يقع بالحي القديم لالة عودة، وهو المركز الذي كنا نطبب فيه الجرحى وندرب الجدد ونزودهم بالأسلحة، وقد زار هذا المركز عدد من قيادات الثورة يتقدمهم أحمد بن بلة ورابح بيطاط وحسين آيت أحمد ومحمد بوضياف بعد أن أطلقت فرنسا سراحهم إثر إعلان وقف إطلاق النار.
هؤلاء تم اختطافهم في السماء من المغرب إلى تونس ...
لقد أقنع الملك محمد الخامس هؤلاء الزعماء الخمسة بالتوجه إلى تونس للجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الفرنسيين بحضوره هو والزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، وكان من المفروض أن يمتطي وفد الجبهة نفس الطائرة التي سيمتطيها محمد الخامس غير أن الحسن الثاني تحجج بإجراءات البروتوكولات وأقنع محمد الخامس بامتطاء طائرة مستقلة لوحده لتتم قرصنة طائرة وفد الجبهة في السماء الجزائرية ويتم تحويلها إلى باريس، حيث أن فرنسا كانت تعتقد أنها ستضع حدا لفتيل الثورة الجزائرية باعتقال حسين آيت أحمد وأحمد بن بلة ومحمد خيضر ومحمد بوضياف ومصطفى لشرف، وعلى الفور قمنا نحن في مكناس بمظاهرات عارمة للمطالبة بإطلاق سراحهم.
ما هي أهم الأحداث التي بقيت عالقة في ذهنك أثناء نضالك بالمغرب؟
أذكر مرة أن المجاهد رقيق محمد الذي كان مكلفا بنقل المجاهدين المصابين من وجدة إلى مراكز التدريب والمدعو محمد الوجدي أخبرني أن قيادة الجبهة تطالبه بنقل أكثر من 53 جنديا ممن تعافوا من مركز مكناس إلى الحدود الجزائرية الصحراوية وبالضبط عند نقطة اسمها بوعرفة ليعاودوا الالتحاق بالثورة، وقد جلبنا لهم حافلة لنقلهم وركبت أنا معهم بينما سار أمامنا الوجدي على متن سيارة شيفروليه، وقد توقفنا في مدينة فاس مع أذان المغرب وقمت بإعطاء المجاهدين وجبة العشاء التي كانت عبارة عن "كاسكروت" حضرته لهم، ولما عدنا للحافلة قصد إكمال السير تفاجأنا بأن مصابيح الإنارة قد تعطلت، فسألت الوجدي إذا كنا سنقضي الليل بفاس أم سنكمل المسير في الظلام، وأتذكر هنا أنه طلب مني أن نكون عصاميين ونتجاوز المشاكل والأحداث بقوة إيماننا وثورتنا المباركة، وقال لي أنه سيسير أمامنا ونسير نحن خلفه على ضوء سيارته، وهو ما حدث فعلا حيث لاح لنا ضوء الفجر في منطقة تدعى سيدي بوبكر قرب مدينة وجدة على الحدود مع الجزائر أين قمنا بإنزال الجنود الذين كانوا مدعمين بأسلحة خفيفة، ومن ثمة غادرت الحافلة بينما عدت أنا برفقة الوجدي على متن سيارة الشيفروليه.
بعد أن قضيت ليلة كاملة مع أولئك الجنود، كيف كنت ترى معنوياتهم ومشاعرهم؟
كنت أتصفح خلال هذه الرحلة وجوه الجنود، فهناك من كانت تبدو عليه ملامح البشاشة والسرور فرحا بعودته للجهاد في الجزائر، وهناك من كان صامتا يفكر في مجهول يسير نحوه لا يعرف نهايته، غير أن الجميع كان يرغب وهو من طلب العودة بأرض المعركة بعد تعافيه، وهي كلها معطيات كانت تؤكد بأن الثورة الجزائرية تسير في الطريق الصحيح ولا خوف عليها.
كيف كانت علاقتكم بالسلطات المغربية ورجال الأمن هناك؟
لقد كانت السطات المغربية ورجال الأمن على علم بكل ما كنا نقوم به حيث لقينا كل التسهيلات بفضل أوامر الملك محمد الخامس الذي قدم لنا كل ما يستطيع تقديمه، حتى أننا لما كنا ننقل الأسلحة بواسطة سياراتنا ويتم إيقافنا في حاجز أمني يتم السماح لنا بمواصلة السير بمجرد أن نقول لهم أننا من الجبهة.
وماذا عن لقائكم بالزعماء الخمسة عشية زيارتهم لمركز مكناس؟
مباشرة بعد إطلاقه سراحهم إثر إعلان وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 قام الزعماء الخمسة المختطفون بزيارة مركز مكناس، وهناك خصصنا لهم استقبالا حارا يليق بمقامهم، وعند لقائه معي طلب مني الراحل أحمد بن بلة أن ألتحق فورا بالجزائر العاصمة لألتقي بخيضر كي يكلفني بمهام في الحكومة الجديدة وهو ما تم فعلا.
يبدو أن المغاربة احتضنوا ثورتنا بإخلاص شديد؟
هذا ما سبق وأن كتبت عنه في إحدى المقالات المعنونة ب "وجدة القلب النابض للثورة الجزائرية"، وهذا جزء قليل من كثير، فما قدمه لنا الشعب المغربي ولثورتنا المظفرة كان ثمينا ونفيسا، وأتمنى من أعماق وجداني أن تعود العلاقات بين البلدين لسائر عهدها.
وماذا كانت مهمتك بعد إعلان الإستقلال؟
بعد تعيين محمد خميستي وزيرا للخارجية آنذاك قام هذا الأخير بضمي إلى وزارته كمكلف بالإعلام العربي، وهو المنصب الذي لم أمكث فيه كثيرا لألتحق بقطاع التعليم في ديوان الوزير سي أحمد ابن البشير الإبراهيمي، وفي هذه الأثناء تحصلت على شهادة الليسانس في الحقوق وفي حفل التخرج الذي احتضنه نادي الكتاني طلب منا الرئيس بومدين التوجه إلى سلك القضاء وقال لنا بالحرف الواحد: القضاء في بلادنا يسير بلغة فولتير، رجائي أن تلتحقوا بالقضاء لتبييض وجوهنا، وهكذا دخلت عالم القضاء وتم تنصيبي نائبا عاما لمجلس قضاء تيارت قبل أن أصبح رئيس غرفة بمجلس قضاء وهران وفي 1984 انتقلت إلى المحكمة العليا بالعاصمة بترقية مستشار وبقيت بها إلى غاية التقاعد سنة 2005، وقد كان لي شرف حضور مراسم أداء الرئيس بوتفليقة لليمين الدستورية لما انتخب رئيسا للجمهورية لأول مرة سنة 1999.
المجاهد إبراهيم رأس العين يكشف
القبطان جوزيف بوشمال حقن الجزائريين بدواء يسبب العقم
* مستعد الآن لقتل الحركي الذي كان ممرضا معنا ثم خان الثورة
سجل الشهادة ع.شابي
في شهادته عن بعض مراحل الثورة التحريرية في الناحية الثالثة من الولاية الثانية التاريخية و هي الشمال القسنطيني يتحدث المجاهد إبراهيم رأس العين عن تفاصيل لم ترد في الطبعة الثانية من كتابه بعنوان من مقعد الدراسة بتونس إلى ملحمة الثورة بالجزائر، منها قيام الجيش الفرنسي بحقن الجزائريين بدواء يسبب العقم و هي الأفعال التي جرت في منطقته بأوامر من القبطان جوزيف المسمى بوشمال.
ابراهيم راس العين الذي كان مسؤولا عن المنطقة الأولى بالولاية الثانية و التي كانت تشمل ولاية ميلة من مدينة العلمة بسطيف و يحدها جنوبا خط السكة الحديدية حتى تلاغمة يؤكد ان العديد من التجاوزات وقعت في البدايات الأولى للثورة و كانت تصرفات بعض المجاهدين سببا في التحاق جزائريين كثيرين بصفوف الجيش الفرنسي ضمن قوات الحركى، لكن مقررات مؤتمر الصومام وضعت الكثير من القواعد في العمل الثوري و صارت القرارات تصدر وفق نظام موحد حتى أن المنطقة التي كان بها محدثنا فرضت ضريبة على مداخيل التجار و الفلاحين و تم جمعها بانتظام و برضى من الشعب، لكن قيادة الولاية الثانية منعت مواصلة تحصيلها و قالت أن أصحاب المبادرة الحسنة لم يأخذوا رأيها في فرض تلك الضريبة التي كانت زائدة عن مبالغ الاشتراكات.
نفذ المجاهدون في الناحية الثالثة من الولاية الثانية 124 عملية فدائية استهدفت خونة و عسكريين فرنسيين كانوا يقومون بتعذيب الجزائريين، حسب ما يروي المسؤول بالناحية منهم الضابط جوزيف المعروف باسم بوشمال الذي تم القبض عليه حيا رفقة تسعة جنود فرنسيين في كمين بالقرب من مقر بلدية تسالة و كان هذا الضابط يقوم بحقن الشبان الجزائريين الذين يتم القبض عليهم من المنطقة و من أماكن مختلفة أخرى بإبر فيها دواء يسبب العقم و لا أحد يعرف حتى الآن عدد و هوية ضحايا الضابط الفرنسي جوزيف الذي طلبت زوجته بعد الاستقلال بسنوات معرفة مكان قبره، و يقول المجاهد راس العين انه أشرف على العملية و تم القبض على جوزيف حيا بعدما كان مقررا إطلاق النار عليه، و يرى أن ضحايا حقن العقم الذين مروا تحت يد الضابط جوزيف كثيرين و لا يبوحون بما تعرضوا له نظرا لحساسية الموضوع.
كما تم القيام بعملية ضد الضابط "ليوتنان بوحالة" الذي كان في السجن الأحمر بفج مزالة و قد قتله شاب يسمى صالح جبير كان من أبناء المنطقة يعمل في العاصمة و أراد الالتحاق بالثورة فطلبت منه تنفيذ عملية قتل بوحالة و تم ترصده إلى حين دخوله عند حلاق و لما نزع خوذته على كرسي الحلاق أطلق عليه الفدائي جبير النار و ركب دراجة نارية و خرج من المدينة قبل محاصرتها.
عن حالات الخيانة التي كانت تعقبها عادة تصفيات جسدية للخونة يقول المجاهد أنها حدثت في منطقته و كان شاهدا على حالة مسؤول بدوار المغلسة بنواحي شلغوم العيد يرتبط مع قادة الجيش الفرنسي في ثكنة تلاغمة و قد سلم للمجاهدين رسالة من العسكري الفرنسي إلى نظيره في شلغوم العيد بها أسماء للمتعاونين مع فرنسا من مسؤولي المشاتي و عليها اسم مسؤول عنه، لكن الأمر لم يكن سوى وشاية من متنافسين على مسؤولية الدوار و جرى تحقيق في مقر قيادة الناحية بأولاد عسكر بولاية جيجل الحالية و لما تبين أن صاحب الرسالة هو المتورط مع فرنسا "صدر ضده حكم بالإعدام و حين كان جنديان في جيش التحرير يقومان بحفر قبره بلغته المعلومات و فر في الليلة ذاتها التي كان سيعدم فيها وسط الغابة و الأحراش و اطلقت عليه النار لكنه نجا" يقول ابراهيم رأس العين الذي تأسف لهروب خائن آخر من وجهه رآه صدفة في مقهى بالقرب من سوق العصر. يقول صاحب الشهادة "لما تم أسري بعد تبادل لإطلاق النار في كازمة قرب فرجيوة تم نقلي مصابا بجروح و لا زالت الشظايا في كتفي الأيمن إلى الحبس لحمر بمدينة فرجيوة و عندما أفقت وجدت الخائن حداد الذي كان ممرضا معنا في الجبال عند رأسي، في سنة 1968 كنت مارا بالقرب من سوق العصر رفقة أخي و كان رجل يجلس في باب المقهى واضعا رجلا على أخرى و عندما تجاوزنا المكان قال أخي ألم تعرف من كان بباب المقهى إنه فلان فعدت إليه و لكنه كان قد غادر، لو وجدته لقتلته، و لو صادفته الآن لقتلته أنت لا تعرف ما فعل الخونة بنا و بأبناء الشعب، كانوا يجمعون السكان في الأرياف و يعتدون على نسائهم و بناتهم أمام أنظارهم" و قال أن الشعب انتقم من الحركى مباشرة بعد وقف إطلاق النار و قام بقتل الكثيرين من الخونة و الحركى و قد غادر من بقي منهم لأنهم يعرفون مصيرهم .
المعمر موريس فور كان يتستر على نشاطات الثوار و قال بعد تأميم أراضيه خذوا سترتي أيضا
ينقل المجاهد رأس العين ما كان من موقف المعمر موريس فور من المجاهدين و قد كتب اليه بنفسه رسالة نقلها القايد مزهود و الذي كان متعاونا مع الثورة و كان الناس في منطقة فرجيوة يؤمنون أن المعمر فور مساند للثورة لأنه كان يعلم بعمليات نقل المؤونة من جهة لأخرى لصالح الثوار و لم يبلغ عنها للجيش الفرنسي و قد نصح أحد الثوار بالاختفاء لأن المعمر لوشار يريد رأسه و في الرسالة طلب منه رأس العين التعاون مع الثورة و أن يكون له ما للجزائريين و لكنه بعد رسالة ثانية حملها نفس القايد و عاد بالجواب مشفوعا بورقة عليها ختم البلدية التي كان يشرف عليها فور قال انه يعتبر المجاهدين قتلة و سفاكي دماء و لا يستطيع التعاون معهم.
بعد الاستقلال التقى المجاهد رأس العين بفور ذاته في مكتب كاتب الحاكم و هو نور الدين بن مهيدي ابن عم الشهيد الرمز العربي بن مهيدي و كان مناصرا للثورة و ينقل مراسلاتها مع القيادة في تونس مستفيدا من صفته كاتبا للحاكم و حين أبلغ بن مهيدي فور بقرار تأميم أراضيه الفلاحية الشاسعة التي كان يستغلها نهض و نزع سترته وقال "زيدو خذوا هذه".
بفضل تعاون نور الدين بن مهيدي أرسلت قيادة الناحية تقريرا إلى الحكومة المؤقتة حول الجرائم التي كان يرتكبها الجيش الفرنسي في منطقة الزوابق غرب فرجيوة بإلقاء الجزائريين أحياء في واد سحيق بين حافتي جرف صخري، فقد جاء جنديان من جيش التحرير إلى مقر قيادة الناحية في الشيقارة أين كان ابراهيم رأس العين و معهما شاب بين الحياة و الموت مصاب بجروح في مختلف أنحاء جسمه و ثيابه ممزقة كان الجيش الفرنسي قد رمى به في الواد و لكنه تشبث بنبتة على حافة الواد طوال الليل كي لا يسقط إلى القعر و في الصباح سمع السكان انينا و قاموا بإخراجه من الجرف الصخري. وبعد عرض التقرير في إذاعة صوت العرب صارت فرنسا تكبل الجزائريين الذين ترميهم إلى هلاك محتوم في الزوابق.
يروي المتحدث كيف أن امرأة مجاهدة حقيقية وشت بزوجها الوقاف لدى أحد المعمرين و أبلغت جيش التحرير عن نشاطاته و تم تنفيذ الحكم عليه و لكنها بقيت مجاهدة صامتة و لا حتى أبناؤها يعلمون أنها من كانت السبب في مقتل والدهم.
يقر المجاهد راس العين أن الفارين من الجيش الفرنسي كانوا سندا كبيرا للثورة، و قد هرب من ثكنة تلاغمة في أفريل 1956 عشرات الجزائريين و معهم أسلحة و قد سقط عدد منهم في ساحات القتال و منهم محمد النمر و "السارجان" الدراجي
يقول المتحدث ان قيادات الولاية الثانية التاريخية كانوا ملتزمين بالشرعية و يناصرون الحكومة المؤقتة في مواجهة جيش الحدود خلال أزمة صائفة 1962 و لكنه لم يجد تفسيرا لموقف قائده العربي برجم الذي انحاز إلى صف جيش الحدود مع قادة آخرين من الولاية الثانية، بينما بقي صالح بوبنيدر في إطار الشرعية.
بالنسبة للمجاهد رأس العين فقد كان الشعب ملتفا حول الثورة و نظامها لأنها حققت له العدل بينما كان يعاني من جور الاستعمار و يقول أن مبالغ الاشتراكات التي كانت تفرض على السكان تتناسب مع مداخيلهم و قد تم إعفاء الفقراء منها و هو ما أكسب المجاهدين صفة النزهاء و العادلين و قد كانت قرارات القضاء في الجبال تنفذ بالإجماع و لم يصدر حكم بالإعدام خارج الإجماع، خاصة بعد مؤتمر الصومام الذي وضع أسسا للثورة و نظاما لحرب التحرير الوطنية.
المجاهدة ليلى بلكحل لعروسي
تسعون بالمئة ممن دخلوا مركز أمزيان للتعذيب قتلوا
وصفت المجاهدة ليلى بلكحل لعروسي مركز التعذيب أمزيان بقسنطينة بالأخطر من نوعه في الجزائر، و أكدت بأن 90 بالمائة ممن دخلوه قد ماتوا لبشاعة التعذيب بداخله، وقالت بأن أرض الجزائر مليئة بالشهداء الذين ماتوا في مثل هذه الأمكنة و دفنوا في مقابر جماعية محت فرنسا آثارها.
المجاهدة ليلى بلكحل لعروسي إحدى المناضلات الثوريات بقسنطينة، و واحدة من مؤسسات المنظمة النسوية و عضو المجلس الوطني للمنظمة النسائية و عضو جبهة التحرير الوطني و كذا عضو مؤسس لمؤسسة ابن باديس، قالت بأن أمزيان ببلدية قسنطينة هو أخطر مراكز التعذيب إبان الثورة الجزائرية كلها، و هذا بشهادة المؤرخين الفرنسيين على شاكلة بن جامين ستورا الذي وصفه في إحدى كتبه بأنه أبشع مراكز التعذيب في ثورة الجزائر بالنظر إلى الطرق و الوسائل المعتمدة من قبل مسيريه الذين كانوا يتفننون في عملهم من أجل أخذ المعلومات من المجاهدين و الفدائيين الذين يتم توقيفهم خلال دوريات مفاجئة و يحولون إلى وجهات يجهلونها.
و أضافت المجاهدة ابنة المجاهد بلكحل لعروسي الذي فقد بصره بهذا المركز و شقيقة الشهيدة بلكحل نفيسة، بأن قرابة ال90 بالمائة من المجاهدين الذين حولوا إلى مركز أمزيان قد ماتوا، سواء لقساوة التعذيب، أو لأن قلوبهم توقفت فجأة لسماعهم أصوات المجاهدين و هو يصرخون ألما لتعذيبهم بالماء أو الكهرباء، كما قالت بأن كل الموقوفين كانوا يرمون في زنزانات فردية مليئة بالقاذورات أو ربطت داخلها مجموعة من الكلاب تتسابق لنهش أجساد الجزائريين.
مولور، سيلفيا، جورج الأعرج و الكابيتين غودي، هي أسماء بقيت في ذاكرة المجاهدة، التي ما تزال تصور أبشع طرق تعذيب هؤلاء للجزائريين، قالت بأن الماء و الكهرباء كانوا لتعذيب الجميع، غير أن النساء كن يعذبن بطريقة أخرى، و هي أبشع ما يمكن أن يتصوره بشر حسب قولها، مضيفة بأنه حتى و إن تفنن المخرجون السينمائيون في تصوير هذه الطرق في أعمالهم الفنية و حاولوا مطابقتها مع الواقع، فلن يتمكنوا من تصوير الحقيقة التي لا يعرفها إلا من ذاقوا ذلك العذاب.
المجاهدة التي قالت بأنها دخلت أمزيان الذي فتح سنة 1957 بعد أن تحول عن طابعه الأصلي من مزرعة لتربية المواشي، 3 مرات بعد أن اشتبه في أنها الشهيدة فضيلة سعدان ذات يوم عندما شاركت في إحدى العمليات بقسنطينة، أكدت بأن من ماتوا في هذا المركز كانت جثتهم تحول إلى أماكن مجهولة، أين يدفنون في مقابر جماعية لا يعرف أحد مكانها، مؤكدة بأن أرض الجزائر كلها تشكل مقبرة، و إذا تم نبش الأرض، لعثر على آلاف الهياكل العظمية لأبناء الجزائر الذين ماتوا على أيدي أشكال مولار و جورج الأعرج في مثل هذه الأمكنة التي ما تزال تشكل كابوسا بالنسبة لكل من دخلها.
إيمان زياري
الأوراس لازالت تعيش على صدى المعارك
أولاد موسى.. هنا وزع السلاح الذي خرجت منه الرصاصات الأولى للثورة
ارتأت النصر والجزائر تحتفل بحلول الذكرى 58 لاندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954 أن تزور دشرة أولاد موسى بأعالي جبال الأوراسلاستطلاع هذه المنطقة خصوصا وأنالدشرةلها وزنها التاريخي كونها احتضنت اجتماع قادة الناحية الأولى لتوزيع السلاح والمهام على المجاهدين ليلة الفاتح نوفمبر 54 داخل منزل الإخوة بن شايبة الذي احتضن الاجتماع حيث وجدنا المنزل لدى وصولنا قد خضع لترميمات وأصبح جزء من متحف تاريخي أنجز بجواره،بالإضافة لإنجاز نصب تذكاري يحمل أسماء شهداء المنطقة.الزائر لدشرة أولاد موسى اليوم مهما كانت أصوله أو جنسيته من المؤكد أنه سيدرك للوهلة الأولى أن المنطقة كانت معقلا للثوار،فطبيعة المنطقة المتكونة من سلسلة جبال شامخة وتضاريس وعرة توحي بأن المكان شهد معارك دار رحاها بين الثوار الجزائريين والمستعمر وهي صورة لطالما شاهدناها في تلك الأفلام الثورية حيث أن زائر جبال الأوراس ستتشكل في ذهنه مباشرة صورة تلك الثورة التي اقترنتبالأوراس الذي يحكي كل جبل من جباله قصة رجال قاوموا وثاروا من أجل الحرية حيثأنمن يزور دشرة أولاد موسى بإيشمول أو غيرها من المناطق الجبلية بإقليم أوراس باتنة ستلفت انتباهه تلك اللافتات الموضوعة على جنبات الطريق والتي تروي كل واحدة منها حكاية ثوار أحرار ناضلوا في سبيل الحرية ، وعلى غرار طبيعة الأوراس التي توحي لمعقل الثورة والثوار فإنك وأنت تزور المنطقة وتحتك بسكانها ستفهم السر الآخر لاندلاع شرارة الأوراس ويتمثل هذا السرفي هؤلاء السكان أنفسهم، الذين ستندهش لبساطتهم وتمسكهم بهويتهم في نفس الوقت وعزة النفس، ونحن نتنقل بين قرى الأوراس من إيشمول إلى أريس بعد أن زرنا منزل الإخوة بن شايبة بأولاد موسى رصدنا انطباعات مواطنين من أهل القرى الذين أرادوا جميعا أن يجودوا علينا بالكرم وهي خصلة ستجدها متجذرة في أهل قرى الأوراس، وكل من تحدثنا إليهم كانت لهم صلة بالثورة فآباؤهم وأجدادهم جميعا صنعوا الثورة وقد رووا لهم تاريخها وهو حال ابن الشهيد علي بعزي الذي استشهد رفقة أب الثورة مصطفى بن بولعيد، حيث رافقنا ابن الشهيد وقال بأنه لا يتذكر والده لأنه لما استشهد تركه وهو في الثالثة من عمره لكنه أكد بأن جده المجاهد لخضر بعزي الذي توفي مؤخرا كان يروي له ذكريات الثورة وقد قادنا إلى منزل جده إبان الثورة الذي لا يزال صامدا بقرية الحجاج والمنزل يروي تاريخا مهما في مسار الثورة وقبل اندلاعها، حيث كانت تجتمع فيه المنظمة السرية ويخبأفيه السلاح منذ 1948 وفي هذا المنزل الواقع بسفح جبل أظهري مقابلا لدار الإخوة بن شايبة بدشرة أولاد موسى احتمى لاجئون سياسيون فيه كما اجتمعت فيه قيادة الثورة في 31 أكتوبر 1954 قبل أن تنتقل لدشرة أولاد موسى.غادرنا جبال دشرة أولاد موسى وجبال الأوراس وقد طلب منا السكان أن نتحرى الحقائق وننقلها بأمانة حيث لا حظنا أن نقل الحقائق التاريخية يشكل هاجسا لمن عايشوا الثورة ولأجيال ما بعد الاستقلال أيضا لكن الثابت هو استمرارية اعتزاز أهل الأوراس بثورة الفاتح نوفمبر 1954 التي أطلق آباؤهم وأجدادهم شرارتها وأثمرت بنيل الحرية.
ياسين عبوبو
المجاهد صوالح محمود المدعو زروال
هناك من لا يستمع ولا يدرك ما صنعناه
يرى المجاهد صوالح محمود المدعو وسط رفاقه إبان الثورة التحريرية باسم زروال، بأنه على أجيال ما بعد الاستقلال أن تحتذي بجيل ثورة أول نوفمبر في الشجاعة والتضحية من أجل الوطن، ويقر المجاهد الذي التقيناه بمكان إقامته ببلديته إيشمول بصعوبة إقناع بعض من شباب اليوم في التأمل بما صنعه المجاهدون ومن استشهدوا في سبيل حرية الوطن ويقول المتحدث "هناك من لا يستمع ولا يدرك ما صنعناه"، وبالنسبة للمجاهد صوالح محمود فإن ذكرى أول نوفمبر مناسبة تحمل الكثير من المعاني التي لا يمكن أن يمحوها الزمن حتى وإن تقدم في السن وهو ما لمسناه في هذا المجاهد الذي راح يستحضر ذاكرته ويسرد لنا وقائع عاشاها خصوصا وأنه من الأوائل الذي لبوا نداء الثورة والتحق بها عشية اندلاعها في الفاتح نوفمبر 1954. ويقول المجاهد زروال في هذا الصدد بأنه التحق بالثورة تحت لواء القائد محمد نجاويالذي كان يقود فوج منطقة خنقة معاش الذي انطلق في أول نوفمبر من دشرة أولاد موسى مباشرة بعد الاجتماع الذي عقده القائد مصطفى بن بولعيد في منزل الإخوة بن شايبة حيث تم توزيع الأسلحة على المجاهدين، وقال المتحدث بأن الأمور آنذاك جرت في تنظيم محكم وسرية تامة حتى أن المجندين لم يكونوا على علم بالموعد الذي حدده القادة لانطلاق شرارة الثورة في الوقت الذي تلقوا فيه تعليمات قبل حلول أول نوفمبر للاستعداد في أية لحظة لبداية العمل المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، وبعد ذلك حدثنا الحاج عمي محمود عن أهم المعارك الطاحنة التي خاضها ضمن أفواج جيش التحرير بالأوراس وكانت أبرزها تلك التي دار رحاها بخنقة معاش الواقعة بين إيشمول وفم الطوب وأكد محدثنا بأن فرنسا تلقت ضربات مباغتة وموجعة بالأوراس ليلة انطلاق الثورة حيث راح يتذكر رفقاء الدرب سواء من استشهدوا أو لا زالوا على قيد الحياة بعد نيل الاستقلال وختم المجاهد صوالح محمود كلامه بضرورة مواصلة الأجيال في الحفاظ على الجزائر كما فعل الجيل الذي أشعل الثورة ضد المستعمر الفرنسي.
حاوره: ياسين عبوبو
المجاهد بيوش محمد النصر
عاجل عجول لم يدبر لاغتيال بن بولعيد وكنت معه حين بلغه خبر استشهاده
زارت "النصر" المجاهد محمد بيوش وهو أحد المجاهدين القدامى الذين التحقوا بالنضال السياسي فالعمل المسلح بعد انفجار الثورة ويعد من المجاهدين الذين احتكوا وعملوا إلى جانب قادة الأوراس كمصطفى بن بولعيد وعاجل عجول وعباس لغروروهو اليوم يعد من ضمن مجاهدين قلة في الأوراس ممن تحفظ ذاكرتهم تاريخ ثورة الأوراس خاصة وأن الموت غيَب غالبية المجاهدين الذين التحقوا بالرعيل الأول لثورة 54، ونظرا لتواجد البعض الآخر من جهة أخرى في وضعية صحية لا تسمح لهم بالحديث وهو ما حال دون وصولنا لهؤلاءوهذا في وقت كان فيهالمجاهد محمد بيوش هو الآخر يعاني من وعكة صحية ورغم ذلك استقبلنا ببيته، ورغم تقدمه في السنوبلوغه 88 سنة غير أنه أصر على أن يسرد ذكريات ثورة 54التي لا تزال ذاكرته تختزنهامؤكدا بأنها لن تمحى ما دام على قيد الحياة.
وحين سألناه عن عدة أمور تاريخية منها قضية استشهاد قائد الثورة مصطفى بن بولعيد وحول ما أثير عن وفاته من اتهامات لنائبه آنذاك القائد عاجل عجول كونالأخير كان رفيق المجاهد محمد بيوش ومن المقربين إليه وعمل تحت لوائه،وبالإضافة لذلك عرض المجاهدأمورا أخرى فيهذا الحوار الذي أجريناه معهبعدما فتح لنا قلبه وراح يستحضر ذاكرته
بدايةكيف كان التحاقك بثورة الفاتح نوفمبر 1954؟
إنه تاريخ طويل لكنني سأختصر لك فقبل اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954 كنت مناضلا سياسيا في سبيل القضية الوطنية حيث التحقت بالنشاط السياسي منذ 1948 ونشطت في المصالية قبل أن أنشطبعد ذلك تحت لواء مصطفى بن بولعيدفي النضال السياسي برفقة عائلة بعزي أحمد حيث كان لي احتكاك بمحمد بن لخضر بعزي وعلي بن لخضر بعزي وناضلت كمنشط لإحدى خلايا كيمل تأهبا لاندلاع الثورةكما شاركت في عدة اجتماعات هامة مع القادة وقمت بجمع اشتراكات لاقتناء الأسلحة وساهمت في تدريب مناضلين وقد كنت إلى جانب مجاهدين آخرين على أهبة الاستعداد لبداية العمل المسلحبعد تلقينا لتوجيهات بالاستعداد تحسبا لانطلاق الثورة والتي اندلعت في الفاتح نوفمبر.
ماهي أبز المحطات التي لا يزال يتذكرها عمي محمد بيوش وماذا عن ليلة أول نوفمبر؟
كما سبق وقلت لك فإن التاريخ طويل وكل المراحل التي عشتها كانت مهمة وأنا أتذكرها كلها لأنها ذكريات نضال مجيدة في سبيل حرية الوطن، كيف لي أن أنسى تلك الحلقة التي اجتمعنا فيها بقيادة مصطفى بن بولعيد وعاهدنا الله على النضال إلى غاية تحقيق الحرية أو الاستشهاد في سبيل حرية الوطن، وبالنسبة لليلة أول نوفمبر تلقيت آنذاك الضوء الأخضر للتوجه لدشرة أولاد موسى حيث كان اجتماع المجاهدين لتزويدهم بالأسلحة وتقسيم المهام عليهم من طرف القادة الخمس وهم مصطفى بن بولعيد، عاجل عجول، وشيحاني بشير، وعزوي مدور، ومصطفى بوستة، وقد انطلقت تحت فوج المجاهد علي بعزي وكانت مهمتنا القيام بعمليات ضد العسكر الفرنسي بمدينة باتنةفي الوقت الذي انطلقت فيه أفواج أخرى لمناطق متفرقة وفق التعليمات وقمنا من جهتنابعملية ناجحة حيث أعطينا ضربات موجعة نجحنا فيهابعد أن تمكنا من اختراق ثكنة عسكرية وقتلنا جنودا فرنسيين واستطعنا الإفلات والخروج من المدينة وكانت وسيلتنا في التنقل من أريس إلى باتنة شاحنة يقودها سائق دون أن يعلم بأننا على متنها بعد أن ركب إلى جانبه أحد جنودنا وهو محمد نجاوي حتى يستطلع ويتدخل في حالة حدوث طارئ.
كنت مقربا جدا لعاجل عجول الذي وجهت له أطراف عدة تهمة وقوفه وراء اغتيال مصطفى بن بولعيد، فما هو موقفك وشهادتك من ذلك؟
على ذكرك لهذه النقطة، صدقني فأنا أتعجب ممن يقولون ذلك ويطرحون هذه الفرضيةبتلفيقهملعاجل عجول تهمة أقول وأؤكد أنها باطلة وأوضح هنا أن من يتحدث مثل هذا الكلام ليست له دراية بالتاريخ وسيحاسبعليه أمام الله لأن عاجل عجول إنسان مثقف ومناضل يحب وطنه وأحب كثيرا مصطفى بن بولعيدوأتذكر بأنني كنت مع القائد عاجل عجول لوحدنا لما تلقينا خبر استشهاد القائد مصطفى بن بولعيد وقد نزل عليه الخبر الذي أتى به مناضل في برقية كالصاعقة لدرجة أن عجول لم يصدق بأن "سي مصطفى" قد اغتيل واستشهد وقد ظل باهتا وهو يعظ بإصبعه لشدة التأثر حتى سال الدم من أصبعه حينها اندهشت لماحل به وقلت له "واشبيك هبلت"، وهذا ما يجعلني أتسأل عن هدف من ينسبون تهمة وقوف عجول وراء اغتيال مصطفى بن بولعيد، ودعني أشير إلى أن هناك من استغل معرفة عجول للجندي علي للماني الذي كان يصنع القنابل لجيش التحرير ليروج بأن علي للماني هو من وضع متفجرات في جهاز الراديو بتحريض من عجول وهي أكذوبة أخرى موجهة في حق عجول لأنني أتذكر أن علي للماني كان يصنع المتفجرات تحت حراسة الجنود المجاهدين.
على غرار تهمة وقوف عجول وراء اغتيال بن بولعيد اتهمه البعض الآخربالخيانة؟
مرة أخرى أفند هذه الادعاءات التي لا محل لها من الواقع وأؤكد مرة أخرى بأن عجول إنسان وطني وهو ما لمسته فيه وأتذكر بأن مصطفى بن بولعيد كان يكن له محبة كبيرة فقد كانبمثابة عينه التي يرى بها،وفيما تعلق بترويج الخيانة لعجول فأنا لا أتعجب مادام من هب ودب يجرأ ويتحدث عن التاريخ وأرد بأن عجول كان حكيما في قراره الذي درأ به الفتنة آنذاك، وأقول إن حدثت اختلافات في تسيير الثورة فذلك أمر طبيعي لكن الهدف كان واحد هو تحرير الوطن وطرد الاستعمار الفرنسي.
قلت بأن هناك من هب ودبيكتب التاريخ ما ذا تقصد بذلك؟
راح هنا يبحث في رفوف مكتبته مبرزا لنا العديد من الكتب التي تتحدث عن تاريخ بعض قادة التحرير منهم عاجل عجول وعباس لغرور/ ويقول بعد ذلك بأنه اصطدم بكتب تورد مغالطات لأنها ببساطة يضيف المتحدث " توجد روايات تتحدث عن التاريخ صادرة عن أطراف لم تعايش ما تحدثت عنه وهي مفارقة وتناقض صارخ في حق تاريخ ثورة مجيدة هي أعظم ثورة في التاريخ.
على غرار الكتب ما تعليقك على الفيلم الثوري لشخصية مصطفى بن بولعيد؟
فيلم مصطفى بن بولعيد شاهدته وأقول بأن السيناريو الذي جرى عليه لم يرق للمستوى كونه تجاهل شخصيات ثورية كثيرة.
تتعاقب السنون على تاريخ اندلاع الثورة فماذا تمثل لك ذكرى ثورة الفاتح نوفمبر 1954؟
كما سبق وأن قلت لكفثورة أول نوفمبر يجب أن تستلهم منها الأجيال العبر في حب الوطن لذا فهي ذكرى مجيدة وخالدةفأنا لا أزال أتذكر دوماتلك الحلقة التي اجتمعنا فيها قبيل اندلاع الثورة حيث عاهدنا الله وأنفسنا على النصر أو الاستشهاد.
هل ترى بأن المشاكل التي يتخبط فيها الشباب اليوم تبرر له أن ينسى أوالثورة ؟
ثقتي كبيرة في أجيال ما بعد الاستقلالولا أظن مهما كانت المعوقات والمشاكل التي يصطدم بها الشباب أن يأخذها كمبرر يتجاهل من خلالها ما قام به آباؤه وأجداده من صنيع لتحرير الأرض التي يعيش عليها، وأدعو الشباب كلما ضاقت به المشاكل أن يتأمل دائما في تاريخ بلاده ويتذكر ما قامت به فرنسا الاستعمارية من جرائم في حق الشعب الجزائري الذي ذاق الويلات وما مجازر 08ماي 1945 وجرائم أخرى كثيرة إلا محطات تستدعي التوقف للتأمل فيها من طرف الشباب وأجيال المستقبل التي هي الآن ملقا على عاتقها مسؤولية بناء وحماية الوطن.
حاوره: ياسين عبوبو
محطات قطار ومزارع للخواص تتحّول إلى مراكز التعذيب بالمنطقة الرابعة
بئر الشهداء المدينة التي قتل فيها 447 شهيدا داخل بئر بمركز التعذيب "ضيعة فور"
تضم أم البواقي اليوم العديد من المناطق التي كانت شاهدة أبشع أنواع التعذيب التي عرفتها المنطقة الرابعة خلال الثورة، و التي قسمت لأربع نواحي بداية بناحية عين مليلة وتأتي ثانيا ناحية أم البواقي ثم ناحية عين البيضاء ومن بعدها ناحية مسكيانة، وهي المنطقة التي أقيمت بها العديد من مراكز التعذيب وحولت في فترة اندلاع شرارة الثورة الكثير من المنشآت والمزارع إلى مراكز استنطاق وتعذيب، وتنوعت مراكز التعذيب آنذاك من تعاونيات للحبوب مثلما حصل بعين كرشة ومحطات القطار على غرار محطة طاقزة بسيقوس ومحطة الجازية إضافة إلى محطة ولمان بفكيرينة.
ومن بين المزارع الفلاحية المحولة لمراكز تعذيب مزرعة بئر عمار بعين الديس مزرعة الكبانية بأولاد حملة ومزرعة دوار أم كشريد بعين فكرون ومزرعة المعمر كوتير بمسكيانة وضيعة عمر بلخيري بالجازية ومزرعة شنتلي بعين البيضاء وضيعة بئر عتروس بعين ببوش ومن بين المزارع التي كانت شاهدا على بشاعة الاستعمار ضيعة فور ببئر الشهداء وهو مركز التعذيب المتواجد شمال غرب البلدية بمشتة أغلاد زاوية بن زروق، و هي الضيعة التي أنشئت سنة 1957 من طرف أحد المعمرين تسع من 150 إلى 200 معتقل، وكان دورها إبان الثورة التعذيب والاستنطاق وذكرت شهادات مجاهدين ناجين من جحيم المعتقل أن الأخير يحتوى على طوابق تحت أرضية وزنزانات لا تزال آثارها بادية. ومن الضباط الذين لا تزال ذاكرة سكان المنطقة تحتفظ بفظاعاتهم الضابط "ديزو" وهو من أصول يهودية وكان آنذاك مسؤول مكتب الشؤون الأهلية إلى أن قتل من طرف جيش التحرير بواسطة لغم أرضي في 10أكتوبر1961.
وكان جل الموقوفين من أفراد الشعب والمواطنين وفي بعض الأحيان من المجاهدين الذين قبض عليهم، حيث تسلط عليهم كل الأساليب البشعة في التعذيب كاستعمال الكهرباء والماء وقلع الأضراس بالكلاليب وتنتهي هذه العملية في حالات كثيرة بالقتل لترمى الجثة بالبئر الموجودة قرب المركز. ووصل عدد الشهداء الذين وجدوا بهذه البئر 447 شهيد وهي التي أطلق اسمها على المدينة.
ومن بين المزارع المحولة إلى مركز للتعذيب والاستنطاق مزرعة المعمرة "مدام توفيل" بعين مليلة والتي تبرعت بها للجيش الفرنسي. و يتسع المركز ل100 معتقل. و من بين الجلادين فيه النقيب رافيار ومجموعة من الحركى وتشهد جدران هذا المركز على الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان جراء الممارسات الهمجية الناتجة عن التعذيب و التي تصل إلى حد القتل لترمى جثث الشهداء في شوارع المدينة وقراها.
وقال المجاهد الناجي من التعذيب رشيد بشوع متحدثا عن فضاعة الأساليب والطرق المشينة التي سلطها جنود الاستعمار وأعوانهم من الخونة والمرتزقة على المعتقلين "عشت في هذا المركز ما يقارب ثلاثة أشهر وبالتحديد من 02 مارس إلى غاية 26 ماي 1960، وبمجرد وصول المعتقل إلى هذا المكان يوضع أولا في قبو أشبه بالمطمور، حيث لا فراش ولا غطاء ولا نظافة، ويُبقي عليه هناك تارة ثلاثة أو أربعة ليال وتارة ثماني أو عشر مما يجبره على قضاء حاجته حيث يقبع للنيل معنويا من المعتقل قبل التحقيق. وعندما يأتي دوره للاستنطاق يخرجونه من القبو في حالة لا يستطيع فيها فتح عينيه أمام الشمس فيأخذونه إلى زنزانة أين يجد بانتظاره هناك عسكريين إثنين أو ثلاثة أقوياء البنية، فيبادرونه بأسئلة عديدة ومحرجة: ما اسمك؟ ما هي مهمتك في نظام "الفلاقة"؟ من معك؟ من تعرف من المناضلين؟ هل تعرف مخابئ "الفلاقة"؟، ويتبع طرح الأسئلة بالضرب المبرح إلى أن يسقط الشخص المعتقل أرضا مغميا عليه. وبعد ذلك يأمرونه بنزع ملابسه إلى أن يبقى كما ولدته أمه، ثم يقومون بتقييد يديه إلى فخذيه تقييدا محكما ويضعونه فوق عجلة عملاقة بحيث تبتلع كل جلده العاري عدا الرأس، ثم يحضرون سلكين مكهربين يلصقون الأول في أذنه والثاني في مكان آخر من جسده، ولما تكتمل الإجراءات الأولية تبدأ مرحلة أخرى من التعذيب حيث يقوم الجلادون برش جسد الرجل بالماء الجامد إن كان فصل الشتاء، ثم يدخلون أنبوب الماء في فمه مع غلق أنفه بأصابعهم ويفتحون الحنفية مع إطلاق الصعقات الكهربائية وفي هذه الحال يكاد المعذب يلفظ أنفاسه بسبب الاختناق بالماء والحرق الكهربائي.يذكر، أن المجاهد بشوع حول إلى المحكمة العسكرية أين صدر في حقه حكم ب15 سنة سجنا نافذا.
أحمد ذيب
المجاهد محمد الشريف عبد السلام يروي للنصر أجزاء عن مذكراته و يكشف
فوج جبل أحمر خدو هو من فجّر الثورة ببسكرة بعد تنفيذ خمس عمليات نوعية
تعد العمليات الخمسة التي نفذها المجاهدون ليلة الفاتح نوفمبر 1954 ضد مراكز ومقرات تابعة للمستعمر الفرنسي بمدينة بسكرة واحدة من أهم المحطات التاريخية التي ميزت تاريخ الثورة التحريرية المجيدة ، النصر في الذكرى الثامنة والخمسين لإندلاع الثورة زارت بيت أحد المشاركين في هذه العمليات ، وهو المجاهد محمد الشريف عبد السلام الذي يروي شهاداته عن تلك العمليات التي كان واحدا من صناعها.
يذكر المجاهد محمد الشريف عبد السلام الذي ولد سنة 1935 بتكوت ولاية باتنة كيف كان منذ الصغر مولعا بالنشاط السياسي الذي جعله يقرّر التضحية بدراسته عند بلوغه سن السادسة عشر والتحق بحزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية فكان أصغر المناضلين في الحركة الوطنية بالمنطقة.
شارك في العديد من الاجتماعات السرية التي سبقت الإعلان عن اندلاع الثورة ، والتي كان يحضرها مسؤولون في الحركة الوطنية بالأوراس من بينهم حمودة أحمد بن عبد الرزاق المدعو سي الحواس ، مسعود بلعقون ، نواورة أحمد ، محمد الشريف سليماني . خضع المجاهد محمد الشريف عبد السلام مع أعضاء خلية بانيان ، مشونش ، وغسيرة إلي تدريبات عسكرية باستعمال الذخيرة الحية قبل شهر من موعد انطلاق الثورة التحريرية .
يؤكد المجاهد محمد الشريف عبد السلام أن الشهيد القائد مصطفي بن بولعيد هو من خطط لهجمات أول نوفمبر 1954 ببسكرة كباقي مناطق الأوراس وقد اعتمد على مناضل قديم في الحركة الوطنية من الغرب الجزائري يدعى سليمان لاجودان واسمه الحقيقي الحاج العربي الهاشمي وهو صهر شيحاني بشير الذراع الأيمن للقائد مصطفي بن بولعيد . حيث قام سليمان لاجودان بتحديد الأماكن المستهدفة لهجمات ليلة أول نوفمبر ببسكرة بالتنسيق مع مسؤولي خلايا مشونش وبانيان وغسيرة ، وقد تنقل هؤلاء المسؤولين إلى مدينة بسكرة لدراسة مخطط العمليات الخمسة على الأرض ، وكانوا على علم بكل الأمور المتعلقة بالتنفيذ مسبقا على عكس العناصر الأخرى المشاركة التي كان المجاهد محمد الشريف عبد السلام واحدا من بينها.
يتذكر المجاهد محمد الشريف عبد السلام ليلة الفاتح نوفمبر 1954 أين شارك ضمن فوج جبل أحمر خدو في تفجير الثورة التحريرية بمدينة بسكرة ، الذي قام بتنفيذ خمس عمليات ضد مقرات ومراكز تابعة للمستعمر الفرنسي ، وكان هو ضمن المجموعة التي شاركت في الهجوم على محطة مولد الكهرباء وكانت تضم إلى جانبه عبد الله عقوني قائد المجموعة ، لخضر بوغرارة ، الطاهر عماري ، والسبتي وزاني .
وفي نفس التوقيت شاركت مجموعات ثانية في الهجوم على الثكنة العسكرية بقيادة الحسين برحايل بمشاركة 12 مجاهدا . وهاجمت المجموعة الثالثة التي تضم 7 مجاهدين بقيادة عبد السلام عبد القادر دار الشرطة ، واستهدفت المجموعة الرابعة بقيادة إبراهيم جيماوي دار البريد ، في حين هاجمت المجموعة الخامسة محطة القطار بقيادة المجاهد قادة أحمد.
وقد شارك في هذه العمليات الخمسة 36 مجاهدا ، في حين بقي المجاهد الطيب كعباش عند متاع المجاهدين بالمكان المسمي "لقراف" بمنطقة العالية حاليا وهو المكان الذي تم فيه تقسيم المجاهدين على النقاط الخمسة من قبل المجاهد لاجودان سليمان الوهراني . ولم يتمكن 3 أعضاء من خلية تيفلفال اللحاق بالفوج المفجر للثورة ببسكرة جراء وصولهم المتأخر إلى بانيان التي انطلق منها المجاهدون باتجاه بسكرة .
ويروي المجاهد محمد الشريف عبد السلام أنه في الطريق بين مشونش وبسكرة تراجع الشهيدان الطاهر عقوني وعلي منصوري عن الذهاب إلي بسكرة ، وبالتالي فإن عدد المجاهدين الذين كانوا معنيين بتنفيذ هجمات أول نوفمبر ببسكرة كان 42 مجاهدا . وأوضح المجاهد محمد الشريف عبد السلام أنه لم يدرك الاستقلال ممن شارك وكان معنيا بهجمات أول نوفمبر 1954 الخالدة ببسكرة سوي 13 ثلاثة عشر مجاهدا أما 26 الستة والعشرون الباقين فقد استشهدوا ، مع استثناء 3 من المجاهدين لم يواصلوا العمل الثوري فيما بعد وهم سليمان لاجودان ، والطيب كعباش وعبد العزيز عبيد الله .أما المجاهدين الذين أدركوا الاستقلال فقد توفي 7 سبعة منهم ولم يبق منهم اليوم على قيد الحياة سوى 6 ستة مجاهدين.
خاض المجاهد محمد الشريف عبد السلام معارك عديدة خلال الثورة منها معركة أرشمنضاص ، معركة برقوق الأولي ، معركة جانة، معركة برقوق الثانية التي كانت بقيادته، ومعركة فورثني الكبري ضد قوات الحلف الأطلسي في 21 أكتوبر 1960.
يعكف المجاهد محمد الشريف عبد السلام حاليا على كتابة مذكراته التي يروي فيها بالتفصيل كل ما عايشه قبل الثورة وأثناءها وبعدها.
توفيق ذباح
جيش الاحتلال سخر فيها أرمادا من الطائرات و الدبابات و المدفعية الثقيلة
639 شهيدا أجهضوا المخطط الاستعماري لقطع إمدادات السلاح في معركة وادي الشوك بسوق أهراس
تعتبر معركة "وادي الشوك" أو معركة سوق أهراس الكبرى في نظر المؤرخين حدثا مميزا كان له الأثر البارز على مجرى ثورة التحرير الوطني. فقد وقعت هذه المعركة التي استمرت أسبوعا كاملا في 26 أفريل 1958 انطلاقا من منطقة "ويلان" بالقرب من مدينة سوق أهراس لتتوسع إلى أعالي "حمام النبائل" على تراب ولاية قالمة لتبقى هذه المعركة التي اعتبرها الكثير من خبراء الحرب معركة استراتيجية نظرا لموقعها المتاخم للحدود الشرقية وهو المصدر الوحيد لتموين الثورة والمجاهدين بالسلاح المستقدم من تونس.
أرادت فرنسا بهذه المعركة خنق الامدادات الموجهة للثورة، حيث سخرت العدة والعتاد وكل الامكانيات الحربية لأن الهدف هو غلق هذه القناة بأي ثمن وبقت هذه المعركة التي يصفها من شاركوا فيها بالمعركة الكبرى لأنها جمعت بين القوة المجندة من طرف الاستعمار وبسالة المجاهدين الذين كانوا متأكدين أن خسارتهم فيها هي موت لثورة التحرير. وقد خلفت هذه المعركة 639 شهيدا وقتل فيها مالا يقل عن 300 جندي في صفوف الاستعمار وجرح فيها 700 آخر لتبقى بذلك مسجلة بكل افتخار في ذاكرة من عايشوا أحداثها.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن تضاريس المنطقة صعبت من تنقل الجنود الشيء الذي حمل قيادة الفيلق الرابع الذي كان مقرها بعين مازر قرب ساقية سيدي يوسف التونسية إلى إعطاء الأمر بعبور خط موريس المكهرب بمنطقة "الدهوارة" بولاية قالمة حاليا من أجل توصيل الأسلحة والعتاد الى الولاية الثانية.
وقد تم اكتشاف أمر هذه القافلة في 26 أفريل 1958 من قبل قوات الاحتلال مما أدى الى نشوب هذه المعركة .
و اعتبر أستاذ التاريخ بجامعة سوق أهراس جمال ورتي أن معركة سوق أهراس التي وقعت وسط سلسلة جبلية كثيفة وأودية صعبة الاجتياز "تعد من أكبر المعارك خلال ثورة التحرير" إذ أن الأسلحة التي استخدمت فيها تعادل "معركة من أضخم معارك الحرب العالمية الثانية" .
وشارك في هذه المعركة حسبه، الفيلق التاسع والرابع عشر للمظليين والفيلق الثامن والفيلق الثامن والعشرين للمدفعية بعيدة المدى والفيلق السادس والعشرين و151 و152 مشاة ميكانيكية وهي وحدات لها "تاريخ عسكري ومن أشرس الفرق العسكرية الفرنسية" التي شاركت في الحربين العالميين الأولى والثانية وحرب الهند الصينية.
وفي المقابل - يقول نفس المتحدث - فان وحدات جيش التحرير الوطني كانت مؤلفة من الفيلق الرابع بقيادة المجاهد الراحل محمد لخضر سيرين ونوابه أحمد درايعية ويوسف لطرش وكتائب أخرى كانت متجهة إلى الداخل لإمداد الولايات الداخلية بالسلاح منها كتيبة متجهة إلى منطقة الطاهير وأخرى متجهة إلى ناحية ميلة وأخرى نحو سكيكدة.
وذكر ذات المتحدث أن جريدة "لاديباش دوكوستونتين" تحدثت في اليوم الأول للمعركة عن "نجاح قوات جيش التحرير الوطني لعبور خط موريس" مقللة من "احتمال نجاح المجاهدين وذاكرة أن قوات فرنسا تقوم بصد محاولة العبور.
لكن بعد يومين غيرت ذات الجريدة من وصفها حيث تحدثت عن نجاح قوات جيش التحرير الوطني في عبور خط موريس المكهرب واشتباكها مع الجيش الفرنسي قرب مدينة سوق أهراس" -يضيف نفس المؤرخ ذاكرا أن نفس الجريدة أشارت إلى "عنف هذه المعركة التي وصلت إلى حد الالتحام بالسلاح الأبيض إذ ذكرت أن القتال يجري بضراوة ووصل إلى حد التلاحم والتصادم وجها لوجه والاشتباك بالسلاح الأبيض وأن هذا التصادم كان عنيدا".
"والعناد هنا لا يكون إلا من طرف المجاهدين الذين لديهم تفوق في معرفة المجال الجغرافي لأرضية المعركة"-يضيف نفس المؤرخ ذاكرا أن نفس الجريدة أوردت أعداد الأسلحة التي تم الاستيلاء عليها "لكنها بالمقابل تجاهلت الخسائر في الأرواح الفرنسية.
من جهته، دعا المجاهد شوشان إلى المحافظة على التاريخ ليكون التواصل بين الجيلين، مشيرا إلى أنه على الجيل الصاعد أن يدرك أن له تاريخا عظيما سجله آباؤه وأجداده بالدم. بدوره أكد مؤسس جمعية "تخليد مآثر الثورة لسوق أهراس" عبد الحميد عوادي أنه بعد إنشاء خط موريس جوان 1957 على تراب القاعدة الشرقية واستكماله في أكتوبر من نفس السنة وبعدما تدفقت كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة إلى داخل الوطن شرعت قوات العدو في حراسة شديدة للحدود الغربية و الشرقية .
ولما رأت قيادة الثورة والقاعدة الشرقية أن خط موريس قد فصل جزءا من ترابها عن بقية مناطقها بادرت إلى إرسال قوات لربط الاتصال وحماية القوافل الناقلة للسلاح إلى جيش التحرير قبل أن يتم اكتشاف أمرها من طرف العدو الذي جهز جيشا وطائرات ودبابات ومدفعية ميدان ومشاة ومظليين مما أدى الى نشوب معركة سوق أهراس.
واستنادا لرئيس جمعية الناجين من هذه المعركة المجاهد حمانة بولعراس فإن ميدان معركة سوق أهراس الكبرى تم اكتشافه بوادي الشوك ببلدية الزعرورية .وبعد أسبوع تقريبا من المعارك التي دارت رحاها تسلل المجاهدون وتحولوا إلى جبال المشروحة ثم إلى الدهوارة .
وفي 2 ماي 1958 وهو اليوم الأخير من المعركة تمكن المجاهد الراحل محمد لخضر سيرين من جمع شمل المجاهدين، وتحولوا بعد ذلك إلى الناحية الشرقية عبر الدريعة ومداوروش.
فيصل. غنام
المجاهد والوزير السابق عبد الرحمان بلعياط
الثورة لم تكن "سهرة راقصة" ورغم الأخطاء المحتملة حقّقت هدفها
شدّد أمس المجاهد والوزير الأسبق عبد الرحمان بلعياط، على تفادي "البحث فيما يشين للثورة التحريرية"، مؤكدا أن المنطق الذي سارت به ثورة الفاتح نوفمبر بمزاياه ومساوئه قد أتى رغم كل شيء بالاستقلال بعد أكثر من قرن و30 سنة من الاحتلال.
وفي كلمته أمس خلال ندوة تاريخية بمناسبة الفاتح نوفمبر، عقدت بجامعة الأمير عبد القادر الاسلامية بقسنطينة، أوضح بلعياط أنه إذا كانت هناك أخطاء محتملة وقعت خلال الثورة فذلك لأنها لم تكن "سهرة راقصة" على حد تعبيره، وأن تجند المجاهدين حينها كان من أجل "نيل الاستقلال مهما كلف الثمن وهو ما حصل" .
للإشارة، فقد ضمت الندوة التاريخية جمعا من المؤرخين المختصين والمجاهدين الذين أدلوا بشهاداتهم عن تلك المرحلة .
هشام-ع
في أم المعارك بالبيان بقيادة عبد القادر الباريكي
إسقاط طائرة و غنم الأسلحة و المعدات العسكرية في معركة الساطور بجبال البرج
* الجيش الفرنسي رمى 40 مدنيا داخل بئر بالكانطيلة انتقاما لخسائره في معركة بومسعدة
تبقى المعارك التي إندلعت بجبال و قرى المنطقة الشمالية لولاية برج بوعريريج إبان الثورة التحريرية ، من بين أهم المعارك التي أسقطت عن العدو المدجج بأحدث الأسلحة آنذاك فرضية القوة التي تقهر بين سكان المنطقة ، و أعطت للعمل المسلح و الكفاح قيمة زادتها الانتصارات و قهر قوة العدو العسكرية إرادة بين الثوار الجزائريين ، فهم المئات منهم نصرة للقضية الجزائرية منذ بزوغ شعاع فجر جديد بإندلاع الثورة التحريرية ذات الأول من نوفمبر سنة 1954 ، و هو التاريخ الذي التحق فيه ثوار المنطقة بالجبال و ما لبثت الثورة أن تنطلق بهذه المنطقة حتى عرفت دعما شعبيا تجسد في التحاق المئات من سكان المنطقة بالعمل المسلح إلى جانب المسبلين و انضمام عشرات العائلات لدعم الثوار بالمؤونة و الأكل ، و حفزهم في ذلك الانتصارات المحققة ، و الأخبار المتداولة عن إسقاط طائرات العدو و إلحاق خسائر فادحة في قواتها و غنم الأسلحة و المعدات العسكرية المتطورة ، إلى جانب إرغامه على التخندق في الثكنات العسكرية ، بعدما عانى سكان القرى من ظلم و استبداد العساكر الفرنسيين .
استماتة الثوار و ذودهم عن الدفاع إلى أخر رمق من حياتهم في معارك ضارية لم تقتصر على المنطقة الشمالية فحسب ، بل كانت امتدادا لانتصارات تحققت في جميع ربوع الولاية على أيدي الثوار ، و تبقى جبال البيبان و منطقة المنصورة التي كانت من أبرز دعائم الثورة التحريرية شاهدة على الكفاح المستميت لنيل الاستقلال ، و قبلها الثورات الشعبية بقيادة المقراني في مجانة و ولاية البرج التي مهدت هي الأخرى للمقاومة و جعلت من العمل المسلح مخرجا للقضية الجزائرية .
المعركة تواصلت ليوم كامل
قرية الساطور التي قامت " النصر " بزيارتها مع المجاهد " كرميش علي " و مجموعة من المسبلين و شهود عيان ، لا زالت تحتفظ بين أزقتها و أحيائها الضيقة بذكريات خالدة اختلطت فيها دماء الثوار و المدنين بفرحة الانتصارات المحققة إبان الثورة التحريرية ، فلكل مكان بهذه القرية حكاية ، حيث لا تزال عديد الأمكنة تحتفظ لنفسها بذكرى تميزها و تبعد عنها صفة الجمود ، فالمسجد الكبير " الجامع أمقران " لازال شامخا في قمة الجبل كشاهد عن أهم معركة بالمنطقة و هي معركة فرقة الكومندوس تحت قيادة عبد القادر البريكي ، حتى المنازل و الصخور و قمم الجبال و الأشجار تحتفظ من ورائها بجزء من الذكرى .
مرافقنا " المجاهد علي كرميش " يحاكي بنظراته الثاقبة جميع الأماكن ، و يروي للنصر تفاصيل أهم المعارك بالمنطقة ، و كم هي كثيرة ، منها معركة تاركابت و معركة بوختالة و معركة تازلة و افيغو ، و المعركة التي خرج فيها أربعة جنوذ جزائريين منتصرين بعد محاصرتهم داخل بيت للثوار في منطقة صمطة من قبل فرقة تضم عشرا ت الجنود الفرنسيين ، و أم المعارك بالمنطقة و هي معركة الساطور بقيادة الباريكي .
يقول محدثنا في يوم 22 فيفري سنة 1958 كان على الثوار بالمنطقة استقبال فرقة الكومندوس التي يقودها المجاهد الشهم عبد القادر اعزيل المعروف بتسمية " الباريكي " و التي كانت في طريقها من منطقة الأوراس بإتجاه المنطقة الثانية ، التقينا بهم بجبال زمورة و كان عدد الثوار في تلك الفرقة حوالي 250 شخصا ، يتنقلون بين مختلف المناطق في الوطن أين يقومون بمعارك ضارية لإلحاق خسائر فادحة بثكنات العدو الفرنسي ، و كانت تنقلاتهم تقتصر على السير بالأقدام على مسافات طويلة أثناء فترات الليل ، ما يجبرهم على اخذ قسط من الراحة بالقرى و الأماكن التي يسيطر عليها الثوار ، وصلت الفرقة إلى قرية الساطور و استقبلها السكان بحفاوة ، حيث تجندت معظم العائلات لإعداد الأكل و توفير المؤونة للفرقة التي أقامت ليلة المعركة في بيوت المواطنين أو ما يسمى آنذاك ببيوت الجيش و يطلق عليها السكان تسمية " بيت الريفيج " ، كانت أثار التعب بادية على ملامح الثوار و تمكنوا ليلة المعركة أخذ قسط من الراحة ، فيما قام ثوار القرية و القرى المجاورة بتأمين الحراسة في رؤوس الجبال و بالجامع أمقران المتواجد في قمة جبل الساطور .
في الصباح لمح أحد المسبلين قافلة للجيش الفرنسي يقول أحد الشهود " عيادي احمد " لقد شاهدتهم يتقدمون بإتجاه القرية ، لم يكونوا على علم بتواجد " الباريكي " و فرقة الكومندوس " بالقرية ، كان هدفهم هو سلب المواطنين جميع ما يملكون " يقشوا حسب المصطلح المتداول في تلك الفترة " من أموال و مجوهرات و الغذاء و المواشي و حتى الأحمرة لصدهم عن التعاون مع الثوار ، فذهبت مسرعا باتجاه الجنود لإعلامهم ، و يضيف المجاهد " علي كرميش " كانت قافلة العدو تتكون من حوالي 90 إلى 95 جنديا قادمة باتجاه القرية من الثكنة المتواجدة بمنطقة الكانطيلة ، و تمكنت الفرقة المكلفة بالحراسة من مراقبتهم و تعقبهم منذ وصولهم إلى طريق تيرزازين ، و في هذه اللحظة تم إعداد خطة محكمة تعتمد على مباغتة قافلة العدو و حجز جهاز الهاتف اللاسلكي بهدف قطع الاتصال مع فرقة المضليين و قيادة الجيش الفرنسي ، و هو ما تم فعلا حيث تم القضاء في بادئ الأمر على الجنود في مقدمة القافلة و حجز الجهاز الذي كان محمولا على ظهر " زيلة " و هو ما مكن من قطع جميع الإتصالات ، و بعدها دخل الثوار في معركة حقيقية استمرت ليوم كامل انطلقت من الجامع أمقران و امتدت إلى منطقة ثابريط و السيخة في القرية و الجبال المجاورة بمنطقة تاركابت .
و تمكن الثوار و فرقة الكومندوس بقيادة الباريكي من إلحاق خسائر فادحة بين جنود المستعمر ، حيث يقول محدثنا أن القافلة العسكرية لم يعد منها سوى ثلاثة جنود ، و تمكن الثوار من إسقاط طائرة للمستعمر و غنم كمية هائلة من الأسلحة و الذخيرة التي كانت بحوزة جنود العدو المقتولين في اشتباكات مسلحة .
تنكر الثوار في ملابس نسائية لتضليل المضليين
فبالجامع الكبير تم القضاء على 08 بين خونة و عساكر في صفوف المستعمر ، و يقول محدثنا أن الطائرات كانت تحلق فوق رؤوسهم إلا أنها لم تقم بقصف الثوار لانقطاع الاتصال بعساكر العدو ، و لم يخلو عمل الثوار عن الحيلة توخيا لقصف الطائرات ، حيث تنكر عدد منهم بأزياء نسائية لاستعادة مركز المراقبة بالجامع أمقران و تضليل المضليين ، و بوصولهم إلى مكان اختباء عساكر العدو و الخونة يقول محدثنا أنهم نادوا بحياة الجزائر طلبا للعطف و الصفح عنهم ، و استمرت الاشتباكات إلى ساعة متأخرة من المساء أين تم القضاء على غالبية جنود العدو فيما فر ثلاثة منهم و عادوا إلى الثكنة ، و في المساء قام أحد الثوار الجزائريين و بعد إحكام السيطرة بتوجيه قذيفة بإتجاه طائرة العدو في منطقة تبرواقت بينما كانت تحلق على علو منخفض ، حيث تصاعدت منها غيوم الدخان و سقطت في وادي أغزر اوزالة في حدود الساعة الخامسة مساء ، عندها بدأ قصف القرية و الجبال المجاورة بالطائرات ، ما خلف وفاة امرأتين و طفل صغير ، و تواصلت الاشتباكات بجبال تاركابت و انتقلت إلى مناطق تازلة و افيغو ، أين قام ثوار دوار أولاد سيدي المسعود و القرى المجاورة بتازلة بصد تدخل فرقة عسكرية فرنسية بالجبال و الغابات المجاورة لمنطقة أفيغو كانت في طريقها من ثكنة الغرفة لتدعيم قوات المحتل المحاصرة ، و هو ما مكن فرقة الكومندوس أو فرقة الصاعقة التابعة للجيش الجزائري من إتمام مسارها أثناء الليل باتجاه منطقة القلعة على الحدود بين ولاية البرج و بجاية ، و هناك اندلعت معركة أخرى في صباح اليوم الموالي ، و قد خلفت هذه المعارك استشهاد 05 ثوار جزائريين .
قصف القرية بالطائرات و تشريد سكانها
يروي عدد ممن عايشوا تلك المعركة ، أن الجيش الفرنسي ألقى على المنطقة أطنان من القنابل بالطائرات ، ما دفعهم إلى مغادرة القرية و التخلي عن نشاطاتهم التي كانوا يسترزقون منها ، خاصة النشاط الفلاحي و الزراعي ، حيث تتميز المنطقة بالزراعة المعاشية منها الزيتون و التين و الرمان ، و كذا زراعة القمح و الشعير و البصل و البطاطا لتوفير عولة العام بأكمله و تخزينه بطريقة تقليدية في أماكن معدة لذات الغرض تطلق عليها تسمية " المطمور " و هو عبارة عن خندق تحت الأرض بالنسبة للحبوب و " الزير " بالنسبة للسوائل على غرار الزيت ، و كان الغذاء المفضل للثوار عبارة عن قطع الكسرة و الزيت و الكرموس " التين المجفف " ، و قد تمسك السكان في تلك الفترة بوفائهم لخدمة الأرض وزراعتها على الرغم من أن المنطقة ذات طبيعة جبلية .
خسائر المحتل جعلته يقوم بقصف المنطقة و تشريد عشرات العائلات التي تنقلت إلى القرى المجاورة هروبا من جشع المستعمر ، و يقول أحد الشهود أن المستعمر طالبهم بعد المعركة بمساومتهم بين إحضار 40 رأسا من الغنم كعقاب لهم أو تصفية 40 شخصا منهم .
جيش المحتل قام بردم 40 مدنيا داخل بئر انتقاما لخسائره في معركة بومسعدة
عادة ما كان سلوك الجيش الفرنسي يعتمد على أسلوب اضطهاد المدنيين و تشريدهم و تجريدهم من أرزاقهم ، خصوصا بالمناطق و القرى التي تعرف بدعم الثوار ، على غرار ما حدث بمنطقة بومسعدة ، أين قام الجيش الفرنسي برمي 40 مدنيا و ردمهم داخل بئر بالقرب من الثكنة العسكرية المتواجدة بمنطقة الكانطيلة التي احكم عليها الجيش الفرنسي سيطرته إبان الثورة التحريرية ، و هذا كانتقام من سكان المنطقة بعدما لحقت بقوافله خسائر فادحة في معركة بومسعدة من طرف الثوار الجزائريين ، و تم التركيز حسب أبناء و عائلات الضحايا على أرباب العائلات لتشريد أسرهم و بعث رسالة قوية و شديدة اللهجة لكل من يتجرأ على دعم الثوار بالمؤونة و الأكل ، و الشيء الذي لازال يحز في نفوس أهل هؤلاء الشهداء و أبنائهم هو عدم إخراج رفات أبائهم من داخل البئر على الرغم من الاتصال بجميع الجهات المعنية بما فيها مديرية المجاهدين ، و أشارت بعض المصادر في هذا الصدد إلى القيام بحفريات بحثا عن رفات هؤلاء الشهداء إلا أن المستعمر قام بطمس معالم المكان لإخفاء جرائمه الإنسانية في حق المدنين ، فضلا عن كون البئر الذي ردم فيه هؤلاء المدنين يقع داخل المنطقة المحتلة آنذاك و هو ما صعب من تحديد المكان بصفة دقيقة للقيام بالحفريات خاصة بعد اتساع النسيج العمراني بالمنطقة .
نساء في قلب الثورة
لم يقتصر الكفاح إبان الثورة التحريرية على الرجال فحسب ، بل كانت المرأة من أهم الدعائم و السند الحقيقي للثوار في معاركهم ، و يروي المجاهد علي كرميش المعروف بولاية برج بوعريريج و إبان الثورة التحريرية بتسمية " علاوة اوقرموم " و هي تسمية أطلقها عليه رفقاءه في الكفاح نسبة إلى إقدامه و عدم مبالاته أو تخوفه أثناء الدخول في المعارك و الاشتباكات المسلحة مع العدو ، و معني التسمية " أقرموم " مصطلح قبائلي أي " الجدرة " جذع الشجرة المتين ، و هذا الاندفاع و المشاركة في المعارك كلفه الإصابة في 05 مناسبات منها إصابتين في الكتف و أخرى في الركبة و الذراع و إصابة أخرى في الذراع الأيسر ، أظهر مكان الإصابة و استرجع الذكرى ، معترفا بكفاح المرأة إلى جانب الرجل ، حيث أصيب في اشتباك مع قوات العدو التي قامت بمحاصرته إلى جانب ثلاثة من رفاقه داخل منزل " سي الطيب " بقرية سمطة و هو منزل تعود الثوار على المكوث به طلبا للأكل و الراحة عند المرور بالمنطقة ، و يضيف ان " تسعديت " و هي زوجة سي الطيب صاحب المنزل " بيت الريفيج " كانت تعد الأكل بشكل يومي للثوار ، و في ذلك اليوم تنقل مع رفقائه وهم لوصيف موسى و النذير مزهود من قرية الساطور نحو بوحمدون و منها إلى قرية سمطة في يوم شتوي بارد لسد رمق الجوع و تناول وجبة الغداء ، غير أن فرقة من العساكر الفرنسيين كانت بمنطقة توكال المقابلة تعقبت تحركاتهم و أبلغت القيادة في ثكنة الغرفة ، و تنقلت فرقة من الجيش الفرنسي أين حاصرتهم داخل المنزل فكان لزاما عليهم الخروج بأقل الأضرار ، كونهم لم يكونوا لوحدهم داخل المنزل بل كانت الحاجة تسعديت و زوجها و ابنتها معهم ، يقول كنت أتفاوض مع العساكر و الخونة للتحايل عليهم و بعدما شددوا الحصار قمت مع رفاقي بإطلاق الرصاص من داخل المنزل و طلبت من " تسعديت " التي كانت تصرخ مع ابنتها و ابنة ابنتها أن ترفع الزغاريد ، كنا نطلق الرصاص بشراسة ضد العساكر حاول قائدهم التقرب من الباب فأصبناه برصاصة ما جعلهم يتراجعون و حاولوا الصعود فوق سقف القرميد كنا نتحسس الخطوات و نطلق الرصاص نحو موقع دقات الأرجل و تمكنا من جرح عدد من العساكر قبل الفرار عند حلول الظلام ، قمت بتأمين خروج رفاقي و عند مغادرتي للمنزل أصابتني رصاصة في اليد اليسرى كما أصيب صديقي في الكتف لكننا تمكن من الهروب و العودة إلى قرية الساطور .
الحاجة مريم زوجة الشهيد جبراني الشريف هي الأخرى عرفت بدعمها للثوار ، حيث كانت هي من تقوم بقضاء الحاجيات و إعداد الكسرة و القهوة و الأكل و جلب المياه ، أبلغتني في احد الأيام أنها تخوفت من إبلاغ صاحب المتجر عن نشاطها لقوات العدو ، حيث كان كثير الأسئلة عن وجهة المواد الغذائية التي كانت تشتريها ، طمأنتها و أعطيتها رسالة كي تبلغها إلى صاحب المتجر و هددته فيها بالقول أن حياتك مرهونة بالكتمان و الحفاظ على أسرار العمل الثوري و هو ما مثل إليه .
ابن الشهيد علواش بوعلام الذي أصيب بالقرب من منطقة " اخروبان " و فر من قبضة يد العدو إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة بوادي تخربان و تم العثور عليه بعد أسبوع كامل ، قال أتذكر كثيرا دور العجوز " تاعماروشت " و هي من قرية بوعياش حيث كانت تدعم الثوار بالمؤونة و نقل المعلومات و الحفاظ على الوثائق داخل منزلها ، و قائمة النساء المشاركات في الثورة بالمنطقة طويلة منها العجوز " تسعديت " بقرية الساطور .
ع/بوعبدالله
قادها الراحل الشاذلي بن جديد
معركة وادي بوحشيشة فكت الخناق عن المناطق الحدودية بأقصى شرق البلاد
لقد كانت عمليات اختراق خطي شال و موريس المكهربين بالحدود الشرقية من أشق و أصعب المهام التي واجهت جيش التحرير الوطني و التي كانت بمثابة تحديا أمام الثوار, بسبب التحصينات الجهنمية لهذه الأسلاك التي تبلغ قوة الضغط العالي فيها 15ألف فولط وسط حقول من الألغام، وهي مربوطة بمراكز مراقبة معززة بقوات عسكرية مدججة بالدبابات و المصابيح الكاشفة.
عملية اختراق الخطين كانت تتطلب الكثير من الدقة و التحضير. ومن بين عمليات الأختراق والعبور الكثيرة لهذين الخطين المميتين عملية وادي بوحشيشة التي قادها الراحل الشاذلي بن جديد.
و جاء التخطيط لاختراق خطي شال وموريس بقرار من هيئة أركان جيش التحرير الوطني بغرض الوصول إلى سكان المنطقة المحرمة . واستغرقت عملية التحضير للهجوم حوالي شهر بداية من 20 جانفي 1961 ، وحدد تاريخ 21 فيفري من ذات السنة موعدا لتنفيذ الهجوم . و جرت عملية جس النبض و الاكتشاف و حصر الخنادق و كلّف الفيلق الثالث عشر بقيادة الرائد عبد اللاوي عبد النور بحماية الوحدات التي ستخترق الخطين و حددت مناطق العبور و هي
وادي بوحشيشة ( عين العسل ) ،أم الطبول،المطروحة ( قرب الطارف ) -الداموس ( بوحجار ).
بداية الهجوم كانت على الساعة الحادية عشرة ليلا من يوم 21 فيفري 1961 بالمكان المسمى بوحشيشة شرق قرية عين العسل , ففي الوقت الذي اجتازت فيه الفرقة العابرة الخط الأول و الثاني و الثالث و الطريق الوطني 44 حاليا، كانت المعركة على أشدها بين قوات جيش التحرير المكلفة بالحماية وقوات الإحتلال الفرنسي , حيث اشتبكت هذه الفرقة مع قوات الاحتلال في كمائن العدو ( المنتشرة على طول الخطين ) في الوقت الذي كانت تقتحم فيه حقول الألغام الأخيرة التي كانت تنفجر تحت أقدامهم لعدم تمكنهم من تفجيرها قبل ذلك، بسبب النيران الكثيفة التي كان يطلقها العدو، و الذي أستنجد بترسانة من الآليات العسكرية من دبابات و مصفحات. كما أستنجد بالوحدات العسكرية المتواجدة بالطارف و بوثلجة مستعملا المدافع ذات المدى البعيد، والمدافع الرشاشة، و الطائرات التي كانت تلقي القنابل الكاشفة. وقد تواصلت المعركة إلى غاية الرابعة صباحا .
بعد انتهاء المعركة، شرع المجاهدون الذين كان يقودهم الرائد الشاذلي بن جديد يتفقد بعضهم بعضا ، فلاحظوا استشهاد 16 من رفقائهم، فيما جرح 10 آخرون من بينهم قائد الفيلق الثالث عشر الرائد عبد اللاوي عبد القادر.
ويذكر المجاهدون الذين حضروا المعركة و مازالوا على قيد الحياة أن خسائر العدو كانت فادحة و جسيمة في الأرواح و والعتاد.
وقد كان الهدف من هذه المعركة فك الحصار المضروب على المناطق الحدودية و إعادة ربط الاتصال داخل منطقة الحزام – المنطقة المحرمة – للرفع من معنوياتهم خاصة بعد عمليات القمع و الإضطهاد التي سلطتها عليهم فرق الجيش الاستعماري داخل المحتشدات.
كما مكنت هذه المعركة من تخفيف الرقابة المضروبة على السكان لمنع أي اتصال مع قوات جيش التحرير و سهلت تفقد أرامل الشهداء و تقديم المساعدة المادية لهن و كذا الاتصال بلوامي عبد الله ، و صالح بوشقوف بجبل بني صالح ( بوحجار) للتزود بالمعلومات الضرورية لتسهيل مهمة عبور الرائد إبن يزار الذي كلف بمهمة الإتصال بالولاية الثانية، فضلا عن تموين و وتزويد مجاهدي المنطقة بالسلاح و الذخيرة، الأدوية و بعض أجهزة الإتصال اللاسلكي و بعض المال .
ق/باديس
مقتل أزيد من 800 عسكري و إصابة 1500 آخرين في "معركة الجرف" في سبتمبر 1955 بتبسة
توصف معركة "جبل الجرف " بتبسة بأم معارك ثورة التحرير لتحقيقيها أكثر من هدف سياسي وعسكري واقتصادي ونفسي في آن واحد على مدار أسبوع من المواجهات المباشرة مع قوات العدو بداية من 22 سبتمبر 1955. فعلى الصعيد السياسي والاقتصادي فقد ساهمت نتائجها وصداها الذي بلغ مسامع المنظمات الإنسانية الدولية في توصيل صوت الجزائر ومكنت من تبليغ القضية الجزائرية إلى هيئة الأمم المتحدة التي أدرجت لاحقا الثورة الجزائرية في أجندتها.كما تسببت خسائرها الفادحة في استقالة عدد من أعضاء البرلمان بفرنسا احتجاجا على استعمال الجيش الفرنسي القنابل الغازية المحرمة دوليا،دون إغفال الفاتورة الاقتصادية حيث كلفت فرنسا حوالي مليون فرنك فرنسي يوميا ولمدة أسبوع حسب شهادة المجاهد "الوردي قتال" أحد المشاركين في هذه الملحمة. كما أخفقت فرنسا في حجب هذا الانتصار الكاسح لقلة من المجاهدين على جيشها النظامي. أما بالنسبة للجانب العسكري، فقد كان الانتصار باهرا بحيث لقن رفقاء المجاهد البطل شيهاني بشير نائب مصطفى بن بوالعيد دروسا في النضال والتضحية وحب الوطن وتحولت المعركة إلى مقرر في الكليات الحربية الدولية،ومرد ذلك الاستراتيجية المنتهجة من طرف جيش التحرير الذي رغم قلة قواته التي تتراوح بين 300 و 350 مجاهدا مقابل 40.000 ألف جندي فرنسي جند للمعركة إلا أن ذلك لم يمنع الثوار من تحقيق نصر كاسح بقتل 800 جندي وإصابة 1500 آخر وإسقاط 4 طائرات حربية فرنسية لازالت بقاياها بمنطقة الجرف فضلا عن إعطاب وإصابة 16 أخرى، وغنم كميات هامة من الأسلحة والذخيرة،في الوقت الذي استشهد فيه 100 مجاهد وأصيب 60 آخرون بجروح متفاوتة فضلا عن إصابة عدد آخر من المدنيين الذي كانوا بالمنطقة لحضور الاجتماع الذي أشرف عليه لاحقا بشير شيهاني تحفيزا للثورة و من أجل تعزيز الدعم المادي لها. وقد استغل المجاهدون معرفتهم بالمنطقة وتضاريسها الصعبة في هذه المعركة للتغلب على الفارق بين القوتين وبين العدتين،كما ساهمت حرب العصابات وطريقة الكر والفر المنتهجة لإرهاق قوة العدو في تحقيق هذا الانتصار المشهود رغم تطويق منطقة الجرف على مدار 30 كلم من طرف القوات الفرنسية.
وقد ألهبت معركة الجرف خيال الشعراء والكتاب والاكادميين والعسكريين الذين دونوا شهاداتهم ونقلوها إلى الأجيال الجديدة عن طريق المحاضرات المخصصة بالمؤسسات التربوية والمراكز الثقافية، كما تدعمت المكتبة الوطنية بعدد من المؤلفات التي تسلط الضوء على كفاح الجزائريين على غرار كتاب السجل الذهبي لشهداء ثورة التحرير لولاية تبسة الذي أعده المجاهد زايدي نور الدين رئيس جمعية 4 مارس 1956 للبحوث التاريخية والدراسات. كما أصدرت وزارة المجاهدين كتاب معركة الجرف وهو خلاصة أعمال الملتقى الدولي حول هذه المعركة الذي نظمته جامعة تبسة وغيرها من المؤلفات في هذا الشأن.
الجموعي ساكر
معارك وادي العلا يق الحصن الذي منع سقوط المتيجة بين أنياب المستعمر
تركت المعارك التي خاضتها المقاومة الشعبية بمنطقة وادي العلايق بقلب المتيجة إبان الفترة الاستعمارية سجلا حافلا من البطولات والانتصارات. وتؤكد كل كتابات المؤرخين حول المعارك التي احتضنتها هذه المنطقة أنها كانت سدا منيعا في وجه المستعمر بحيث أنها منعته من الوصول إلى البليدة والتوجه نحو المدية ومليانة إلا بعد 1840 . و تبيّن كتابات المؤرخين أن معارك وادي العلايق كانت حصنا، و أنه بسببها تأخر سقوط كل من مدينة البليدة ،القليعة ، مليانة والمدية.
وحسب الأستاذ موسى بوعنصر، المهتم بجمع تاريخ المنطقة، فإن وادي العلايق عرفت أربع معارك كانت آخرها معركة في 31 ديسمبر 1839 والتي على إثرها بسطت الإدارة الاستعمارية قبضتها على كامل المتيجة على إثر انهزام جيش المقاومة الشعبية بعد التعزيزات الكبيرة التي حشدها الحاكم العام للإدارة الاستعمارية آنذاك للقضاء على المقاومة الشعبية بقلب المتيجة ، مشيرا في السياق ذات إلى أن أول معركة وقعت بهذه المنطقة كانت في العاشر نوفمبر من سنة 1839 بعد خرق الإدارة الاستعمارية لمعاهدة التافنة التي أبرمت مع الأمير عبد القادر وذلك بعد مرور قوات الجيش الفرنسي عبر جبال البيّان وهو ما اعتبره الأمير عبد القادر خرقا وخيانة للمعاهدة ودعا لجهاد المستعمر ، وعلى إثر هذا القرار الذي اتخذه الأمير حاول فرسان حجوط معاقبة إحدى القبائل المساندة للمستعمر بوادي العلايق، فاستنجدت هذه الأخيرة بالجنود الفرنسيين المتمركزين بمعسكر وادي العلايق، فالتقى الفريقان بغابة بومنجع الواقعة بين المعسكر وحصن بوعلال ونجم عن المعركة مقتل قائد المعسكر الفرنسي الرائد " رافال "إلى جانب أربعة جنود فرنسيين فيما جرح 19 آخرون. أما المعركة الثانية فكانت في 20 نوفمبر 1839 حين هاجم فرسان حجوط قافلة التمويل المتوجهة من معسكر " إيرلن " بوفاريك حاليا إلى معسكر وادي العلايق، وكانت تتشكل القافلة من 39 جنديا فرنسيا و ثلاثة من الأقدام السوداء، وقد وقعت المعركة بين مقطع مخلوف وحصن بن خليفة بنواحي بن خليل حاليا ، وأسفرت عن مقتل كل أفراد القافلة واسترجاع غنائم كبيرة منها عتاد عسكري. أما المعركة الثالثة فقد كانت في 04 ديسمبر 1839 حين حاول جيش الأمير عبد القادر بقيادة بن عيسى البركاني الخليفة الذي عينه الأمير عبد القادر على منطقة المدية ومحمد بن علال خليفة مليانة سالكا وادي شفة متجنبا معسكر وادي العلايق، وحينئذ التقى جيش الأمير عبد القادر بإرسالية عسكرية متجهة نحو المعسكر العلوي زبانة حاليا، أي عند المخازن الأربعة القريبة من معسكر وادي العلايق ، وعلى إثر تبادل طلقات نارية تدعمت إرسالية الجيش الاستعماري ب155 جندي واندلعت المعركة بين الجيشين وأسفرت عن مقتل قائد المعسكر الرائد " غال مون "إضافة إلى 107 جنود فرنسيين آخرين .
خسائر موجعة حملت المستعمر على الانسحاب من المتيجة
معركة وادي العلايق الثالثة كان لها صدى كبير بعد الخسائر الموجعة التي تعرض لها الجيش الفرنسي على أيدي أبطال الأمير عبد القادر ، وكان من نتائجها مقتل قائد المعسكر و107 جنود، هذه الخسائر جعلت الإدارة الاستعمارية تراجع أوراقها وتقرر الانسحاب من المتيجة وإخلاء معسكر وادي العلايق ، ليقوم بعدها عرش بني صالح المحاذي لوادي العلايق بمحاصرة المعسكر العلوي أي زبانة حاليا فاستنجد قائد المعسكر العقيد " جونتي " بالحاكم العام المريشال "فالي" الذي وصل إلى بوفاريك يوم 30 ديسمبر 1839 ، وفي اليوم الموالي توجه نحو المعسكر العلوي مرورا بحصن بن خليفة ومعسكر وادي العلايق ، وبعد تناوله وجبة الغذاء غير طريقه ليمر عبر بني تامو و زاوية سيدي مجبر ليلتقي الجيشان عند النهاية الشرقية لغابة زاوية سيدي مجبر وكانت المعارك ضارية وانتهت بهزيمة جيش المقاومة ليقوم بعدها المستعمر باحتلال كامل المتيجة ثم يزحف على القليعة ،البليدة ، المدية ومليانة.
نور الدين -ع
معركة عصفور كما يرويها الشهيد مامون خالدي في رسالة تنفرد النصر بنشرها
قتلنا أكثر من 500 جندي في مواجهات طاحنة بقيادة عباس لغرور
تنفرد " النصر" بنشر رسالة الشهيد مامون خالدي كان قد بعثها من تونس إلى شقيقه بمصر، في ماي 1956 يصف فيها معركة عصفور و التي تعد أهم المعارك التي شهدتها منطقة الأوراس تحت قيادة البطل الشهيد عباس لغرور.
يقول في الفصل الأخير من رسالته المطولة "أخي، يسرني جدا أن أكتب لك في هذه الرسالة عن معركة "عصفور" التي شاركت فيها شرقي خنشلة بششار.
أخي كنا صباح الاثنين 12 فيفيري سنة 1956 نتناول القهوة اذ أعلمنا الحارس أن عددا كبيرا من جنود الاستعمار قد أقبلوا علينا، وكان عددنا لايزيد عن 70 مزودين بأسلحة حديثة وكنت أحمل رشاشا آ ليا وأحمل معه 400 خرطوشة ومسدسا، و بدأنا بنصب كمين لهم، وفي حدود الساعة السابعة صباحا تم تبادل الرصاص بيننا وقتلناهم جميعا وكان عددهم 110 جنود. وكنا نتحصن بالصخور المعروفة بششار. وبعد أن قضينا عليهم جردناهم من أسلحتهم واذا بدوي في السماء والأرض فأصبحنا مطوقين بجنود الاستعمار والطائرات تحلق فوق رؤوسنا وكنا نرى الأرض كلها سوداء بالجيش الفرنسي في منظر يشبه هجوما للجراد والطائرات من فوقنا يزيد عددها عن السبعين من كل نوع، وانقلب الكمين إلى معركة وهاجمونا كالحيوانات. وهتف المجاهدون" الله أكبر" وتبادلنا طلقات الرصاص. و صمدنا في وجههم رغم كثرتهم ودام القتال بيننا يومين، ونحن ندافع رغم أنهم حاصرونا من كل ناحية، وكان دوي القنابل لا يكاد ينقطع وضربونا بالغاز، و أصبحنا لا نبصر أمامنا شيئا. ورغم هذا كله انتصرنا عليهم وقتلنا منهم ما يربو عن 500 جندي، بينما استشهد منا 17 مجاهدا، كان الأمر بمثابة معجزة، ولم يسبق لهذه المعركة مثيل واعترفت بذلك سلطات فرنسا نفسها".
و يواصل الشهيد مامون خالدي " لقد شارك في هذه المعركة ما يزيد عن 8 آلاف جندي واستنجدت فرنسا بقواتها في باتنة، خنشلة، بسكرة وخنقة سيدي ناجي، وبقينا يومين بدون أكل ولاشرب ولانوم. و من جانبنا قاد المعركة البطل عباس لغرور".
يذكر أن الشهيد خالدي مامون ولد بقرية الولجة جنوب ولاية خنشلة سنة 1935 و التحق بصفوف الثورة وهو في سن العشرين بداية سنة 1955 رفقة مجموعة من الشباب الثائرين، وشاء القدر أن يلقى عليه القبض في نفس السنة ليطلق سراحه لصغر سنه، ليتصل بعد ذلك بعباس لغرور عن ليضمه الى طاقمه ، وكان ذلك منتصف سنة 1955 وأصبح منذ ذلك الحين من المقربين من الشهيد عباس لغرور كملازم ومساعد ثم ملازم ثاني ليصبح عضوا بمجلس المنطقة الثانية للولاية التاريخية الأولى، قبل أن يسافر في سنة 1957 في مهمة إلى تونس. وفي أوت 1958 استشهد مامون خالدي رفقة 25 من رفاقه في معركة طاحنة بمنطقة بوعريف رفقة الرائد محمد عرعار المدعو بوعزة.
وقد نالت عائلته في جزائر الاستقلال شرف تسمية ثانوية بعاصمة لاية خنشلة باسم الشهيد مامون خالدي ، واطلاق التسمية أيضا على احدى دفعات ضباط الجيش الوطني الشعبي بالمدرسة التطبيقية لسلاح المدرعات بباتنة سنة 2008 تقديرا وعرفانا لتضحيات هذا الشهيد.
ع. بوهلاله
سكان "المناطق المحرمة" بقالمة يسترجعون ذكرى ثورة التحرير
تهجير قسري و جرائم حرب في كل مكان
اليوم تمر 58 سنة على اندلاع ثورة التحرير التي كللت بنصر كبير أعاد الكرامة لشعب نال من القهر و الإذلال ما لم تنله شعوب عربية أخرى طالها ليل الاستعمار الأوروبي الذي اغتصب الأرض و العرض و مسخ الهوية و ترك شعوبا بأكملها تعاني سنوات طويلة من بعد رحيله. 58 سنة زمن طويل لكنه لم ينس سكان ولاية قالمة معنى الاستعمار الذي أحرق و أباد مشاتي بأكملها مازالت تعاني إلى اليوم و تتذكر بألم كبير ما حدث خلال سبع سنوات و نصف من الحرب الشرسة التي قادها جنرالات العدو بالمناطق التي حرمت على كل كائن يتحرك.
و يعد الإقليم الغربي الممتد من جبل مرمورة ببليدة بوحمدان إلى غاية جبل بوعربيد المتاخم لحدود ولاية سكيكدة، من أكثر المناطق تضررا خلال الثورة و التي شهدت عمليات إبادة جماعية للسكان و تهجيرا قسريا بعد فرض نظام المناطق المحرمة لتضييق الخناق على الثورة التي بلغت ذروتها بالمنطقة بعد معركة مرمورة الشهيرة التي سقط فيها العقيد جان بيار قائد حرب الهند الصينية الذي جاء متطوعا لمنطقة قالمة التي كانت معقلا لقوافل جيش التحرير المتوجهة إلى تونس لجلب الأسلحة و الذخيرة. و قد اختير الجلاد "لومان" لتطهير المنطقة المحرمة من السكان الذين جهروا بمساندة الثورة و الوقوف مع جيش التحرير الذي اتخذ من جبال مرمورة ، بوعربيد، طاية ، عيون القصب و بوعربيد معقلا له بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية الصعبة التي تميز الإقليم الغربي الذي استعصى حتى على الطيران الحربي. فتقرر تسليم المهمة الى فيلق المشاة بقيادة لومان الذي جسد سياسة الأرض المحروقة و ارتكب جرائم حرب مازالت على لسان من عايشها من سكان المنطقة الذين شاهدوا الإعدامات الجماعية بدوار الملعب و عين براهم و بوغدير و لقرار. و شاهدوا أيضا كيف يقام الرهان بين جنود لومان حول الجنين الذي في بطن أمه هل هو ذكر أم أنثى تبقر بطون الحوامل و يستخرج الجنين و يفرح الفائز بالرهان و يتلقى مكافأة من القائد لومان الذي نهب ممتلكات المواطنين و احرق منازلهم و حول الخيول و البغال إلى هدف للقناصة المبتدئين و اغلبهم من الذين خانوا الثورة و كشفوا أسرارها للعدو الذي عاث فسادا في المنطقة لكنه لم يقدر على إسكات الثورة المتأججة التي أطاحت بجبروت لومان ذات يوم بجبل "الشعايرية" و قبله العقيد جان بيار فوق قمة جبل مرمورة التاريخي.
و يطالب سكان المناطق المحرمة بقالمة بالتحقيق في جرائم لومان بالإقليم الغربي و إحصاء الشهداء الذين من السكان العزل الذين ذهبوا ضحية الإعدامات الجماعية و أحرقت حقولهم الزراعية. و سلب جنود لومان كل ما يملكون حيث كانت مواشيهم تباع بسوق عزابة بعد كل عملية تمشيط يقوم بها لومان. و مازال سكان الإقليم الغربي يعانون من الآثار المادية و النفسية بسبب بشاعة الجرائم المرتكبة هناك و هم متمسكون بمطلبهم القاضي بفتح صفحة جديدة من صفحات الماضي الاستعماري الأسود و إقامة نصب تذكاري بقلب المنطقة المحرمة يخلد أرواح الذين سقطوا في إعدامات جماعية مصنفة في خانة جرائم الحرب و التهجير القسري الذي زج ببقايا السكان في محتشدات بعد إخراجهم من قلب المنطقة المحرمة التي ظلت منطقة أشباح حتى الاستقلال.
"الطائرة الصفراء" لصيد الفلاحين و الرعاة و القنابل العنقودية المحرمة لحسم المعارك مع جيش التحرير
مازال سكان المنطقة المحرمة التابعة آنذاك للولاية الثانية المنطقة الثانية يتذكرون ما يسمونه "الطيارة الصفراء" التي كانت تجوب الإقليم الغربي و تصطاد رعاة المواشي و الفلاحين بحقول القمح و كل كائن يتحرك داخل المنطقة المحرمة، سقط الكثير من السكان العزل برشاشات الطائرة الصفراء التي يقولون بأنها كانت تلاحق الهاربين عبر الأودية و الشعاب و المختفين بين الصخور تقتل من تقتل و تصيب من تصيب و تظل هكذا من شروق الشمس إلى غروبها، مما أدى إلى انقطاع مصادر الرزق عن السكان الذين تعرضوا للجوع لكنهم لم يستسلموا و ظلوا يمونون الثورة بما توفر لديهم. و قد استعمل الاستعمار الفرنسي كل أساليب الترهيب و القتل ضد السكان لمنعهم من الاتصال بجيش التحرير و إمداده بالمؤونة و المعلومات المتعلقة بتحركاته و وصل الأمر إلى حد وضع الأسلاك الشائكة حول المحتشد الذي وضع به سكان المنطقة بعد تهجيرهم بالقوة. و يقع المحتشد الكبير قرب جبل مرمورة الذي شهد أكبر معركة بمنطقة قالمة خلال الثورة استعملت فيها القنابل العنقودية المحرمة لإبادة كتيبة جيش التحرير التي تمركزت بالجبل شهر ماي 1958 .
و حسب شهود عيان عايشوا أحداث المعركة الكبرى فإن أغلب المجاهدين الذي استشهدوا بجبل مرمورة كانوا بفعل الغازات السامة و القنابل العنقودية الحارقة التي طالت السكان المجاورين الذين عاشوا أحد أيام جهنم و اخرجوا الجثث المحترقة من أرض المعركة التي دامت يومين كاملين. و قد لجأت فرنسا إلى استعمال الأسلحة المحرمة مباشرة بعد سقوط العقيد جان بيار حيث أصيب قادة العدو بالجنون و أمروا بحرق الجبل و النيل من السكان الذين احتضنوا الكتيبة الباسلة بقيادة دحمون الطاهر ، خليفة ختلة و سي محمد الحروشي و هي أول مرة يستعمل فيها هذا النوع من الأسلحة بالمنطقة المحرمة التي تتوزع اليوم بين بلديات الركنية ، بوحمدان و برج صباط و تمتد إلى عدة مناطق من ولاية سكيكدة.
أفران الجير و الجحفة شواهد أخري على جرائم الحرب و الإبادة
تعد أفران الجير الرهيبة بقالمة، أين احرق المئات من الجزائريين خلال انتفاضة ماي الأسود جريمة الحرب الوحيدة التي اعترفت بها فرنسا ضمنيا على لسان سفيرها السابق برنارد باجولي الذي خطب أمام طلبة جامعة قالمة عشية الذكرى ال63 لمجازر 8 ماي 45 قائلا "إن زمن إنكار المجازر التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية في الجزائر قد ولى" و باستثناء هذا الاعتراف شبه الرسمي الذي أملته المصالح الجيوسياسية تجاه الجزائر، فإن فرنسا مازالت تغض الطرف و تتنكر لجرائم أخرى أشد فظاعة و أشبه بجرائم أفران الجير و كاف البومبة بهليوبوليس، حيث أنه و مع مرور الزمن تنكشف حقائق أخرى بقيت لسنوات حبيسة الأرشيف السري الفرنسي كالاختفاء القسري لآلاف الجزائريين خلال الثورة و مجازر 8 ماي 45 و تكرار عمليات الإبادة عن طريق الحرق، كما حدث في معركة الجحفة التاريخية ببلدية تاملوكة جنوب قالمة عندما عمد الجيش الفرنسي إلى إحراق جثث المجاهدين الذين سقطوا في المعركة للتغطية على الخسارة المذلة التي مني بها، و تقديم تقرير مخادع الى القيادة الفرنسية يزعم فيه بأنه قضى على المئات من قطاع الطرق و "الفلاقة" كما يسميهم. و بجبال بني صالح معقل القاعدة الشرقية أبيدت أعراش بأكملها و أحرقت الأرض و زرعت الألغام على طول الخط المكهرب و مازالت الى اليوم تحصد الأرواح بعد 50 سنة من الاستقلال.
فريد.غ
الجنرال "ماسو" يفقد 650 جنديا و 5 طائرات في معركة قلب العرعار بجبل الميمونة في المسيلة
تعتبر معركة قلب العرعار، بجبل الميمونة ببلدية محمد بوضياف بالمسيلة واحدة من أعنف المعارك التي خاضها سكان المنطقة ضد المستعمر الفرنسي الذي خسر فيها أزيد من 400 جندي في 7 ماي1957 ، بحسب الرواية الرسمية لمستعمر نفسه حيث قضى العدو ثلاثة أيام في جمع جثث جنوده، في مقابل استشهاد خمسة فقط من جنود جيش التحرير الوطني .
و ذكرت استعلامات جيش التحرير الوطني أن العدو الفرنسي خسر أكثر من 650 جنديا من بينهم النقيب " سنكا " كما كانت الحصيلة ثقيلة في العتاد، وأسقطت له خمس طائرات واحدة منها لايزال حطامها عالقا بأحد جبال الميمونة وساعدت طبيعة المنطقة المجاهدين في دحر القوات الاستعمارية، حيث يعد جبل الميمونة أعلى كتلة جبلية بالمنطقة يرتفع إلى 1313 مترا وينتصب كحصن بارز فوق المنخفضات الصحراوية ، ويتميز بغطاء نباتي قليل تتخلله أشجارالعرعار والصنوبر.
معركة قلب العرعار وفق ما تؤكده العديد من المصادر التاريخية حضر لها المجاهدون بعد أن كان أحد المواطنين الجزائريين العاملين بمكاتب المصالح الإدارية الخاصة "لاصاص"على علم بعملية تمشيط قررت القوات الاستعمارية القيام بها بالمنطقة الممتدة بين أولاد جلال وبن سرور لمدة 4 أيام وحشدت لهذه العملية العسكرية ما يفوق 1500 جندي ومختلف أنواع الأسلحة من مدافع ثقيلة ودبابات ومدرعات وحوالي 36 طائرة من مختلف الأنواع تحت قيادة الجنرال "ماسو" ،فبعث برسالة إلى المجاهدين يعلمهم بتوقيت العملية .
وعلى اثر وصول هذه الرسالة عقدت وحدات جيش التحرير المتواجدة بالميمونة اجتماعا طارئا تحت رئاسة السعيد بن الشايب نائب العقيد الحواس والمجاهد رويني الغويني( استشهد أثناء هذه المعركة )،فتم الاتفاق على عدم الانسحاب ومواجهة العدو في منطقة" قلب العرعار" بجبل الميمونة حيث تم حفر الخنادق وتوزيع المهام على الفرق بقيادة المجاهدين على امهيري ورويني لغويني بمساعدة فرج الله المداني وبن المداني عبد الجبار وأحمد بوهالي وغيرهم .
بداية المعركة كانت في اليوم الرابع من وصول الرسالة المصادف للسابع ماي 1957 ومع تباشير الصباح الأولى كانت الأضواء الكاشفة وأضواء السيارات العسكرية تملأ المكان وتكسر هدوء ذلك الصباح بضوضائها ، وفي هذه الأثناء أعلنت حالة الاستنفارفي صفوف المجاهدين.
ولما دقت الساعة السابعة إلا الربع ،كان صدى الجبال يردد التكبيرات وانهال الرصاص من كل جانب على العدو الذي تمت مباغتته حيث لم يكن يعتقد أن كتيبة من جيش التحرير مهما كان عددها تتجرأ على مواجهة هذا الجيش الجرار وعلى وقع الصدمة راحت الطائرات بمختلف أنواعها (ب26 – ب29 –ت6)والطائرات العمودية تجوب سماء المنطقة، وترمي بحمولتها على طول الجبل ،إلا أن المجاهدين أحسنوا التمويه مما جعل الطائرات لا تصيب أهدافها ولم يترك الجيش الفرنسي طريقة إلا واعتمدها في تضييق الحصار على المجاهدين ومع حلول الظلام خفت حدة المعركة وبدأ أفراد جيش التحرير في التراجع والخروج من ساحة المعركة والانسحاب .
نتائج المعركة كانت ثقيلة في صفوف العدو الفرنسي الذي خسر ما يفوق 650 جندي من بينهم النقيب "سنكا" حسب استعلامات جيش التحرير بينما ذكرت وكالات الأنباء العالمية وقتها استنادا إلى الرواية الفرنسية نفسها حصيلة 400 قتيل. فيما استشهد خمسة مجاهدين ويتعلق الأمر بالمساعد غويني السعدي المدعو القائد رويني ، وحملاوي عامر وبريد الولاية الأولى المدعو عبد القادر واثنين من المسبلين هما عبد الجبار عيسى والتلي أسعيد وجرح مجاهدان .رد فعل العدو كان بمحاولة تمويه ومغالطة سكان المنطقة بعدما لم يهضم حقيقة الهزيمة من خلال جمع " القومية " وإلباسهم لباس المجاهدين وراح يعرضهم على سكان المناطق المجاورة على أنهم "فلاقة " تم أسرهم خلال المعركة ،كما مارس وحشيته على البدو الرحل من قبيلة أولاد سليمان حيث جمعوا 19 فردا منهم الشباب والشيوخ والأطفال واخذوا يضربونهم واجبروهم على المبيت عراة في البرد .
فارس قريشي
نتائج الثورة كما يراها مواطنون من مختلف الأجيال
أهداف كثيرة تحققت في انتظار تكريس الديموقراطية والحريات
الثورة الجزائرية حققت أهم أهدافها الأساسية و هو الاستقلال و إعادة بناء وطن حر يتمتع بسيادته الخاصة و يملك إنجازات و منشآت مهمة، حسب آراء البعض، و لكنها مازالت بعيدة جدا عن تحقيق الأهداف الضرورية الأخرى كحرية التعبير و الديمقراطية السياسية كما أكد معظم اللذين تحدثنا معهم في هذا الإستطلاع و الذين يمثلون عينة من مختلف شرائح المجتمع.
أثمرت الثورة الجزائرية بالنسبة للسيد فرحات كعواش، طبيب عام، الكثير من الأشياء الإيجابية التي تبلورت بعد الإستقلال في إنجازات مهمة خاصة في مجالات الصحة و التعليم، قائلا أن الجزائر هي البلد الوحيد الذي قدم لأبنائه تعليما مجانيا إلى جانب منح قيمة للدراسة في الخارج، بالإضافة إلى العلاج المجاني لكافة الشعب و غيرها، و لكن فيما يتعلق بالديمقراطية فلازالت الجزائر حسب رأيه بعيدة جدا عن هذا المطلب الشعبي الضروري، مادام المواطن لا يملك بعد حرية تعبير حقيقية.
و هو الرأي الذي يتقاسمه أيضا السيد دراجي كوّاس، مدرب في التنمية البشرية و رئيس مركز الحكمة بعين السمارة، قائلا أن الهدف الأول الذي جاء في بيان أول نوفمبر قد تحقق بمجرد خروج فرنسا من الأراضي الجزائرية، و لكن ما لم يتحقق خلال الخمسين سنة الماضية هو الاستقلال السياسي و الاقتصادي، بسبب الاعتماد على الريوع البترولية الهشة التي تصرف على احتفالات كرنفالية، كما قال مضيفا: " شباب اليوم يعبرون عن أنفسهم بطرق سلبية بواسطة قطع الطرق و الحرق، في غياب الثقة بين الرئيس و المرؤوس، أول شرط يجب توفيره لتحقيق الديمقراطية التي تعتبر أهم أهداف الثورة الجزائرية".
و كذلك هو الأمر بالنسبة للسيد حسين طاوطاو، باحث مختص في الآثار، و الذي قال أيضا أن هدف تحقيق السيادة الوطنية لا يمكنه أن يأتي دفعة واحدة بل يجب أن يتم عبر مراحل: " لأن الحرية أمر نسبي و وطننا مازال يعاني من تبعية اقتصادية و فكرية كبيرة تمنعه من تحقيق السيادة المطلقة خاصة أننا نستورد كل شيء من الخارج حتى العلوم"، مضيفا أن الكمال الديمقراطي يحتاج إلى مشوار طويل و خمسون سنة فترة قصيرة جدا.
أما السيدة فاطمة الزهراء بيلوك، مدرسة لغة عربية، فترى أن ثورة نوفمبر حققت مكاسب عظيمة أولها الاستقلال في ظرف قياسي، غير أن السيرورة الاجتماعية والحراك العام يفرض على أي أمة الاستمرار في التخطيط ووضع آليات جديدة ترتكز عليها ثم تقيم نفسها على أساسها: " نحن اليوم نكتشف أننا أمام وضع مزري لا يمكن تجاهله، لأنه يتعلق بالإنسان الجزائري الذي وقع في قبضة وضع راهن تعم فيه الجريمة والاختلاس والرشوة والحقرة والحرقة "، كما قالت مضيفة أن هذا الواقع مؤسف جدا لأن الفرد الجزائري هو المكسب الحقيقي للثورة التي راح ضحيتها الكثير من الشهداء.
و يعتقد السيد اليامين بلحاسي، معلم سياقة، أن الثورة الجزائرية حققت أهم ثمارها و يكفي: " أننا اليوم أحرار و يحكمنا رئيس جزائري"، كما قال معبرا أن هذه أهم خطوة لتحقيق الديمقراطية و السيادة الوطنية في كل شيء، مضيفا أن الجزائر في الخمسين سنة الماضية بنت إنجازات مهمة من مؤسسات، معاهد و غيرها، و هذه أمور إيجابية يجب أخذها بعين الإعتبار للتوقف عن الإنتقاد الدائم لهذا الوطن الذي تغلب على أخطر مرحلتين في تاريخه و هي الإستعمار و الإرهاب.
و من وجهة نظر السيد مصطفى عياد، ممثل، الثورة حققت خمسين بالمئة فقط من أهدافها بفضل بعض الإنجازات المادية، لكن فكرة الإستثمار في الإنسان التي كانت حسبه من أهم مبادئ جيل الثورة غابت بعد الإستقلال، لأن " أبناء الجزائر تخلوا عنها في أشد أوقات حاجتها بما فيهم المثقفين الذين كان عليهم محاربة الفساد بدل الإنسحاب ببساطة تاركين ورائهم من يعبثون بالإقتصاد و السياسة و الفن"، مضيفا أن ما تحقق إلى الآن من شعار " الجمهورية الديمقراطية الشعبية" هو كلمة الجمهورية فقط، أما الديمقراطية الشعبية فلا يوجد ما يقابلها في الواقع، موضحا أن وجود سبعون حزبا في دولة واحدة لا يمثل أبدا السياسة الديمقراطية التي تعني إحترام الأغلبية للأقلية و ليس العكس.
و يحمّل الفنان التشكيلي محمد بوكرش، مسؤولية تحقيق أهداف الثورة للشباب الذين يستوجب عليهم من وجهة نظره أن يعيدوا البحث عن مبادئ ثورة نوفمبر لأنه فجر الحرية بالنسبة للجزائريين، و ذلك من أجل محاربة الرداء المكرسة اليوم بقصد، كما يرى من جهة أخرى أن الجزائر حصلت على استقلال مفخخ و ليس إستقلال بالمعنى الحقيقي، لأن الراهن تسوده لغة الأقوى و الأقوياء، مضيفا أن مستوانا الثقافي أصبح ضعيفا جدا و هذا ما زاد الطين بلة كما قال : " لقد خدعنا تربويا في مدارسنا حتى أصبح مستوانا لا يخدمنا و نحتاج الآن للمزيد من السنوات فقط لتعديل مسارنا، فما بالك بباقي الأشياء الأخرى". أما السيدة زويش ربيعة، أستاذة قانون بجامعة قسنطينة، فترى أن الجزائر حققت بإستقلالها تقدما كبيرا على الكثير من الدول العربية، برز فيما بعد من خلال قوانين أعطت الفرد الجزائري و المرأة على وجه التحديد قيمة كبيرة، و يكفي أن الجزائر بعد الإستقلال كانت من بين البلدان القلائل الذين سمحوا للمرأة بأن تكون قاضية، كما قالت أيضا من جهة أخرى أنه : " يصعب على شباب اليوم تقييم ما تحقق من أهداف الثورة الجزائرية، لأنهم لا يستطيعون أن يتصوروا لأنفسه مستقبلا واضح المعالم حتى لو كانوا مجتهدين و ممتازين، في ظل الغموض الذي يكتنف حاضرهم".
و كان تقييم السيد محمد الصالح طامة ، إطار فلاحي، أكثر إيجابية لأنه يرى أن الثورة الجزائرية مثمرة جدا على جميع الأصعدة، خاصة التنمية الإجتماعية و بناء المنشئات الأساسية للمواطن كالسكنات و المدارس و الطرقات، و هذه هي الأشياء التي حلم بها المجاهدين و الشهداء عندما فجروا الثورة، كما قال مضيفا: " رغم أننا مازلنا بعيدين عن الديمقراطية السياسية، إلا أننا نسير في الطريق الصحيح لبناء دولة متينة و متماسكة و هذا بفضل العديد من المشاريع الجادة التي تجعلنا نطمح في آفاق مستقبلية واعدة".
أمينة.ج
الثورة في عيون الجيل الجديد
الشهداء قاموا بدورهم لكن ما تحقق بعد الاستقلال دون طموحهم
تباينت آراء شباب جيل الاستقلال بخصوص نظرتهم لثورة نوفمبر و انقسموا بين مؤمن بتحقيقها لأهدافها الأساسية و بين منتقد لمرحلة ما بعد الاستقلال التي لم تحافظ على أمانة الشهداء على أحسن وجه، و اعتبر البعض أن مجانية التعليم و العلاج أهم مكسب منحته لهم الثورة فيما اعتبر البعض الآخر أن الشهداء فدوهم بدمائهم ليعيشوا من بعدهم أحرارا لمن ذلك لم يتحقق.
النصر رصدت آراء الشباب من مختلف الفئات:
*و تعتبر الطالبة قشي مريم/سنة ثالثة حقوق/ أن ما تتمتع به من مجانية تعليم و علاج أهم دليل على نعمة الاستقلال الذي لم يكن ليحصل دون الثورة المجيدة التي ضحى من أجلها مليون و نصف المليون شهيد، و استرسلت قائلة أن النقائص التي تواجهها كغيرها من الشباب و المشاكل التي يعيشونها بسبب غلاء المعيشة و الظروف الاجتماعية و الاقتصادية الصعبة تبقى نسبية إذا ما قورنت بالحرمان أو المعاناة التي كانوا سيعيشونها تحت الاحتلال. و علّقت متسائلة "الشهداء قاموا بمهمتهم النبيلة على أحسن وجه فماذا عن جيلنا، جيل الاستقلال؟ لنسأل أنفسنا ماذا قدمنا لهذا البلد؟".
*و لم يختلف رأي المهندس معمر منيعي المختص في الإعلام الآلي الذي تحدثنا إليه بمكان عمله بمحل بيع للأثاث المكتبي بحي "عواطي مصطفى" عن رأي طالبة الحقوق قشي من حيث الاستهلال بأهم مكاسب ثورة التحرير و على رأسها منح أبناء الشعب حق التعليم و العلاج المجاني. و اعتبر شعوره بالأمان مرآة عاكسة لتحقيق أهداف الثورة المجيدة التي قال أنه لا يمكنه أن يمر أمام علم وقت رفعه إلا و توّقف و أدى تحية العلم لأنه كبر على ذلك و تربى على حب الوطن متأسفا لتراجع هذه المبادئ لدى الكثيرين من جيل الشباب و قال"أتأسف لغياب الروح الوطنية الخالصة التي لم تعد تظهر إلا عندما يتعلق الأمر بكرة القدم".
و بنبرة لا تخلو من الحماس أضاف المهندس الشاب بأنه يستغرب ممن يربطون حب الوطن بالنقائص و المشاكل التي قد يمرّون بها في حياتهم أو يعانون منها بسبب سوء تسيير أو أسباب أخرى مؤكدا على أهمية مناسبة أول نوفمبر و وصفها بالعرس الوطني الكبير مفتخرا لكونها جاءت بتخطيط مناضلين شباب قال أنه يتمنى رؤية شباب اليوم يحذون حذوهم لرفع هامة الجزائر.
*و يعتقد الشاب صابر جروة - 37 سنة - الذي كان يرتشف فنجان قهوة بمقهى بوسط المدينة أن حرب التحرير لم تحقق من أهدافها إلا الاستقلال دون الديمقراطية لأن الديمقراطية في رأيه تمنح الحرية و كل الظروف المواتية للشعور بالاستقرار المادي و المعنوي من عمل و مسكن بيدا أن استمرار كابوس البطالة و أزمة السكن دليل على فشل تحقيق أهم الأهداف التي ضحى من أجلها الشهداء.
*و بعين رجل حكيم قال أصغر متحدث رصدنا رأيه في الموضوع و يدعى خالد بعداش(20سنة) أنه لابد من التمييز بين الوفاء للوطن و انتقاد النقائص التي دفعت الكثيرين للشعور بالضجر و اليأس و ضرورة عدم ترك تصرّفات بعض المسؤولين السلبية تؤثر على حب المواطن لبلده و الاستعداد لفداه بالنفس و النفيس مثلما فعل جيل أول نوفمبر، بدل التفكير في الحلول السهلة كالهجرة لمجرد شعورهم بالحقرة و التهميش و بدل مواجهة المحسوبية و الرشوة و غيرها من المظاهر التي قللت من حظوظهم في الفوز بسكن أو عمل.
و أضاف خالد و هو بائع أحذية بأن ترعرعه في أسرة تؤمن بثورة نوفمبر و تحترم الشهداء ساهم في توجيه قناعاته و تمتعه بالروح الوطنية معلّقا بنبرة يطبعها الحماس"مستعد لفداء وطني بروحي و دمي إذا واجه أي خطر خارجي أو أي شكل من أشكال الاستعمار بكل حزم".
* و يرى سفيان صاحب "سيبر كافي" بأن جيل الاستقلال لم ينتفع شيئا من ثورة كلفت أرواح الملايين، لأن الشهداء خلصوه من ذل الاحتلال فوجد نفسه في مواجهة استعمار من نوع آخر لا يقل خطورة عن الأول معلّقا "إن شمس الحرية احتكر أشعتها عدد معيّن من الأشخاص".
و أضاف بنبرة استياء بأنه كغيره من الشباب لم يتذوق طعم الحرية الحقيقية كما لم يتمتع بأبسط حقوقه من مسكن و عمل قار. و استرسل متسائلا كيف لنا أن نقول بأن الثورة حققت أهدافها و نحن نسجل تضاعف عدد الفقراء من سنة إلى أخرى و نشتري كيلو بطاطا بستين دينارا فما فوق، وسعر الكباش حطم رقما قياسيا هذه السنة...و غيرها من الأسئلة و الانشغالات التي قال أنها ساهمت في تراجع الروح الوطنية و حب الوطن و الشعور بالانتماء، مضيفا بأنه يعتبر ذكرى ثورة التحرير مرحلة صنعت فخر الجزائريين لكن للأسف لم يستمر ذلك طويلا. *و اعتبر رضوان 32سنة صاحب مؤسسة للعتاد الكهربائي أن حب الوطن أمانة تركها الشهداء الأبرار للجيل الذي أتى من بعده و لا بد من صيانتها بنزاهة بعيدا عن الأنانية و الصراعات غير المجدية، مضيفا بأن كل ما تتخبط فيه البلاد من مشاكل اقتصادية يمكن تجاوزها بكل سهولة لو تحرّك كل جزائري بقلب و إيمان الشهداء الذين لم تهمهم حياتهم و مستقبلهم و دراستهم و عملهم و أسرهم بقدر ما همتهم استعادة ما سلبه الاستعمار الفرنسي منهم.
رصدتها: مريم-ب
هل لازالت الثورة تلهم الجيل الجديد من الكتاب الجزائريين ؟
كيف هي علاقة الجيل الجديد من الكُتاب بالثورة التحريرية؟، هل استفاد من تيمة الثورة في كتاباته، هل استلهم منها، هل قاربها وكتب عنها في رواياته وإبداعاته؟، هل تجاوزها وتخطاها إلى موضوعات وتيمات أخرى يراها أكثر راهنية وأكثر أحقية في التناول والطرق والطرح والمكاشفة مثل الذات والهوية والوجود وصراعات الحياة وغيرها، وهل هناك قطيعة بين الجيل الجديد من الكُتاب الجزائريين والثورة الجزائرية ورموزها وتاريخها وبطولاتها؟، وبالتالي يعتقد نفسه معفيا من الخوض في هذا الشأن أدبيا وفنيا.. هنا آراء وإجابات مختلفة من بعض الكُتاب حول هذه الأسئلة وهذا الموضوع.
استطلاع/ نوّارة لحرش
عبد الوهاب بن منصور/ قاص وروائي
لازالت الثورة تلهمني
طبعا لا يمكنني القول أن الثورة التحريرية برموزها وبطولاتها قد جفّ بريقها ولم تعد تُلهم أحدا، لأنّ ما كُتب فيها وعنها ليس شيئا كثيرا قياسا بما قدمه شعب بالكامل. لقد ألهمت كُتابنا ومبدعينا خاصة الجيل الأول والثاني بعد الاستقلال الّلذان وجدا في بطولاتها وأمجادها تيمة للتوظيف والاشتغال. الجيل الّذي ولد بعد الاستقلال، وأنا واحد منه، حيث أن الثورة بالنسبة لي هي حكايات الجدّة والأب وكتب التاريخ، لذلك نجد أن كُتاب هذا الجيل، أو بالأحرى معظمهم، وظفوا الثورة التحريرية كخلفية تاريخية فقط، فظلت صورة المجاهد أو الشهيد حاضرة في أغلب الأعمال الروائية. لكني أعتقد جازما أن السياق التاريخي لعب دورا مهما في توجه الكتابة واختيار التيمة. شخصيا، لازالت الثورة التحريرية تلهمني، وفي نفس الوقت كنت ربّما من الأوائل الّذين كتبوا عن هامش الثورة، الهامش المسكوت عنه وعن بعض السلبيات. إنّ القول بأن الثورة فقدت بريقها وألقها وإلهامها فيه إجحاف كبير، ففي الوقت الّذي نرى فيه بعض الكُتاب يكتبون في موضوعات وتيمات أخرى نجد أن حقولا إبداعية أخرى كالسينما أو المسرح يستلهمان إشعاعهما منها على الرغم ممّا قدماه بعد الاستقلال. وهذه السنة سيرى النور فيلم وثائقي عن التعذيب إبان الثورة كتبت سيناريوه، إضافة إلى نص مسرحي يتحدث عن بطل شهيد وبطلة جمعتهما الثورة في علاقة حب، وكان حبا للثورة بالدرجة الأولى. أقول هذا فقط لتأكيد أن الثورة لازالت تلهم ولا أظنها تتوقف يوما.
زرياب بوكفة/روائي
الثورة في أدب الجيل الجديد ذكرى بعيدة ليس من الطيب الخوض فيها
الثورة في أدب الجيل الجديد ذكرى بعيدة ليس من الطيب الخوض فيها لأنها رومانسية سياسية لن تولد غير نصوص هلامية غريبة وسطحية. الثورة الجزائرية أخذت منحى الرفض في أدب الجيلين الأولين ومنحى النسيان في أدب الجيل الجديد. رفض أساسه السياسة وأحلام الهوية البائسة. ونسيان دافعه زمني لا غير. ماذا يعرف جيلنا عن الثورة!. زهور ونيسي تقول أن الأدب العربي قدّم للثورة الجزائرية أكثر مما قدمه أبناؤها وهذا صحيح. أدباء مصريون عراقيون سوريون تونسيون مغاربة وحتى من الكويت والسودان صوروا الثورة على أنها ملحمة إنسانية رائعة. وفي الجزائر لم يقدم الأدب الجزائري للثورة إلا صداها ويلزمنا أجيال أخرى لكتابة الثورة لأن سابقونا فشلوا ونحن لم نحاول حتى.
الخير شوار/ قاص وروائي
الثورة بمثابة السِفر الذي لا يمكن تجاوزه
لم أجد «أصدق» من الروايات الجزائرية التي اقتربت بشكل فني من الثورة التحريرية، فعندما استعيد روايات مالك حداد أتقمص ذلك التمزق الذي لازم «المؤلف» في «سأهب لك غزالة»، وأقرأ ذلك الصدق العميق في «رصيف الأزهار لم يعد يجيب» و»الانطباع الأخير» و»التلميذ والدرس». وعن كتابة تاريخ الثورة روائيا، مازلت مأخوذا بشخصية زيدان التي كتبها الطاهر وطار وتحولت إلى واحدة من أهم الشخصيات الروائية. ولم يكن زيدان في تاريخ الثورة إلا المناضل اليساري العيد العمراني الذي قرأته روائيا قبل أن أقرأه «تاريخيا» من خلال نقاشي الشخصي مع صديقه الطاهر بن عيشة وقراءتي لبعض الكُتب التي تروي تفاصيل اغتياله من قِبل رفقاء السلاح. لقد كانت الثورة التحريرية بمثابة «سِفر تكوين» شخصيتنا، وهو السِفر الذي لا يمكن تجاوزه، لكن ليس معنى هذا أن تعيد كتابته بشكل تقريري، بل أرى أن الكتابة في هذا الشأن تأتي بشكل عفوي انطلاقا من واقعنا.
عبد القادر برغوث/ كاتب وروائي
استلهمت نصوصا من الثورة هي الأقرب إلي
الثورة لم تعد هي الموضوع وإنما هامش مهم في النصوص الإبداعية عموما والروائية خصوصا، بل الأكثر من ذلك صارت لدى البعض موضوعا لا يمثله ولا يشعر به وله بعض الحق في ذلك، هذا إذا سلمنا أن الكاتب هو ابن زمنه ومكانه، أنا ضد المقاطعة غير المعلنة والتنكر لشخصيتنا وملامحنا وإرثنا الحضاري بكل ما يحمل لأنه هو من يميزنا عن غيرنا، فمثلا عني في روايتي «جبال الحناء» لم أتطرق للثورة بشكل مباشر بل استعنت ببعض اللحظات العالقة في مخيلة من عاصروها لأحكي عن قصة مكان، لأجعل منه فضاءً للتواصل وبعثه من جديد، لم أمارس في ذلك دور المؤرخ بقدر ما حاولت أن أجعل منه أيقونة جمالية مستساغة في نسيج يبرر الماضي بالحاضر، كما أنني استعنت بالثورة في كتابة بعض النصوص القصصية التي هي من أقرب النصوص إليّ، ولهذا أنا أدعوا الكُتاب الشباب إلى إعادة كتابة الثورة من جديد ولكن من خلال مفهومنا ورؤيتنا نحن بدون عُقد أو أي اعتبارات أُخرى حتى ننصفها وننصف أنفسنا.
خالد ساحلي/ قاص
ثيمة الثورة في صميم بعض أعمالي والاهتمام لا يعني تجاوزا لها
كتبت عن الشهيد، وعن أم الشهيد وعن الرجل المنسي الذي يتوكأ على عكاز خشبي ومات منسيا بعدما صنع البطولات والملاحم. لا شك ثيمة الثورة في صميم بعض أعمالي القصصية، الثورة فيها كثير ونحن نعرف القليل، أرى أن مذكرات الأحياء من المجاهدين والشخصيات الوطنية التي توفيت، مذكراتهم هي الرائجة في كل معرض، أليس هذا دليل على الاهتمام وفضول في معرفة الكثير من الخبايا. هناك مقاربات كثيرة بين ما أكتبه وبين الذي حدث في مرحلة معينة من تاريخ الثورة، كتاباتي فيها نزعة حداثية نعم وهي تتماشى مع روح العصر بكيفية أو بأخرى وتحمل رؤى مختلفة إلا أن هناك كتابات تضرب في عمق تاريخ الثورة المجيدة. أما الاهتمام بالحاضر والمستقبل في الكتابات فهذا لا يعني تجاوزا للثورة المجيدة.
كمال قرور/ كاتب وروائي
يجب أن تتحرر الثورة من القداسة لتصبح موضوعا قابلا للكتابة
للأسف الثورة الجزائرية، رغم عظمتها، مازالت أُمنية بالنسبة إلي كموضوع للكتابة الروائية، مادام التاريخ مسيجا بالروايات الرسمية، التي لا تسمح بالمسكوت عنه، يجب أن تتحرر الثورة من القداسة لتصبح موضوعا قابلا للكتابة. لهذا شخصيا، أفضل الكتابة عن أشياء أعرفها أو عن قضايا أعيشها واهتمامات أحملها. نحن نقرأ اليوم مذكرات هؤلاء الذين شاركوا في هذه الثورة وهم يصبغون على أنفسهم أشكال الوطنية والبطولة والوفاء، وعلى غيرهم أشكال الجبن والخيانة والعمالة. ليس بالضرورة أن أكتب أو يكتب جيلنا عن الثورة، ليثبت ولاءه للوطن، أو وطنيته، الأمر غير مطروح الآن بهذه الحدة. ولكنها موضوع يستحق أن يتناول بموضوعية بعيدا عن أشكال الرقابة والأحكام المسبقة. كثيرون من كُتابنا كتبوا عن الثورة، وخاصة أولئك الذين عاشوا أحداثها، وبعضهم خاضوا في المسكوت عنه، لكنها بقيت ثورة عظيمة بلا أدب ثوري عظيم متميز.
كُتاب وأكاديميون يناقشون المسألة
هل انكتبت الثورة الجزائرية روائيا؟
كيف هي الثورة الجزائرية في الروايات الجزائرية؟، هل ما كُتب حتى الآن يعكس الثورة فنيا وأدبيا الفني الثورة. هل هناك روايات جسدت بعض الشحنات الدرامية للثورة بامتيازات فنية ملحوظة؟.. هذا ما سنعرفه في ملف "الثورة التحريرية في الرواية الجزائرية"، الذي ساهم فيه كُتاب وأساتذة من خلال شهاداتهم ومقارباتهم في هذا الموضوع، وما إذا كانت هذه الثورة كُتبت إبداعيا وجماليا في الرواية أم لا؟.
استطلاع/ نوّارة لحرش
سعيد بوطاجين/ كاتب وناقد ومترجم وأستاذ بجامعة مستغانم
نصوص روائية محدودة راهنت على موضوع الثورة وهي بسيطة مقارنة بالشعر
يستدعي الحديث عن علاقة الرواية بالثورة الجزائرية أن نأخذ في الحسبان عدة قضايا متشابكة: معرفة التاريخ ومعرفة آليات الكتابة السردية وجماليات القول. أما المشكلة الأولى فتكمن في مدى إحاطتنا بالثورة وقيمها، خاصة مع ما يلفها من إبهام وقصور في التعريف بها، وهذا أمر يخص المؤرخين والذين عاشوا هذه الوقائع المرة. إننا لم نعرف من هذه الملحمة سوى بعض الحقائق، المتضاربة أحيانا. ربما كان الرعيل الأول من الكُتاب أكثر قربا من الموضوع بالنظر إلى المعايشة، لذلك تم التبئير على بعض أجزائها بشيء من المعرفة، وببعض التعاطف. ويجب التذكير في هذا السياق أننا خرجنا من حرب مدمرة على كل الأصعدة، ولم نكن نملك سوى عدد محدود من الكُتاب. وكان ذلك العدد المجهري، مقارنة بحجم الثورة، غير مؤهل لاستثمارها، وهو أمر منطقي. ربما كنا بحاجة إلى مئات الكُتاب الموهوبين للكتابة عن موضوع بهذا الحجم. لقد كنا قليلي الحظ من هذه الناحية، رغم المجهودات التي بُذلت. بيد أنها تظل مقاربات قليلة، دون الحديث عن مستويات التمثل وما تعلق بالنواحي الجمالية والفنية. هناك، في حقيقة الأمر، نصوص محدودة جدا راهنت على الموضوع، وهي بسيطة مقارنة بالشعر. لقد كانت الرواية في بداياتها الأولى، لذا لم يتسن لها الذهاب بعيدا في نقل جزء مهم من ذاكرتنا ومن الألم الذي تسبب فيه مستعمر متوحش قام بتخريب الإنسان والكيان والأسس والمرجعيات. لم يستطع الكُتاب القلائل الإحاطة بالثورة. كان ذلك أمرا مستحيلا. أما الكُتاب الذين جاءوا لاحقا فقد عنوا بموضوعات أخرى. كان الساسة والمسؤولون قد عاثوا فسادا باسم الشرعية التي تم تشويهها بكل بساطة. لم تعد الثورة في قناعة بعضهم سوى شكل من أشكال المتاجرة والظلم واقتسام السلطة والريع، وبذلك فقدت بعض ألقها. لقد تصدعت تلك الصورة المثالية التي وردت في الكتب والشهادات والحكايات. وهذه خسارة أخرى تنضاف إلى التقصير الكبير في التعريف بتضحيات الأجداد. سواء عن قصد أو عن غير قصد. سيلاحظ القارىء أن الكُتاب الجدد ركزوا على قضايا الحرية والقهر والديمقراطية والسكن، وغيرها من الموضوعات النفعية، ما عادت الثورة تعنيهم لأنها نُقلت إليهم مشوهة، منقوصة من عوالمها المثالية التي سمعوا عنها. وسيتحمل قسم من المسؤولين نتائج ذلك المسخ الفظيع الذي كاد أن يجعل من ثورة كبيرة عدوا كبيرا. لا أتصور أن الكِتابات الجديدة ستعود إلى الوراء، يبدو الأمر سرياليا. قد تظهر كتابات استثنائية تعالج الموضوع، لكنها لن تكون كافية أبدا. لقد خسرنا الرهان في مطلع الستينيات عندما قدمنا إلى الواجهة بشرا لا يمثلون جمال الجزائر وشهدائها وخساراتها. ولست أرى أي إصلاح في الأفق، ما عدا إن حصلت معجزة. لقد خلقت الرواية لنفسها عوالم أخرى، وهي منفصلة عن إرثها لأسباب كثيرة. أما الثورة فكانت تنأى مع السنين، وقد تصبح مجرد ذكرى قديمة تتداولها الألسن والخرافات، وليس الرواية الجديدة، مع استثناءات يصعب ضبط ملامحها القادمة إن حصل ذلك بطبيعة الحال. قد تعود الثورة إلى السينما وإلى المسرح المناسباتي عند الطلب، أي لغايات معينة، لكن عودتها إلى الرواية ستكون حلما، ولن تعود إلا في أعمال قليلة ومتباعدة بالنظر إلى العوامل المذكورة. لقد نجحنا جيدا في تخريب الذاكرة.
بوداود عميّر / كاتب ومترجم
تجسدت الثورة التحريرية في السينما الجزائرية وفشلت عن تحقيق ذلك في الرواية
يتفق الكُتاب الجزائريون في معظمهم، على أن ما كُتب عن الثورة الجزائرية، لاسيما الرواية والمنجز السردي عموما، خلال الخمسين سنة من عمر الاستقلال، لا يرقى كمًا وكيفًا إلى مستوى عظمة الثورة التحريرية في التعبير عن وهجها وترسيخها لقيم النضال والكرامة الإنسانية. ولكن لماذا استطاعت السينما الجزائرية مثلا أن تحقق بشكل أو بآخر ما فشل في تحقيقه الأدب الجزائري؟ أو بصيغة أخرى، لماذا نالت الأفلام الجزائرية التي تناولت
موضوعاتها ثورة التحرير نجاحا وطنيا وعالميا، من خلال حصدها جوائز مختلف المهرجانات السينمائية أهمها على الإطلاق جائزة السعفة الذهبية التي نالها محمد الأخضر حامينة عن فيلمه "وقائع سنوات الجمر"؟، كيف استطاعت السينما الجزائرية أن تؤسس مدرسة سينمائية حقيقية، أطلق عليها اسم السينما الثورية، في حين لم تحقق الرواية الجزائرية الحد الأدنى من الاهتمام وطنيا، فضلا عن الاهتمام العالمي، لماذا تجسدت عظمة الثورة التحريرية
المباركة باعتبارها أعظم الثورات في العالم تضحيات، كفاحا وصمودا في السينما الجزائرية، وفشلت عن تحقيق ذلك في الرواية الجزائرية باللغتين، لولا بعض الاستثناءات يقف على رأسها بعض الأسماء مثل محمد ديب، كاتب ياسين، بوجدرة، والطاهر وطار باللغة العربية في بعض الأعمال. أعتقد أن ثمة جملة من الأسباب حالت دون نجاح الرواية الجزائرية في تحقيق الاحتفاء بالثورة التحريرية المباركة، أهمها أن عددا معتبرا من الأعمال الروائية
تناولت ثورة التحرير تناولا سطحيا، لا يمت بصلة أحيانا إلى الفن القصصي والروائي، حيث اعتنت جوهريا بالفكرة المحددة سلفا والموقف الآني، مُهملة الجانب الفني الذي يمنح العمل الإبداعي قيمته الحقيقية. علاوة على أن العديد من الروايات أفرطت في تضخيم البطولات والانتصارات، غافلة الشق الإنساني المهم في الحبكة الروائية وفي نسيج البناء السردي، الأمر الآخر المهم في اعتقادي، أن التعامل مع ثورة عظيمة كثورة التحرير المباركة تاريخيا وأدبيا، تكتنفه بعض الشوائب في التطرق بحرية مطلقة للموضوع، بحكم حساسيته من جهة، وفي ظل حضور جيل الثورة ونفوذه من جهة أخرى، خاصة أثناء الحزب الواحد الذي حكم البلاد لأزيد من ثلاثة عقود، وهي الفترة التي شهدت من بعض الكُتاب تبرير سقف معين من الحرية، اقتضتها اكراهات تاريخية، سياسية وثقافية كانت تعيشها الجزائر. من هنا يبدو لي أن مواكبة الأدب الجزائري لثورة التحرير في وهجها وعنفوانها، يحتاج إلى مسافة أكبر لطرح الأسئلة الحقيقية والخروج من دائرة الانبهار وإعادة القراءة والتأمل.
محمد تحريشي/ كاتب ودكتور في النقد الأدبي وعميد كلية الآداب للغات بجامعة بشار
الثورة التحريرية في الرواية هي سند تاريخي ومدونة تسجيل لأحداث وتوظيف لوقائع
الثورة التحريرية في الرواية هي سند تاريخي ومدونة تسجيل لأحداث وتوظيف لوقائع، وهي في مقام آخر مصدر إلهام لنصوص روائية مميزة أرخت لهذه الثورة ورسمت قيما جمالية ومضامين فنية كانت نموذجا للكتابة الروائية في الجزائر مثل العصا والعفيون لمولود معمري ونجمة لكاتب ياسين. إن ثلاثية محمد ديب كانت المهاد لهذا النمط من الكتابة الملتزمة بقضايا الشعب، وكانت بمثابة "الإرهاص" لثورة قادمة تحرر البلاد والعباد. إن كثير من الأعمال الروائية رافقت الثورة، في حين أن أعمالا روائية كتبت عن الثورة من موقع ما بعد الاستقلال، هي نصوص وجدت نفسها أنها لا تستطيع الكتابة عن الواقع فارتحلت إلى زمن مضى، وحاولت أن تقرأ الواقع من خلال حديثها عن الماضي، فكانت اللاز وبطلها زيدان، وكانت صوت الكهف. إن هذه النصوص سعت إلى الكتابة عن الثورة التحريرية ليس في خضم أحداثها وإنما بالاعتماد على الذاكرة والفلاش باك، وكأنها توظف هذه الأحداث لقراءة المستقبل أو لتبرير أفعال أو لإدانة أشخاص أو تصرفات، ومن ثم أنتجت معجما خاصا بها نهل من معجم الثورة التحريرية فهناك المجاهد والحركي والفدائي والخائن والمسبل والمتعاون، وهناك الخاوة وهناك الفلاقة. لماذا لجأ الكُتاب إلى الثورة التحريرية لتكون منبعا لا ينضب، وهل كان بالإمكان أن يتحولوا إلى مضامين أخرى؟، شكلت الكتابة عن هذه الثورة ملاذا آمنا للكُتاب فيها العوض عن كل طموح نحو كتابة أخرى، وكانت بمثابة الدرجة والنموذج والمثال، وكل من كَتب عن الثورة كان باب الوفاء للشهداء والاعتراف بفضلهم ومن باب العناية بمن تبقى من المجاهدين، ثم في موقع آخر ليسلم من الرقابة غير المعلنة التي كانت ترسم حدودا لما يُكتب وما يُنشر. ويتفق الكثير من الدارسين على أن الرواية الجزائرية لم تستطع أن تُوجِد اتجاها فنيا بل كانت كتابة عن مضامين وإشكالات اجتماعية. إن الثورة التحريرية مصدر إلهام ومرجع في الكتابة الروائية الجزائرية.
قلولي بن ساعد/قاص وناقد
تيمة ثورة التحرير الكبرى في الرواية الجزائرية لا زالت غائمة ويكتنفها الكثير من الغموض
أتصور أن ثورة التحرير الكبرى كتيمة وقضية ومعطى إبداعي بالرغم من حضورها بهذا الشكل أو ذاك في الرواية الجزائرية فهي لا زالت غائمة ولم تتحول إلى بؤرة استقطاب جمالي ورؤيوي، وقد توقفت على الصعيد الموضوعاتي التيماتي عند الطاهر وطار في "اللاز" والأعرج واسيني في "ضمير الغائب الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر" عند لحظة مفصلية من تاريخ النضال الجزائري المحموم وهو مأساة تصفية القيادات الشيوعية في الثورة من طرف جيش التحرير، فيما هي أي الرواية لم تبرح عند محمد ديب في ثلاثيته الواقعية "الدار الكبيرة - النول - الحريق" مرحلة الاستشراف والتنبؤ والإعداد للكفاح المسلح والآية على ما نزعم أن رواية "الربوة المنسية" لمولود معمري عندما نشرت سنوات المد الثوري، أثارت جدلا واسعا آنذاك، وقد أدانها المؤرخ محفوظ قداش، مثلما تحدث عن ذلك عبد الكبير الخطيبي في كتابه "في الكتابة والتجربة" وقال محفوظ قداش بالحرف الواحد: "مادامت هذه الرواية قد حظيت بالقبول والاستحسان لدى الإعلام الفرنسي فمعنى ذلك أنها سيئة بالنسبة لنا"، وكان يعني بذلك الإعلام الفرنسي المحسوب على تيار اليمين المتطرف، لأن لليسار الفرنسي رأي آخر يمثله كل من جان بول سارتر وفرانس جيزون وسيمون دي بوفوار، خاصة بعد أن اكتشف سارتر ومن معه من مثقفي اليسار الفرنسي، مثلما يرى الروائي حميد عبد القادر "موضوعا جديدا للتاريخ أكثر راديكالية من الطبقة البروليتارية هو المستعمرات الفرنسية، وقد استفادت الثورة الجزائرية كثيرا من هذا الانزلاق فتحصلت على دعم جبهة ثقافية واسعة في فرنسا"، وليس محفوظ قداش وحده من أدان رواية مولود معمري بل نجد مصطفى الأشرف أيضا حسب عبد الكبير الخطيبي يصبغ عليها ما يسميه "بالوعي المتخلف عن العصر" الأمر الذي دفع مولود معمري إلى نشر رواية ثانية هي "سبات العادل" أدان فيها الظلم المسلط على الجزائريين كنوع من التكفير عن الذنب، وقد أحدثت رواية "طيور في الظهيرة" لمرزاق بقطاش بدايات تحول الثورة من الريف إلى المدينة باعتبارها أول رواية جزائرية تركز على مساهمة المدينة في ثورة التحرير الكبرى بعدما كانت الثورة في الرواية الجزائرية تدور في فضاءات ريفية لنشأة الروائيين الريفية حتى ولو أقاموا في المدينة، وفي تصوري تبقى رواية "نجمة" لكاتب ياسين من الأعمال الروائية التي لا زالت تستعصي على التصنيف وتشكل الاستثناء الإبداعي لكونها كما يرى الخطيبي "مليئة بالإشارات إلى أعماله الأخرى وتتخذ من الباروك أو الباروكية كفن تجسيدي لموضوعات مضمرة أو موحى بها تتعدد صورها بشكل فوضوي"، متجاوزة بذلك الرؤية التسجيلية الواقعية التي انطوت عليها التجربة الروائية لمولود فرعون.
السينما تعود إلى الثورة في الذكرى الخمسين للاستقلال
في الوقت الذي عزف فيه أغلب كُتاب الجيل الجديد عن تناول الثورة في كتاباتهم، إتجه جيل جديد من السينمائيين الجزائريين الشباب إلى جانب المخرجين المخضرمين والمؤسسين نحو الثورة ومقاربتها سينمائيا والاستلهام منها ومن تاريخها الزاخر بالبطولات والمعاناة والرموز والأبطال والشهداء، وتناولها من زاوية سينمائية جديدة. فبعد 50 سنة استقلال، نجد أن مواضيع ثورة الجزائر التحريرية ما تزال تشغل حيزا كبيرا في المشاريع السينمائية الجزائرية، وتستثمر فيها وترصد بعض فترات تاريخها الكبير، وتسلط عليها الضوء والصورة معا. لا أحد ينكر من المهتمين والنقاد السينمائيين والمختصين أن سينما الثورة ازدهرت بفضل مجموعة من السينمائيين الأوائل المؤسسين لسينما جزائرية مختلفة وقوية، أمثال لحضر حامينا بأفلامه الثورية المختلفة مثل "ريح الأوراس"، أو "وقائع سنين الجمر" الذي حاز على السعفة الذهبية لمهرجان "كان" عام 1976، وهي السعفة الذهبية الوحيدة إلى اليوم عربيا وإفريقيا. أيضا هناك عمار العسكري، وأحمد راشدي الذي أبدع في "الأفيون والعصا" المقتبس عن رواية مولود معمري، وغيرهم من المخرجين الذين قدموا للسينما الجزائرية أفلاما ثورية شكلت تاريخ الفن السينمائي الجزائري الناصع، هذا الجيل الذهبي من المؤسسين السينمائيين صنع العصر الذهبي للسينما الجزائرية، ووضعها على سكة السينما العالمية، حيث حققت حضورا متميزا ومكانة مشرفة في المحافل والمهرجانات السينمائية الدولية، وتمكنت من افتكاك أهم وأكبر الجوائز. ولسنوات عديدة امتدت على مدى قرنين هيمن موضوع الثورة على السينما الجزائرية، بعدها اتجهت إلى الخوض في مواضيع اجتماعية مختلفة، لكن في السنوات الأخيرة عادت مواضيع الثورة إلى صدارة الصناعة السينمائية في الجزائر، لتحتل حيزا معتبرا في مشاريع الأفلام الثورية، سواء من السينمائيين المؤسسين أو من الجيل الشاب، حيث التفت الجيل الجديد من المخرجين إلى مواضيع الثورة وعادوا إليها بقوة، وهذا ما ساهم في عودة سينما الثورة من جديد وبشكل كبير، الملاحظ أن هناك صناعة سينمائية حدثت ونجحت بفضل موضوعات الثورة، أيضا ما جعل سينما الثورة تعود إلى الواجهة مجددا هي مناسبة احتفالات الذكرى الخمسينية للاستقلال، حيث خصصت الجهات المشرفة على الاحتفالات والنشاطات المصاحبة للحدث غلافا ماليا ضخما لإنجاز بعض الأفلام الثورية عن الثورة ورموزها، وهذا بدعم من وزارتي الثقافة والمجاهدين، وهي الفرصة التي استثمرها بعض السينمائيين لإنجاز أفلام ثورية بأسلوب مختلف وبروح فنية جديدة، تستحضر الثورة وتاريخها وتضيء عليهما سينمائيا وتقدم سيرة شهدائها وأبطالها. ففي السنوات الأخيرة ظهرت عدة أفلام سينمائية تناولت موضوعة الثورة وبعض رموزها من القادة والشهداء، حيث وفي عام 2009 تم إنجاز فيلم "بن بولعيد" من إخراج أحمد راشدي والذي تناول حياة ومسيرة نضال أحد أبطال الثورة الجزائرية الشهيد مصطفى بن بولعيد، وفي هذا العام 2012 كان فيلم "العربي بن مهيدي" الذي أخرجه أيضا أحمد راشدي، و"زبانة" للمخرج سعيد ولد خليفة وسيناريو عز الدين ميهوبي، وغيرها من أفلام الثورة الجديدة، يذكر أن راشدي سينتهي عن قريب من تصوير فيلمه الثوري الجديد "كريم بلقاسم" أحد رموز الثورة، وتدور أحداثه حول حياة ومسيرة هذا البطل الذي اغتيل يوم 18 أكتوبر 1970 شنقا بفندق بفرانكفورت بألمانيا وتم دفنه هناك في مربع المسلمين إلى غاية 24 أكتوبر 1984، حيث أعيد دفنه في مربع الشهداء بالعالية. ومن المقرر بعد الانتهاء من تصوير فيلمه "كريم بلقاسم"، البدأ في التحضير لإنجاز فلما آخر عن الشهيدة الحية جميلة بوحيرد. كما يُعد فيلم "الخارجون عن القانون" لرشيد بوشارب 2010، إضافة مهمة من مخرج شاب إلى السينما الجزائرية، والذي تناول فيه مجازر 8 ماي 1945، وهذا بعد فيلمه "الأنديجان" 2006، حيث يقدم بوشارب سينما ملحمية ثورية جديدة ومختلفة، تندرج في إطار رؤية خاصة من الجيل الجديد نحو ثورة الجزائر ومحاولة مقاربتها من زاوية فنية مغايرة. أما الأفلام الثورية الأخيرة، التي عادت إلى واجهة الفضاء السينمائي هذا العام، فتندرج ضمن برنامج أعدته وسطرته وزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة المجاهدين، من أجل إنجاز سلسلة أفلام حول بعض الشخصيات الثورية والقادة المفجرين للثورة التحريرية، وهذا في إطار احتفالات الذكرى ال50 للاستقلال والتي ستتواصل إلى غاية 5 جويلية 2013. هذه الأفلام ورغم النقد الحاد أحيانا وغير المنصف الذي تتعرض له، إلا أنها حققت نجاحا معتبرا وأعادت الوهج الفني إلى الأفلام الجزائرية الذي فقدته مع توقف سينما الثورة لأكثر من عشريتين. المؤكد أن عودة الأفلام الثورية وسينما الثورة، هي عودة مبرمجة وستحتفي هذا العام بالثورة وببعض رموزها، إلا أنها تبقى عودة جميلة وضرورية بإمكانها أن تعيد مجد السينما الجزائرية إلى محافل المهرجانات السينمائية العالمية، وربما ستكون بوابة واسعة لعودة الأفلام الثورية الناجحة، والتي تليق بثورة الجزائر العظيمة. من هذا الجانب ربما جاء هذا السعي من وزارة الثقافة لتفعيل وبعث السينما الثورية من جديد بمناسبة احتفالات الذكرى الخمسينية لاستقلال الجزائر.
نوّارة لحرش
قدم 42 شهيدا و منح الجزائر أول لقب قاري
ترجي قالمة فريق الشهداء الذي أرعب فرنسا و زاوج بين معركة "القدم" والسلاح
يعتبر ترجي قالمة من أعرق النوادي الجزائرية، وقد انتزع تسمية فريق الشهداء عن جدارة و استحقاق، لأن جذوره تمتد في أعماق تاريخ الجزائر، حيث رأى النور قبل اندلاع ثورة التحرير المجيدة بمبادرة من مجموعة من أبناء المدينة، الذين حاولوا إستغلال رياضة كرة القدم لأجل تحريك المجتمع والترويج لمخطط الثورة، لتكون الحصيلة سقوط 42 شهيدا بين مؤسسين ولاعبين، بعضهم في مجازر 8 ماي 1945، و البعض الآخر خلال ثورة التحرير، مع تميز الترجي بموقفه المتخذ بعد سنتين من انطلاق أول رصاصة، حيث قاطع المنافسات الرياضية التي كانت تشرف عليها السلطات الفرنسية، مع تفضيل العديد من عناصره لحمل السلاح والجهاد من أجل تحرير البلاد.
أول ظهور لفريق مدينة قالمة لكرة القدم يعود إلى تاريخ 04 أفريل 1924، عندما قررت مجموعة من الشبان من أمثال محمد الصالح براهم و بوتفيرة ... تأسيس فريق ينشط تحت غطاء كرة القدم، من أجل الترويج للنضال في أوساط مختلف شرائح المجتمع، و قد حمل الفريق تسمية المشعل الرياضي القالمي، لكن نشاط هذا النادي لم يدم سوى 7 سنوات، لأن السلطات الفرنسية قررت توقيف الفريق عن الممارسة الكروية، بحجة عدم تطابق تسمية "المشعل" مع ما هو منصوص عليه في قانون المنافسة حسب الإدارة الفرنسية، ولو أن تواجد أغلب أعضاء النادي ضمن حزب نجم شمال إفريقيا، دفع بالسلطات الفرنسية إلى تجميد نشاط هذا الفريق.
6 من المسيرين و اللاعبين شهداء مجازر 8 ماي
للتذكير عاد النادي القالمي إلى النشاط مجددا سنة 1939 في ثوب جديد ، مع تغيير التسمية إلى النجم الرياضي، على اعتبار أن أغلب أعضائه كانوا ينشطون ضمن فوج كشفي يحمل اسم "النجوم "، في صورة خوالدية، باباس، بوكحول، عبد الله بوكردين، عمر عبدة، ورتسي مبروك، الطيب سلايمية وحميدة سيريدي، و هو الفريق الذي ضم ترسانة من الشبان الذين كانوا يتميزون بالروح الوطنية، بدليل تحول ممارستهم لكرة القدم ذات 8 ماي 1945، إلى نضال وطني، حيث شارك أغلب أعضاء ه في المسيرة الحاشدة تنديدا بالمستعمر الفرنسي، وقد كانت الحصيلة سقوط 6 شهداء من الفريق إثر المجازر التي اقترفتها القوات الفرنسية، ويتعلق الأمر بالعضو المؤسس عمر عبدة، وابنيه علي و إسماعيل اللذين كانا ضمن تعداد الفريق، إضافة إلى 3 أعضاء مؤسسين (مبروك ورتسي، حميدة سيريدي و الطيب سلايمية).
ارتفاع الحصيلة إلى 42 شهيدا وتغيير اللون الأزرق بالأسود
و رغم هذه الحصيلة تواصلت مسيرة الفريق القالمي بعد تلك المجازر، وقد تم تغيير التسمية إلى الترجي الرياضي القالمي، مع الإصرار على تغيير اللون الرسمي من الأزرق إلى الأسود، حزنا على ضحايا مجازر 8 ماي 1945، فالهدف لم يكن الممارسة الكروية، بل الترويج للثورة.
للإشارة فقد حمل اللونين الأسود والأبيض في الفريق الأساسي والاحتياطي، العديد من اللاعبين الذين التحقوا بعدها بجيش التحرير الوطني، على غرار حسان حرشة، سويداني بوجمعة، عبد الرحمان طابوش، عياش إسماعيل، مصطفى سيريدي، حمر العين، رياش وغيرهم .... قائمة امتدت لتشمل 42 شهيدا، لأن الفريق القالمي كان محل مراقبة مستمرة من طرف المستعمر، لضمه شبان يتمتعون بالروح الوطنية يجيدون ممارسة الكرة، بدليل انتزاعهم لقب بطولة الشرق مطلع الخمسينيات.
تدشين الملعب الجديد عشية اندلاع ثورة نوفمبر
على صعيد آخر فقد دشنت السلطات الفرنسية يوم 31 أكتوبر 1954 ملعبا جديدا بمدينة قالمة، يحمل حاليا تسمية الشهيد علي عبدة، وهو الملعب الذي تم افتتاحه بمباراة بين الترجي و الجمعية الرياضية لمدينة بونة، انتهت بالتعادل (1/1)، للعلم فإن تلك المواجهة سبقت اندلاع ثورة نوفمبر بسويعات، ما حول الملعب إلى مركز لإيواء جنود المستعمر وعتاده، في الوقت واصل الترجي مسيرته الكروية والنضالية، ليكون يوم 29 ماي 1955، موعدا تاريخيا في سجل الكرة الجزائرية و القالمية، فالترجي تألق بمدينة الدار البيضاء المغربية، أين توج بكأس شمال إفريقيا، بعد فوزه على وداد كازا بلانكا بنتيجة (2 / 1)، في مواجهة سجل فيها هدفا الترجي مرزوقي العربي وبارة المعروف باسم "بايزة" في الوقت الإضافي، و هو أول تتويج للكرة الجزائرية على الصعيد القاري.
الفرقاني و ريمون نشطا حفلا كبيرا بعد العودة من "كازا"
عن هذا الإنجاز كانت لنا دردشة مع أحد العناصر التي كانت حاضرة ضمن تشكيلة الترجي المجيد شرفي، والذي كان أصغر عنصر في التشكيلة التي سافرت إلى المغرب بقيادة الرئيس محمد كرميش، حيث أكد: "الرحلة كانت على متن القطار انطلاقا من محطة الخروب (قسنطينة)، وأن الوداد كان يضم في صفوفه العملاق الفرانكو- مغربي العربي بن مبارك، الذي كان من أبرز نجوم أولمبيك مرسيليا في تلك الفترة، لكنه لم يتمكن من توظيف خبرته للتفوق على إرادة القالميين الذين أصروا على ضرورة رفع العلم الجزائري عاليا، وكان التتويج مستحقا، لأن الترجي كان عبارة عن مجموعة منسجمة ومتكاملة، مكونة من شقيقه محمد الصالح، بلجودي، بلحواس، بن طبولة، رقيني، بارة، مرزوقي، حساني وبوجمعة المعروف في الشارع القالمي باسم "قافاز" وآخرين.... وقد كانت رحلة العودة إلى أرض الوطن طويلة وشاقة، لكن فرحة التتويج أنست الجميع مشقة السفر، حيث حل الجميع بمحطة الخروب يوم 5 جوان 1955، وكان في استقبالنا- استطرد محدثنا- وفدا يتشكل من مولودية وشباب قسنطينة وكذا جمعية الخروب، إضافة إلى المغني محمد الطاهر الفرقاني، وجمع غفير من الأنصار، و قد عاد الفريق إلى قالمة في موكب بهيج صنعه بعض اصحاب السيارات ".
و أضاف ذات المتحدث: "فرحة التتويج كانت كبيرة بمدينة قالمة، حيث أقيم حفل فني سهرة السابع جوان، أحياه كل من الفرقاني والفنان ريمون اعترافا بمجهودات الفريق وتتويجه بلقب شمال إفريقيا.
بعد هذا الإنجاز لم تستمر مسيرة الترجي مع الكرة طويلا، بعد أن قرر مقاطعة المنافسات التي كانت تشرف عليها السلطات الفرنسية، وذلك استجابة لنداء جبهة التحرير الوطني سنة 1956، حيث كان الترجي ضمن قائمة الفرق التي قاطعت البطولة على مستوى الناحية الشرقية، رفقة نوادي اتحاد سطيف، شبيبة سكيكدة، مولودية وشباب قسنطينة، جمعية مدينة عنابة، ما جعل بعض اللاعبين يتحولون إلى فريق هيليوبوليس، بينما قررت الأغلبية الالتحاق بالجبال من أجل تحرير البلاد، وقد كان الشريف سيريدي، الذي يشتهر بتسمية "السردة" من بين الذين زج بهم في السجون إبان الثورة، حاله حال رقيني الذي قضى فترة بسجن القصبة بولاية عنابة، في حين ظل الترجي القالمي بعيدا عن أجواء المنافسة من سنة 1956 إلى غاية الاستقلال".
سرب أسود بعد الاستقلال وبأجنحته مكسورة حاليا
و عن تسمية السرب الأسود التي اشتهر بها الترجي، أكد الكثير ممن واكبوا الفريق خلال الخمسينيات والستينيات، بأن أحد الإعلاميين هو من إستمد هذه التسمية من عنوان فيلم أمريكي عرض سنة 1940، بالنظر للنتائج العريضة التي كان يسجلها في بطولة شرق البلاد، التي نظمت مباشرة بعد الإستقلال، لأن فريق قالمة كان يكتسح منافسيه بنتائج ثقيلة تفوق في معظم الحيان 10 أهداف، الأمر الذي دفع بأحد أعمدة الإعلام بالولاية في تلك الفترة المرحوم إيصالحي يستلهم تسمية السرب السود من عنوان الفيلم الأمريكي، تعبيرا منه عن الفعالية الكبيرة التي يكتسح بها هجوم الترجي كل منافسيه، لكن عجلة الزمن تواصلت وانجازات الترجي القالمي توقفت، بعدما فقد الفريق بريقه وأصبح ينشط في المستوى الرابع مع فرق تمثل الأحياء و البلديات والدوائر، بعدما كان قد دوّن إسمه بأحرف من دم 42 شهيدا إبان الحقبة الإستعمارية، وتتويج بكأس شمال إفريقيا كأول لقب في تاريخ الكرة الجزائرية في فترة الثورة التحريرية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.