السيادة والأمن والتنمية مبادئ الدبلوماسية    بوابة إلكترونية لتسجيل 25 ألف خبير جزائري متواجدين في الخارج    انتقال الصحافة المكتوبة إلى الرقمنة أصبح ضرورة حتمية    استبيان الكتروني ل «كناس» لفائدة أرباب المؤسسات    نفوق 4500 كتكوت في حريق بعين الفوارة    لفائدة سكان مناطق الظل بوهران    تجاه تصفية الاستعمار من الصحراء الغربية    لجنة الفتوى تنظر في رأي فقهي حول صلاة الجماعة في إطار الالتزام بقواعد الوقاية    تجسيدا لقرار اجبارية ارتداء الكمامات في الاماكن العامة    فيما تبحث الأوبك تمديد خفض الإنتاج    الشروع في بث نماذج لحلول الامتحانات عن بعد    ترامب يفر الى مخبأ سري؟    تبنى أبشع أنواع العمل الإجرامي غداة الاستقلال    ماذا تعرف عن الملجأ السري الذي اختبأ فيه ترامب ؟    الرئيس تبون لا علاقة تنظيمية له بأي حزب سياسي    اعتبره مرحلة أساسية في الإصلاح السياسي..مقري:    أعلنت عن إطلاق مسابقة دولية للطفل..شرفي:    بطلب من هيئة دفاع المتهم    ذكراها ستبقى خالدة بوسام عشير    بن دودة تفي بوعدها ل بنيبن    راوية يعرض تفاصيله على اللجنة الاقتصادية    الطوابير لاتفارق مكاتب البريد؟    فيما تماثلت 146 حالة للشفاء    مسودة مشروع الدستور تكرس حرية المعتقد وممارسة العبادات    إعادة بعث المشاريع التنموية المتوقفة    مخازن لاستقبال 820 ألف قنطار من الحبوب    تسجيل 10 آلاف مشترك هذا الموسم    الأحكام الجديدة المتعلقة بالأخبار المغلوطة والإشاعات    المغرب يرى الجزائر ك"تهديد استراتيجي دائم"    ضباط مغربيون حاولوا توريط جبهة البوليزاريو في عمليات إرهابية    تقليص العقوبة على حصة "انصحوني" لقناة "النهار"    طريق العبور إلى الحداثة المسرحية    ملتقى دولي افتراضي حول المجتمع والجائحة    إيداع مدير الوكالة العقارية الحبس    الإيقاع ب14 متورطا في شبكة مخدرات    "جازي" تحتفل باليوم الدولي للوالدين    التجار يطالبون باستئناف النشاط    انقطاعات متكررة و تبريرات واهية    السكان يطالبون بتعقيم الإسطبلات    « الوزارة خطت خطوة عملاقة للقضاء على التلاعب في المباريات»    لعزيزي يريد بن عمارة في مولودية العاصمة    الاقتصاد تحت صدمة الركود العالمي والأزمة الصحية    أول وثيقة قانونية باللغة الأمازيغية    تكريم 80 طفلا مريضا وعائلة المهرج «زينو» وسط أجواء بهيجة    حروفك ماء    اعتقني أيها الليل بفرشاة بيضاء    عودة المنافسة بعد رفع الحجر الصحي    "الفيفا" تطالب ب9 آلاف أورو    30 مليار سنتيم لتسيير المرحلة    سعداوي يتمسك بأقواله و حلفاية ينتظر نتائج التحقيق    شبان سريع غليزان يمارسون مهن حرة لسد حاجياتهم    منحة 5 آلاف دج تعيد الطوابير إلى مقرات البلديات    مغادرة آخر متعافين من كورونا مصلحة «كوفيد 19»    مستشار وزير الإتصال: هذه “عقدة” نظام المخزن تجاه الجزائر    تنصيب مصطفى حميسي على رأس يومية الشعب    فضل الصدقات    علاج مشكلة الفراغ    إعادة فتح المسجد النبوي (صور)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حاشية على قصيدة ''أجنحة لتمثال السيّاب'' لعبد القادر رابحي
نشر في الجزائر نيوز يوم 25 - 07 - 2011

قرأتُ القصيدة وكأنني خضتُ رحلة تتماسّ مع مسارات عديدة تاريخية وفكرية وواقعية ولدتها اللحظةُ والراهنُ الذي يعيشه الشاعرُ وغير الشاعر في هذا الزمن الأغبر كعابر سبيل أسطوري لا يتوقف عن الرحلة ولا يملّ من الاصطدام بكائنات الغبار، وكأني بالقصيدة أيضا، وإنْ استحضرتْ أسماءً حديثة وأرِّخَ لكتابتها بتاريخ قريب إلا أنها امتدّتْ طويلا عبر نافذة نحو البعيد البعيد سواء في ماضينا أو في حاضرنا، وكأنها ''كانتْ على ثقة'' بأنّ هذا الركام الذي مسّه شيء من صدأ التاريخ الموحل ومن آثار لحظتنا الزمنية الممزقة بين ''سيوف'' قديمة ولا هي قديمة، وحداثية وما كانتْ حداثية، وإنما هي سيوف يحملها عقل عربي ''غريب الوجه واليد واللسان''(1)، كانتْ على ثقة أنّ هذا الركام صار ''مشاعا'' بين ''ملائكة اليمين'' ال''قاب قوسين'' من التقوى، و''شياطين الشمال'' المسالمة جدا، وربما، إذا لم يكن حرج فذاك ركام تخاطفته ''شياطين اليمين والشمال والشرق والغرب''، فالملائكة كما قالتْ جدتي ما عادتْ تمشي على الأرض منذ كذا وكذا·
وبعد، قالتِ القصيدة أيضا: لقد اتسعت الصحارى وفتحتْ صدرها للأعاجم والعواصم والقواصم وضاقتْ بنا نحن الصعاليكُ الجدد، لكن هناكَ أملا ظلّ يردده صوتُ ''الشنفرة'' منذ قرون يؤكّد، أنه، إذا سنحتْ معركة ذاتُ كرٍّ وفرٍّ سيتسنَّى للشاعر الفارس الذي بايعه الرملُ على حين غفلة من الرماح و''السفَّاح'' أنْ يطويَ ''خَيْمَات بَعْضِ الأَثْرِيَاءِ عَلَى ضِفَافِ الحَرْفِ''(2) ويبعثَ بها فوق ''نوقٍ طائرة''، متجاوزا ''طرائق الحداثة'' لرايموند ويليامز''، إلى ''الشانزيليزي'' لعلها تجد وقتا أكثر للاستمتاع بالحياة بعيدا جدا عن جراحات الشعراء المعاصرين الذين يتذكرون المنفى كلما اشتاقوا إلى ''عيون المها بين الرصافة والجسر''(3) ويتذكرون المقصّ كلما أرادوا أن يشبِّهوا أنفسهم بالأمم المستقلة من الطير·
هكذا قالتْ ''أجنحة لتمثال السياب'' ذات غزوٍ أمرد الوجه على العراق، العراق الذي صار''يَحْتَمِي بِدُمُوعِ أَرْمَلَةٍ تُرَابِطُ فِي الصَّدَى''(4) وقد كان كما قالتِ الصرخةُ يهُبُّ لأوّل ''واو اسثغاتة'' تطلقها امرأة ما زال ''لم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ''(5)، العراق الذي أوّل ما أصابه التعبُ، التفتَ نحونا، فرفعنا عباءاتنا البيضاء راياتٍ وأرسلنا إلى الكائنات الحديدية الطائرة برقية عاجلة:''نحن وإنْ كنا من لحم ودم، إلا أننا نحبّ الحديد، ونحن نفكِّر في التحوّل إلى ''تارميناطور'' يجري في عروقه ''زيت الغاز'' الذي يجري فيك''، وعلى رغم المبايعة تحت ''سقيفة الخيانة'' ظلَّت الكائنات الحديدية ترسل أكواما من نار وشظايا، وظلّ العراق يرقبنا بتعب، ونحن، رجعَ بعضنا بعباءاته الممزقة يبحث عن حلٍّ لرتق العار وستر العورة·
أيتها الأجنحة، أيها التمثال، أيها الأهل الغادرون كضربة فأس''حفار القبور''(6) على كبد أمّه الأرض، أما زال السياب ''يَتسَكَّعُ فَوْقَ جَمَاجِمِ المَوْتَى''(7) يُسائل العظام النخرة عن وجه القاتل، وعن جيوش الخوف تخرجُ من ناحية القلب، ويسأل الحسرة والخيبة عن أول الصراخ وآخر الأنين، هل لأنّ'' الفتى أوّل القادمين إلى الأرض من كوكبِ الحسرات القديمة''(8) أوْكَلَ إليه القدرُ مهنة الاستماع إلى شهاداتِ الموتى، وإلى الوجع القادم على صهوة العويل من الغيب· أيها السياب وحدكَ تعرف سرّ الحكمة البالغة، وأنتَ على علمٍ بمن سرق''اللؤلؤ والمحار'' وأدرى بما فقده الخليج من رمال الشاطئ، وما تبرّع به الشاطئ لجزر هاواي، وهواي والخليج ونحن لم نتساءل أبدا ''أين السُّلُّ فِي صَدْرِ المَرِيضِ الشَّهْمِ·· أَيْنَ الجُوْعُ فِي غَيْمِ العِرَاقِ''(9)، وتساءلنا كثيرا عن هدفٍ يخترق الشِباك، فأقمنا الدنيا، وكان هدف يخترق العرض والشرف يلهو بحرية في الخدور والهوادج وقرب سراويل ''الجينز'' الصالحة للذكر والأنثى، لم ننتبه له أو لم نخش منه، يا للسخرية، صار الجميع ''مومسا عمياء'' أو صارتْ المومس تسكن في عيون الجميع·
أيها التمثال الثابث على رغم الميلاد والموت و''البعث''، رحل ''سعدي يوسف'' ملتحفا بوشاح الأيديولوجية من''يوميات الجنوب، يوميات الجنون''(10) ولم تقلِ الريح له أنّ ''خشب السفينة لم يعدْ بيديك كالصلصال، لون البحر أكثر وحشة مما ظننت''(11) ومع هذا رحل سعدي ليجلو عن ذاته الشك ويعيش واضحا في غرب الحرية حيث أُحرق ذات غباءٍ أوروبي ''غاليليو'' بسبب قربه من الحقيقة وقربهم أكثر من الوهم· وظلّ الشاعر''يَشْرَبُ قَهْوَتَهُ المَوبُوءَةَ فِي رَدَهَاتِ السَّاحَةِ ··· سَعْدِي يُوسُفُ - مُنْذُ قُرَابَةِ قَرْنٍ- حُرٌّ فِيمَا يَكْتُبُ··حُرٌّ فِيمَا يَفْعَلُ''(12) داخل أرض الحريات بعيدا عن نخلٍ يفقد كل ضفائره عند النهرين، يكتبُ كي تتسع له لغة الإفرنج فلسان العرب ضاق به كما أخبرنا في الجريدة القادمة فوق طائرة إلينا ذات غضب·
تقول الحيرة في ''الوتريات الليلة''(13) أنّ مظفر مشتاق لشربة ماء عراقية، ولتمْرتين فقط، واحدة يتقوّتُ عليها طوال العمر، والأخرى ينظر إليها كلما عفتِ الديار وضاق المنفى· والوترياتُ وحدها تعرف مقدار الحسرة في النوّاب وعمق الجرح في أغوار سنابله ''مُنْذُ هُرُوبِهِ لَيْلاً مِنَ السِّجْنِ'' المَدَى·· وَ خُرُوجِهِ مُتَسَتِّرًا بِسَوَادِ مَنْ فَتَحُوا لَهُ جِسْرًا إِلَى سَعَةِ الكَلاَمِ·· وَبَعْدَ ذَلِكَ·· هَلْ يَحِقُّ لِغَيْرِهِ تَبْرِيرُ كَيْفَ يُغَادِرُ الشُّعَراءُ مِنْ مُتَرَدِّمِ النَّصِّ المُكَبَّلِ بِالهِجَاءْ··''(14)، اهجهم ومعك المعنى والمبنى والكلماتُ الحرة من قيد الإعراب ومن نكسات سيوف الإخوة الأعداء والأعداء الإخوة· آه كم قلتَ يا مظفر، يا حفيد النخلة الأصيلة، كم صرختَ: ''متى يبتدئ البشرُ، شوّهني الجزر وإنْ كنتُ أقاوم، شوهني الجزر متى يبتدئ البشرُ''(15)، كم صرختَ والبشر منذ قرون يبتدئون بوأدِ الرحمة في أرض الأموات، بل يتعمّدون الأذى حتى يستمتعوا بألحان ''أرفيوس'' الجنائزية· يا عراااااقُ: ''ما الذي يجعل هذا العاشق الليليّ مبتور الخطى''(16)
يا سياب، يا سعدي، يا مظفر، يا وطنا عربيا يتقاسم خبز الأزمات، لا فرق أبدا بين الصوت الصارخ في ''النجف'' وبين الصوتِ المتمزّق في ''وهران'' وعند الساحة في ''تيهرت'' الكلّ يموت، وقد يحلو للإخوة الشعراء أنْ يجدوا وطنا آمنا عبر المسافة الخفية بين اللفظ والمعنى، وأنْ يجدوا ''الكِسْرة'' وقليلا من قوت اليوم، ولنا جميعا أنْ'' نَبْكِي تَارَةً سِرًّا·· وَ أُخْرَى نَهْتَدِي بِكُؤُوسِ لَيْلٍ دَامِسِ العَتَبَاتِ فِي أُرْجُوزَةٍ ثَكْلَى·· هُنَا مَنْفَى صُخُورٍ رَخْوَةٍ''(17) فارأف بنا أيها الزمن الأغبر، واصرخ أيها الجندي حين يموت الأصحاب وينكسر الخاطرُ:
''العراق أنا
وأنا البيتُ
والصدرُ
والقافيهْ
وأنا بؤرة الوجع الإنكساريّ
والمدد الإنكشاريّ
والنهرُ
والمدن النائيهْ''(18)
واصرخي أيتها ''النيران الصديقة''بنا ذات بكاء يغسل جرح هذا الوطن الحبيب:
''الخطوط أماميةٌ
والرصاصاتُ طائشةٌ
والقتيلان من خيمة واحدهْ
هي تلك القرى
علمتها الجراحات نسيان هذا الألمْ
حين تستقبل الأمهات الصناديقَ
ملفوفة بالعلم''(19)
شكرا يا أجنحة التمثال، شكرا للسياب، وللمطر الرابحيّ الذي هطل فأحيا موات الحرف وبعث شجن الروح، شكرا أيها المطر الرابحي الأصيل· شكرا شكرا شكرا·
هوامش
(1) شرح ديوان المتنبي· وضعه عبد الرحمن البرقوقي· دار الكتاب العربي، بيروت- لبنان·1986 ·ج.4 ص.384
(2) رابحي، عبد القادر· أجنحة لتمثال السياب· مجلة أصوات الشمال· بتاريخ 27 / 5 / 2010
(3) معجم لآلئ الشعر، أجمل الأبيات وأشهرها· إعداد: إيميل يعقوب· دار صادر· الطبعة الثانية / 2002 ص190 ) البيت لعلي بن الجهم ديوانه ( ص141 )
(4) رابحي، عبد القادر· أجنحة لتمثال السياب· مجلة أصوات الشمال· بتاريخ 27 / 5 / 2010
(5) ديوان قيس بن الملوح مجنون ليلى· رواية أبي بكر الوالبي· دراسة وتعليق: يسرى عبد الغني· دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان· الطبعة الأولى1999 / (ص 28 )
(6) ديوان لبدر شاكر السياب·
(7) رابحي، عبد القادر· أجنحة لتمثال السياب·
(8) سميح القاسم· ملك أتلانتس وسربيات أخرى· الدار العربية للعلوم· الطبعة الأولى 2005 (ص93 )
(9) رابحي، عبد القادر· أجنحة لتمثال السياب· مجلة أصوات الشمال· بتاريخ 27 / 5 / 2010
(10) ديوان لسعدي يوسف· وقد كتب أكثر قصائده كما قال حين دعي إلى اليمن من طرف ''الرفيق علي ناصر محمد''·
(11) سعدي يوسف· يوميات الجنوب يوميات الجنون· دار ابن رشيد· بيروت- لبنان· الطبعة الأولى .1981 ( ص53)
(12) رابحي، عبد القادر· أجنحة لتمثال السياب· مجلة أصوات الشمال· بتاريخ 27 / 5 / 2010
(13) قصيدة لمظفر النواب·
(14) رابحي، عبد القادر· أجنحة لتمثال السياب· مجلة أصوات الشمال· بتاريخ 27 / 5 / 2010
(15) مظفر النواب· الأعمال الشعرية الكاملة· منشورات الأوذيسا· (ص293)
(16) رابحي، عبد القادر· على حساب الوقت· دار الغرب للنشر والتوزيع· الطبعة الأولى 2006 (ص84 )
(17) رابحي، عبد القادر· أجنحة لتمثال السياب· مجلة أصوات الشمال· بتاريخ 27 / 5 / 2010
(18)رابحي، عبد القادر· حنين السنبلة· منشورات الاختلاف· الطبعة الأولى .2004 (ص23 )
(19)المصدر نفسه· (ص 54 )


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.