حملة الأفلان ستكون الأقوى في تجنيد المواطنين للتصويت للدستور    اقتراح لتحديد موعد الدخول المدرسي بعد استفتاء الفاتح من نوفمبر    مرسوم تنفيذي يحدد تفاصيل حصول المشاريع على علامة "مؤسسة ناشئة"    طيران الطاسيلي.. نقل الدفعة الثانية لطلبة الجنوب نحو الجزائر العاصمة    السيسي : الدعوات للتظاهر غرضها التدمير وليس التغيير    محامون يحتجون أمام مقر مجلس قضاء الجزائر    الإنتير يخطف فوزا صعبا في "الكالتشيو"    حريق يأتي على 7 بيوت بلاستيكية و4 آلاف دجاجة وألفي كتكوت بجيجل    شرطة مسكيانة تضع حدا لشابة وشاب استوليا على اموال بالعملتين    داء الكلب: تسجيل 900 حالة إصابة و 15 حالة وفاة بالجزائر    رحيل الممثل الكوميدي المصري المنتصر بالله    الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب: حركة واسعة على مستوى مدراء الفروع الولائية    بلماضي يمتحن أشباله أمام كبيرين: الخضر يواجهون نيجيريا والمكسيك    نجم نادي بيكوز التركي والمنتخب الوطني أسامة بوجناح للنصر    بلحوسيني يلتحق بأم صلال القطري    بعد الجهود التي بذلتها في تسوية الأزمة : أطراف فاعلة في مالي تُثني على الجزائر    منظمتان لحماية المستهلك تؤكدان: المرحلة المفصلية تقتضي المشاركة في الاستفتاء على الدستور    تصعيد عسكري جديد بين أذربيجان وأرمينيا حول مرتفعات قره باغ    نشرية جوية خاصة :أمطار رعدية على بعض ولايات وسط و شرق الوطن    خُصصت لها 19 مليارا : الانطلاقُ في تجسيد مشاريع جوارية عبر 4 مناطق ظل بالطارف    رئيس دائرة المنصورة بالبرج: لا طعون في قائمة السكن الاجتماعي ببلدية حرازة    جبهة البوليساريو والحكومة الصحراوية تحذران من خطورة التصعيد المغربي على الأمن في المنطقة    اطلاق تظاهرة "الدخول الثقافي"    البوابة الرقمية للفيلم الدولي القصير تمثل الجزائر في الأسبوع الثقافي الدولي بالعراق    وزير الخارجية السوري: لن ندخر جُهدًا لإنهاء الاحتلال الأمريكي والتركي    3 قتلى في حادث مرور مروع بالجلفة    تزكية فاطمة الزهراء زرواطي رئيسة لحزب تجمع أمل الجزائر "تاج"    محرز يصدم جماهير "ليستر سيتي": "لم أفهم سبب صافرات الاستهجان" !    تسوية مستحقات الفلاحين والمتعاملين المخزنين لبطاطا الاستهلاك    لقمان اسكندر: الإنشاد لم يحض بمكانته اللائقة في الجزائر    "شفاية في العديان"    وكالة "عدل" تمهل شركة انجاز أشغال التهيئة الخارجية لموقع 1462 مسكنا بالعاصمة 72 ساعة    ضرورة "التقيد الصارم بالتعليمات والتوصيات" في مجال التنظيم والتحضير للاستفتاء على مشروع تعديل الدستور    منصة الكترونية للتكفل بذوي الاحتياجات الخاصة    حسن اختيار اسم الطفل سينعكس إيجابيا على بناء شخصيته    السعودية: تطبيق "اعتمرنا" للراغبين في أداء العمرة    دراسة.. هذا الفيتامين يُقلل وفيات وأعراض كورونا بنسبة كبيرة    الجمعية الفرانكو_ جزائرية "شفا" تقدم هبة ب 4 أطنان من المعدات الطبية لمؤسسات الصحة العمومية    تعزيز دور الشباب من أولويات الجمهورية الجديدة    ترقية الشباب.. عماد النهضة    التعديل الدستوري نقلة نوعية في مجال الحقوق والحريات    تواجه الفلاحين في شعبة الحبوب    جيش الجزائر الأقوى في شمال إفريقيا    التخلي تدريجيا عن البنزين الممتاز    4 وفيات، 160 إصابة جديدة وشفاء 102 مريض    الأرضية غير مهيأة لرقمنة المعاملات التجارية    "الصحة العالمية" تحذر    كورونا منعت عني مهرجان قطر وأرشدتني إلى الخط العربي    تحولات تفرض إعادة تشكيل الوعي    محياوي ينفي أي خلاف مع مجلس الإدارة    أديب يعتذر عن تشكيل حكومة لبنانية جديدة    بعثة الدعم الأممي في ليبيا تطالب بوقف المواجهات    الصمت ورومانسية الحلم في الشعر الجزائري (الحلقة الخامسة)    محطة هامة في مسار بطل المقاومة الشعبية    بن تيبة يعود لمولودية وهران ويوقع لموسمين    بعد بث "النهار" لندائه.."تبيب لحسن" يصل إلى أرض الوطن    أنوار الصلاة على رسول الله "صلى الله عليه وسلم"    رجال يختلون الدّنيا بالدّين!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فاجعة وفاة 19 منجميا بسطيف تعود إلى الواجهة بعد 30 سنة
فريد التحق بوالده الذي مات في نفس الظروف سنة 1990
نشر في الشروق اليومي يوم 05 - 08 - 2020

لازالت حادثة مقتل عاملين في الانفجار الذي وقع بمنجم عين أزال بولاية سطيف تلقي بظلالها على المنطقة التي خيم عليها الحزن والحيرة من مؤسسة منجمية التهمت 19 عاملا سنة 1990، وأعادت الكرة في جزء ثان بمقتل عاملين، أحدهما فقد والده في المأساة الأولى منذ 30 سنة.
المأساة كانت مضاعفة بالنسبة لعائلة الفقيد غربي التي فقدت اثنين من أفرادها في ظروف مشابهة، فالضحية الأولى هو العربي طاع الله البالغ من العمر 53 سنة، بينما ثاني ضحية هو فريد غربي البالغ من العمر 38 سنة الذي فقد والده بمنجم مجاور سنة 1990 لتكون بذلك العائلة قد فقدت الأب والإبن في منجمين تابعين لمؤسسة واحدة بعين ازال. وبين الحادثتين 30 سنة لم تكن كافية لوالدة فريد لتنسى المصيبة الأولى التي حرمتها من زوجها فجاءتها اليوم فاجعة ثانية خطفت ابنها الذي سار على درب والده.
فبالنسبة للأب معمر غربي، فقد كان ضمن الضحايا الذين فارقوا الحياة في منجم خرزة يوسف التي وقعت بتاريخ 2 جوان 1990 أين كان العمال داخل المنجم يقومون بعملية توسيع النفق وأثناء الحفر تفاجأوا بوجود مياه جوفية تسربت بغزارة داخل المنجم وغمرت كل العمال الذين فارقوا الحياة غرقا ولم يتمكن أحد من إنقاذهم.
أموات من دون قبور!
وكانت يومها مأساة حقيقية توفي على إثرها 19 عاملا بالمنجم لم تشيع جنازتهم ولم يعثر على جثامينهم الى يومنا هذا وهم أموات بلا قبور. ومن بين الضحايا الأب معمر غربي الذي شاءت الأقدار أن يلحق به ابنه في ظروف مشابهة، ويتعلق الأمر بفريد غربي الذي التقيناه منذ أكثر من سنة فحدثنا يقول المأساة وقعت لما كان عمره 8 سنوات، ورغم صغر سنه لا زال يتذكر البكاء والصراخ الذي عمّ أفراد العائلة ولم يكن حينها يفهم حقيقة الفاجعة التي ألمت بأمه وإخوته، ويقول فريد بأن بيتهم كانت به جنازة دون ميت، ولم تكن العائلة بحاجة إلى تابوت، لأن عملية الدفن لم تتم، وظل الأمل يراود الأم لعل المياه تقذف بزوجها حيا أو ميتا، فكان أفراد العائلة يترددون على موقع المنجم علّهم يعثرون على شيء ما له صلة بالمرحوم، لكن مع مرور الأيام والشهور والسنوات يقول فريد أصبحت أذهب مع أفراد عائلتي إلى هضبة تعلو المنجم لنقرأ الفاتحة على روح الوالد.
عندما كان فريد يزور الموقع، لم يكن يعلم أن الدور سيأتي عليه بعد 30 سنة، وبالفعل فريد الذي كان عليه أن يبحث عن عمل ليوفر قوت عائلته، كانت له الأولوية ليعمل في نفس المؤسسة المنجمية وأصبح يقوم بنفس المهمة التي كان يقوم بها والده تحت الأرض والمتمثلة في الحفر لاستخراج مادة الزنك. وشاءت الأقدار أن يغلق المنجم الأول المسمى خرزة يوسف بعد ما غمرته المياه، ليفتح المنجم المجاور المسمى منجم الشعبة الحمراء والذي يبعد عن الأول بحوالي 2 كلم. وقد دخله فريد وهو شاب، كله حيوية ونشاط، ورغم صعوبة المهمة، إلا انه ظل وفيا لعمله في هذا المنجم الذي يذكره كل يوم بوالده، وظلت الصورة الذهنية للحادثة تطارده كلما غاص في أنفاق المنجم المظلم، وفي كل مرة يتساءل كيف كانت اللحظات الأخيرة لوالده، هل حاول الهروب، أم تمسك بشيء ما، أم غمرته المياه ولم تترك له فرصة استرجاع النفس، عندما كان يطرح هذه التساؤلات، لم يكن يعلم أن في يوم 4 أوت 2020 سيكون الجزء الثاني للمأساة، ويكون هو الضحية بعد والده.
متفجرات قديمة وراء الكارثة؟
بعد ما نزل فريد إلى النفق الذي يبلغ طوله 1700 متر مع انحدار يقدر ب12 بالمائة كانت الظروف حينها تبدو عادية، وكان فريد وزميله العربي يقومان بعملية الحفر، لكن الظاهر أنهما وقعا في مكان فيه متفجرات قديمة لم تنفجر بعد، وهذا ما صرح به مدير المنجم الذي يقول بأن الحادثة سببها انفجار كبسولات قديمة لم تنفجر، وهو السيناريو المرجح، لكن يبقى التحقيق الذي شرعت فيه اللجنة المعينة من طرف وزير المناجم كفيل بكشف الأسباب الحقيقية.
وحسب العمال فإن الانفجار كان قويا والحجارة تطايرت بعنف وأصابت فريد وزميله مباشرة لقربهما من موقع الانفجار، والمشهد يشبه الوقوف في فوهة مدفع انبعثت منه طلقة نارية، وحسب رجال الحماية المدنية فإن العربي توفي بموقع الانفجار، بينما ظل فريد يئن إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة عند إخراجه من النفق. وكان على رجال الحماية المدنية أن يتدخلوا بالاستعانة ب8 سيارات إسعاف و6 شاحنات، منها شاحنة خاصة بفرقة التعرف والإنقاذ في الأماكن الوعرة، وظل الأعوان يقلبون الحجارة المتراكمة للتأكد من عدم وجود ضحية أخرى. وبعد إنهاء المهمة، أغلقت القائمة بضحيتين وجريح في حالة خطيرة. وهي المأساة التي هزت كيان مدينة عين ازال وزعزعت عائلة غربي التي ظلت تلاحقها لعنة المنجم ففقدت الوالد سنة 1990 ولحق به ابنه بعد 30 سنة، والأول ظل بلا قبر، بينما الثاني تسلمت جثته لتدفن بمقبرة عين أزال.
28 ألف دينار مقابل العمل تحت الأرض
فبعد هلاك 19 عاملا، ارتفعت الحصيلة بعد 30 سنة إلى 21 ضحية فارقوا الحياة في منجم مظلم بالغ في حصد الأرواح، وعلق مصير 50 عاملا يعملون حاليا في هذه المؤسسة المنجمية وسط ظروف صعبة للغاية طرحوا بعضها أمام وزير المناجم الذي نزل بالمكان مباشرة بعد وقوع الحادث وبلغ تعازي رئيس الجمهورية للعائلتين، ووقف على المأساة وشكل لجنة للتحقيق قي الحادث، كما تحدث مع العمال الذين اشتكوا من صعوبة مهمتهم، خاصة مع غياب وسائل الحماية والوقاية، فهم الذين ينزلون كل يوم تحت الأرض في نفق طوله 1700 متر للحفر في ظروف صعبة للغاية وصورتهم لا تختلف عن عمال المناجم لسنوات الخمسينيات والستينيات، فتجد الواحد منهم أشعث أغبر يملأ السواد وجهه، وعلى رأسه قبعة عليها فانوس ينير له الطريق، وأغلبية العمال يشتكون من أمراض صدرية وضعف الرؤية، متأثرين بالرطوبة والظلمة المسيطرتين على المكان.
ويقول أحدهم كل هذه المعاناة تقابلها أجرة شهرية تقدر ب28000 دج لا تكفي لتغطية حاجياتهم ولا تسمح لهم بالاعتناء بصحتهم. وما شد انتباهنا أن وسط هؤلاء العمال هناك امرأة مختصة في الهندسة الجيولوجية تعمل هي الأخرى تحت الأرض وتجول في الأنفاق في ظروف تكاد تفقدها أنوثتها. وبالنسبة لهؤلاء العمال فإن المهمة جد صعبة ولا ينصحون أحدا بالمجيء إلى هذا المكان المرعب الذي يترصد حياتهم في كل لحظة، وأما بالنسبة لسكان عين أزال فإن بلديتهم لم تستفد من هذا المنجم الا المآسي، فوضعهم التنموي لازال متقهقرا ومدينتهم المعزولة لازالت تنقصها العديد من المرافق رغم تواجدها فوق بحر من المياه الجوفية لازال أهل المنطقة يشتكون من أزمة المياه وأزمات متعددة.
هذه هي حكاية فريد ووالده اللذين ابتلعهما المنجم الذي حيّر العائلات ولازال يصنع المأساة بالأجراء، والعمال يتساءلون على من الدور المرة القادمة، فهم لا يريدون أن يدفنوا قبل أن يموتوا، ويتمنون ان تكون لهم قبور يذكرهم بها أبناءهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.