نقابة القضاة ساخطة على بن صالح    بوشارب يساند رحيله!    شاهد : النجم الأمريكي أرنولد شوارزنيجر يتعرض للضرب في جوهانسبورج بجنوب إفريقيا    مجلس علمي لشبه الطبيين في بارني!    بمناسبة‮ ‬يوم الطالب    من أجل إيجاد حل لمستقبل البلاد‭ ‬    وزير الخارجية الإيراني‮ ‬يصرح‮:‬    تهدف لاكتشاف المواهب مستقبلاً    في‮ ‬صور من التراحم والتضامن    قريباً‮ ‬بمعسكر‮ ‬    قبل نهاية السنة الجارية‮ ‬    مستغانم‮ ‬    لمرتكبي‮ ‬المخالفات الجمركية‮ ‬    غولام‮ ‬يرفض الإفطار    بغرب البلاد‮ ‬    في‮ ‬قضية السعيد بوتفليقة والجنرالين توفيق وطرطاڤ    إنخفاض محسوس في‮ ‬الاسعار‮ ‬    تعيين أربعة إطارات    ‮ ‬ڤوڤل‮ ‬يحتفل بعمر الخيام    عمار تو‮ ‬يؤكد بعد استدعائه للتحقيق‮:‬    الجزائر ضمن المحتملين لشراء‮ ‬سو‮-‬57‮ ‬    بن مهدي‮ ‬ينهي‮ ‬مهام مونية سليم    من التحرير والبناء إلى الحراك الشعبي    محاولات تغيير مرجعيات عملية السلام مآلها الفشل    تعثر الدبلوماسية الأمريكية في مواجهة الأزمات العالمية    الانسجام بين الحراك والجيش والنخبة    74 راغبا في الترشح لرئاسيات 4 جويلية    خارطة طريق جديدة لتعزيز الرقابة بالحدود    الجزائر بحاجة إلى حلول مستدامة    العجز حتى في التقليد    تقدم ملحوظ في أشغال «الترامواي» و المنفذ المؤدي إلى الطريق السيار    «تاكركبة»..عادة راسخة في يوميات سكان «توات»    مطعم الرحمة بالسواحلية عادة إفطار لم تنقطع منذ 19 سنة    تغريم سارق المياه من القناة الرئيسية 7 ملايين سنتم    اجتماع لجنة المراقبة الوزارية المشتركة ل أوبك اليوم بالسعودية    أندية الولاية مهددة بسبب تدهور حالة الملاعب    ..فنان لن ينساه التاريخ    « البرنامج الرمضاني يفتقر للفرجة والكاستينغ مجرد كذبة»    وصلات إنشادية لفرقة «نهاوند» في مدح الرسول    الرئيس بن أحمد غير متحمّس للمواصلة    مواقف من تسامح الرسول الكريم    النسور تؤكد نزاهتها وتعود إلى سباق «البوديوم» من جديد    السردين ب 450 دج و «الكلامار» و «الكروفات» مفقودان    فلاحون يطالبون بمنع الغش في وزن محاصيلهم    الإدارة تسعى لإقناع المدرب حجار بالبقاء    ينقصنا فوز لترسيم البقاء    تكريم الزاهي في السهرة الأولى    استشراف لمستقبل رهيب بعد نضوب البترول    استثمروا أوقات المراجعة قبل وبعد الإفطار    تنظم حفل زفافها وجنازة عمتها في وقت واحد    هديُه صلى الله عليه وسلم في رمضان    ‘'القط الغاضب" يفارق الحياة ويترك "ثروة كبيرة"    أرنب ثمنه أكثر من 90 مليون دولار    هذا ما قاله عمار تو عن استدعائه من طرف المحكمة في قضية حداد    قرابة 40 ألف جزائري يؤدون مناسك العمرة في الأسبوع الثاني من رمضان    الابتسامة في وجه أخيك صدقة    مستشفى عمي موسى يدخل الخدمة بعد 13 سنة تأخر    الصيام أستاذ جليل فى علاج السكري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الطرق الصوفية في الجزائر: بين التأييد والمعارضة

عرفت الجزائر الكثير من الطرق الصوفية تجاوزت الثلاثين طريقة وكانت تعد من أهم مراكزها في العالم الإسلامي، بل كانت من أوائل الدول التي عرفت هذه الظاهرة، التي التف حولها كثير من الناس، وغطت مساحات شاسعة من القطر، وأدّت أدوارا أساسية في توجيه الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية والثقافية بالجزائر، إلا أن آراء المهتمين بالموضوع اختلفت ما بين مؤيد ومعارض:
*
فريق يهاجم الطرق الصوفية: فلا يعترف لها بأي فضل أو مزية ويحذر منها المسلمين، ويراها سببا في التخلف والانحطاط والضعف الذي عرفه العالم الإسلامي، ويرى فيها رمزا للخمول والكسل والتواكل الذي أصابه في العصور المتأخرة، وأنها من عوامل دخول المحتل الأجنبي أراضي المسلمين. حتى قال قائلهم: "إننا علمنا حق العلم بعد التروي والتثبت ودراسة أحوال الأمة ومناشئ أمراضها أن هذه الطرق المبتدعة في الإسلام هي سبب تفرق المسلمين ونعلم أننا حين نقاومها نقاوم كل شر". وقال في موضع آخر: "إن هذه الهوة العميقة التي أصبحت حاجزا بين الأمة وقرآنها هي من صنيع أيدي الطرقيين".
*
وفريق آخر: يدافع عن الطرق الصوفية ويرى فيها المنقذ والمخلص مما يتخبط فيه العالم الإسلامي، من ضياع وانحلال وأن الطرق الصوفية قد ساهمت بقدر وافر في الحفاظ على مقومات الأمة وأنقذت ما أمكن لها أن تنقذ من مبادئ يقوم عليها المجتمع المسلم. ويرى فيها عنصرا إيجابيا فعالا في توجيه الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية، وخاصة في الدعوة إلى الجهاد (الأمير عبد القادر، الأمير شاميل، عز الدين القسام...). فيقول أحد الباحثين المعاصرين متحدثا عن الدور الهام الذي أدته الطرق الصوفية في المجتمعات التي وجدت بها: "ونولي وجهتنا نحو بؤرة المجتمع وتفاعلاته اليومية نلتقي بالفعل بالدور الكبير الذي لعبته الطرق الصوفية، كوثبة من الوثبات الحيوية التي تعبر عن حركات المجتمع وتطوره الذاتي". ويقول آخر: "في اعتقادي أن الطرق الصوفية قد تعرضت إلى موجات من النقد عاتية، وهجومات حادة من طرف كثير من الجهات، لم تكن تستخدم المنهج العلمي، ولا النقد الموضوعي بل استخدمت أساليب أخرى طوال الفترات السابقة، والآن وبعد أن هدأت عاصفة اللوم والنقد والبحث عن أسباب الانحطاط وتعليل تأخر المسلمين وتقدم غيرهم، يجب علينا التخلي عن هذه النظرة السطحية الضيقة، وأن نلقي جانبا الأفكار المسبقة التي تلقيناها في مدارس ما بعد الاستقلال، فقد اعتبرنا إلى وقت قريب أن الأب الروحي للثورة المظفرة هو الإمام عبد الحميد بن باديس، وتجاهلنا الدور الأساسي الذي قام به مصالي الحاج في التحضير للثورة والإعداد لها.
*
إننا نحتاج في أيامنا الراهنة إلى إماطة اللثام عن ماضينا وتاريخنا الثقافي والعلمي، دون نظرة استخفاف ولا عدوانية، كما نلاحظ ذلك عند كثير من باحثينا للأسف الشديد. يجب علينا أن ندرس هذه الظاهرة بعيدا عن الروح المناقبية وعن النقد السلبي لهذه الطرق، أن نعود إلى التاريخ الحقيقي لهذه الطرق، وأن نستجلي الحقائق بعيدا عن الضغوط والإملاءات. يجب أن نفهم هذه العلاقات المتداخلة المتشابكة بين الدين والمقدس والسياسة والفقه والتصوف والحضارة، ونعمل على بعث نهضة علمية روحية متكاملة على الصعيدين النظري والعملي، للانطلاق إلى مجالات أرقى ومستويات أعلى. بهدف النهوض بالمسؤوليات التاريخية والحضارية.
*
والذي نراه في هذه النقطة تحديدا، وما يثبته البحث التاريخي الأكاديمي الجاد، أن الطرق الصوفية في العالم الإسلامي بشكل عام وفي الجزائر تحديدا، ساهمت مساهمة فعالة في مجالات الحياة الإنسانية المختلفة، وأصبح الناس يعتمدون عليها اعتمادا كليا لمواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تحل بهم من حين لآخر: فكانت الزاوية مركزا لوحدة القبيلة، فك الخصومات، الشفاعات، كفالة اليتامى والأرامل، المساعدة في الشدة، الحفاظ على عادات المجتمع...
*
وبفضل نشاطها عرفت البلاد الجزائرية عبر أجيال متعاقبة، حياة فكرية تتميز بالمحافظة، وواقعا ثقافيا يقوم بالمحافظة على تراث الحضارة الإسلامية والعمل لتأصيله عن طريق أساليب التعليم والتربية المتوارثة، ولعل هذا ما سمح بتحقيق توازن في ذهنية الفرد الجزائري وتوجه الجماعة.
*
وأنها كانت بمثابة السياج المنيع، والملجأ الأخير للشعب في مواجهة المحتل، وبمثابة الصخرة التي تحطمت أمامها كل المحاولات الرامية إلى سلخ هذه الأمة عن تراثها وتاريخها ومجدها وحضارتها، حافظت على ما يمكن أن يحافظ عليه ولم تكن أبدا عامل تقهقهر وانحسار كما يدعي البعض، إذ من أبرز خصائصها: المقاومة والتصدي والمواجهة.
*
فبعد سقوط الدولة في الجزائر إثر دخول الاحتلال الفرنسي، كانت الطرق الصوفية هي التي توّلت المبادرة، فيذكر حمدان خوجة في كتابه "المرآة" أن شيوخ الطرق الصوفية هم الذين أمروا جميع المواطنين الجزائريين بالتعبئة العامة والدفاع عن مدينة الجزائر العاصمة. وعلى الرغم ما يقال هنا وهناك، من أن مقاومة الأمير لم تكن صادرة عن طريقة ما، فأنا لم أجد تفسيرا لالتفاف الجموع والقبائل حول شخص الشيخ محي الدين، إلا أنه كان شيخا للطريقة القادرية التي تشرف بخدمتها.
*
يقول المؤرخ الفرنسي مارسيل إيميري: "إن معظم الثورات التي وقعت خلال القرن التاسع عشر في الجزائر كانت قد أعدّت ونظمت ونفذت بوحي من الطرق الصوفية، فالأمير عبد القادر كان رئيسا لواحدة منها وهي الجمعية القادرية، ومن بين الجمعيات المشهورة التي أدت دورا أساسيا في هذه الثورات: الرحمانية، السنوسية، الدرقاوية، الطيبية".
*
يبدو لي أن الحركات والتيارات الوافدة علينا من الشرق والغرب، هي التي أفسدت علينا الرؤية، وحرمتنا من كثير من النظر السليم لماضينا المشرق المشرف الزاهر. وأن تهافتنا وانبهارنا بما قدم من وراء البحار والحدود هو الذي أدى بنا إلى كل هذه النتائج والعواقب الوخيمة، التي لا زلنا إلى اليوم ندفع فاتورتها التي تعد من أغلى الفواتير التي تدفعها الشعوب نتيجة جهل ونقص وانعدام المرشد والدليل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.