وزارة العدل تكوّن 48 قاضياً    كاكوبات يتحصّل على تجديد ثلاث شهادات    هذه توجيهات سعيود للولاة..    اجتماع لمتابعة رزنامة الترتيبات    راموفيتش أمام المجلس التأديبي    كم يبلغ سعر بشت رونالدو ؟    هذا جديد النقل البحري    ساعات حاسمة تُهدّد العالم بحرب جديدة    جهاز للتأمين ضد الأخطار الفلاحية الكبرى    مقر بلدية وهران يدخل حيز الخدمة    موجة اعتداءات دامية في الضفة    الدروس المحمدية من 26 فيفري إلى 8 مارس    لا تنشغلوا بمسائل الصيام الفرعية وتفرطوا في الكبائر والمعاصي    دعاء النبي عند الإفطار    دعوة إلى إنهاء احتلال المغرب للصحراء الغربية    الجزائر تقترب من تحقيق السيادة الدوائية    رئيس الجمهورية يترأس اجتماع مجلس الوزراء ويستعرض مشاريع هامة في القضاء والمناجم والفلاحة    الجزائر تحتفل بالذكرى السبعين لتأسيس الاتحاد العام للعمال الجزائريين    وزير الطاقة يترأس اجتماعاً لمتابعة المشاريع الإستراتيجية للقطاع وتعزيز الأمن الطاقوي    جريدة "هيرالد" الأمريكية : الجزائر وجهة سياحية جذابة وكنز حقيقي    كأس العالم 2026 للجمباز الفني: كايليا نمور تتوج بالميدالية الفضية في عارضة التوازن    بادمنتون/تحدي أوغندا الدولي (زوجي مختلط):ميدالية برونزية للثنائي كسيلة وتانينة معمري    رئيس المجلس الشعبي الوطني يستقبل سفير سلوفاكيا لتطوير التعاون البرلماني والاقتصادي    رد حاسم من باستيا على شبيبة القبائل في قضية مهدي مرغم    هذه علامات حسن الخاتمة..    يوم تصرخ الحجارة كالنساء    النكهة الأصيلة للمطبخ الجزائري    محارم المرأة بالعدّ والتحديد    إطلاق مشروع متحف المجاهد ببومرداس في 2026 لحفظ ذاكرة الثورة    المطواعية العالمية للولايات المتحدة في عصر المركنتيلية الرقمية    استئناف الإنتاج بمصنع تحلية مياه البحر بالرأس الأبيض بوهران بعد توقف احترازي    فتح باب الترشح لجائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية في طبعتها الثانية لسنة 2026    فتح الرحلات الجوية لموسم حج 1447ه/2026م عبر البوابة الجزائرية للحج وتطبيق "ركب الحجيج"    تدابير و تسهيلات منحت للأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة    نحو تقييم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينية في طوفان الأقصى ج4    يجب أن يتعدى إلى إعداد جيل يحمل قيم الوسطية والاعتدال    الكشف عن ورشة سرية لإعادة تدوير مواد تجميل    رابطة الشعب والجيش.. عنوان الجزائر الجديدة المنتصرة    دبلوماسية التأثير للجزائر تجسدها مصداقية الميدان    ماندي يتحدث عن أزمة نادي ليل ويدعم مدربه    اعتراف فرنسي بإمكانات الجزائري إيلان قبال    فتح التسجيل للمشاركة في"غلوبال أفريكا تاك 2026"    "وقائع زمن الحصار" أحسن فيلم في"أفاق" مهرجان برلين    لقاء تكويني للمرشدين السياحيين    اقتراح خارطة طريق توازن بين أصالة التراث ومتطلبات العصرنة    أسماك "الدوراد" و''التيلابيا " تزيّن موائد رمضان    مناقشة النصين المتعلقين بالأحزاب السياسية والتنظيم الإقليمي    استلام 338 حافلة بميناء الجزائر و97 بميناء جن جن    ردود فعل عربية وإسلامية رافضة لتصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان    عليكم بالموازنة بين الأكل والنشاط البدني    57436 عائلة معوزّة استفادت من إعانة رمضان    عبادة وطقوس تحفظ عبق الذاكرة    زروقي آخر المصابين ويخلط أوراق بيتكوفيتش    انطلاق مسابقة تاج القرآن الكريم    ارتياح واسع بغرب البلاد بعد فتح ملحقة جهوية للتصديق على الوثائق الموجهة للاستعمال في الخارج    80ألف فلسطيني يؤدون صلاة الجمعة    انطلاق أشغال اللجنة المكلّفة بدراسة الترشحات    التوعية للحد من استعمال المضادات الحيوية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هياكل عظمية.. روائح كريهة ووجبات لا تصلح حتى للحيوانات
الشروق تتجول في أكبر المستشفيات في مقديشو


أطفال الصومال: سنشكوكم إلى الله يوم القيامة
نسيتمونا أم تناسيتمونا يا أطفال العالم، أننا مصابون بأخبث الأوبئة والمجاعة ونحن في القرن ال21، تعالوا وشاهدوا كيف نعيش في العذاب من أجل العذاب بمستشفيات الصومال، إننا ندعو الله ونتوسل إليه أن يقذف في قلوبكم الرحمة، علكم تلتفتون الينا مرة قبل ان تاكلنا الذئاب والنسور، وإن لم يحدث هذا سنلتقي يوم قيام الساعة، ونبلغكم بما فعلته بنا الاقدار، وجشع الانسان، هي كلمات أطلقها أطفال صوماليون لاقرنائهم في العالم.
*
ولمعرفة المزيد عن حجم الكارثة المأساوية التي يعيشها النازحون الصوماليون في مقديشو، وانتشار الأمراض الفتاكة بين المقيمين فيها، وشكوى النساء من عدم تمكنهن من نقل أبنائهن المرضى إلى المراكز الصحية، زارت "الشروق" مستشفى بنادر الذي يعد اكبر "مرفق صحي" بالصومال، وتجولت بين أقسامه، فوجدت من العجب والمآسي ما يدمي القلوب.
*
بالإضافة إلى الفوضى العارمة والعشوائية التامة التي تشكل ديكورا مميزا للمستشفى، وتدهور وضعيته من بناية وأروقة وغرف وأسرة وأجهزة طبية، فبمجرد وصولك إلى ساحة المستشفى، ورغم شساعة مساحته، إلا أن الرائحة الكريهة تخيم على أرجاء المكان، حيث تشمها بالعين قبل الأنف من شدة قوتها، إلى درجة أنك لن تستطع المكوث بداخله لأكثر من 10 دقائق تجنبا للغثيان والقيء، وتتسارع تلك الرائحة إلى معانقتك في الباب الأمامي، قبل أن يعانقك الأطفال والنساء الذين يهرولون من كل جهة إلى كل وافد جديد، طمعا في توزيع مساعدات، حيث يتخيل لك بأنك في مستودع تسول وليس مكانا للعلاج، حيث لن تخطو خطوة دون أن يمسك بك طفل من هنا وامرأة من هناك وفتاة من هنالك، وهم ينادون بلهجة صومالية، ويلوحون بأيديهم كل واحد بطريقته، فمنهم من يبسطها، وآخر يوجهها إلى فمه تعبيرا عن جوعه وطلبا منحه علبة بسكويت، أو قطعة خبز، وآخر بإبهامه طالبا الشراب.
*
المستشفى بناء مؤلف من طابقين لكن جدرانه مليئة بالعفن والرطوبة، ودهانها يتساقط على الرؤوس، غرف حتى وإن كانت واسعة، إلا أنها ضاقت بالأعداد الهائلة من المرضى، والنوافذ مغطاة بنافذة شبكية لتقليل دخول الناموس والذبان، وإذا ما دخلنا نلاحظ الغبار والأوساخ والإهمال وكأننا في معتقل، الاروقة وسخة وروائح نتنة، عدم وجود سلة مهملات.
*
*
"هياكل عظمية" تفترش الأرضية والأسرة في كل مكان
*
من أكثر الصور التي ستبقى راسخة في ذهن أي زائر لمستشفى بنادر، صور الوافدون الجدد من المرضى أطفالا ونساء، الذين لم يسعفهم الحظ في إيجاد "سرير" أو "غرفة"، بسبب أزمة الاكتضاض، حيث تجدهم فوق طاولات خشبية تم تحويلها إلى أسرة وضعت في أروقة المستشفى، وأكثرهم حضا تجد كيس مصل موصول بإحدى أطرافه إن لديه عروقا وأوردة، لأن غالبيتهم مجرد هياكل عظمية مكسوة لحما، والذين يتم وخز إبر تمرير الأكسجين والأمصال والفيتامينات في رؤوسهم أو في فتحة الأنف، كما هو الحال مع الصبي منصر حسن محمد، والذي أكد الدكتور السعودي عبد الله النمري بأن رأسه المكان الوحيد الذي وجده بعد تمحيص دقيق لجسمه، رفقة مساعديه لإيجاد مكان لتثبيت الإبرة.
*
*
الذباب لا يفارق جلود الأطفال وكأنها حلة يرتدونها
*
تفشي الأمراض ساهم فيه بشكل كبير انتشار البعوض والحشرات التي تنشط وتتكاثر، في وسط تتكدس فيه النفايات الانسانية، ولا تخضع للمعالجة أو التعقيم للحيلولة، دون توفير شروط لمنع صناعة الحشرات الفتاكة، وعل من أكثر الحشرات التي تصنع ديكورا لدى الاطفال الصوماليين، نجد الذباب والباعوض والناموس، حيث يصعب عليك رؤية جلد طفل مريض مثلا من كثرة الذباب الذي غزى جسمه، وتظن بانها جلة يرتدونها.
*
*
نقص في المعدات والأدوية يزيد من معاناة المرضى
*
وعل ما زاد في تفاقم الوضع بهذا المستشفى، يقول مدير المستشفى الدكتور عبد الرزاق، الأعداد المتزايدة التي تصل إلى المستشفي يوما بعد يوم، وشح المساعدات الدولية في توفير المعدات الطبية والمواد الصيدلانية الضرورية، كالأمصال والأكسجين، والفيتامينات، أجهزة الكشف، تزيد من صعوبة الوضع وخطورته، أما الحديث عن المكيفات وأجهزة التبريد فيعتبره المتحدث ضرب من الخيال، ورغم كل هذا ما زال الأطباء من مختلف المنظمات العالمية، عاقدون العزم على توفير الرعاية الطبية مجانا إلى الصوماليين غير مبالين بالمخاطر المحدقة بهم وما أكثرها.
*
الشيخ معلم يدفن في كل 10 كلم طفلا من أطفاله
*
اما احمد حسن ادم الذي التقيناه بالمستشفى مع زوجته، فاكد بانه انطلق في رحلته من اقليم بايو رفقة ثمانية اخرين من افراد عائلته ستة اولاد بالاضافة الى زوجته، قبل ان يصل الى المخيم سوى بخمسة افراد، بعد أن فقد في الطريق الى المخيم اربعة منهم، وهم احمد، وأحمد 5 اشهر، سيد علي ثلاث سنوات، وعائشة 9 سنوات، وأوضح انه في كل 10 كلم يدفن واحدا من فلذات كبده، وأضاف ادم إن هناك بعض الأطفال مصابون بمرض الإسهال والحصبة، ولم نجد من يساعدنا في إنقاذ أطفالنا من هذه الأمراض التي تقتلهم مرة وتقتلنا مئات المرات".
*
في حين ذكرت فاطمة الشيخ آدم لانها فرت الى مستشفى بنادر من مشكلة الجفاف فوقعت في مشكلة أخرى قائلة "انتشرت أمراض في المخيم الذي نعيش فيه فأصيب اثنان من أولادي الصغار بالإسهال، فساعدني البعض في نقلهما إلى مستشفى بنادر، فمات أحدهما على الفور وكان عمره ثلاث سنوات والآخر حصل على علاج غير أنه ما يزال ضعيفا ولا يتناول الطعام بشكل جيد".
*
مدخنة بالحطب لتحضير "وجبات" "الموتى"
*
أصبنا بخيبة أكل كبيرة ونحن ندخل إلى مطبخ المستشفى فهو أشبه بكثير بفرن صناعة الاسمنت، حيث كثافة الدخان المنبعث من النار الموقدة بالحطب دون وجود فتحة يخرج منه، إضافة الى الصورة غير الإنسانية ترسمه تلك القدور التي اعتلتها الأوساخ، الى درجة تغير حجم سمكها، ورجل يحرك بغرافة كبيرة ارزا ابيض، الذي سيقدم خلال وجبة الغذاء، أما الخضر فما هي سوى أربع حبات بصل موضوعة داخل صحن يبدو انه يعود عهدها إلى الحرب العالمية الثانية، فإذا اعينت النظر فيها فحتما سيقشعر جلدك من قباحة المنظر وتظن بأن الوجبة لن تقدم للبشر أو الأطفال.
*
*
شبح الموت ينبعث من دورة المياه
*
وأكثر من كل هذا كدنا ان نصاب بالاغماء جراء قباحة المنظر الذي تشهده "دورة مياه" المستشفى، وشدة نتانة الروائح المنبعثة منها، مما جعل الوافدين على بنادر يقضون حوائجهم بشكل عشوائي وغالبيتهم في ساحة المستشفى خاصة في الليل، ما ادى الى تكاثر الحشرات الضارة والناموس، والذباب، وانتشارها بشكل رهيب في المستشفى، وهو ما ساهم في نقل العدوى بشكل مخيف بين المقيمين به، خاصة اصحاب الاجسام الضعاف والاطفال على وجه الخصوص، حيث تؤكد خديحة أن الوضع في المستشفى لا يختلف كثيرا عن الوضع في المخيم باستثناء السقف، حيث "نعاني كثيرا بسبب الاكتظاظ وانعدام النظافة، واوضحت أنها تقضي أيامها ولياليها في النظر الى فلذة كبده الذي سيهلك حتما" لذا اريد ان انتهز فرصة رؤيته، كما أكدت انه منذ دخولها للمستشفى وهي مستلقية على الارض، بسب عدم وجود سرير.
*
*
إذا كان هذا هو وضع العاصمة وحالها فما هو وضع الأقاليم؟
*
بهذه الكلمات ختم الدكتور أزهري عبد الرحيم المدير التنفيذي للهيئة العالمية للأطباء عبر القارات الكائن مقرها بالخرطوم، حديثه للشروق بخصوص انطباعه حول الوضع الصحي في الصومال، وقال إن الوضع مهدد بالانفجار في أي لحظة، فلولا سارع العالم لمحاصرة الأوبئة والأمراض القاتلة لما تحولت الصومال بأسرها إلى مستنقع للفيروسات، وقال إن مستشفى بنادر المركزي انتهى ولم يبق منه شيء، ولا أطباء العمليات الجراحية لانعدام التخدير، والأدوية منعدمة، والتأطير الطبي ناقص، والأمراض في انتشار مستمر خاصة وسط الأطفال النازحين من الأقاليم الجنوبية.. فإذا كان هذا هو حال العاصمة فما هو وضع الأقاليم؟
*
*
صور وشهادات مفجعة
*
تروي آمنة التي التقيناها في اليوم الأول من زيارتنا للمستشفى، والدمعة تذرف من عينيها غادرت كوخها باقليم كيسمايو على بعد 528 كم جنوب غرب مقديش ، دون علم زوجها، لأنه غادر قبل شهرين إلى كينيا بحثا عن منصب عمل، وتقول انه حتى ولم يصب القحط منطقتهم، إلا أنها لم تعرف معنى السعادة في حياتها" لأنه بإمكاني أن أفر من الجفاف كما فعلت اليوم، ولكن ما ذا يمكنني أن افعل حيال المجاعة والأوبئة والحرب، فحياتي كلها مآس وعقبات، وكلها فقر متطرف، كما أنني منذ زواجي منذ قبل 10 سنوات، لم اسكن داخل بيت سوى 15 يوما بعد الزواج، إذن كل شيء ينقصنا، إلا أنني كما ترى لا أزال أصارع من أجل البقاء على قيد الحياة لأشهد غدا أمام الله على قسوة قلوب البشر.
*
وأوضحت أن ابنها منصر حسن محمد الذي ضمته إلى حضنها بإحدى أسرة جناح الإسهال الحاد بمستشفى بنادر منذ خروجه إلى هذا العالم لم يتناول في حياته حليب الأطفال وهو لم يتجاوز اليوم 4 اشهر، وهو نفس السبب الذي أودى بحياة شقيقيه بعد مولد كل واحد منها بعام، باستثناء فاطمة، التي أبت إلا أن تنتظر أخاها لتخرج به من المشفى لتلعب معه بمخيم مدينتو.
*
ورغم طمأنة الطاقم الطبي بالمستشفى لآمنة بأن ابنها تجاوز مرحلة الخطر، بعد إسعافه، وحقنه بالمصل، إلا أنها متمسكة بخوفها من فقدانها لمنصر، وقالت انه هالك لا محالة، وسيموت في أي لحظة، وما زاد من خوفها هو تثبيت إبرة الإمداد بالأمصال في راس ابنها، بعد أن عجز الأطباء في إيجاد عرق أو وريد في كافة جسمه نظرا لتجعده وتلاصق العظام مع الجلد..."الشروق" عادت إلى المستشفى بعد ثلاثة أيام وبحثت عن السيدة أمنة لتتفقد حالة منصر الصحية، ولحسن الحظ تحسنت الحالة الصحية لمنصر.. تركنا أمنة وواصلنا التجول في حجر المستشفى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.