عازمون على جعل هذه المؤسسة قاعدة انطلاق حقيقية لصناعة عسكرية واعدة    الجزائر تسعى إلى إيجاد التوافق لدى جميع الأعضاء    ضرورة إعادة النظر في القانون الأساسي للباحثين لمرافقة الانتقال الطاقوي    وداعا محب الجزائريين و مكتشف مذكرات الأمير    «الجزائر تتعرض لوابل متدفق من التهجمات اللفظية تأتينا من فرنسا»    سيادة الموقف واستقلالية القرار خط أحمر    فتح 70 مسجدا للصلاة بمختلف الأحياء اليوم    المطار الدولي أحمد بن بلة يستعد لاستقبال المسافرين في 6 ديسمبر    فتح رأس مال بنكيين عموميين في 2021    الطارف: 7اشخاص امام العدالة بتهمة ترويج المخدرات    بن طالب يرد على التصريحات العنصرية ويشكر " الفاف" وبلماضي    انتهى عهد البيروقراطية والمحسوبية في البنوك    منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة: لا تنسوا مكافحة الآيدز مثلما تكافحون كورونا وممكن القضاء عليه    العلاقات الجزائرية الفرنسية تدخل نفقا مظلما!    16 وفاة.. 953 إصابة جديدة وشفاء 596 مريض    قيادة الجيش تؤكد على المساهمة في بعث الصناعة الوطنية    "الفاف" وبلماضي يساندان بن طالب    هذه هي معيقات مرافقة الانتقال الطاقوي في الجزائر    تساؤلات حول غياب غامض للرئيس باه نداو    الجزائر تعد كتابا أبيض حول الكوارث الطبيعية    مواصلة عملية التحديث والتكيّف مع الرقمنة    القضاء على ثلاثة إرهابيين بجيجل    الكركرات: لليوم 19 على التوالي الجيش الصحراوي يواصل هجماته ضد مواقع جيش الاحتلال المغربي    اقتناء اللقاح يخضع لشروط صارمة    الجزائر سترد بحزم على كل من يحاول المساس بأمنها    الجزائر مع نيجيريا في دحر الإرهاب    تواصل مستمرّ بالرأي العام    حجز مهلوسات وأموال    سدود عطشى    « السيدا " .. وقاية مضاعفة في زمن "كورونا"    "تصاريح" لاقتناء المواد الخطيرة    تنظيم الطبعة الأولى للمسابقة الوطنية الافتراضية حول الفن التيبوغرافي في تلمسان    إيغيل يدخل لاعبيه أجواء مباراة «سوسطارة»    الإدارة ملزمة بتسديد أكثر من 930 مليون سنتيم في أول قضية ملفات الديون العالقة تفتح من جديد    وداد تلمسان يغيير مقر الإقامة إلى دار الشباب بلالة ستي    «إلزام المصاب بكورونا بمواصلة العمل خطر يزيد من حالات العدوى»    حجر لمدة 14 يوما للحالات المشتبه فيها    وفاة الاسقف تيسيي: الجزائر تفقد رجل دين متميز متمسك بحوار الأديان    5 مليون سنتيم للمصابين بكورونا في قطاع التربية    النفط يتجاوز 48 دولارا للبرميل    معاقبة المدرّب السّابق لاتحاد العاصمة سيكوليني بالايقاف لسنتين    مشاركة 5 أفلام جزائرية في المهرجان العربي لفيلم التراث    كورونا أدخلنا في عزلة تامة    مشاريع واعدة لفائدة مناطق الظل    الأكياس البلاستيكية السوداء تعود بقوة للأسواق    ننتظر تاريخ البطولة للشروع في التحضيرات    تاريخ يأبى النسيان    طعنوني في الظهر    شخصية ظلت تحت مجهر الاحتلال    تنفست في الجزائر عبقا لغويا جديدا    إصدار نسخة محسنة من كتاب "تلمسان أو أماكن الكتابة" لمحمد ديب    صبّ إعانات لأزيد من 3420 فنان خلال الأشهر القليلة الماضية    انتظروني في مسلسل «تمرّد على العراب»    رحيل الأحبّة    ضاع القمر    التضرع لله والدعاء لرفع البلاء منفذ للخروج من الأزمة    تربية الصَّحابة على مكارم الأخلاق من خلال القصص القرآنيّ    عبرات في توديع صديقنا الأستاذ عيسى ميقاري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





عرس الحَمَام
نشر في الجمهورية يوم 18 - 11 - 2019

كان لكل موسم حكاياه وقصصه وأحجياته ، وتفاصيل الأحداث الشيقة النائمة في طيات الموروث الشعبي وذاكرته الحية على الدوام، المتوارثة بين الأجيال على لسان الجدات والأجداد، والحكائين الذين كانوا بمثابة الصندوق السحري للذاكرة الجمعية. شتاء تتكوم أحجياتنا معنا تحت ما توفر من دفء، صيفا حكاياتنا تفرد أجنحتها تحت نور القمر، بين أحضان البطمة العتيقة أو الدردارة السخية بظلها أو الزبوجة حارسة المقام.
ثلاث أشجار لكل واحدة تاريخها الدقيق والعميق مع نساء القرية وفتياتها وفتيانها. هي الأشجار حافظة الجمال والأسرار. من كل هذا يطل الجد الجميل والبهي، الأنيق دوما. جد الجميع لأنه كان أيضا جد من لا جدله. كنا نتنافس على ترتيب أغراضه القليلة وطيّ ألبسته المشعة بياضا وكأنها لولي صالح. نتسابق إلى حمل عصاه ووضع خفيه عند أقدامه وفرد سجادة الصلاة وجمعها ووضعها في الكوة الخاصة بها، عند الوتد المعلقة عليه جلابية النوم. ما إن ينزع رزته لطقوس الوضوء والصلاة أو النوم، حتى نهرع إلى لمس شعره الفضي الذي ينسدل على كتفيه مثل شلال من النور، نمسد عليه بنحو ونشم رائحته الزكية. يستسلم لحركاتنا بكل طيبة ووداعة مثل القط الأليف. كنا نتكوم حوله ملتصقين كالقطط المستدفئة ببعضها البعض، في انتظار تلك الللحظات التشويقية، التي سترحل بِنَا إلى عوالم خاصة، كل واحد فينا يتخيلها ويثريها كما يشاء حسب ذكائه وقدرته التخييلية .
معه لكل حرف قصة ولكل كلمة حكاية ولكل الأشياء تاريخ وجغرافيا ولكل نبتة قلب وذاكرة وروح. قبل أن يباشر الحكاية، ينادي فتيات العائلة السبع كل واحدة باسمها، يُجلسهن على يمينه وشماله حماية لهن من شيطنتنا وملعنتنا، أما نحن فنشكل نصف دائرة بعيون مُبرققة، وآذان متوثبة مثل آذان القط والأرانب المتوجسة. كانت له قصص وطرائف عجيبة مع الحمام، يعرف أنواعه وأسماءه وطرق عيشه، لدرجة أنه كان يبني له مساكن فنية جميلة بكل أنواع الطين، تظهر من بعيد مثل أقواس القرميد؛ كتلك التي تزين أطراف الأسطح والنوافذ في بعض القرى والمداشر، حماية لها من الأمطار والثلوج والعواصف وحرارة الصيف. كان الحمام عنده يرمز إلى المحبة والأمن وصفاء الروح؛ كما في الأساطير القديمة وثقافات الشعوب الأخرى المتنوعة. كان يعرف سر الأعشاب الخاصة بمداواته إذا ما أصيب بضرر أو بحالة انطواء واكتئاب؛ كنا نندهش لكلمة اكتئاب وهو يرددها مرات، لم نكن نعرف أو ندرك أن الحمام هو الآخر يصاب بالاكتئاب كما الإنسان.
كان يردد على مسامعنا باستمرار وحتى لا ننسى أو نتناسى: كل خلق الله، من حيوانات ونباتات وحتى أدق حبات الرمل وحبات الحجر تصاب بالاكتئاب، وهي في حاجة إلى دفء من قلوبنا ورعاية من عيوننا. هكذا كان يعلمنا حب الطبيعة وحمايتها والرأفة بالحيوانات وعدم إيذائها؛ إذ كثيرون هم أطفال القرية الذين كانوا يصطادون كل أنواع الطيور وعلى رأسها طير الحمام، وذبحها وشويها بعيدا عن أنظار الكبار خوفا من التأنيب والتوبيخ والفأل السيء؛ لأن الناس كانوا يتطيرون من أذية الطيور وعلى رأسها الحمام، لما له من رمزية عميقة في ذهنية الناس والموروث الشعبي والإنساني. الحالات الوحيدة التي كان يُسمح فيها بأكل طير الحمام، المرأة الحامل في الشهر التاسع وبعد الولادة؛ لأنه يدر الحليب ويعطي المرأة النافسة القوة، أو المريض المصاب باليرقان لتقوية مناعته. كان يرسل الحمام عدة مرات إلى مزرعته يوم دوره في السقي، يأتيه الحمام بالعشب المندى وبشيء من الطين في قوائمه، كما النبي نوح عليه السلام؛ وقصته مع الحمامة للبحث عن اليابسة بعد النجاة؛ والتي أتته يوما حاملة بمنقارها عُرف زيتون يبهج بخضرته ولمعانه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.