مسؤول ب"نفطال" يوضح بخصوص اختلاط البنزين بالماء على مستوى محطة الوقود بخروبة وتعطل 22 سيارة    اجتماع أوبك + : اتخاذ عدة قرارات لضمان استقرار سوق النفط    ملعب مصطفى تشاكر سيكون جاهزا بداية من شهر مارس المقبل    إتحاد العاصمة يعلن عن 8 حالات إيجابية بفيروس "كورونا"    تأجيل مواجهة المولودية مع بافلز    الوزارة الوصية تمنح إعانات مالية للرياضيين المتأهلين من فئة ذوي الاحتياجات الخاصة    هبوب رياح قد تتجاوز سرعتها ال 80 كلم على 6 ولايات شمالية    رسميا.. العثور على جثة الطفل يانيس نهشتها الذئاب في غابة ايغيل موحو    أم البواقي: حجز أجهزة حساسة تستعمل في البث التلفزي    بومرداس: اختناق عائلة من 5 أفراد بغاز أحادي الكربون    آندري أورسيا مدربا جديدا لعطال وبوداوي    رابطة الأبطال: شباب بلوزداد يواجه النصر الليبي يوم الأحد    الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة: جراد يرافع ل "شراكة عالمية منشطة وشاملة " للتغلب على وباء كورونا    أمن العاصمة: الإطاحة بشبكات اجرامية وحجز كميات معتبرة من المخدرات    الوادي: أمن حاسي خليفة يحجز كميات هائلة من المواد التبغية    المغرب يتستر على خسائره في الصحراء الغربية    التعاون بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي محور نقاش رفيع المستوى بمجلس الأمن    الذهب بصدد تحقيق مكسب أسبوعي مع تضرر الدولار من آمال التحفيز الأميركي    بوزيدي: "للأسف لن أتواجد على دكة بدلاء الشبيبة في مواجهة وهران"    التوقيع على اتفاقية بين شركة طايال ومركز الجامعي بغليزان    شيعلي: "القضاء قريبًا على مشكل الكثافة المرورية في العاصمة"    تقديم عروض افتراضية للمسرح البريطاني إلى غاية 17 ديسمبر    تتويج فيلم "شحن" من لبنان بذهبية الطبعة الثامنة    الوزير الأول يشارك في القمة الاستثنائية ال 31 للجمعية العامة للأمم المتحدة حول جائحة كورونا وآثارها    تكثيف من خرجات التحسيس لفائدة التجار بقسنطينة    جراد: الجزائر اتخذت اجراءات استعجالية واحترازية للتصدي لجائحة كورونا    البروفيسور صنهاجي: نتوقع بداية التلقيح لكل الجزائريين بعد شهر من الآن    قافلة من المساعدات الغذائية لفائدة اللاجئين الصحراويين    وزير الصناعة : مجمع " أونيام "بحاجة لتمويل بنكي لاحتواء العجز    بن ناصر: الروح الجماعية قلبت الطاولة على سيلتيك    وفيات كورونا في العالم تتجاوز ال1.5 مليون    الجمارك تحبط محاولة تهريب كميات معتبرة من المخدرات    بايدن يكشف عن الطريقة التي سيتعامل بها مع إيران والصين وروسيا    نتنياهو يعلق لأول مرة على الأخبار بشأن لقائه ولي العهد السعودي    فيفي عبده تخفي مرضها الغريب وتطلب من جمهورها الدعاء لها    مرصد مراقبة موارد الصحراء الغربية يدعو الاتحاد الأوروبي إلى "احترام" قرارات محكمة العدل    دراسة الملفات المتعلقة بنشاط صناعة المركبات تتم وفق دفتر الشروط بدون أي تغيير    حسان قاسيمي : لائحة الاتحاد الأوروبي "مجحفة للغاية"    سلمان العودة يفقد نصف بصره وسمعه في السجن..!!    الجوية الجزائرية تستأنف إجلاء الرعايا من الخارج هذا الجمعة    عدد جديد من"الخبر7"..لا تتردوا في طلبه طيلة الأسبوع    بن عبد الرحمان يستعرض واقع التعاون مع الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في الجزائر    موبيليس تعزز محور الطريق الوطني رقم 3 ب 7 هوائيات جديدة    هكذا كانت علاقة جيسكار ديستان مع الجزائر ورؤسائها    بن دودة تصدر تعليمة لاحترام ذوي الاحتياجات الخاصّة ومتطلّباتهم    الفنانة والممثلة أنيسة قاديري في ذمة الله    قوجيل يبلغ نظيره الفرنسي رفض الجزائر التدخل في شؤونها    استشهاد الرقيب الأول للماية سيف الدين: السيد جراد يعزي رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي وعائلة الشهيد    شنين يدين لائحة البرلمان الأوربي حول وضع حقوق الانسان في الجزائر    رأس السنة الأمازيغية: احتفالات "يناير" تحتضنها مدينة منعة    قائد الدرك في زيارة عمل إلى وحدات القيادة الجهوية السادسة    انتخاب الجزائرية "حسينة موري" نائبا لرئيس الاتحاد الدولي للعلوم الجيولوجية    دين الحرية    عملاء الصهاينة وحتمية السقوط    ما أجمل أن تحيَا هيّنًا خفيفَ الظلّ!    د.فوزي أمير.. قصة حياة    فوز بسمة عريف في فئة القصة القصيرة    التضرع لله والدعاء لرفع البلاء منفذ للخروج من الأزمة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أجراس المكان.. رائحة «القنادسة»
نشر في الجمهورية يوم 19 - 10 - 2020

كما كل الأشياء البسيطة والعفوية كان اللقاء عشيّة أمس بعد الظهر ممتعا وفاتنا في جلسة على "الضيّق" كما يقال، لكنّها مثمرة في "الخزانة القندوسية"، كانوا ممتعين، حارس الخزانة العتيد الأستاذ "سي مبارك طاهيري"، الأستاذ "بوتخيل بن صافي"، الأستاذ المِعماري عبد العزيز بركاني. زاد في فتنة المجلس قيلولة " القنادسة " الصّاهلة بالرّوح، صهيل الأشياء ليس في دوي الصّوت وإنّما في الصّمت الذي يتكلّم، هكذا بدت لي تلك العشيّة في صحبة الأستاذ المعماري الجميل عبد العزيز بركاني وأنا أصاحبه في سيّارته إلى جمال الأمكنة وأسطوريتها، كانت المسافة تتكلم بشكل غير مفهوم، ما يحيطنا ويسير مع حركة السيّارة،ظهر وكأنّه يكشف أسرارا تتعلق بالمكان الأمتع، "القنادسة" سيّدة الأمكنة.
الأستاذ عبد العزيز معماري باحث ومفكر في مهنته، بل وتقوده في بحثه رومانسية المثقّف وأسئلته الحارقة في وجه السّكون الذي يلفّ حياتنا، ولهذا أدركت أنّ رؤيته جديرة بأن تحاط بالاهتمام، إذ يروم في بحثه اكتشاف اللامحسوس في علاقة المكان/القنادسة بالإنسان. ليس ما هو مادّي دوما الأهم في تشكلات المكان الظّاهرة، هناك صوت ورائحة الأمكنة، تلك المعايير التي توقظ في الفكر والوجدان علاقات جديدة في رؤية المكان.
ليس العيش في المكان هو الذي يفجّر خفاياه، إنّها الحياة فيه، تلك التي تجعل الإنسان في حوار دائم معه، وقرب أدوم في أنسجته وأشكاله المتجدّدة مع كل رؤيا تطلع من خيال ساكنه، تلك أهمّية رؤية المعماري/ الفنّان عبد العزيز بركاني، فهو يرى في القنادسة تلك الرّوح التي تسري في أعماق من مرّوا على ترابها وتركوا شيئا من ذاكرتهم فيها، والأهم من ذلك ما حاولت القنادسة دسّه في وجوههم وعقولهم ووجداناتهم، ولهذا فهو حريص على جمع المرويات الشفوية من أفواه وخيالات من توسّموا الحياة في القنادسة فتبادلت الحياة معهم.
تشعر وأنت تتحسّس "القنادسة" كأنّ شيئا طالعا من غموض رؤيتك في التغيّرات الطارئة على المكان، فتصمت القنادسة/الرّاهن لتتكلم القنادسة الذاكرة، ومن هنا كان التعليق على المكان وخصوصا صعوبة الحديث عنه، لأنّه في مرحلة من المراحل العمرية يتداخل حدّ الالتحام بالذّات، فلا نستطيع تفرقته عنها، لكن في فترات مفاجئة تتجلى انفلاتة سحرية نابعة من كينونة أخرى، تفتح فجوة في منطقة الالتحام فتنسرب القنادسة/الذات كما قطعة من عاطفة وكيان لا يُرى سواها في الأفق وفي الحقيقة الجوهر.
انطلق الأستاذ "سي مبارك" في حديث من عمق الذاكرة استرجع فيها "درب حجاوة" والممر التَّرِبْ حيث كان الشّيوخ يستلقون بعفوية الجسد المستريح إلى حاله وراهنه، فالمكان ملكه، وهذا ما نفتقد اليوم في علاقتنا بالمكان إذ أصبح وظيفيا أكثر منه تعبيرا عن الإنسان. كان الأستاذ رابح يفتح أقواسا في الحديث ليتسرّب عشق القنادسة من عينيه إلى دواخل أرواحنا، بينما راح الأستاذ بوتخيل بصوته الجهوري والنّاطق بسرّ القنادسة يحدّثنا كيف أنّ أحد المشايخ أخبرهم أنّ عقول القنادسة لا تجارى لهذا هو يتكلم بروية وذلك عند اختلافهم حول أصل قصيدة من قصائد المديح التي تتداول في القنادسة منذ أحايين غابرة في التاريخ، أمّا الأستاذ عبد العزيز فكان يحرّك دفّة الحديث في ارتجالاته الممتعة وانخطافاته الصوفية نحو المكان باعتباره "ذاكرة الأشياء" بخلاف "الفضاء" الذي هو عادي ومعتاد، وكان تمييزه هذا جدّ ممتاز في انطلاقة الحديث حول "المكان" باعتباره تحديد عند بعض الاتّجاهات الصّوفية للخلوة، وهو ما حدّده الأستاذ "سي مبارك".
ونحن نتكلم عن سوق القصر القديم، تساءل الأستاذ عبد العزيز إن لم يكن هناك حواري معيّنة للحدّادين والنحّاسين والجبّاسين.. في هذا التّعيين يبدو أنّه لكل قصر خصوصيته، فبعض القصور تنشأ منشأ نفعيا وظيفيا، لكن الحال بالنّسبة لقصر القنادسة فمنشأه روحيا انطلاقا من مسعى سيدي امحمد بن بوزيان الرّوحي. ظهر القصر حول حركة الناس في الواقع الروحي المميّز بالخلوة، ولهذا كان قصر القنادسة فنّيا ذا جمالية خاصّة بالمقارنة مع قصور المنطقة، ولهذا وجب البحث في هذا الجانب العميق.
تشمل رائحة المكان/القنادسة ذلك التّعبير الرّمزي عن استمراره في الحياة محاذيا للذّات وهي تحياه وتعيشه، أمّا رائحة القنادسة التي تتأكّد في أشيائها وتمنح المكان لحظته وهو يذاعب شمّ العابر للقنادسة بحالة أشبه بقرون الاستشعار وهي تتحسّس البعيد من الأصوات، غير أنّ الفرق شاسع بين الأنف وقرن الاستشعار، فالأول ينتبه إلى الرائحة باعتبارها محل سكنى المكان واستمراره، بينما الثاني لا يملك هذه النّباهة والإنتباهة الحضارية. سوق القصر والذي خُصّ بباب "باب السوق"، كانت تشهد لحظاته الصّيفية انتشارا واسعا ل "بَتِّيخ مَصْكِي"، كما يُنطق في المنطقة، "الرّملي" كما يعرف أو "لَمْنون"، كانت رائحته تمزج بين الحلو والحامض، حتى مذاقه لم يكن حلوا خالصا بل كانت حموضة خفيفة تخالطه، وتَحَسُّسِ مضغته والأسنان تلوكها، تمنح الإحساس برهافة المضغة وهي تتلاشى في يسر، تلك هي البقايا النّائمة في عمق الذاكرة والتي تكشف في القنادسة عن ذلك الجانب الرّوحي العميق في تلاشيها في وجدانات زائريها، وهو ما يثبته الزوّار العائدين إليها وإلى زاويتها الزيانية العتيقة، رائحة المكان هي ما ييسّر الهجرة في أبعاد المكان المتواطئة مع أثار المشي الحافي على أتربة القنادسة القادمة من زمهرير الرّوح في ترتيلات وكشوف الزهاد والمتصوّفة.
أذكر في طفولتي أنّ مواضئ المسجد العتيق "سيدي امحمد بن بوزيان"، كان أهمّ ما يميّزها السّطل المكثف بالسخام وهو معلّق فوق الكانون لتسخين الماء للمصلين، أول ما تشعره هو رائحة الفحم، ثم رطوبة المكان من شدّة تصاعد البخار، والضوء المعتم القريب من الأخضر الذي كانت تهيله على المكان تلك العتمة الخفيفة النابع ضوءها من الخيوط المتسرّبة من الباب ونافذة معلّقة في الأعلى، وهو ما جعل الأسمنت الذي يبلّط الأرضية مشتعلا في زرقته وملمسه وملاسته (من الأملس)، وهو ما كان يكثف الحنين في المكان إلى الماء والرّطوبة والخيال الذي لا ندركه سوى في تقدم العمر حين يتجلى المكان بعد أن نتحلّى في تخلّينا بذاكرة تقتنص من الماضي وحداته الأشدّ تعبيرا عن بصمة القنادسة في أجنحة الرّوح الحائمة حول رؤى العابرين إلى كثافة الخطى الروحية في وهج المكان، فأعبر إلى الخزانة وفي أذناي قرقعة السطل وفي شمّي رائحة الفحم، تلك قنادستي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.