يجب توطيد العلاقة بين جهاز الشرطة ووسائل الإعلام    أسعار النفط ترتفع إلى 80 دولارا للبرميل    الشروع في عملية إحصاء للأراضي الفلاحية غير المستغلة بالمدية    الأمم المتحدة: المصادقة على لائحة تخص مصير الشعب الصحراوي    أين اختفت جثة خاشقجي؟    الرئىس الأمريكي يتوعّد بإغلاق الحدود مع المكسيك    تطبيق إلكتروني للإبلاغ عن جرائم البيئة    كعوان: جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف فرصة لدعم العيش معا    هذه قصة نقل رفات الصحابي حُذيفة بن اليمان    أحب العمل إلى الله بر الوالدين    يا سيدي يا رسول الله..    نجم نابولي يحبس الأنفاس قبل مواجهة البياسجي    وزير الخارجية الموريتاني يزور الجزائر    تشافي يفتح النار على مارادونا بسبب ميسي ويطمئن الأرجنتينيين    للمخرج الجزائري مرزاق علواش: "ريح رباني" في منافسة أيام قرطاج السينمائية ال29    وزارة الدفاع: توقيف مهرب وتوقيف 71 مهاجرا غير شرعي بتمنراست، تلمسان وغليزان    أمن الشلف يلقي القبض على مزوري الوصفات الطبية    اتلاف 90 نخلة في حريق مهول بقرية اقسطن بعين صالح    الخليفة العام للطريقة القادرية في زيارة للجزائر شهر نوفمبر القادم    ارتفاع اسعار الكتب في معرض الجزائر الدولي للكتاب لاول مرة !!!    حجز سيارات وأجهزة كشف عن المعادن وأدوية بتمنراست    في لقاء جهوي بتلمسان: المشاركون يوصون بضرورة التزام أعضاء الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات بمبدأ الحياد    هذه هي شروط الإقلاع بالاقتصاد الوطني .. !    اطلاق مشروع توأمة جزائري-فرنسي    استراتيجية جديدة لتسيير النفايات : نحو إعطاء مكانة أكبر للمتعاملين الخواص    تيسمسيلت: الدعوة إلى استحداث مخابر بحث تعنى بالمخطوطات الجزائرية القديمة    بومرداس : التوقيع على اتفاقيات شراكة بين الوكالة الولائية للتشغيل وعدد من الهيئات    باريس الأكثر جذباً للسياح في العالم و «باريير لو فوكويت» عنوان للعراقة والأناقة    الإعلاميين الجزائريين في الخارج طاقات يجب إستغلالها    عاصفة مغناطيسية تضرب الأرض اليوم.. وخبراء يحذرون: عواقبها كبيرة .. والحل في الأيس كريم    زلزال يضرب إقليم بابوا بإندونيسيا    أئمة يستنجدون بالرئيس ويجددون مطلب الحصانة    توقيف قاتل مؤذن في الأغواط    القرني : لن نسكت على المتربصين بالسعودية    الحكومة تقرّر منع النقاب في الأماكن العامة    لجنة الشؤون القانونية للمجلس الشعبي الوطني تثبت حالة شغور منصب رئيس المجلس    أمطار رعدية مصحوبة بهبوب رياح على عدد من ولايات غرب البلاد    الأمير عبد القادر يعود إلى صالون الكتاب الدولي    50 ألف جزائري … ضحايا للسرطان في كل سنة    غرف الدردشة.. خيانة دون شهود وجريمة بلا عقاب    سَيرُّوا و سَدُّدُوا فواتيركم بكل آمان    بن قرينة يدعو لفتح صفحة جديدة مع فرنسا    لهذا السبب إختارت النصرية ملعب 5 جويلية    مغترب في الدوري الهولندي يرغب في تمثيل الخضر..    هيجوايين: جوفنتوس أجبرني على الرحيل    مساهمون في “فيسبوك” يطالبون بتنحي زوكربيرغ    رسالة هوكينغ الأخيرة إلى الإنسانية    عطال يطلب الدعم من الجزائريين    ردنا على قضية إختفاء خاشقجي سيكون محل بحث    البقاء في ريال مدريد مهمة صعبة على المدربين الإسبان    لجنة الانضباط تعاقب رئيس اتحاد بسكرة لمدة 6 أشهر    انطلاق التسجيلات الخاصة بموسم حج 1440ه / 2019م    إصدار طابع بريدي للصحفي المحترف    الأمير عبدالقادر وتجربة الحكم والإمارة    تسجيل 151 حالة إصابة بمرض التهاب الكبد الفيروسي    منذ مطلع‮ ‬2018    28 ألف بطاقة أخرى جاهزة تنتظر الطلبة    إبراهيم سكال يبهر الجمهور في مغامرات سحرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بشير درايس..”ماذا سأقدِّم للشعب الجزائري من ثورية بن مهيدي؟”
نشر في الحوار يوم 21 - 09 - 2018


الأستاذ الدكتور رضوان شافو
لطالما سألني الكثير من الزملاء عن رأي بخصوص الجدل الإعلامي حول منع فيلم العربي بن مهيدي من العرض، وكنت أتهرب من الإجابة لكوني لا أملك المعلومات الكافية حول أسباب المنع، على الرغم من أنني كنت أتابع عن كثب كل التطورات المتعلقة بفيلم بن مهيدي، غير أن فضولي كان يدفعني دائما إلى تلمُسْ الحقيقة لمعرفة خفايا ودوافع منع فيلم العربي بن مهيدي من العرض عن طريق الزملاء الباحثين في حقل المعرفة التاريخية، ومواقع التواصل الاجتماعي ومختلف ووسائل الإعلام الجزائرية والأجنبية، ورحت مُجبراً أتتبع تصريحات مخرج الفيلم السيد بشير درايس، عبر مختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية، ومن خلال ذلك يبدو لي بأنه قد سَوَّقَ لأسباب منع عرض الفيلم بنظرة أحادية الجانب، ومن منطلق فني وشخصي، وفي المقابل صدحت بعض الأصوات النخبوية منتقدةً منع عرض الفيلم معبرين عن امتعاضهم من خلال تغريدات فايسبوكية برؤية سياسية وأخرى إيديولوجية.
في الحقيقة لم تعرف السينما الثورية الجزائرية منعاً لمختلف الأفلام الثورية الجزائرية التي أُنتجت وعُرضت في مختلف القنوات التلفزيونية الوطنية والأجنبية مثل البئر للمخرج لطفي بوشوشي، والخارجون عن القانون للمخرج رشيد بوشارب، وفيلم ابن باديس للمخرج السوري باسل الخطيب، والتي لطالما لعبت دورا بارزا في حفظ الذاكرة الجماعية للجزائريين، وتعزيز الروح الوطنية في الشباب الجزائري من خلال إبراز تضحيات وملاحم الشهداء والمجاهدين. وأعتقد أن الأفلام الثورية في بداية الاستقلال كانت تعتمد على إبراز الشعب الجزائري كبطل في الأفلام تجسيدا للمقولةالشهيرة "بطل واحد هو الشعب"، بينما الآن عرفت السينما الجزائرية الثورية تطورا كبيرا في الإنتاج السينمائي من خلال تناولها لشخصيات بارزة في تاريخ المقاومة والثورة التحريرية، على غرار فيلمي مصطفى بن بولعيد، وكريم بلقاسم، للمخرج الجزائري محمد راشدي، وفيلم أحمد زبانة للمخرج الجزائري سعيد ولد خليفة.. وغيرها من الشخصيات الثورية.
غير أن منع فيلم ثوري يتناول شخصية بارزة في الكفاح الوطني يعدّ سابقة خطيرة في السينما الجزائرية، خاصة وأن الشعب الجزائري ظل يترقب عرضه ما يقارب خمس سنوات، لكن كما يقول المثل (إِذَا عُرِفَ السَّبَبْ بَطُلَ العَجَبْ)، بعد مشاهدتي لبعض لقطات فيلم بن مهيدي التي عرضت هنا وهناك، وبعد اطلاعي عبر وسائل الإعلام على التحفظات المرفوعة حول الفيلم من قبل المركز الوطني للدراسات في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، وبعد سماعي لتصريحات وتوضيحات مخرج الفيلم السيد بشير درايس، من خلال (حصة الحدث) التي بثتها قناة “الشروق نيوز”، مساء الثلاثاء الفارط، والتي كشفت لي الكثير من الحقائق التي جعلتني أقف على مجموعة من الملاحظات، وهي كالآتي:
لست ناقدا سينمائيا أو منتجا فنيا حتى أتدخل في صلاحيات مخرج الفيلم، والذي حاول أن يختزل المسار النضالي للشهيد العربي بن مهيدي سياسيا فقط، من خلال قوله:( ماذاسأقدم للشعب الجزائري من ثورية بن مهيدي؟)، وهي المقولة التي حركت قريحة قلمي لأكتب هذه الملاحظات، وبناء على هذا أتساءل كباحث في التاريخ، ما قيمة الفيلم الثوري من دون ثوريته؟، حتى ولو أن الأعمال العسكرية غابت في شخصية بن مهيدي، كان من الواجب على المخرج الإبداع فنيا في وضع مشاهد جانبية لبعض العمليات الفدائية والعسكرية التي صاحبت بن مهيدي خلال مساره النضالي.
من بين (40) تحفظا حول الفيلم، ذُكر عدم تطابق الفيلم مع السيناريو الذي عُرض على وزارة المجاهدين، هذا الأمر هو عادي بالنسبة لأي مخرج، سواء كان جزائريا أو أجنبيا، ونادرا ما يتمسك المخرج حرفيا بنص السيناريو، حيث تراه في كل مرة يسعى إلى إدخال تعديلات على السيناريو أثناء عملية التصوير، غير أن الأمر مختلف مع الأفلام الثورية، وذلك نظرا لحساسية المعطيات التاريخية، خاصة وأن صانعي الأحداث التاريخية على قيد الحياة، وبالتالي الكل يدرك تمام الإدراك بأنه حصلت خلافات خلال الثورة من أجل استقلال الجزائر، ولكن سيبقى الهدف الأساسي والأسمى من أي فيلم ثوري هو الحفاظ على قدسية الثورة الجزائرية، أحبننا ذلك أم كرهنا، أما إذا أراد المخرج غير ذلك، فعليه أن يجسد نظرته خارج تمويل المؤسسات الرسمية الداعمة للإنتاج السينمائي.
إذ كان المخرج بشير درايس، يريد أن يُسوِّق للجانب الفلسفي للشهيد بن مهيدي، له الحق في ذلك، وهو حر في خياراته، لكن في الوقت ذاته عليه احترام بعض المشاهد التاريخية التي لازمت بن مهيدي وعدم القفز عليها، مثل تغيِّيب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي ساهمت في تكوين وصقل الفكر السياسي لبن مهيدي في محتوى الفيلم، وهو ما يعتبر إِخلالا بالسيرة الذاتية للشهيد العربي بن مهيدي، على الرغم من إدراكي للصعوبات الكبيرة في تسليط الضوء على كل الجوانب من حياة الشهيد العربي بن مهيدي.
من خلال بعض لقطات الفيلم التي شاهدتها، يبدو أن المخرج قد سوق أيضا،ً سواء عن قصدٍ أو عن غير قصد، لإنسانية وعاطفية الضباط الفرنسيين في تعاملهم مع المعتقلين الجزائريين، وهو ما يتنافى مع الكتابات التاريخية والروايات الشفوية، ومادام الأمر يتعلق بالشهيد العربي بن مهيدي، كان على مخرج الفيلم التسويق سينمائيا لبشاعة التعذيب والاستنطاق الذي كانت تمارسه السلطة الاستعمارية في حق الشعب الجزائري، ولايمكن اختزال التعذيب الاستعماري في لقطتين وحيدتين للشهيد العربي بن مهيدي، وهي الإشارة ذاتها التي امتعضت منها السيدة زهرة ظريف، شقيقة الشهيد العربي بن مهيدي.
من خلال تتبعي لكواليس إنتاج الفيلم الذي عرض عبر قناة “الشروق نيوز”، لاحظت غياب أي مؤرخ أكاديمي جزائري في تتبع تصوير مشاهد الفيلم، باستثناء شهادات بعض المجاهدين مثل الهاشمي طرودي، وبعض المقربين من بن مهيدي وعائلته، بينما كان على المخرج عدم الاكتفاء بالمصادر والمراجع المؤرخة لحياة بن مهيدي، وكذا الاستعانة بالمؤرخين الجزائريين وبعض قادة الثورة بالنسبة للمنطقة الخامسة أثناء عملية التصوير، وليس بعد الانتهاء من عملية التصوير أين تم عرض الفيلم على مجموعة من أصدقائه المخرجين والباحثين في تاريخ السينما الثورية.
يبدو أن معظم التحفظات ضد منع عرض الفيلم وفي جانبها التاريخي، لم تكن تقرير إداريا كما صرح به المخرج بشير درايس، وإنما معظم هذه التحفظات التاريخية كانت نابعة من تقرير أكاديمي صادقت عليه نخبة من المؤرخين الأكاديميين الجزائريين، والمشهود لهم بالمصداقية العلمية على المستوى الوطني والدولي، سواء من ناحية مؤلفاتهم أو بحاثهم أو محاضرتهم، وبالتالي كان على المخرج محاولة حلحلة التحفظات المرفوعة له، وإجراء التعديلات المطلوبة بدلاً من الطعن في مصداقية المؤرخين الجزائريين الذين كانوا ضمن لجنة مشاهدة الفيلم.
هناك جوانب أخرى لفتت انتباهي بالمقارنة مع أفلام سينمائية جزائرية ثورية أخرى، والتي تم تصويرها ما بين الجزائر، وتونس، والقاهرة، وسويسرا، خاصة فيما يتعلق بالميزانية المالية لفيلم بن مهيدي، والتي تجاوزت حدود 68 مليار دينار جزائري، وهو أمر مبالغ فيه جدا ويثير الكثير من الشكوك؟. وفي حدود علمي لم يصل أي فيلم ثوري جزائري إلى هذا القدر من المبلغ، فميزانية فيلم مصطفى بن بولعيد لم تتجاوز 30 مليار دينار جزائري، وفيلم كريم بلقاسم لم يتجاوز 33 مليار دينار جزائري، وفيلم ابن باديس الذي لم يتجاوز 38 مليار دينار جزائري.
في النهاية تبقى هذه الملاحظات وجهة نظر قد تحتمل الصواب من زاوية تاريخية، وقد تحتمل الخطأ من زاوية فنية وسنيمائية، ولكن من غير المعقول أن نقبل فيلما جزائريا وبأموال جزائرية بأن يتناول شخصية بارزة في تاريخ الثورة الجزائرية برؤية لا تتماشى مع قدسية الثورة التحريرية بعيدا عن المزايدات السياسية والإيديولوجية، مع تمنياتي أن يجد هذا الفيلم طريقه إلى المشاهدين الجزائريين في أقرب وقت ممكن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.