الأساتذة يطالبون بحل مشكل الاكتظاظ وتقليص الحجم الساعي    توزيع مساعدات وتجهيزات على الفلاحين المتضررين بالشلف    إقبال ملحوظ على تسديد فواتير الكهرباء والغاز عبر الإنترنيت بقالمة    تنظيم ندوة حول المرأة الماكثة بالبيت بأدرار    استئناف نشاطات القطارات مرهون بقرار السلطات العمومية    متابع المعني بجناية التخابر مع دولة أجنبية    اجماع على تمديد تخفيض الإنتاج ب 7،7 مليون برميل حتى نهاية مارس 2021    استئناف الرحلات الجوية الداخلية وفتح المساجد ذات سعة 600 مصلٍ    الجزائر تدين بشدة الهجوم الارهابي ضد مزارعين عزل بنيجريا    تأجيل اجتماع "أوبك+" وسط خلافات    أتماثل للشفاء وسأعود قريبا    الفاف: كل فريق يتغّيب بِحجّة شبح "كورونا" ينهزم بِثنائية نظيفة    خمس سنوات سجنا في حق أويحيى وسلال    المجموعة البرلمانية للحركة الشعبية الجزائرية تعتبر لائحة الاتحاد الأوربي "تدخلا سافرا" في الشؤون الداخلية للجزائر    لجنة الإنضباط. تعاقب المدرب سيكوليني بالإيقاف لمدة عامين    تحد عملياتي بالنسبة للجزائر    48 ألف مليار لإنجاز 38 ألف مشروع    21 وفاة.. 978 إصابة جديدة وشفاء 605 مريض    وهران تسابق الساعة لضمان تنظيم محكم    الوزاني يعاتب اللاعبين في حصة الاستئناف    سي الطاهر : «إعتذر للأنصار ولن نذهب إلى سطيف بثوب الضحية ..»    توسيع المكتب الإداري للنادي الهاوي    استقلالية القرار السياسي للجزائر تزعج أطرافا أجنبية    "العفو الدولية" تفضح الممارسات المغربية في الصحراء الغربية    مخاوف من انهيار مسار التسوية الليبي    آخر المستجدات في الصحراء الغربية    اختتام الموسم بجامعتي وهران 1 و 2 دون احتفالات رسمية    تفكيك محل للدعارة وتوقيف 6 أشخاص    وباء يُنسي الداء    انتظروني في مسلسل «تمرّد على العراب»    الفيلم الجزائري " هدف الحراك " يتوج بجائزة أفضل تركيب    «640 برنامجا تحسيسيا ضد كورونا »    لا احترام للأرقام التسلسلية و لا شرط الإقامة في توزيع المساكن    «إلزام المصاب بكورونا بمواصلة العمل خطر يزيد من حالات العدوى»    «الحجر المنزلي إجباري لمن تأكدت إصابته»    تعميم الدفع الالكتروني قبل 31 ديسمبر    بداية نهاية شعار "الكومونة"؟    مناقشة "قانون" التعليم العالي    مكتتبو "عدل 2" يشكون التوجيه العشوائي    الشباب في مهمة التغيير    مجلتنا الإلكترونية ستعرف حلتها الورقية مطلع العام القادم    بن دودة تدعو الجمعيات والتعاونيات إلى النشاط الافتراضي    تدريب فريق بحجم شبيبة القبائل حلم أي مدرب    محياوي: اعتداء مرزقان على بناصر عيب كبير    وقفة "برلمانية" ضدّ التحامل والتطاول    القبض على محترفي سرقة الهواتف    "مناعة القطيع" ستهزم كورونا    لهذا السبب مُنع المغني رضا الطلياني من دخول تونس    شركة النقل بالسكك الحديدية: قرار استئناف حركة سير القطارات يخضع لقرار السلطات العمومية    تفاصيل جديدة لعملية اغتيال عالم إيران النووي فخري زادة    ليبيا: انقضاء المهلة الأممية لتقديم مقترحات آليات ترشيح السلطة التنفيذية    وفاة الكاتب نذير عصاري بعد اصابته بفيروس كورونا    أوبك+ تبحث تمديد تخفيضات النفط 3-4 أشهر وزيادة تدريجية للإنتاج    رحيل الأحبّة    ضاع القمر    التضرع لله والدعاء لرفع البلاء منفذ للخروج من الأزمة    تربية الصَّحابة على مكارم الأخلاق من خلال القصص القرآنيّ    عبرات في توديع صديقنا الأستاذ عيسى ميقاري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الدِّين والازدهار الاقتصاديّ
نشر في الخبر يوم 13 - 11 - 2019

لو أنّ المسلمين حيثما وجدوا ووقتما وجدوا كانوا على حال واحدة من الازدهار ورغد العيش حال السّلام، ومن النّصر والظفر والظهور حال الحرب، فلم يحصل أن وقعوا في التخلّف اقتصاديّا وعلميّا، ولا انهزموا في معركة أو حرب؛ لأسلم كلّ الناس وخضعوا لأحكام الله وشرعه!، ليس تسليما لحججه الباهرة وأدلته القاطعة، ولكن تسليمًا بحكم الواقع والحوادث!. ولم يعد معنى لابتلاء الناس وامتحانهم!، ولكن حكمة الابتلاء وطبيعة هذه الحياة الدّنيا التي هي اختبار وامتحان تأبى ذلك!.
إنّ الله جلّت حكمته بسط الرّزق لخلقه جميعًا حيوانا وإنسانا، وجعل للازدهار الاقتصادي والانتصار الحربي وتحقيق الرّفاهية...إلخ سُننًا وقوانين من أخذ بها، وعمل على وفق مقتضاها وصل إلى مبتغاه، وحقّق ما يصبو إليه بغضّ النظر عن دينه مؤمنا كان أو كافرا، وحاله طائعا أو عاصيّا، فقال سبحانه: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}، قال الإمامُ الهمامُ ابنُ باديس عليه شآبيب الرّحمة والإنعام في تفسير هذه الآية: “وليس تعالى مانعًا كافرًا لكفره، أو عاصيًّا لعصيانه من هذه الحياة وأسبابها، وليس أحد على منع ما لم يمنعه الله بقادر.. وقد أفادت الآية أنّ أسباب الحياة والعمران والتّقدّم فيهما مبذولة للخلق على السّواء، وأنّ من تمسّك بسبب بلغ -بإذن الله- إلى مسببه، سواء أكان برًّا أو فاجرًا، مؤمنًا أو كافرًا”. ثمّ إن التّفاضل في الرّزق بين الأفراد أو بين الأمم والدّول والمجتمعات لا علاقة له بقيمة الإنسان عند ربّه تعالى كما بيّن ذلك في كتابه أبلغ بيان: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا ..}، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “{كَلَّا}، أي ليس كلُّ من أعطيته ونعمته وخولته: فقد أكرمته، وما ذاك لكرامته عليّ، ولكنّه ابتلاء منّي وامتحان له.. وليس كلّ من ابتليته فضيّقت عليه رزقه، وجعلته بقدر لا يفضل عنه فذلك من هوانه عليّ، ولكنّه ابتلاء وامتحان منّي له.. فأخبر سبحانه أنّ الإكرام والإهانة لا يدوران على المال وسعة الرزق وتقديره، فإنّه يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتّر على المؤمن لا لإهانته، إنّما يكرم من يكرمه بمعرفته ومحبّته وطاعته، ويهين من يهينه بالإعراض عنه ومعصيته”. وهنا لا بدّ أن نتذكر الحديث الصّحيح: «لو كانت الدّنيا تَعْدِلُ [أي تساوي] عند الله جناحَ بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» رواه أحمد والتّرمذي.
إنّ مقصد الدّين وغايته هو هداية الإنسان إلى الصّراط المستقيم، وتعبيده لربّه عزّ شأنه حتّى يتحرّر من كلّ عبودية للبشر أو الشياطين أو حتّى أهواء نفسه، وتهذيب أخلاقه وتزكية نفسه بما يسمو به عن حضيض الحيوانية والبهيمية إلى مقام التكريم، وليس من أهدافه المباشرة تحقيق الازدهار الاقتصادي. ذلك أنّ تأثير الدّين الصحيح على حياة الناس عامة وعلى الجانب الاقتصادي منها أمر ظاهر بيّن، ولكنّه يكون تأثير مباشر في بعض الأحيان وغير مباشر في أحيان أخرى. فالدّين الصحيح حين يصبغ حياة الناس يرفع من سويتهم الأخلاقية، ويحي ضمائرهم، ويغرس فيهم قيم الإيجابية والفعالية، ويقيهم من شرور ومضار ومفاسد الموبقات، وكلّ هذه المعالم ضرورية لتحقيق الازدهار الاقتصادي، بل لتحقيق الحياة الطيبة، ذلك أنّه قد يتحقّق الازدهار الاقتصادي بعيدًا عن هدي السّماء، فيصحبه من البلاء ما ينغصه ويذهب ثماره وفوائده، ولننظر لحال الدّول التي حققت الازدهار الاقتصادي ولكنّها جعلت الدّين وراءها ظهريّا، وسنرى العجب [من غير تعيين دولة منها فكلّها تتشابه في هذا، مع تفاوت بينها في المعطيات]، سنجد انتشار إدمان الخمور والمخدرات، وسنجد شيوع فاحشة الزنا والشذوذ الجنسي، وما يصحب ذلك من انتشار الخيانة الزوجية والمواليد غير الشرعيين والعزوف عن الزواج...إلخ. ونتج عن ذلك تفكّك الأسر لدرجة أنّ كثيرًا منهم لا يعرف من هو أبوه حقّا، وأنّ كثيرًا من مجتمعاتهم تعاني الشيخوخة التي تهدّد مستقبلها القريب. وسنجد تفاقمَ الأمراض النفسية والعصبية بشكل كبير، ويكفي هنا أن نعلم أنّ الألمان هم أكثر الشعوب الأوربية مرضى نفسيين!، فالمعجزة الاقتصادية الألمانية دمّرت نفسية المواطن الألماني!... إلى آخر قائمة البلاوي التي تعيشها المجتمعات المتطورة!، إذ لكلّ مجتمع مشاكله، ولكنّ الازدهار الاقتصادي يستر العورات والتّخلف يكشفها، وعامة الناس يكتفون بالنظر إلى الظاهر!.
وهذه الأمراض الاجتماعية والنفسية والأخلاقية الناجمة عن البُعد عن الدّين إذا نظرنا إليها بمنظار الاقتصاد، فهي تمثل ميزانيات ضخمة تربك اقتصاد المجتمعات التي تعاني منها وتذهب بفوائد الازدهار الاقتصادي. ويكفي أن أذكر بعض الإحصائيات المتعلقة بالأمراض النفسية، لنتبيّن أنّ البُعد عن دين الله تعالى ثمنه باهظ، فقد أعلنت المفوضية الأوربية الصحية المعطيات الآتية (منشورة على الشابكة): مجموع الذين يعانون من الأمراض النفسية في أوروبا 84 مليون شخص. بلغت تكاليف هذه الأمراض في ألمانيا عام 2015 نسبة قدرها 4.8% من إجمالي الناتج المحلي، وهو ما يعادل 146 مليار يورو (166 مليار دولار)، بينما يبلغ متوسط هذه التكاليف في الاتحاد الأوروبي نسبة قدرها 4.1%، أي ما يعادل ستمائة مليار يورو (680 مليار دولار). وصدق الله تعالى وهو أصدق القائلين: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا}، فهذه إلماعة تكفي العاقل لفهم العلاقة بين الدّين والازدهار الاقتصادي.
*إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.