رئيس الجمهورية يمنح الراحلة "عائشة باركي" وسام الاستحقاق    وجوب المحافظة على الصحة من الأمراض والأوبئة    الجزائر: شفاء 98,2 بالمئة من المصابين بكورونا بفضل بروتوكول كلوروكين    منع ارتياد جميع شواطئ العاصمة احترازيا أمام المصطافين للوقاية من فيروس كورونا    الفاف: منافسة البطولة ستعود بعد رفع الحجر الصحي    اللجنة المركزية ل “الأفلان” تعلن تجندها لدعم برنامج رئيس الجمهورية و حكومته    تأجيل محاكمة الهامل وبراشدي في قضية “البوشي” إلى ال25 من جوان    هيئة حماية الطفولة تتلقى عشرة ألاف مكالمة يوميا حول التعنيف    المجلس الشعبي الوطني يصادق بالأغلبية على مشروع قانون المالية التكميلي 2020    الاحتجاجات في أمريكا: العفو الدولية تهاجم الشرطة لاستعمالها العنف ضد المتظاهرين    الجيش المغربي ينفي إقامته قاعدة عسكرية قرب الحدود الجزائرية    199 حالة شفاء مقابل 7 وفيات و127 اصابة جديدة بفيروس كورونا    الرئيس تبون ينهي مهام النائب العام العسكري لدى مجلس الإستئناف العسكري بالبليدة    ما تناقلته الأبواق الإعلامية الفرنسية إنحراف خطير    حجز مواد غذائية مهربة ومطارق تنقيب عن الذهب    أصحاب المحلات التجارية يطالبون بمراعاة ظروفهم    الوحدات الجوية للأمن أداة لمحاربة الجريمة    معدل استهلاك الشيشة والحشيش والسجارة الإلكترونية يثير القلق    الجزائر تترأس مجلس السلم والأمن للاتحاد الأفريقي خلال شهر جوان الجاري    الشهيد محمد عبد العزيز قاد مسيرة شعب لعقود حافلة بالمكاسب والانجازات رغم التكالب الاستعماري    قاضي التحقيق يستمع للإخوة كونيناف    «تم الاتصال بي لترتيب نتيجة لقاء وفاق سطيف»    نواب يدعون إلى الوحدة والمصالحة    الديوان الوطني للإحصائيات: المعدل السنوي لنسبة التضخم في الجزائر إستقر في 1.8 بالمائة في أفريل 2020    هجمات 20 أوت 1955: تحطيم أسطورة الجيش الفرنسي الذي لا يقهر وتدويل للقضية        محمد مريجة: “الوزير مستعد لتطوير الرياضة الجزائرية بمعية اللجنة الأولمبية”    نتوقع انتاج 950 ألف قنطار من الحبوب    “الأقصى” بعد فتح أبوابه.. التزام المصلين يعكره اقتحام المستوطنين    أحكام القضاء والكفارة والفدية في الصوم    توقيف شخصين قاما بالسطو على مدرسة ابتدائية بالمدية    علاج مشكلة الفراغ    فضل الصدقات    إجلاء الرعايا الجزائريين بالمغرب.. “وصول 229 مسافرا”    نفط: منظمة أوبك تعقد اجتماعين عن بعد يومي 9 و10 جوان لتقييم أثرتخفيضات الإنتاج    لا موسم أبيض واستئناف البطولة الوطنية بعد تلقى الضوء الأخضر من السلطات العليا    أمن سيدي بلعباس يحجز مكملات غذائية منتهية الصلاحية    كوفيد-19: إطلاق تحقيقات وبائية بالولايات التي تسجل أعلى نسبة في الإصابة بالفيروس    وهران : الشروع في إنجاز أزيد من 640 مسكنا في صيغة الترقوي الحر    خلال المشاورة الثالثة والأخيرة: مشاركون يدعون إلى وضع آليات تحمي الفنان وأعماله الإبداعية    تونس: إخفاق ضغوط مغربية لترحيل الناشط الصحراوي محمد الديحاني    بن عبد السلام: نحن بصدد الخطوة الثالثة لبناء الجزائر الجديدة    شريط حول الحراك.. “واشنطن تايمز توقعت ردا من وسائل الاعلام المنزعجة من مساعي الرئيس”    هزة ارضية بقوة 3.6 بولاية الشلف    البرلمان : تأجيل جلسة التصويت على مشروع قانون المالية التكميلي 2020 الى 14سا 30د    إعادة فتح المسجد النبوي (صور)    إثر أزمة قلبية مفاجئة    يعتبر صديقا للجزائر    بعد المستويات العالية التي قدماها    خلال شهر رمضان المنقضي    اشادة بالوزيرة بن دودة    "روسيكادا" تغرق في النفايات    فرصة للسينمائيّين الجزائريين للمشاركة    سوناطراك مساهما رئيسيا في شركة "ميدغاز"    «قطار الدنيا» إنتاج جديد لمسرح علولة بوهران    راحة الزائر في مسجد «سيدي الناصر »    دعوات إلى الاعتماد على الترتيب الحالي و إلغاء السقوط    « القيطنة » زاوية العلماء ومشايخة الفقه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الكاتب والباحث والمترجم بوداود عمير
نشر في النصر يوم 05 - 03 - 2012

الحياة العجيبة لإزابيل إيبراهارد تأسر كل من يقترب منها
من المهم قراءة الأدب الكولونيالي بوصفه أدبا كُتب في سياق تاريخي معين، يحتاج لسبر أغواره وتناوله بموضوعية ومنهجية بعيدا عن الخلفيات التاريخية
بوداود عمير من مواليد مدينة العين الصفراء في الجنوب الغربي الجزائري، كاتب ومترجم وباحث في الأدب الكولونيالي، ترجم عددا من الكتب التاريخية والأدبية من الفرنسية إلى العربية منها: "لمحة تاريخية عن الجنوب الغربي الجزائري" عام 2008، "كتاب النسب الشريف" عام 2009، "سيدي الشيخ، الشخصية الخارقة" عام 2010. "ياسمينة وقصص أخرى" مجموعة قصصية لإزابيل إيبراهارد ترجمها إلى العربية وصدرت عن دار القدس العربي بوهران سنة 2011. وله كتب أخرى قيد الطبع منها: "قصص قصيرة جدا"، "قصص مترجمة" للراحلة صفية كتو، "حياة وآثار إيزابيل إيبرهارد" كتاب عن حياتها وسيرتها وإبداعاتها. ساهم بالعديد من المقالات الأدبية في مختلف الصحف الوطنية والعربية. بوداود مهتم بشخصية إيزابيل إيبرهارد، المرأة والكاتبة والصحفية الأوروبية التي ولدت بجنيف وعاشت بالجزائر في العهد الاستعماري وناضلت بقلمها لصالح الجزائريين والجزائر، فاضحة بكتاباتها ممارسات المعمرين. في هذا الحوار يتحدث بوداود عن إيزابيل إيبرهارد وعن اهتمامه بسيرتها وترجمتها، كما يتحدث عن الأدب الكولونيالي الذي يرى أنه من الضروري تقديمه وقراءته من الزاوية الأدبية بعيدا عن الخلفيات التاريخية. حاورته/ نوّارة لحرش
كيف ذهبت صوب إيزابيل ايبرهارد وترجمتها؟
بوداود عمير: الفضول ربما هو الذي قادني إلى محاولة إكتشاف إيزابيل إيبرهارد، فعلى بعد أمتار من منزلي بمدينة "العين الصفراء" في الجنوب الغربي الجزائري، تقع مقبرة سيدي بوجمعة أين يتواجد قبر إيزابيل منتصبا في شموخ جنبا إلى جنب مع قبور أهل المدينة باعتبارها ماتت مسلمة، ومن ثمّ انطلقت في رحلة اكتشاف شاقة ولكنها ممتعة كنت أتصورها قصيرة كقصر حياتها تنتهي بمجرد إرضاء جزء من فضولي، لكنني وجدت نفسي أمام شخصية متفردة، ممتلئة بالأسرار، تحرض على مزيد من الغوص كإنسانة وككاتبة، في خلدي كان يدور سؤال كبير: كيف استطاعت هذه المرأة الأوروبية أن تترك مدينة جنيف السويسرية بهدوئها وجمالها وسط عائلة ميسورة الحال، لتنتقل صوب الصحراء الجزائرية تجوبها من أقاصي الشرق إلى أقاصي الغرب على متن حصان، هاجسها المركزي في البدء كان اكتشاف عالم آخر وفضاء مختلف بأشيائه وطبيعته وسرعان ما تنتهي متورطة في مواجهة قضايا إنسانية ترتبط بمظاهر الظلم والاستبداد الذي مارسه المستعمر. فرغم صغر سنها (توفيت عن عمر يناهز 27 سنة) تمكنت إيزابيل إيبرهارد من انجاز العديد من الأعمال الأدبية في مجالات القصة، المقالة الصحفية وأدب الرحلات، تميزت نصوصها خصوصا في المزج بين التحقيق الصحفي والقصة التوثيقية، وبالتالي تصبح كتاباتها بمثابة شهادات حية تبرز تفاصيل الواقع المعيش للجزائريين، ومن ثمّ فإنه من شأن إعادة قراءة أعمالها وترجمتها إلى اللغة العربية أن يميط اللثام عن جوانب ظاهرة وخفية من صلب معاناة الشعب الجزائري في البحث عن مكانه تحت الشمس، في فترة تاريخية شهدت ازدهار ما يعرف بالأدب الغرائبي مجسدا في أعمال موباسان وأندري جيد وآخرين، انصبت اهتماماتهم أساسا في تصوير عادات وتقاليد بالية لشعب تفشت فيه بسياسة متعمدة من الاستعمار الأمية بنسبة كبيرة، وفي الآن نفسه يضربون صفحا عن الخوض في آلام الشعب ومعاناته.
قمت بترجمات كثيرة لكتاباتها، منها مجموعتها القصصية "ياسمينة وقصص أخرى"، ما سر شغفك بكتابات إيزابيل إبرهارد، فأنت تكاد تختص في ترجمتها؟
بوداود عمير: كل شيء فيها يثير شغف الإحاطة بحياتها وآثارها: طفولتها في جنيف، علاقتها مع أبي نظارة (رائد المسرح المصري يعقوب صنوع)، تقمصها لشخصية فارس بدوي، ارتداؤها اللباس العربي، زواجها من الجزائري سليمان هني، اعتناقها الإسلام وانخراطها في الطريقة القادرية، علاقتها مع الجنرال ليوتي، موتها التراجيدي...الخ. فليس غريبا والأمر كذلك أن تحظى باهتمام واسع من طرف عدد من الكتاب الفرنسيين المرموقين، بل ويختص بعضهم في سبر أغوار حياتها من خلال عشرات الكتب التي صدرت عنها، أذكر على سبيل المثال الكاتبة الفرنسية إيدموند شارل رو الرئيسة الحالية لأكاديمية غونكور، التي خصتها بثلاث مؤلفات: "رغبة الشرق"، "بدوية كنت"، "إيزابيل الصحراء"، هناك أيضا الثنائي ماري دولاكور وجان هيلو اللذين أشرفا على نشر أعمالها الكاملة. للسينما أيضا نصيبها: علاوة على الفيلم الفرنسي الاسترالي المشترك (من بطولة ماتيلدا ماي وإخراج أيان برينغل)، قد لا يعرف الكثير أن هناك فيلما جزائريا يحمل عنوان "ترحال" تناول حياة إيزابيل إيبرهارد تولى إخراجه جعفر الدمرجي وبطولة الفنانة الألمانية كورين هارفوتش، الفيلم قدّم عرضا أوليا للإعلام ثم اختفى فجأة عن الأنظار، إلى جانب أفلام وثائقية: "على أثر إيزابيل إيبرهارد" للمخرجة التونسية رجاء العماري و"حمى الترحال" للمخرج الجزائري علي عقيقة.
كأن لك أدواة إجرائية خاصة ومنتبهة أكثر إلى إيزابيل إيبرهارد أكثر من غيرها من الكُتاب والكاتبات، ما الذي شدّك إليها أكثر؟
بوداود عمير: عندما وطئت إيزابيل أرض الجزائر، لم تكن تبحث عن الاستقرار في مكان محدّد باستثناء ربما مدينة "الوادي" التي أدهشها جمال طبيعتها – أطلقت عليها تسمية مدينة الألف قبة - معبّرة بصدق عن رغبتها في الإقامة بها، لكن روح الاكتشاف والمغامرة حالت دون تحقيق ذلك، لتعاود مسار رحلتها من جديد نحو آفاق أخرى. مدينة "العين الصفراء" لم تحظ منها سوى بأربع زيارات، قبل أن تلقى حتفها إثر فيضان وادي المدينة ذات يوم ممطر من أيام شهر أكتوبر سنة 1904. ما شدّني في إيزابيل أساسا إلى جانب شخصيتها المفتوحة للتأويل والمخيال ومقالاتها التي كانت تفضح جشع وحيف المعمّرين، هناك الاستخدام المكثف لمفردات عربية أو بالأحرى مفردات من الدارجة الجزائرية داخل النص المكتوب باللغة الفرنسية دون أن تجشم نفسها عناء الترجمة، وذلك لكي تتيح للقارئ الفرنسي على وجه التحديد، باعتباره المتلقي الأول لنصوصها فرصة هضم دلالات لغة منغرسة وسط الشعب يسعى للحفاظ على هويته، وفي هذا الصدد يرى بعض الباحثين أنها وراء الكثير من الكلمات العربية التي يزدان بها قاموس اللغة الفرنسية.
أنت أكثر المتحدثين عنها والمترجمين لها، كيف تلقيت الهجمة الشرسة ضدها عام1983 حين سعى البعض إلى النيل منها ورأوا ألا فائدة من الحديث عنها أو ترجمتها وفضلوا تغيبها على الاحتفاء بها، كما رفضوا اعتبارها جزائرية وقللوا من أهمية أعمالها الأدبية والصحفية. ما رأيك في كل هذا؟
بوداود عمير: في الثمانينات حاول بعض المثقفين من مدينة "العين الصفراء" تنظيم ملتقى حول إيزابيل إيبرهارد، استعدوا للأمر، أعدوا برنامجا حافلا، كان الزمن زمن الأحادية في كل شيء، لعل أبرزها الحزب الواحد، وفجأة سقط قرار فوقي يأمر بإلغاء الملتقى، السبب: ثمة شبهات تحوم حول إيزابيل إيبرهارد حول علاقتها مع الجنرال ليوتي، الذي قيل أنه التقى إيزابيل بثكنة "العين الصفراء" والمنطقة تعيش غليانا شديدا، جيء بليوتي خصيصا لمحاولة توقيف انتفاضة الشيخ بوعمامة وإرساء ما يعرف بالسلم المدني، وهكذا لمجرد شبهة لا أساس لها في الواقع، ألصقت تهمة الجوسسة بإيزابيل تماما كما فعلت المحاكم الفرنسية آنذاك عندما اتهمتها بالتجسس لصالح (الأعداء الألمان)، وتمّ تناسي جميع كتاباتها ومواقفها المناهضة للاستعمار في فترة كان غائبا فيه الصوت المدافع عن المستضعفين. وللأسف حلت المزايدات مكان المؤرخين، وهي مزايدات لا نزال نعيش تداعياتها إلى يومنا هذا حتى وإن كان ذلك بشكل أقل نسبيا.
الصحراء حاضرة كثيرا في كتابات إيزابيل إيبرهارد، الصحراء كمكان، كفضاء، كحالة، وكميلاد آخر للكاتبة، ماذا تقول عن تيمة الصحراء في كتاباتها؟
بوداود عمير: هذا صحيح، لقد قضت إيزابيل معظم وقتها بين الكثبان الرملية، وقد قطعت كل المسافة على امتداد صحراء الجنوب الشرقي والجنوب الغربي الجزائري، تارة على متن حصان وتارة سيرا على الأقدام، فليس غريبا أن تحضر الصحراء في نصوصها كمكان، كفضاء، كحالة وكميلاد آخر لها كما أوردتِ بحق في سؤالك، لقد اختارت نمط حياتها منذ وطئت أقدامها رمال الصحراء الجزائرية، كانت تدرك جيدا أن طريقة الحياة هذه محفوفة بالمخاطر، وفي هذا تقول: "أنا التي لم يكفني أبدا العيش الرغيد داخل المدنية الأوروبية... سأحقق مشروعا جريئا وهو أن أرحل إلى الصحراء وأبحث عن السلام وعن المغامرة في آن معا، أشياء تتلاءم وغرابة طبعي ...". ثم تقول في مكان آخر: "لحظة الخطر هي عينها لحظة الرجاء، على أية حال أنا شديدة القناعة أن الواحد منا لا يسقط خارج حدود نفسه، حين يتألم قلبي أشعر بأنه موجود... قد توصلت إلى قناعة بين هؤلاء الناس وعند البدو، بأنني كنت أرجع إلى ينابيع الحياة وأحقق سفرا في أعماق الإنسانية...".
ماذا عن كتاب "حياة وآثار إيزابيل إيبرهارد" هل أنهيته، وما أكثر الأشياء المثيرة أو الملفتة التي وردت فيه؟
بوداود عمير: ما يلفت في كتاب "حياة وآثار إيزابيل إيبرهارد" الذي أوشك على إتمامه قريبا، إيزابيل الإنسانة التي وجدت في الإسلام هويتها الضائعة وفي الجزائر وطنها المفقود، كيف استطاعت هذه المرأة الأوروبية الشابة أن توفق بين معادلة الالتزام بمهمتها كإعلامية وبين تجنب الضغوط التي مورست عليها من كل صوب وموقفها المناهض للإدارة الاستعمارية، كانت أول امرأة مراسلة حرب في التاريخ حسب إيدموند شارل رو، هذه الأخيرة التي تعتبر شخصية أدبية مرموقة في فرنسا نالت العديد من الجوائز والتكريمات، يكفي أنها تترأس أكاديمية غونكور الشهيرة، خصّصت لحياة إيزابيل ثلاثة كتب ضخمة، تقول أنه إذا كان معظم الفرنسيين يحتفظون في منازلهم بصورة جان دارك، فان أسرتها تحتفظ بصورة إيزابيل إيبرهارد. حياتها العجيبة تأسر كل من يقترب منها، جيل كامف مثلا وهو باحث فرنسي انتقل للجزائر لدراسة حياة إيزابيل، أصبح بدوره متخصصا في الكتابة عنها، اعتنق الإسلام وبات يسمى محمد رشد، ليس هذا فحسب بل واستقر به المقام في الجنوب الغربي الجزائري وبالتحديد مدينة بشار، أين ألف عنها العديد من الكتب، وقد اعترف في أحد تصريحاته أن إيزابيل هي التي غيّرت مجرى حياته وهي التي جعلته يعشق الجزائر ويعتنق الإسلام.
برأيك هل من المهم قراءة الأدب الكولونيالي من زاويته الأدبية البحتة، أم تحتاج بعض الكتابات إلى قراءة مزدوجة، يعني تاريخية أدبية؟
بوداود عمير: أعتقد أنه من المهم قراءة الأدب الكولونيالي بوصفه أدبا كتب في سياق تاريخي معين، يحتاج لسبر أغواره وتناوله بموضوعية ومنهجية إلى التجرد من كل الخلفيات التاريخية أو النوايا المسبقة التي من شأنها أن تحول دون اكتشاف القيم الفنية والجوانب التاريخية فيه، فعلى سبيل المثال الكاتب إيمانويل روبليس الذي ولد بوهران وترعرع بالجزائر قدّم سنة 1948 عملا روائيا متميزا: رواية "أعالي المدينة" والتي حصلت على ثناء خاص في الوسط الأدبي الفرنسي، توّجت على إثرها بجائزة الفيمينا الفرنسية المرموقة، استطاع من خلالها المؤلف أن يستشرف فيها إرهاصات الثورة الجزائرية وبداية الانتفاضة الشعبية الرافضة للواقع الاستعماري، وحتى وهو يغادر أرض الجزائر اتخذ موقفا معاديا للاستعمار في كل مكان في العالم، كما ساهم في التعريف بكُتاب جزائريين ونشر أعمالهم من خلال السلسلة الأدبية التي أنشأها بالتعاون مع دار لوسوي الفرنسية بعنوان كتابات متوسطية، حيث نشر ثلاثية محمد ديب: "الدار الكبيرة"، "الحريق"، "النول"، كما نشر أيضا للكاتب الجزائري مولود فرعون أعماله: "ابن الفقير"، "الأرض والدم"، "المسالك الصاعدة"، "يوميات"...، موقفنا هذا جعلنا نغفل للأسف الاهتمام بهكذا أدب ينبع شئنا أم لم نشأ من صلب تاريخنا، لا يمكن لأي دارس للفترة الاستعمارية بالجزائر على الصعيد السياسي، الثقافي والاجتماعي أن يمرّ عليه مرور الكرام.
تشتغل كثيرا على تقديم الأب الكولونيالي، هل من أجل معرفة تاريخنا عبر نصوص تلك الفترة المهمة، أم من أجل تقديم الأدب كأدب بدون خلفية تاريخية؟
بوداود عمير: لقد حاولت من خلال اهتمامي البسيط بالكُتاب الفرنسيين الذين عاشوا في الجزائر خلال العهد الاستعماري، أن أوضح أنه من غير المنطقي وضعهم جميعا في سلة واحدة، هناك من غضّ الطرف عن ممارسات الاستعمار بل وبرّر الاستبداد على نحو أو آخر، ولكن هناك من جهة أخرى من ندّد بالإدارة الاستعمارية ووقف مع الشعب الجزائري في سعيه للحرية والإنعتاق، الإشكالية أننا أولينا اهتماما واسعا بالفئة الأولى ونسينا في غمرة الشجب والتنديد الذي نحسنه للأسف، الاعتراف بأدباء ومثقفين فرنسيين كرّسوا أقلامهم لخدمة القضية الوطنية والتعريف بها، فعلى سبيل المثال نجد تنديدا واسعا بمواقف ألبير كامو ونؤلف لذلك كتبا وبرامجا وملتقيات، في حين نهمل سيمون دي بوفوار أو سارتر الذي يحسب له موقفه التاريخي المدافع عن الجزائر بمناسبة نيله جائزة نوبل للآداب، فلا ننظم له ملتقيات ولا نكتب عنه مقالات إلا ما ندر، فضلا عن تسمية مؤسسات عمومية باسمه، وتلك مسألة أخرى.
ما هي آخر ترجماتك؟
بوداود عمير: أنا الآن بصدد الانتهاء من ترجمة كتاب تاريخي شامل حول منطقة الجنوب الغربي الجزائري من العصور الحجرية إلى الاستقلال مرورا بعصور الوندال، البيزنطيين، العثمانيين، الاستعمار الفرنسي... المؤرخ والباحث خليفة بن عمارة صاحب المشروع استطاع بجده ومثابرته أن يجمع مخطوطات ووثائق نادرة، ويعتبر من المثقفين الذين يعملون في صمت بعيدا عن الأضواء، أثرى المكتبة الجزائرية بالعديد من الأعمال الروائية والكتب التاريخية.
تكتب أيضا القصة القصيرة جدا، هل هي الجنس الأدبي الذي ترتاح فيه وإليه أكثر؟
بوداود عمير: القصة القصيرة جداً، جنس أدبي جديد على الأقل في تعريفاته المعاصرة، يعتمد على التكثيف والإيجاز والمفارقة، كما أنه يتقاطع لدرجة التماهي أحيانا مع بعض الشعر فيما يسمى بالومضة، من هنا تحقق القصة القصيرة جدا الوحدة مع الأجناس الأدبية الأخرى، وقد تبوأت في السنوات الأخيرة بفضل الشبكة العنكبوتية منزلة معتبرة، نافست فيها أجناسا أدبية عريقة وأصبحت تقدّم دراسات وتنظم ملتقيات وندوات أدبية بخصوصها، كما أنها بقصرها وشعريتها تشكل إلى حد ما بديلا للفراغ الذي أحدثه عزوف القراء عن قراءة الشعر والرواية، من هنا يأتي شعوري بالارتياح مع القصة القصيرة جدا كونها تتعامل بانسجام مع مقتضيات العصر وبالتالي تمثل أفضل تعبير عن حياتنا المعاصرة التي تنحو إلى السرعة.
لمتورني
قصة لايزابيل ايبرهارد
ترجمة بوداود عميّر
كوخ بأحجار منفصلة، حقل هزيل كثير الحصى يحيط به جبل وعر المسلك، وبؤس مسكن يعيش بداخله اثنا عشر طفلا... ثم التمرن القاسي لبنّاء لدى رب عمل صعب المراس. شيء آخر قليل، أكثر غموضا، لا يكاد يتموقع في ذاكرته كرجل أمّي، بعض الفلتات من الشمس لأعالي القمم الزرقاء و بعض الأماكن الهادئة بالأخشاب المعتمة حيث ينمو نبات السرخس بوفرة على حافة السيول. هي ذكريات علقت بذاكرة "روبيرتو فروجي" يوم كان عاملا متجولا وهو يحل بمدينة الجزائر رفقة عدد من أصدقائه. هناك بافريقيا اشتغل لصالحه الخاص، جمع شيئا من المال سمح له بشراء حقل في منطقة "سانتا ريبارتا" حيث اكتفى بزراعة الذرة والشيلم بما يكفي لسد حاجياته. أمضى ردحا من الزمن بالمدن الساحلية، كان يلتقي بعضا من أبناء بلده... ووجوها أخرى يستأنسها وهو ما كان يشعره الاطمئنان. ثمة رجال يمشون بتؤدة يرتدون "البرنوس" ويتفوهون بكلمات غير مفهومة، يحرضونه على الابتعاد والحذر... يحدث أن يلتقي معهم دون أن يعرفهم.
في أحد الأيام وبعد أن بدأت تتضاءل فرص الحصول إلى منصب عمل بمدينة الجزائر، عرض عليه رئيس "الانديجينا" في تخوم الصحراء أشغالا كبرى لإنجاز "برجه". المزايا كانت مغرية، إذ لم يلبث أن أبدى "روبيرتو" موافقته بعد تردد طويل، فكرة الذهاب في أغوار الصحراء، وأن يعيش أشهرا مع العرب كانت تثير في نفسه الذعر.
ثم ذهب مفعما بالقلق.
بعد ساعات شاقة من السفر الطويل، قضاها داخل عربة جياد حينما وصل إلى "المسيلة".
كان الفصل صيفا، اجتاحته حرارة غريبة خيل إليه أنها تصعد من باطن الأرض وأريج كان يملأ الفضاء لم يستطع تحديد كنهه. شعر "فروجي" بصنف من القلق فريد، أن يعيش هنا ليلا وسط هذا الحيز الشاسع من المكان، تنيره الأضواء الشاحبة للنجوم. هناك بعيدا في الريف كانت حشرات الزيز تطلق أصواتا ضخمة ملأت أجواء الصمت المعكر قليلا في المدينة من النقيق الغريب للضفادع ب"الساقيات" الدافئة.
الظلال الوارفة للنخيل الغضة، توشحت بالسواد في أفق مخضر.
في اليوم الموالي، ومع الشعاع الوردي للفجر، تقدم نحوه شخص بدوي أسمر بعيون الظل، أيقظه من نومه في غرفته الصغيرة بالفندق.
-تعال معي...أنا خادم "القايد".
في الخارج، كان النسيم عليلا، عطر عذب يصعد من الأرض الندية والصمت قد أطبق على المدينة الغارقة في سباتها العميق.
أمتطى فروجي بغلا وهو يقتفي آثار"البدوي" الذي كان على متن حصان صغير رمادي اللون بوبر منفوش وطويل، يقفز فرحا مع كل خطوة يخطوها.
اجتازا "الوادي" في مجراه العميق، طلع النهار، وقد لاحت بيوت من "الطوب" و"القبة" الصحراوية ذات الأشكال الغريبة. قطعا الحدائق العربية الغناء ب"قرفالة" وبلغا السهل الممتد، الوردي كله، الفارغ، اللامتناهي.
بعيدا جدا، صوب الجنوب، بدت جبال "أولاد نايل" شفافة، بلونها المائل قليل للزرقة.
- السهل هنا يدعى "الحضنة "... وهناك أسفل الجبل "بوسعادة" قال البدوي.
بعيدا جدا، في السهل، في عمق منخفض أرضي مالح، لاحت مجموعة من الأكواخ الباهتة اللون وقد تجمعت حوالي "قبة" فظة، مرتفعة وضيقة.
في الأسفل، وعلى أرض حجرية منتفخة، ينتصب "برج القايد" على شكل قلعة صغيرة مربعة بأسوار متصدعة، تم تبييضها قديما بالجير. ثمة أشجار تين مهملة تنمو على منخفض ارضي حوالي عين ماء فاتر، يصب ماؤها المالح في "الساقية"حيث يتجمع ملح محمر وملح البارود الأبيض ضمن ركام متغير.
تحصل البناء على غرفة صغيرة فارغة، بيضاء كلها، وكأثاث تحصل على حصير، صندوق وقربة من الجلد معلقة على جدار الغرفة بمسمار.
هنا عاش "فروجي" ما يقرب عن ستة أشهر، بعيدا عن أي اتصال أوروبي معيّن عاش بين أحضان "اولاد مدبي" السمر، بوجوه و أعين الصقر. كانوا يضعون على رؤوسهم " قندورة " عالية ذات خيط رقيق أسود.
"صدّيق" الغلام الذي رافق "فروجي" كان رئيس فريق من العمال اليدويين الذين يتولون مساعدة البنّاء، رافقهم في أشغالهم البطيئة وأغانيهم الطويلة الكئيبة.
عمت السكينة الكاملة أرجاء "البرج" الوحيد أو تكاد لولا أصوات ركض حصان، خرير مياه الآبار، الصوت الأجش والخشن للإبل و هي تحاول أن تجثو أمام الباب الخارجي.
مساء، عند غروب الشمس، وعندما يهدأ كل شيء، كانوا يؤدون صلاتهم، في الأعلى. ترافقهم حركات كبرى وابتهالات احتفالية. وعندما ينسحب "القايد"، يجلس "الخمّاسة" والخدم القرفصاء على الأرض يتحدثون فيما بينهم أو يغنون . في حين ينساب صوت "جواق " في كآبة مجهولة.
في "البرج" كانوا لطفاء وطيّبين مع "فروجي" ومقتنعين خاصة. شيئا فشيئا، ومع الرتابة العذبة للأشياء ، توقفت لديه الرغبة في العودة لبلده، بدأ يتعود على النمط البطيء للحياة، دون هم أو تسرع، ومنذ أن بدا يفهم العربية، اكتشف أن الأهالي بسطاء واجتماعيين وهكذا أحس بالسعادة بينهم.
حاول الآن أن يجتمع معهم في الربوة مساءا، وبدأ يسائلهم ويروي لهم حكايات من بلده. منذ هذا اللقاء الأول، لم تكن ل" فروجي" الرغبة في التميز عنهم، بدأ يسألهم عن دينهم الذي بدا له أكثر بساطة و أكثر إنسانية عن ما لقنوه في تعليمه حيث كسرت الألغاز رأسه كما قال.
حلّ فصل الشتاء، ولأن أشغال البناء أشرفت على الانتهاء، وحان بالتالي موعد السفر. أحس "فروجي" بالقلق والحسرة العميقة.
"الخماسة" والعمال الذين أبدوا بدورهم تأسفا لذهابه: ذلك أن "الرومي" لم يكن لديه أي نوع من الافتخار عليهم ولا يحمل أي حقد ضدهم أو ضغينة، كان "وليد باب الله" ورجلا طيبا.
في مساء يوم شتائي وبينما كان "فروجي" والعمال جنبا إلى جنب، حوالي جذوة نار يسترقون السمع ل"مداح" كفيف ومغن ورع جاء من "أولاد نايل"، قال "صّديق" للبنّاء:
- لماذا تغادرنا...؟ "القايد" يحترمك ويقدرك، لديك القليل من المال، استأجر منزل"عبد القادر بن محمود" الرجل الذي ذهب إلى "مكة"، هناك شجيرات التين وحقل، كما أن أفراد القبيلة يهمّون ببناء مسجد ويستعدون لبناء "قبة سيدي برابير" بفضل الأشغال هذه يمكنك كسب قوتك وكل شيء يعود كالسابق.
و"حتى يصبح كل شيء كالسابق" وافق فروجي.
في فصل الربيع، وعندما بلغهم نبأ وفاة "عبد القادر" ب"جدة " اشترى "فروجي" مسكنه المتواضع دون حتى التفكير في أنها نهاية لأحلامه الماضية، عقد أزلي أمضاه مع الأرض القاسية والمشعة التي لم تعد تثير في نفسه الفزع.
استسلم "فروجي" لمنطق الأشياء، حتى أنه لم يعد يسافر إلى "المسيلة" ومكث في "عين مندية " لا يغادرها وقد منحه "صديق" الذي بات صديقا له لباسا عربيا، بعد أن أصبحت ملابسه الأوروبية بالية.
أنه يتحدث العربية الآن، بل ويعرف أهازيج شعبية يرددونها أثناء تأديتهم لأعمالهم، في حركات بطيئة شيئا فشيئا.
في أحد الأيام وهو يتحدث إليهم، ورد ذكره للشهادة خارج اعتقاده الديني.
وسرعان ما صاح "صديق" فرحا:
- يا"روبير" لماذا لا تعتنق الإسلام؟ نحن الآن أصدقاء وسنصبح إخوة. سأزوجك أختي، لنعيش معا نسبح بحمد الله.
خيّم الصمت المطبق على "فروجي"، لم يستطع ترجمة مشاعره، ولكنه أحس في قرارة نفسه أنه أصبح مسلما مادام يعتقد أن الإسلام أفضل من عقيدة آبائه... وبقي حالما.
أيام بعد ذلك، وأمام "صديق" والشيوخ، أعلن "فروجي" بعفوية الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
سبّح الشيوخ حمدا لله، وعانقه "صديق" متأثرا.
"روبيرتو فروجي" أصبح يدعى "محمد قصد الله".
"فاطمة الزهراء" شقيقة "صديق" أصبحت زوجة لل"متورني" ودون بهرج ديني وببساطة، أخذ "محمد قصد الله" يمارس شعائره الدينية من صلاة و صوم.
"روبيرتو فروجي" لم يعد إطلاقا إلى "سانتا ريبارتا دي نافار"، حيث كانوا يترقبون عبثا عودته...
ثلاثون سنة بعد ذلك، أصبح "محمد قصد الله" شيخا طاعنا في السن، ورعا، طيبا، يؤمن بالقضاء والقدر. فقد كتب الله له أن الحلم الذي راوده بشراء حقل ومنزل ب"سانتا ريبارتا" يوما، سيعثر عليه تحت سماء أخرى، وفوق أرض أخرى، بال"حضنة" المسلمة ورتابة أفقها الشاسع...
عن كتاب ياسمينة وقصص أخرى لايزابيل ايبرهارد
ترجمة : بوداود عميّر
هامش :
الكلمات بين مزدوجين وردت بالعربية في نص الكاتبة
وهو ما يميز أسلوب إيزابيل إيبرهارد في جميع أعمالها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.