الإعلام الجزائري مُجنّد لمرافقة البلد وخدمته    الفاف تُكوّن المدراء التقنيين    سبعة أسباب تحول دون انتصار أمريكا    واشنطن ترسل 2200 من المارينز إلى الشرق الأوسط    بقرار يتوقع المشاركة في المونديال    استفادة أزيد من 100 ألف شخص سنوياً    ندوة صحفية لبيتكوفيتش    بوغالي يدين الغطرسة الصهيونية    البرلمان بغرفتيه يعزي أسر شهداء الجيش ضحايا مكافحة الإرهاب    عملية تجديد لجنة العلامات خطوة لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني    بوعمامة : "الإعلام الجزائري أسرة واحدة موحدة في خدمة الوطن"    تستلم 568 حافلة بميناء الجزائر    الانتقال إلى مقاربة رقمية حديثة لإدارة مخاطر حرائق الغابات    دربال يثني على تحسن التزويد بالمياه ويدعو لمضاعفة الجهود    ترقب هبوب رياح قوية    إعادة طبع "مصحف رودوسي" بأمر من رئيس الجمهورية    ارتفاع حصيلة الضحايا العدوان الصهيوني على غزة    اختتام الطبعة ال15 لبرنامج "تاج القرآن الكريم"    خام برنت يقفز إلى ما فوق 103 دولار للبرميل    تنظيم مبادرات إفطار جماعية    حاملة الطائرات الأمريكية "لينكولن" تغادر المنطقة بعد تحييدها..إيران تهدد بقصف منشآت مرتبطة بأمريكا في الإمارات    الجزائر العاصمة : معرض حول تاريخ طباعة المصحف الشريف في الجزائر    الاحتلال المغربي يستخدم الاحتجاز التعسفي أداة للقمع    هكذا يحاول الكيان الصهيوني اختراق العمق الإفريقي    بعث منظومة متكاملة للنّهوض بإنتاج الأحذية    رفع القدرات اللوجستية لميناء وهران وتحسين أدائه العملياتي    تسريع معالجة ملفّات الاستيراد وخفض مدة مكوث الحاويات    الجيش يضرب دون هوادة قوى الشّر والظلامية    مشتريات متنوعة ينتهي بها المطاف في المزابل    تحرير 271 محضر مخالفة وحجز 1.5 طن من السلع بتيبازة    لجنة الشؤون القانونية بمجلس الأمة تستمع لوزير الداخلية    قرار بهدم عمارات حي أمزيان وسكنات غير مكتملة بحي الحطابية    لا يكتمل عيد عنابة إلا ب"البقلاوة" و"الصامصة" و"المشوك"    الحجّاج مدعوون لحجز رحلاتهم قبل 18 مارس    نادي "سوسطارة" في مهمة العودة بنتيجة إيجابية    إصابة إيلان قبال تخلط أوراق فلاديمير بيتكوفيتش    ماوني تقرأ عوالم أحسن دواس الشعرية    فتح باب المشاركة في الأيام المسرحية الثانية للمونودراما    لغة بصرية من الزجاج الحي والمشحون    أخبار سارّة من إيطاليا بخصوص رفيق بلغالي    تتويج الفائزين في الطبعة ال15 من برنامج "تاج القرآن الكريم"    رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون يعزي عائلات الشهداء الثلاثة    حافلة لنقل المسافرين بين الجزائر وتونس    نعمل على ترقية المنتوج الجزائري    اتفاقية بين وزارة الخارجية والمديرية العامة للأمن    العاصمة الجزائرية وجهة سياحية مثالية    كيف تحارب المعصية بالصيام؟    ايسلندا وهولندا تنضمان إلى دعوى الإبادة الجماعية    ضرورة تعزيز قنوات الحوار والتواصل مع مسيري المؤسسات الصحية    بن ناصر يعود..    وزارة الصحة: الاستماع إلى الانشغالات المهنية لفئة النّفسانيين    رمضان.. أدركوه قبل أن يرحل    تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان    أخطاء في صدقة الفطر.. تجنبها أخي المؤمن    كأس الاتحاد الافريقي : شباب بلوزداد يراهن على العودة بنتيجة إيجابية من مصر    ندوة حول الحج    على الحجاج حجز تذاكر السفر في أقرب الآجال    إقبال متزايد على مكاتب الفتوى بالبليدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الذكرى الأولى لرحيل شيخ المؤرخين الجزائريين
نشر في النصر يوم 15 - 12 - 2014


سعد الله.. العالم الزاهد وآخر الموسوعيين
حلت أول أمس، الذكرى الأولى لغياب شيخ المؤرخين الدكتور والعلامة أبو القاسم سعدالله، الذي رحل في 14 ديسمبر 2013. سعدالله، الذي ولد عام 1930 بمنطقة قمار ولاية الوادي، له سجل حافل بالإنجازات والعطاءات، ومسيرة مشرقة وزاخرة بالمؤلفات والدراسات والموسوعات، وهو من رجالات الفكر البارزين والضالعين في الفكر والتاريخ، ومن أعلام الإصلاح الاجتماعي والديني، انتقل إلى أمريكا عام 1962، حيث درس في جامعة منيسوتا التي حصل منها على شهادة الدكتوراه في التاريخ المعاصر الحديث باللغة الإنكليزية عام 1965، يتقن من اللغات: الفرنسية، الإنكليزية، الفارسية، الألمانية، إضافة إلى لغته الأم «العربية»، ومن بين الوظائف التي تقلدها: رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة الجزائر، أستاذ في جامعة آل البيت بالأردن، وجامعة منيسوتا بقسم التاريخ بدءاً من 1994 إلى 2001، كما كان يقوم بدورات سنوية بجامعات أخرى كجامعة ميتشيغان، وجامعة الملك عبدالعزيز بالسعودية، وجامعة دمشق، وعين شمس بالقاهرة. ومن أهم مؤلفاته «موسوعة تاريخ الجزائر الثقافي في 9 أجزاء»، وكذا كتبه في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية. وتخصص الفقيد في تاريخ الجزائر الحديث وتاريخ أوروبا الحديث والمعاصر، وتاريخ المغرب العربي الحديث والمعاصر، وتاريخ النهضة الإسلامية الحديثة والدولة العثمانية منذ العام 1300.
«كراس الثقافة»، يستحضر الرجل، من خلال شهادات كتاب وباحثين في مجال التاريخ، وهي شهادات تمجد قامة الإنسان والمفكر والباحث والعلامة والأديب والمترجم والمؤرخ، كما تثمن مآثر وجهود الراحل ومساهماته الفكرية والتاريخية والثقافية، وتحتفي بها وبه في آن، عبر هذه الوقفات الإستذكارية التي تحاول أن تنصف الرجل الموسوعي، بمناسبة السنة الأولى من الغياب.
إستطلاع/ نوّارة لحرش
عامر مخلوف/ ناقد وأكاديمي
جامع العِلْم والوقار
كان آخر لقاء لي بالمرحوم يوم كُرِّم في تندوف، وكان صاحب المبادرة الشاعر «عبد الله الهامل» مع أنه لم يكن مسؤولاً. ولكن لأنه شاعر يحسُّ بقامة «سعد الله» ويدرك ما يعانيه المثقف من متاعب ونكران أيضاً، أبى إلا أن يلتفت إلى إنسان نذر حياته للعلم والمعرفة.
إنه رجل لم يطمع في مسؤولية أو كرسي يُلهيه عن التنقيب في الآثار، مؤلفات ومخطوطات، عمَّا فيها من مواقف وآراء تخص الجزائر. ظل يسعى ليأخذ من كل شيء بطرف، فقال شعراً وقدم دراسات نقدية في الأدب لينصرف بعد ذلك إلى البحث التاريخي والترجمة والتحقيق، واستمرَّ يحمل تاريخ الحركة الوطنية على كتفيْه مهووساً بتاريخ الجزائر الثقافي فاختصر مسافة طويلة على الباحثين والمهتمِّين. واللافت لدى هذا الإنسان الباحث، الباحث الإنسان، أنه نموذج في سلوك العالِم الذي لا يتحدث عما لا يعرفه. وإذا تحدث فَعَنْ دراية وبتواضع. كنتُ حين ألتقيه في بعض المناسبات أكتفي بالسماع أو بالسؤال فقد كان موْسوعة متنقلة. والمؤسف حقاً أن القائمين على الشأن الثقافي عندنا لا يلتفتون إلى أمثال هؤلاء إلا يوم نترحَّم عليهم. فكم سينقضي من الوقت كيْ تنجب الجزائر باحثاً بهذا القدر العالي من الكفاءة والإخلاص للعلم والمعرفة؟!.
لعل عزاءنا في أن أهل المعرفة عبر التاريخ، كانوا دوماً يشتغلون في الظل، يبذلون جهوداً مضنية في سبيل أن يضيئوا الطريق للآخرين، وهم إن لم يُقتلوا أو يُشرَّدوا أو لم تُحرقْ كتبهم، يُضرب حولهم ستار من الصمت إلى أن ينسحبوا بلا صخب، وليس كالجهلة الذين أزعجوا الكوْن بخطبهم الجوفاء، ولا يدركون أن وفاة رجل بهذه القامة خسارة يصعب تعويضها.
حين يذهب الزبد جفاء ستبقى آثار «سعد الله» مراجع لا يمكن أن يتجاوزها باحث، سيبقى اسمه متداولاً في الجامعات، داخل الوطن وخارجه في أوساط المثقفين وبين المؤسسات التي تهتم بتاريخ الجزائر. إذ عندما يعيش المرء لنفسه تبدو له الحياة قصيرة قِصر عمره، ولما يعيش لفكرة تبدو له طويلة لا تنتهي، فقد كان المرحوم يعيش لفكرة وترك بصماته واضحة ترتسم من خلالها صورة للجزائر لا شك ستذكرها الأجيال المتعاقبة.
محمد مفلاح/ روائي وباحث في التاريخ
العالم الزاهد الذي انحاز للمثقفين المهمشين
تعرفتُ على شيخ المؤرخين أبي القاسم سعدالله من خلال مؤلفاته الخالدة وبخاصة موسوعة «تاريخ الجزائر الثقافي» التي مسح فيها تاريخنا الوطني طيلة أربعة قرون كاملة، وقد قرأتُها بشغف وأعدتُ قراءتها لما تحتويه من معلومات نادرة وآراء جريئة ومفاتيح مرجعية لقراءة جدية في تاريخنا هذه «الغنيمة المسمومة التي خلفتها المدرسة الإستعمارية» حسب تعبير مؤرخنا الكبير. وحضرتُ بعض محاضراته في المركز الوطني للبحث في تاريخ الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر، وفي منابر علمية أخرى، وكان يقدمها بهدوء كبير ولكنه كان يطرح فيها القضايا الحساسة بجرأة ودون أن يخفي حماسته لأفكاره الإصلاحية، وانحيازه إلى صف المثقفين الذين كانوا في نظره مهمشين في كل العهود التي مرت بها البلاد. ولما شرعتُ في انجاز بعض كتاباتي التاريخية، تمنيتُ أن أقترب من مؤرخنا الموسوعي للاستفادة من توجيهاته ولكنني تهيبتُه بالنظر إلى سمعته العلمية وما كان يضفيه عليه تلاميذه الباحثون من ألقاب ونعوت، وحين علمتُ أن المركز الوطني للبحث وفر له مكتبا خاصا بنشاطه العلمي، قررتُ أن ألتقي به وقد شجعني المؤرخ جمال يحياوي على ذلك. وأتذكر بأنني زرتُه بمكتبه وفي محفظتي نسخة من كتابي «سيدي الأزرق بلحاج رائد ثورة 1864»، وقد أهديتُها إليه. وهذا اللقاء التاريخي بالنسبة إليّ، جعلني أكتشف فيه «سعدالله الإنسان» العظيم بطيبته وتواضعه، وكان مظهره البسيط ينم عن روحه الطيبة.
ودهشتُ لما أبدى لي اهتمامه ببحثي المتواضع وتمنى لو يبادر الكتّاب بمثل هذه الأبحاث «المحلية»، وفي اللقاء نفسه عبر لي عن رغبته في التعرف على الأماكن التي جاهد فيها سيدي الأزرق بلحاج والبلدة التي استشهد فيها، كما تمنى زيارة «غار الفراشيح» للكتابة عن المحرقة الشهيرة التي أرتكبها السفاح بيلسيه سنة 1845م، فقلت له بأنني سأكون سعيدا إن نزل في ضيافتي، وفيما بعد هاتفته لاستقباله في بيتي ولكنه اعتذر لي لأنه لم يستطع التحرر من التزاماته العلمية. وفي لقاءات أخرى ناقشتُه حول قضايا كنتُ ولازلت أرى أن مؤرخنا كان متحفظا ومتحذرا منها، وأذكر منها الشعر الشعبي والتصوف والتاريخ المحلي واللهجات الجزائرية والكتابات الحرة في التاريخ، فكان يقابل تساؤلاتي بنظرته الثاقبة وابتسامته الطيبة، ويحدثني بهدوء عن آرائه الصريحة في القضايا التي طرحتُ عليه. وفي آخر لقاء بمكتبه بالمركز، طلبتُ منه أن تُؤخذ لنا صور للذكرى فسرّ بذلك، بل هو من أقترح على كاتبته الشخصية الكيفية التي التقطت بها صورنا التذكارية، وكان ذلك في سنة 2012، وبعد هذا التاريخ بسنة واحدة أو أقل غادرنا شيخ المؤرخين بعدما ترك بصماته الجلية في ذاكرتنا الوطنية. وكان أستاذنا الكبير أمينا في نقل المعلومة، ووفيا لكل الأشخاص الذين قدموا له مساعدة أو أمدوه بمعلومة، ولم يخْفِ ذلك عن قرائه إذ بادر في سنة 2007 بنشر الرسائل التي بعث إليه الشيخ المهدي البوعبدلي، كما ظل وفيا لمبادئه وحياة الزهد التي ارتضاها لنفسه، رافضا عدة مناصب سامية عُرضت عليه، مفضلا عليها لذة البحث والكتابة والتعليم. لازلتُ إلى حد الآن وعند كل بحث لي في التراث، أرجع إلى مؤلفاته وبخاصة موسوعته وهي في نظري في مستوى كِتاب العِبر، فأستاذنا سعدالله من طينة ابن خلدون وكبار المؤرخين في العالم. لقد استطاع هذا المثقف المبدع والكاتب الموسوعي أن يؤلف في عدة تخصصات منها التاريخ، وعلم الاجتماع الثقافي، والتحقيق، والرحلة، والتصوف، والأدب، والتراجم، والسيرة فخلف لنا بجهده العظيم هذا، لوحة رائعة للثقافة الجزائرية، عاكسة لروح الوطن الخالدة.
مراد وزناجي/ كاتب وباحث في المركز الوطني للدراسات حول الحركة الوطنية
آخر الموسوعيين الكبار
جرت العادة لدى أغلب مثقفينا وباحثينا في مجالات الإعلام والأدب والتاريخ وغيرها من العلوم، أن يصفوا الراحل أبو القاسم سعد الله، حيا أو ميتا، بالمؤرخ وفقط، وكأن الرجل لم يكن سوى ذلك. وهو، في اعتقادي الخاص، أمر مستهجن، وخطب مستنكر، بل قل إنه ظلم في حقه ما بعده ظلم. كيف ذلك؟ إن الراحل بمثابة آخر حبات العنقود المستمسكة بسلسلة علماء الجزائر والعرب والمسلمين والمغاربة والأفارقة الموسوعيين. ولسنا نزكي على الله أحدا. قد يعتقد البعض أن في الأمر مبالغة أو مغالاة، ولكنها عين الحقيقة، إلا لمن أغلق عينيه بإتقان وسد أذنيه بإحكام. إنها الحقيقة التي لابد أن نعترف بها ونفاخر. ومن جانب آخر فإن الراحل لم يكن مؤرخا فقط، بل كان يجمع بين عدد من العلوم، إذ أنه كان صحفيا ومراسلا ومحققا وأديبا وناقدا وشاعرا وقاصا ومترجما.. ومن جانب آخر، فإنه لم يكن ابن قمار أو وادي سوف أو الصحراء الجزائرية فحسب، بل من العيب أن تصل بنا الوقاحة إلى ذلك المستوى، خاصة وأنه كان يشمئز من الجهوية الحمقاء ويحاربها ويفضحها. لقد كان ابن الجزائر كلها، إنه لم يكن ابن الجزائر فحسب، بل مواطنا عالميا بأتم معنى الكلمة. نعم لقد زار الراحل أغلب أصقاع المعمورة، إما طالبا أو معلما أو باحثا أو سائحا متعبدا، وهو ما أهله لأن يكون أمة بالمعنى الصحيح للكلمة. حري بنا أن نُعرف به ونُثمن عمله وعلمه ونعدد مناقبه. لقد عاش حياته مقاوما لما كان يرى أنه «محاربة الأبطال وتحطيم الرموز»، وعلينا نحن اليوم أن نواصل العمل على ذات المنهج، حتى نكون أوفياء لذكراه ومبادئه وأخلاقه وسلوكه وتنكره لذاته. ما أزال أذكر صبيحة ذلك اليوم الذي أبلغت فيه بالخبر الحزين. يومها، وفي طريقي إلى بيت المرحوم كنت أقول مع نفسي: ها قد غاب، مع الأسف الشديد، اسم لامع من أسماء عظماء الجزائر من حياتنا اليومية، وقد يغيب عن عقول وقلوب بعض شبابنا، ممن لم يتسن له معرفته بشكل أكبر وأحسن. وكنت في ذلك ألومني لكوني، ربما، قد قصرت في التعريف به. ليظهر لي العكس من ذلك تماما مباشرة بعد بلوغ خبر وفاة الراحل إلى قاعات تحرير وسائل الإعلام الجزائرية والعالمية، حيث تناقل الناس المعلومة بحسرة كبيرة وألم شديد، وراحوا يعددون مناقبه ويسردون إنجازاته ليس في حقول العلم والتنقيب فحسب بل حتى في ميادين الأخلاق والتميز والإصرار على تحقيق المراد. يومها فقط، تأكدت من أن العظماء لا يموتون والكبار لا يغادرون، مهما كانت الظروف. لقد شعرت يومها وكأن الرجل يُبعث من جديد، بشكل بهي لا يضاهيه أي شكل آخر. والأجمل في ذلك هو احساس الناس، بمختلف مستوياتهم ومشاربهم وتوجهاتهم وشرائحهم العمرية، بمبادئ المرحوم وإخلاصه لدينه ووطنه وعلمه. وذاك هو الإنبعاث الحقيقي.
د. محمد بشير بويجرة/ باحث في التاريخ ومدير مخبر الخطاب الأدبي في الجزائر-جامعة وهران-
تميز بتعدد مواهبه التذوقية في التعامل مع نصوصنا التراثية
سعد الله، جعل همه الأول والأخير في هذه الحياة هو العناية ومدارسة التراث الجزائري بكل تخصصاته وتمفصلاته، حتى جاءت إنتاجاته العلمية كلها تتداخل وترتبط بالتراث وفق وجهات نظر مختلفة ومتنوعة، مما جعل كل إنتاجه وفق هذا المحور يمكن تصنيفه تحت عدة محاور، منها: تحقيق ودراسة التراث، تحقيق المدونات، تحقيق الأعلام والبيئات، تاريخ الجزائر الثقافي، الحركة الوطنية الجزائرية، التاريخ العربي الإسلامي، الترجمات، قضايا التراث. لقد اعتنى الدكتور أبو القاسم سعد الله بالتحقيق والتدقيق في تلك المتون التراثية الجزائرية التي أبدعها السلف الصالح لهذه الأمة، ولقد تميز تحقيقه بالدقة ورغبة جامحة في التعريف بالنص التراثي المحقق لدى القارئ الجزائري والمثقف العربي والمختص العالمي حتى يثبت للعالم بأن الجزائر ساهمت بأساليب تعبيرية متنوعة وبتعدد للخطابات ثري بالعطاء المعرفي. كما نلاحظ في كل تحقيق للدكتور سعد الله بأنه أزان المتن المحقق بوفرة من المعلومات النادرة والمفيدة، حتى نجده وكأنه يقدم دراسة علمية وأدبية وتاريخية دقيقة حول كل ما يتعلق بالنص المحقق. ويتجلى ذلك في متونه الكثيرة. منها على سبيل المثال، تحقيق المدونات، وهو عمل نجده مرتكزا على بعض الأعمال التي تركها بعض العلماء أو الأطباء أو الأدباء الجزائريين في الأزمنة الغابرة.
كما اعتنى الدكتور سعد الله بتحقيق بعض المدونات المهمة، والتي ناقشت العلاقة التداولية بين كُتابها أو بين الأعلام التي تدارستها وبين البيئات التي عاشت فيها، تلك العناية التي انصبت على تحقيق ما خلفه، للذاكرة الجزائرية، مجموعة من النوابغ الجزائرية التي تركت بصمات من نور المسارات الوجودية للأمة الجزائرية.
أيضا، لقد تميز الدكتور سعد الله بتعدد مواهبه التذوقية في التعامل مع نصوصنا التراثية، حين نجده يعطي العناية الكاملة والتامة للنص الذي يشتغل عليه، فإذا كان يبغي التحقيق في النص كان يقصد إلى الآليات وإلى الطرق والمناهج التي تتطلبها خصوصية النص، من جمع أكبر قدر ممكن من النسخ المتوفرة في المراكز والمكتبات العالمية. ثم التحقق من انتساب الخط إلى صاحب النص المراد تحقيقه، ثم جمع أكبر قدر ممكن من المعطيات ذات الصلة بالفترة التاريخية لكتابة النص، وكذا العمل على تحليل الظروف العامة والخاصة التي عاش فيها مبدع النص. أما إذا كان العمل مرتبطا بالدراسة والتحليل فإنه كان يستعين بآليات وبأدوات أخرى قد تكون مغايرة للأولى، حين نجده يعمد إلى توظيف المناهج النقدية التي تعين على فهم النص وعلى تحليله، كما نلاحظ عليه اعتماده على ذائقته القارئة العالمة بأصول التعامل مع تعدد الخطابات بجد واجتهاد.
ولقد تنوعت مناهج الدكتور سعد الله وهو يدارس نصوصا وأعلاما أدبية جزائرية، حيث تراوحت بين: الجمالي الفني وهو يدرس الشعر والشعرية عند محمد العيد آل خليفة في كتابه الموسوم «شاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة». ونلاحظ اعتماده المناهج، التاريخي والاجتماعي والجمالي الفني وهو يقرأ تلك النصوص الأدبية الجزائرية المتنوعة الأجناس في كتابه المعنون «دراسات في الأدب الجزائري». كما نجده يوظف المناهج، التاريخي والاجتماعي والنفسي وهو يقدم تفصيلا وافيا عن تجربته مع السيرورة الأدبية التي مر بها منذ صغره في مدونته التي سماها «تجارب في الأدب والرحلة».
أما عندما ألف كتابي «شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون» و»أعيان من المشارقة والمغاربة» فإننا نجد في الدكتور سعد الله ذاك العارف بقضايا ومحن الإنسان المسلم عامة والجزائري على وجه الخصوص. ليبرز الدكتور سعد الله، من خلال ذلك كله، كأنه ذلك العالم المتمكن بكل الآليات التي تؤالف بين الإنسان المبدع وبين كل المبدعات التي يأتيها في مشواره الحياتي الفني والعلمي، مما يؤهله لأن يقال عنه ذلك العالم بأصول العملية الأدبية وتفرعاتها وتجلياتها الجمالية، وكذا اكتسابه لتلك الروح المنبثة فيه والتي تفصح عن تقديسها لما خلفه لنا السلف الصالح من نفائس ودرر يجدر بالخلف العناية بها وتقديمها للعالم كبرهان على تجذر العطاءات العلمية والفنية في الذاكرة الجزائرية عبر مختلف المراحل الزمنية وفي جميع الحقول المعرفية سواء كانت أدبية أم فنية أم تاريخية أم دينية.
وفي مختلف الأنواع من القراءة والدراسة عمد الدكتور سعد الله إلى الجمع بين النص التراثي بمختلف أجناسه، تحقيقا بجمع نسخه المنتشرة عبر مختلف المكتبات والمجمعات العلمية عبر العالم، وقراءة متأنية معتمدة على منهج معين، ويكون في الغالب الأعم أحد المناهج التالية، التاريخي أو الاجتماعي أو النفسي، قصد الاستعانة بها في تحليل مغالقها، وفي توضيح معالمها، وفي تحديد أبعادها الدلالية. ونجد كل ذلك متجليا في المدونات والدراسات المختلفة، منها. «تاريخ الجزائر الثقافي 1500 1954»، «الحركة الوطنية الجزائرية 1830 1954»، «أضواء تاريخية»، «أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر». لقد كان الدكتور سعد الله، كما تتلمذنا عليه دائما، جادا في مناقشته لمسائل الحركة الوطنية عبر مختلف الأصعدة وبكل وسائل الاتصال الممكنة. وذلك وفق رؤيته للمقاومة الجزائرية التي استمرت عبر التاريخ.
الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله كان موسوعيا وكان باحثا عن أهم القضايا ذات الصلة بالتراث الأصيل الذي يساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الحفاظ على الموروث الوطني من الضياع وفي الإصرار على تقديمه للناشئة كبرهان لا يقبل الشك أو النقاش بأن أسلافنا في الجزائر كانوا مواكبين لكل الأحداث والقضايا التي كانت تشغل بالهم وبال كل العرب وكل المسلمين، بل وكل بني الإنسان أينما كانوا وكيفما فكروا. كل ذلك كان زيادة على دقته المتناهية في لملمة مجمل الطروحات المواكبة لكل عصر والمؤثرة فيه. كما نلاحظ إجادة وروعة الدكتور سعد الله في إيجاد النسق الخطابي الذي كان، دائما، يقدم به نقوده وأفكاره ورسائله المثقفة والقوية بالأدلة والبراهين العلمية، تلك الأدلة المستلة من الوثائق التي كان جادا في العثور عليها وفي الاستفادة منها حسب كل قضية أو فكرة يعالجها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.