حرب أخرى ..    سنحول غلاف غزة إلى مكان غير قابل للحياة    باماكو تثمّن "الالتزام الشخصي" للرئيس تبون بالسّلم والمصالحة في مالي    لعمامرة يستقبل السفير الجديد لدولة ليبيا لدى الجزائر    العناصر الجزائرية تحقق إنجازاً تاريخياً    مخطط لتزويد قرى البيض والمناطق الصناعية بالغاز والكهرباء    ندوة وطنية حول العمل والرواتب لتحقيق النجاعة    الارتقاء بالعلاقات بين الجزائر وكولومبيا لآفاق متميزة    باماكو ترغب في استمرار الدور الريادي للجزائر في مالي    الحفاظ على الديناميكية الإيجابية للسلم والمصالحة ودعمها    توقيف خمسة أشخاص بتهمة حيازة مخدرات    والي وهران يقرّر غلق شاطئ "عين فرانين"    قاعة الفنون الجميلة تتوشح بأعمال رسامين جزائريين    الحرب التحريرية تتطلب قدرات وكفاءات موجودة لدى الطلبة    توقيع اتفاق سلام بين السلطات التشادية وجماعات معارضة    الحكومة الانتقالية ومجموعات المعارضة يوقعون اتفاقية سلام الدوحة    مطالب برحيل الوزير بوريطة "العار"    وقف إطلاق النار.. حلّ مؤقّت    اكتتاب التّصريح التّقديري بالضّريبة الجزافية قبل 15 أوت    وفاق سطيف يتلقّى دعوة للمشاركة في «السوبر» الافريقي    بن رحمة مطلوب في نوتنغهام فورست    الكشف عن قائمة المنتخب الوطني لاقل من 23 سنة    بوغالي ينقل تهاني الرئيس تبون إلى الرئيس الكولومبي الجديد    إطلاق خط النّقل البحري بين مسمكة العاصمة وميناء تامنتفوست    حالة التّأهّب القصوى لا تزال مستمرّة    حملة تحسيسية لفائدة سائقي الدراجات النارية    صراع الأقوياء على قارة عذراء ...    وجوه لامعة تحيي المهرجان الوطني لأغنية الشعبي    منحة كورونا استثناء للمستخدمين المعرضين للخطر    تراخي المواطنين وراء ارتفاع الإصابات بكورونا    الإطاحة بعصابة مختصة في "الحرقة"    قميص باسم عبد المجيد تبون.. تقدير وشكر وعرفان    147 رياضي جزائري في مهمة تشريف الراية الوطنية    تأجيل الأيام المسرحية "الغزال الأحمر"    خيمة بمسرح تيمقاد تبرز خصوصية الأوراس    الجزائر تمكنت من منع التهديد الإرهابي بفضل العمل الأمني الاستباقي    أجواء روحانية وتضامنية    منتج جزائري يفوز بثاني ذهبية    شباك موحد للاستفادة من قرض "الرفيق"    أول مسجد أخضر بالجزائر    أسعار النفط تصعد مجددا    إدراج 17 ممتلكا ثقافيا ضمن مشروع المسار السياحي لولاية ميلة    أسبوع ثقافي وعلمي لأطفال الجزائر    مهرجان "سبيبا".. حدث ثقافي هام ومحطة للترويج للسياحة بمنطقة طاسيلي ناجر    أوامر ل"كوسيدار" بتسريع إنجاز محوّل العاشور    بعد وفاة رجل وابنه: غلق شاطئ "عين فرانين" بوهران عقب حادث انهيار صخري    الهند تسجل 16 ألفا و167 إصابة جديدة بفيروس كورونا    فيروس كورونا: 102 إصابة جديدة مع عدم تسجيل أي وفاة    المنافسات الإفريقية للأندية: اتحاد الجزائر وشبيبة الساورة معفيان من الدور التمهيدي الأول    كرة السلة (البطولة الإفريقية لأقل من 18 عاما)/إناث: فوز الجزائر أمام أوغندا 72-69    "مهياوي " ينبه لأعراض الموجة الخامسة للوباء    رفع التجميد عن مشاريع ترميم المدينة العتيقة في قسنطينة    المتحف "أحمد زبانة"بوهران : قاعة الفنون الجميلة تعرض أعمال رسامين جزائريين    النّبوءة    ابن ماجه.. الإمام المحدّث    وزارة الشؤون الدينية تحدد قيمة نصاب الزكاة لهذا العام    وزارة الشؤون الدينية والأوقاف ..هذه هي قيمة نصاب الزكاة للعام 1444ه    الكعبة المشرّفة تتوشح بكسوة جديدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين إقبال وبن نبي.. التجديد بين النظرة الفلسفية الصوفية والتفسير العلمي (5)
نشر في الجزائر نيوز يوم 04 - 09 - 2012

إنّ فكرة الإصلاح و التجديد في فلسفة إقبال تمثل جزءا من هذه الفلسفة، فهي تدخل في إطار نظرته و رؤيته إلى الحياة، والإنسان و الذات و الوجود و غيرها، و ليست فكرة مستقلة بذاتها، فهي ارتبطت بفلسفته عامة، نستشفها من نظرته إلى الذات وإلى الوجود، و إلى الحياة، كما نستشفها من نظرته إلى الدين وإلى الإسلام خاصة، و إلى الرياضة الروحية، وغيرها من المسائل التي تدخل في صميم الفلسفة. كما ترتبط كذلك بالدراسة التحليلية النقدية العميقة التي قام بها إقبال للاتجاهات الفلسفية القديمة والحديثة، كالفلسفة اليونانية ،و منها بعض الجوانب في فلسفة سقراط، وأخرى في فلسفة أفلاطون، و أخرى في فلسفة أرسطو. ومثل الفلسفة الإسلامية و منها بعض الجوانب في التصوف، وفي فلسفة أبي حامد الغزالي، وفي فكر ابن خلدون و غيره. و كذلك انتقد الفكر الفلسفي الغربي و كذلك الحضارة الغربية، و ما تميز الإنسان الأوربي المعاصر، صاحب هذا الفكر و هذه الحضارة، ذات المنتجات البراقة و المغرية. يظهر من هذه المعطيات أن فلسفة إقبال ذات طابع ديني تميزت بالشمول و العموم في عصر التخصص في البحوث و الدراسات العلمية و الفلسفية. و هي تختلف إلى حد ما بطابعها هذا عن فلسفة مالك بن نبي، التي تمثل فكرا متميزا قام هو الآخر على المنهج العلمي، و على التحليل و النقد، و لواقع الشعوب المتخلفة عامة، و للعالم الإسلامي الذي طال تخلفه، وطالت أزمته. و للفكر الإصلاحي في عصره، و لحضارة أوربا الحديثة و للفكر الغربي الحديث، وانطلاقا من ذلك ظهرت نظرية الحضارة، كرؤية جديدة إلى التاريخ، و كحل لأزمة التخلف والانحطاط في حياة الإنسان، و لم تكن هذه الدراسة و لا هذه الرؤية في مستوى الشمول الذي عرفته فلسفة إقبال، و لا هي فلسفة دينية، هدفها إصلاح الفكر الديني، بل نظرية خاصة بالحضارة، تدخل في إطار فلسفة التاريخ، غايتها حل مشكلات الحضارة و هي مشكلات مرتبطة بحياة الإنسان اليومية في جميع ميادينها، روحيا و اجتماعيا و ماديا. ويظهر التباين بين فلسفة إقبال و فكر مالك بن نبي في هذه المسألة من خلال ما يصرح به المفكران. يقول محمد إقبال: “أحاول بناء الفلسفة الدينية بناء جديدا، آخذا بعين الاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام، إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة. و اللحظة الراهنة مناسبة كل المناسبة لعمل كهذا".0 أما مالك بن نبي فيقول: “و لو حللنا حياة مجتمعنا لوجدنا فيه ألوانا جديدة تدل في جملتها على نزعات متباينة، واستعدادات فردية متنافرة، في مجتمع فقد توازنه القديم، و ببحث الآن عن توازن جديد ... و أنّ قضيتنا منوطة بذلك التركيب الذي من شأنه إزالة المتناقضات و المفارقات المنتشرة في مجتمعنا اليوم. و ذلك بتخطيط ثقافة شاملة، يحملها الغني و الفقير، و الجاهل و العالم، حتى يتم للأنفس استقرارها و انسجامها مع مجتمعها، ذلك المجتمع الذي سوف يكون قد استوى على توازن الجديد".0
تصدى محمد إقبال للفكر الغربي الإلحادي، وعمل على إبراز ما فيه من نقص و اعوجاج، له أثر سلبي كبير على حياة الأوروبي المعاصر، وأثره سلبي و أكبر على حياة المسلم المعاصر، وتعمق في التحليل و النقد بعد الفهم و الاستيعاب، و تجلى ذلك بوضوح في مؤلفه “ تجديد التفكير الديني في الإسلام “. وهي محاولة فكرية رفيعة المستوى، و صيحة فيلسوف في وجه حاملي الفكر الغربي الإلحادي في أوربا و في العالم الإسلامي، من أبناء المجتمع الإسلامي، و دعوة إلى الإصلاح و التجديد وفق ما تمليه السنن الكونية، ووفق القيم الذاتية للإسلام و مبادئه الثابتة و أهدافه القريبة و البعيدة. ويقول الأستاذ محمد البهي في هذه المحاولة: “إنّ إقبال في تجديد التفكير الديني في الإسلام، كان جامعيا في محاولته ... في عمله الفكري للخاصة، وفي اعتبار هذا العمل لجيل معين، و هو جيل التفكير الوضعي، أو التفكير المادي الإلحادي".0 أما مالك بن نبي فتصدي لظاهرة التخلف في العالم المتخلف عامة، وفي العالم الإسلامي بصفة خاصة، كما تجند لوضع خطة فكرية و فلسفية وإستراتيجية لبناء الحضارة، و التمكن من المدنية و التقدم الاجتماعي. و تمحورت فلسفته ككل على مسألتين، مسألة التخلف و الانحطاط، من حيث أسبابه و دوافعه و سبل القضاء عليها و الوقاية منها، و مسألة الحضارة من حيث شروطها وعواملها تكوينها و ازدهارها و عوامل انهيارها و أفوالها. والأسلوب الذي سلكه في طرح المشكلات و معالجتها و مناقشتها و ما تميز به، من مواصفات علمية و موضوعية و منطقية جعل محاولته موجهة للجميع، و ليست للخاصة مثلما هو حال محاولة إعادة تركيب الفكر الديني في الإسلام لمحمد إقبال. و عرف فكر مالك بن نبي إقبالا كبيرا من قبل القراء و المثقفين، سواء في حياة “مالك" و من خلال محاضراته في الجزائر و خارج الجزائر، خلال الاستعمار وبعد الاستقلال، أو من خلال الندوات التي كان يعقدها في بيته، في الجزائر العاصمة، كما نال فكره إعجاب العديد من تلاميذه و أصدقائه المقربين إليه الذين دافعوا عنه و ذكروه و ذكروا قوته في أكثر من مناسبة وفي أكثر من كتاب. و عليه، فإذا كان محمد إقبال، قد كتب للخاصة من أصحاب الفكر الوضعي، المادي الإلحادي، و جاءت فلسفته تتميز بعمق التأمل الفلسفي، و رحابة التفكير الميتافيزيقي، فإن الإصلاح و التجديد في فلسفة مالك بن نبي استهدف القضاء على الجهل و الجوع و المرض و الاستعمار والقابلية للاستعمار، و غيرها من ظواهر التخلف، التي يعاني منها العالم الإسلامي المعاصر، و يستهدف وضع نظرية في الحضارة والتاريخ تضع حدّا للتخلف ،وتفتح الآفاق و المجال واسعا لبناء الحضارة و ازدهارها و استمرارها، و إن كان يلتقي في فكره هذا، مع فلسفة إقبال في أصولها و مقاصدها.
ومما يتميز به فكر محمد إقبال الإصلاحي، و بالنسبة لروافده أنّه استمد الكثير من المفاهيم و المناهج من الفكر الغربي و تأثر بفكر و أراء المستشرقين، و كان إقبال يناقش كبار الفلاسفة و ينقد أفكارهم، و ينسق، و يجمع بين هذه الأفكار حتى قال عنه الأستاذ ماجد فخري في كتابه “ تاريخ الفلسفة الإسلامية “:«فهو عوضا عن أن يستند إلى التاريخ في التعبير عن النظرة الإسلامية إلى الكون تعبيرا عصريا، جريا على سنة أمير على، يعمد إلى الاقتباس من التراث الفلسفي الغربي دون تحفظ، و لم يكن غرضه من ذلك التدليل على أصالة النظرة الغربية، بل كان بالأحرى اتفاقها مع الرؤيا القرآنية للكون".0 بينما تناول “مالك" ظاهرة التخلف وقضية الحضارة في إطار فلسفة التاريخ، و من خلال نقد فلسفة التاريخ عند القدماء، و لدى المحدثين، و إن كان قد اقتبس ، فليس من جميع الفلسفات بل من فلسفة التاريخ ومعتمدا على ما يخدم نظريته و رؤيته إلى الحضارة والإنسان والتاريخ.
ارتبط الإصلاح والتجديد في فلسفة إقبال، بالإسلام أولا، وبمناهج و نتائج الفكر الغربي الحديث، و الحضارة الغربية الحديثة ثانيا. أي بمحاولة فكرية و فلسفية، بكل ما تحمله النظرة الفلسفية من ميزات و مواصفات، و بكل ما يتطلبه النسق الفلسفي من انسجام، و تكامل في بنيته، و بين عناصر و محتويات هذه البنية. وجاء هذا البناء الفلسفي يتضمن بناء الفلسفة الدينية و الفكر الديني، بناء جديدا، يرفض الفكر الديني القائم في حياة المسلمين ولدى المفكرين المسلمين و زعماء الإصلاح، كما يرفض العديد من جوانب الفكر الديني التي ورثها و استقرت في مجاله، و في الوعي الإسلامي المعاصر، و يرفض جوانب كثيرة في الفكر الغربي، خاصة الفكر الوضعي الإلحادي الذي يرد الحياة إلى أسس و أصول مادية محضة، هذا الرفض جاء بعد عملية النقد، أو الهدم التي قام بها إقبال، ثم بنى فلسفة دينية و فكرا إصلاحيا تميّز كل منهما بالجديد في هيكله و محتوياته، كما تميز بكونه فكرا فريدا في نوعه من حيث عمق النقد و دقته، و سعة الفهم و الاستيعاب، و قوة في طرح المشكلات و معالجتها، و رحابة التأمل الفلسفي الميتافيزيقي، ومتانة اللغة، هذا من جهة، و من جهة أخرى، الدقة و العمق في حصر مشكلات الإنسان المسلم المعاصر الذي يعيش التخلف، و تحديد مشكلات الإنسان الأوربي المعاصر الذي يعيش الحضارة و الفراغ الروحي، كما تمكن من وضع يده على الكثير من الحلول لتلك المشكلات داعيا إلى بلوغ السمو الحضاري، الروحي و المادي معا.
و إذا كان إقبال قد توصل إلى تركيب جديد للفكر الديني في الإسلام، أو بناء جديد للفلسفة الدينية في الإسلام، و كانت غايته المراجعة و التقويم و المتابعة أولا ثم إعادة البناء ثانيا و كانت وراء هذا الفعل الفكري وضعية المسلم و الظروف المحيطة به في الداخل والخارج، و هي الوضعية و الظروف و الدوافع التي كانت وراء فلسفة مالك بن نبي التي تميزت بأنها ليست محاولة لبناء التفكير الديني على منوال محاولة إقبال، بل هي محاولة جاءت بالجديد حول ظاهرتي التخلف و التحضر، و على ضوء التاريخ، و واقع أوروبا صاحبة الحضارة الحديثة، واقع العالم الإسلامي المتخلف.و تعلق الأمر هنا بتحديد تميز هو الآخر بالموضوعية، والدقة والعمق والعلمية، والصرامة المنطقية، لمشكلات الإنسان عامة و الإنسان المسلم و الأوربي خاصة، و هي في أصلها مشكلات حضارة لا غير، و لحلول غاية في الموضوعية، و الدقة، و منسجمة مع ما تتطلبه حياة الفرد، وتقتضيه حاجات المجتمع، و ينسجم مع سنن الحياة التي يقرها الإسلام، و شكلت أفكار مالك بن نبي و منهجه و خطته في الإصلاح و التجديد نظرية فلسفية جديدة، قائمة بذاتها، تحدد بدقة و بموضوعية أسباب التخلف و سبل القضاء عليه، و شروط الحضارة و أسباب انهيارها، و في نظره كل الحضارات و المدنيات التي شهدها تاريخ الإنسانية لا تخرج عن خط نظريته، حيث يقول: “تستطيع أن نقرر أن المدنيات الإنسانية حلاقات متصلة تتشابه أطوارها مع أطوار المدينة الإسلامية و المسيحية، إذ نبدأ الحلقة الأولى بظهور فكرة دينية، ثم يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض عليها، بعد أن تفقد الروح ثم العقل".0
لقد اختلف إقبال في نظرته إلى الإصلاح و إلى الطبيعة التجديد، مع نظرة مالك بن نبي إلى ذلك، هذا الاختلاف يتبيّن من خلال الفرق و التباين بين محتويات كتاب محمد إقبال “ تجديد التفكير الديني في الإسلام “ ومحتويات مؤلف مالك بن نبي “شروط النهضة" سواء من حيث طرح المسائل و تناولها، أو من حيث طبيعة المنهج المتبع، و مواصفاته، أو من حيث طبيعة التجديد الذي أراده كلّ منهما. فالإصلاح دعا إليه إقبال و بمنهج فلسفي يقوم على أسس روحية، مثالية دينية ذاتية فردية، و له أهداف روحية محضة، تشارك في أعداده التجربة الواقعية و التجربة الصوفية الروحية، ففي الطابع الروحي للإصلاح و فرديته يرى إقبال أن الإنسانية “تحتاج اليوم إلى ثلاثة أمور: تأويل الكون تأويلا روحيا، وتحرير روح الفرد، و وضع مبادئ أساسية ذات أهمية عالمية توجه تطور المجتمع الإنساني على أساس روحي".0 و في دور الدين في بناء الإنسان و الحضارة يقول إقبال: “فلا أسلو ب التصوف في العصور الوسطى، و لا القومية، و لا الاشتراكية، بقادرة على أن تشفي علل الإنسانية، البائسة ... و الدين هو في أسمى مظاهره ليس عقيدة فحسب أو كهنوتا أو شعيرة من الشعائر. هو وحده القادر على إعداد الإنسان العصري إعدادا خلقيا يؤهله لتحمل يؤهله لتحمل التبعة العظمى التي لا بد أن يتمخض عنها التقدم العلمي الحديث، و أن يرد إليه تلك النزعة من الإيمان الذي تجعله قادرا على الفوز بشخصيته في الحياة الدنيا، والاحتفاظ بها في دار البقاء. إنّ السمو إلى مستوى جديد في فهم الإنسان لأصله ومستقبله من أين جاء، و إلى أين المصير، هو وحده الذي يكفل له آخر الأمر، الفوز على مجتمع يحركه تنافس وحشي، و على حضارة فقدت وحدتها الروحية بما انطوت عليه من صراع بين القيم الدينية و القيم السياسية، و الدين كما بيّنت من قبل من حيث هو سعي المرء سعيا مقصودا للوصول إلى الغاية النهائية للقيم، فيمكنه بذلك أن يعيد تفسير قوى شخصيته هو حقيقة لا يمكن إنكارها".0 وفي الطابع الفردي للحياة يقول إقبال “فالحياة كلها فردية، وليس للحياة الكلية وجود خارجي، حيثما تجلت الحياة تجلت في شخص، أو فرد أو شيء....و الخالق كذلك فرد ولكنه أوحد لا مثيل له".0 و سبيل التجديد هو تغيير الذات في الداخل ثم الانتقال إلى خارج الذات حيث الكون و حيث التسخير والتكيف. و التغيير والتجديد و البناء يكون بالعمل. “فإذا لم ينهض الإنسان إلى العمل، ولم يبعث ما في أعماق كيانه من غنى ... أصبحت روحه جامدة جمود الحجر و هوى إلى حضيض المادة الميتة".0 فالإصلاح و التجديد في فكر إقبال يلازم النقد و إعادة البناء، و يجري في الذات ثم الواقع، و يقوم على أسس فردية روحية دينية.و الطريق إليه التجربة العلمية، و مجالها الواقع، والتجربة الصوفية الدينية، و ميدانها الروح، و مبتغاه و مقصده هو مبتغى ومقصد الإسلام، و هو الوصول بالإنسان السمو الروحي والأخلاقي، وبلوغ الديمقراطية الروحية التي لم تصل إليها مثالية أوربا، التي فقدت معنى وجودها، لكونها أنتجت ذاتا ضالة، راحت تفتش عن مكان لها، بين ديمقراطيات خالية من التسامح و التعاون و التكامل و التراحم، وكان كل همها هو استغلال الإنسان للإنسان و صارت تلك المثالية أكبر عائق أمام الإنسان في سعيه نحو الرقية و السمو في الأخلاق و الحضارة.
أما الإصلاح الذي دعا إلية مالك بن نبي فله طابعه الخاص، وإن كان يلتقي مع المحاولة الإصلاحية عند إقبال في عدة نقاط. انطلق فكر مالك بن نبي من واقع العالم الإسلامي و من تخلفه ومشاكله اليومية، في الدين و الاجتماع و الثقافة و السياسة والأخلاق و غيرها، و هي مشكلات حضارة في الأصل و الجوهر. قام هذا الفكر بتحليل واقعه و تحليل واقع الأمم المتحضرة في عصره، و انتقدهما بطريقة علمية، كما حلل وانتقد الحياة الفكرية في العالم الإسلامي المتخلف، وفي أوربا الحضارة. وركز على استيعاب و نقد الفكر الإصلاحي الحديث و المعاصر في العالم الإسلامي، و فلسفة التاريخ في أوربا من خلال رؤية سبنجلر، ومنظور كيسرلنج، و نظرية توينبي، و فيكو وغيرهم. انبثقت عن هذه الدراسة النقدية التي قام بها مالك بن نبي نظريته في الحضارة، وفي التجديد الحضاري، هذه النظرية التي تؤكد على البعد الروحي الديني للحضارة، لكون الفكرة الدينية تؤلف بين عناصرها، و توجد الانسجام بين شروطها و لوازمها، كما تضمن لها البقاء والاستمرار و الازدهار. و لا حضارة في غياب العدة الدائمة و تمثل عناصر الحضارة الثلاثة، الإنسان و التراب و الوقت، وهي ذات طبيعة اجتماعية تاريخية بالدرجة الأولى، وتوفر الفكرة الدينية و العدة الدائمة، يقتضي فعل التغيير الذي يجرى في داخل نفس الإنسان، وفي أعماق ذاته، ثم يجرى في المحيط الذي يعيش فيه، وهي سنة سنّها الله لتسير عليها الحياة، و يقررها القرآن في قوله تعالي: ?إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم?.0 و التغيير يسمح للإنسان بأن ينتج حضارته بنفسه، بعيدا عن الاستيراد والتبعية والمديونية الحضارية، فالحضارة الحقّة هي التي تلد منتجاتها، وليس العكس. لذا يجب التمييز بين البناء و التكديس، و الأخذ بالبناء لا التكديس، فمن السخرية و السخافة حسب مالك بن نبي عكس القاعدة التي تقول “الحضارة تلد منتجاتها" ويبقى التوجيه شرطا ضروريا لكل صحوة أو نهضة حضارية، توجيه الإنسان، وتوجيه الأفكار وتوجيه الأشياء. هذه الحضارة عبارة عن تغير يجرى على الإنسان في عالمه النفسي الداخلي، و في العالم الخارجي، أساسه روحي، يظهر في الحياة بجميع مجالاتها. و يتجلى في النهاية في صورة تقدم وازدهار روحي، وتقدم و ازدهار مادي، و متى حصل التوازن والانسجام والتكامل بين الجانب الروحي و الجانب المادي، وازدهر كل منهما، بلغ الإنسان قمة التحضر التي هي غاية التاريخ و المجتمع و مبتغى الإنسان.
يتضح مما سبق أن محاولة إقبال الإصلاحية، هي عبارة عن مشروع فلسفي فكري، لبناء الفلسفة الدينية بناء جديدا. ارتبط هذا المشروع بمشروع رؤية فلسفية شاملة، و منظور فكري شامل، جامع لجوانب حياة الإنسان، قامت فيه إستراتيجية الإصلاح والتجديد على النقد و ما يلزمه و على إعادة البناء و ما تتطلبه عملية البناء، هذا من الناحية المنهجية، أما من الناحية العلمية، فقامت على التغيير التسخير، وعلى الفردية ة الذاتية الخالصة والمنهج العلمي و الأسلوب الصوفي معًا، و على أسس روحية و مبادئ وقيم سامية مقررة في مصادر الإسلام الأصلية تمثل مقاصده ومبتغياته. و يتضح لنا أن فكرة الإصلاح و التجديد لدى مالك بن نبي ارتبطت هي الأخرى بمشروع رؤية فلسفية إلى التاريخ و إلى الحضارة و إلى الإنسان،و لم يكن ذلك النقد الفلسفي أو التأمل الميتافيزيقي واردا في منهج مالك بن نبي ،فمشروع رؤيته الفلسفية إلى التاريخ، و مشروع خطته في الإصلاح، و مشروع نظرية الحضارة و التجديد الحضاري عنده، كل هذا قام على أسس فكرية ارتبطت بالفكر الإسلامي و الفكر الغربي، و على أسس روحية دينية ارتبطت بالإسلام وبقيمه ومثله العليا في الدين والدنيا، وعلى أسس علمية و منطقية،و على معايير واقعية، فردية و اجتماعية، هذه الأسس تنسجم مع ما تتطلبه الطبيعة البشرية في الحياة والوجود.
إنّ الفكر الإصلاحي عند محمد إقبال، أو عند مالك بن نبي، أو عند غيرهما من المصلحين في الفكر الديني الإسلامي، و في المجال الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي، هو من نوع واحد، فالنقاط و الروابط التي تجمع هذه الأصناف أكثر بكثير من النقاط التي تفرق بينها. فهي أشكال من التفكير، تعددت و تنوعت حسب تعدد أصحابها، و تنوعت حسب البيئات التي ظهرت فيها، و حسب كافة الظروف المحيطة بها. إذ لا ينفصل البتة الفكر الإصلاحي عن الواقع الذي ينمو فيه، إلى أن يكبر و يتبلور، فيأخذ مكانه في الحركة الإصلاحية القائمة. هذا ما يقال عن الحركة الإصلاحية الحديثة و المعاصرة في العالم الإسلامي، و عن فلسفة محمد إقبال ونظرية مالك بن نبي في الحضارة، باعتبار هذان النمطان من الفكر الإصلاحي جزء من الحركة الإصلاحية الإسلامية في العصر الحديث.
ارتبطت فكرة الإصلاح و التجديد عند إقبال ومالك بتاريخ المسلمين و واقعهم في العصر الحديث، حيث شهد المسلمون قديما حضارة راقية في جميع مجالات الحياة، ففي مجال الفكر سجل لها التاريخ ازدهارا كبيرا لا نظير له في الفلسفة و العلوم و الفنون والآداب، فهي استوعبت علوم و فلسفات القدماء و زادت عليها، كما سجل لها قوة كبيرة في التنظيم السياسي و الاجتماعي والعسكري، و قوة أكبر في الحياة الاقتصادية، ناهيك عن التطور الروحي و السمو الأخلاقي، الذي يتحلى في تمسك المسلمين بتعاليم و قيم ومبادئ و أخلاق دينهم. أما واقع المسلمين في العصر الحديث فهو نموذج في الضعف و التخلف والانحطاط في جميع المجالات، ففي الحياة الثقافية و الفكرية بقي المسلمون على فكر وثقافة عهدهم القديم، فلم يعرفوا الإبداع و التجديد في ذلك. أما الحياة الاجتماعية فميزاتها التشتت و التمزق في شبكة العلاقات الاجتماعية، ناهيك عن الفقر و الجهل و الأمراض و انحلال الأخلاق و تفسخها، فعلاً إنتاج و لا وسائل إنتاج في الحياة الاقتصادية تسمح ببناء اقتصاد يفي بالحاجات الضرورية، و ببنائه على معايير علمية تضمن النماء و الازدهار داخل المجتمع، الأمر الذي سهل المهمة على دعاة و منفذي الاستعمار للاستيلاء على كافة الأقطار الإسلامية، واستغلال شعوبها و نهب ثرواتها، و السعي الحثيث لطمس قيم وعناصر هويتها من لغة و دين و قيم أخرى. كل هذا كان يجري في وقت كانت فيه أوروبا الغرب تشهد نهضة حضارية، علمية و تكنولوجية، و تعرف فكرا جديدا في الأخلاق والسياسة و الاجتماع، وفلسفة طبعها العصر بطابعه. وتسربت مظاهر الحضارة الغربية و انتشرت منتجاتها البرّاقة و المغرية، وتسرب الفكر الغربي ذا الطابع الوضعي التجريبي، والمادي الإلحادي إلى حياة المسلمين من خلال الغزو و الاستعمار، بواسطة الغزاة وأبناء المجتمع الإسلامي أنفسهم، فزاد ذلك في توتر الوضع العام واختلاله في حياة الإسلام و المسلمين. هذا حال الواقع في المجتمع الإسلامي، و في العالم في العصر الحديث، هذا الواقع الذي انطلق منه المصلحون المسلمون في هذا العصر، و كانت حركة إقبال الفكرية، كما كانت محاولة مالك بن نبي الإصلاحية تستهدف بحث و دراسة هذا الواقع، و حصر مشاكله و همومه، و تعيين سبل و وسائل إزالة محنته، و توجيهه نحو النهضة و التقدم والحضارة.
كانت المصادر و الروافد التي نهل منها إقبال في التأسيس لفلسفته و تكوينها، و نهل منها مالك بن نبي في بناء فكره، و نظرية الحضارة و التجديد الحضاري عنده، واحدة، مع قليل من التباين بين أوضاع المسلمين في الهند وهي غير دينية بل اجتماعية وفكرية وبين أوضاعهم خارج بلاد الهند و في شمال إفريقيا، حيث ولد وعاش مالك بن نبي. تمثلت مصادر الفكر الإصلاحي عند إقبال ومالك في الديانة الإسلامية في مصادرها الأصلية، القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والاجتهاد، وفي الفكر الإسلامي القديم والحديث، وفي الفكر الغربي والحضارة الأوروبية، وما تميزت به هذه الحضارة من تطور علمي و تكنولوجي، وتطور الاتجاه التجريبي المادي مع ذلك. و كانت هذه المصادر مرتبطة أساسا بواقعين متباينين، واقع أوربي غربي متطور و متحضر و مزدهر، و واقع إسلامي متخلف و متدهور و سيئ. و جاء فكر إقبال و مالك ليقتبس من المصادر المذكور، و يبدع و يجدد، للنهوض بالعالم الإسلامي من حالة التخلف، و دفعه نحو التقدم و التحضر، على الأقل لبلوغ الركب الحضاري في عصره، و إلاّ ازداد تخلفا، وازدادت الأمم المتحضرة تحضرا و ازدهارا. فكانت تلك هي أهداف فلسفة إقبال و فكر مالك و أمال كل منهما، حيث قاما بدراسة الواقع الإسلامي و أوضاع الحضارة الغربية و الفكر الغربي، وانطلقا من الإسلام و قيّمه و مبادئه، وضعا منهج الإصلاح و سبل التجديد في الحياة الثقافية الفكرية و الروحية، و في الحياة الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية. لغرض الوصول إلى نهضة حقيقية تنقذ العالم الإسلامي من الضياع، وتضعه في سكة الأمم المتقدمة، بما يتزود به من قيم و أفكار ومعارف و آليات منهجية و عملية مضبوطة و محددة في محاولة إقبال الفكرية الفلسفية، و في نظرية مالك في الحضارة و التجديد الحضاري، و هما معاً تنتميان إلى نفس الفضاء النظري، هو فضاء الفكر الإصلاحي في العالم الإسلامي الحديث و المعاصر.
على الرغم من التماثل الكبير بين محاولة إقبال و فكر مالك، واجتماعهما في الأصول و الأهداف، و انتمائهما إلى فضاء فكر واحد، هو فضاء الفكر الإصلاحي في جانبه النظري، فهما مختلفان في أكثر من نقطة، لكن هذا الاختلاف ليس في الجوهر، و لا يصل إلى مستوى التعارض و إلى درجة التناقض، فهو تباين في طبيعة المنهج الذي أفرز المحاولتين، و اختلاف في الرؤية إلى المشاكل والحلول، و إلى طبيعة الإصلاح و التجديد و منهجه. بالنسبة للأسلوب الذي اتبعه إقبال في دراسته و بحثه لواقع المسلم المعاصر وواقع الأوربي المعاصر ، أو للفكر الإسلامي القديم و الحديث وللفكر الإنساني عامة أو للفكر الغربي الحديث و الحضارة الأوربية، والذي تضمّنه كتابه: “ تجديد التفكير الديني في الإسلام “ تميّز بعمق الفكر الفلسفي في الطرح و التناول و النقد، كما تميز بسعة ورحابه التأمل الميتافيزيقي، و بالتنسيق الكبير بين أنماط التفكير قديما و حديثا، و تميز بالاقتباس من الفكر الغربي، وجاءت فلسفته على نمط الأقدمين في موضوعاتها و عمقها نسقيتها، وإن ارتبطت بإعادة بناء فلسفة الفكر الديني الإسلامي. أما الأسلوب الذي اتّبعه مالك ونجده في كتاباته و مؤلفاته، تميّز بطابعه العلمي الواقعي الاجتماعي حيث قام على تحليل القضايا الفكرية و الظواهر الاجتماعية ونقدها، اعتمادا على معايير دينيه وعلميه و تاريخيه و عملية، هذه لم تكن في مستوى فلسفة إقبال، من حيث العمق الفلسفي و التأمل الميتافيزيقي بل ارتبطت بصفة مباشرة بواقع المسلمين المتخلف و بواقع الغرب المتحضر و بسبل وسائل و أدوات مباشرة تقضي على التخلف سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع، في الجانب الروحي و الفكري أو في جانب الاجتماعي و الاقتصادي، و الطابع الذي تميزت به دراسة مالك بن نبي التحليلية النقدية لواقع المسلمين و لحياتهم أو للفكر الإنساني القديم و الحديث عامة و الفكر الإسلامي بصفة خاصة، تميزت به منهج و أسلوب إصلاح و التجديد في نظره، فكانت الواقعية، و العلمية و البرغمانية في إطار القيم الخلقية الفضلى ومبادئ الإسلام السمحة هي ما تميز به هذا المنهج و هذا الأسلوب، و هو الطابع الذي تميزت به نظرة مالك إلى مشاكل وهموم و قضايا العالم الإسلامي، و إلى طبيعة الحلول في نظرية الحضارة، و هي نظرية عامة، أو في معالجته لقضايا جزئية كقضية المفهومية أو الأفكار في الجزائر، و إن كانت هذه القضايا مرتبطة بفكره الإصلاحي و نظريته في التجديد الحضاري بشكل عام.
أما طبيعة منهج الإصلاح و أسلوبه في فلسفة إقبال ارتبط بمحاولته نقد و إعادة بناء لفكر الديني في الإسلام، فالإصلاح عنده مرتبط أساسا بتغيير الذات، من خلال تغيير التصورات و الفهوم، والمطالب و الرغبات و المشاعر و غيرها. فتتحدد المبادئ والمنطلقات، و تتحدد المناهج و السبل، و تتحدد الأهداف والغايات القريبة و البعيدة كل هذا يجرى ضمن رؤية فلسفية شاملة وإستراتيجية عامة أساسها روحي و مسارها روحي و غاياتها روحية، تتمثل في بلوغ السمو الروحي المطلوب، و الديمقراطية الروحية، التي هي مقصد الإسلام و مبتغاه. ونظرة إقبال إلى مشاكل الإنسان المعاصر عامة و الإنسان المسلم خاصة، و طرحه لهذه المشاكل و معالجته لها كل هذا كان بطريقة فلسفية، تقوم على النقد العميق و التحليل الواسع و التأمل الميتافيزيقي، و ما زاده في عمق الأفكار و سعة التحليل و قوة النقد، هو اطلاعه الواسع على الثقافات القديمة، و على الإسلام و على الفكر الحديث و المعاصر. لذا نجده يدرس و يحلل و يناقش أفكار غيره، ثم يستنتج و يعرض مواقفه اتجاه هذه الأفكار، و الحلول للمشكلات، فجاء أسلوبه فلسفيا متميزا عن أساليب و مناهج غيره، في عصر يؤمن أصحابه بفكر ذي طابع تجريبي مادي يعترض على أسلوب القدماء في التفلسف.
إذا كانت هناك جملة من النقاط تجمع فلسفة إقبال بفلسفة مالك بن نبي، و تربط بين النظرتين في الإصلاح و التجديد، توجد كذلك جملة من النقاط التي تفصل بين الفلسفتين و تميز بين النظرتين، فلا نقاط الالتقاء تجعل منهما أمرا واحدا، و لا نقاط الاختلاف تفصل بينهما تماما، هذا من جهة، و من جهة أخرى نجد المحاولتين من أصول واحدة، وانتماء ديني و تاريخي واحد، و من طبيعة واحدة، و لأجل أهداف و غايات واحدة. فهما معا يمثلان فكرا فلسفيا، كانت الساحة الفكرية و الثقافية و الاجتماعية في أمس الحاجة إليه، و كل من الفلسفتين تمثل نظرية ذات أصول وأبعاد فلسفية، علمية، فكرية، و دينية، جاءت كمحاولة جدّية وجديدة لها أسبابها و ظروفها لتغيير الفكر و الواقع في حياة الإنسان الفردية و الاجتماعية في العالم الاجتماعي المعاصر، و هي محاولة لم يعتبرها صاحبها خاصة بالعالم الإسلامي أو بالعالم المتخلف، فهي لا تقتصر على زمن معين أو وطن بعينه أو شعب بمفرده بل هي نظرية عامة موجهة للإنسانية جمعاء، هذا بالنسبة لإستراتيجية النقد وإعادة البناء في فلسفة إقبال، أو بالنسبة لنظرية الحضارة و التجديد الحضاري عند مالك بن نبي. و ذلك على الرغم من ارتباط كل منهما بالإسلام و بواقع المسلمين و بظروف الإنسان في العصر الحديث و بأوضاعه المختلفة. لكن الإسلام رسالة عالمية ذات مبادئ و تعاليم ثابتة، و ذات قيم ذاتية متطورة حسب تطور أحوال وظروف الإنسان عبر الزمن، و مشاكل و هموم الإنسان واحدة، وآفاقه و تطلعاته و أماله واحدة، مما يجعل النظرتين ذاتا طابع عام، لا تقتصران على فرد ما أو جماعة ما أو زمن ما. و كل واحدة منهما تمثل رؤية فلسفية إلى الإنسان و الحياة و التاريخ و الحضارة. و هي رؤية لم يعرفها الفكر الفلسفي و الإصلاحي في العالم الإسلامي المعاصر، إلاّ مع القليل من المفكرين أمثال إقبال و مالك.
إن الارتباط القوي و الصلة المتينة بين نظرية الإصلاح عند محمد إقبال و بين نظرية الإصلاح عند مالك بن نبي على الرغم من التباين بينهما في بعض النقاط و هي قليلة، يجعل القارئ لهما و الباحث فيهما يعتبر فلسفة إقبال المرجعية الفكرية، و الأرضية الفلسفية الميتافيزيقية، و الإطار النظري لفكرة الإصلاح و التجديد عند مالك بن نبي، التي هي بدورها تعتبر المحاولة الفكرية العملية و العلمية الواقعية لفكرة و فلسفة إقبال في الإصلاح و التجديد. و لقد ذكر فيلسوف الحضارة مالك بن نبي الفيلسوف الشاعر و المفكر المصلح محمد إقبال في كتابه “ شروط النهضة “، وأشاد بمحاولته الفكرية الإصلاحية الفذة، التي خرجت عن المألوف، لما لها من دقة و عمق قي النظر و قوة في التشخيص العطب، و سلامة و صدق في التصور وذاك ما كان مالك بن بني يسعى إليه.
يتبع


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.