تسخير 10 آلاف تاجر لضمان المداومة    السلطات تتحرّك للتصدي للجراد مسبقاً    المقدسيون يتحدّون الإغلاق ويتمسكون بالأقصى    المخزن يواصل استنزاف ثروات الصحراويين    هل تبخّر حلم المشاركة في المونديال؟    كريكو تتفقّد المحطة الكبرى لتحلية مياه البحر فوكة 2    الأطباق الرمضانية تتقلّص عبر موائد الإفطار    المقاومة المستمرة ضمان لدروب الحياة الآمنة    هكذا كان صحابة رسول الله يحتفون بليلة العمر    بحث تزويد النيجر بالأدوية واللقاحات    كمال رزيق يبرز حتمية إنشاء بطاقية رقمية للمنتجات الجزائرية    الجزائر" المحروسة" تحتفي بصغار الحفظة وبراعم التفسير    تمدد آجال الترشح لحدث ثقافي هام    على إطارات* ADS* رفع تحدي تجويد الخدمات العمومية    الحماية المدنية تشدد على احترام قانون المرور ومراقبة الألعاب    وفاة 40 شخصا وإصابة 1565 خلال أسبوع    الأول والثاني والثالث من شوال عطلة مدفوعة الأجر    انطلاق مشروع بجاية يلحق بقطار "غارا جبيلات" والفوسفات    نفطال مجندة 24 سا/ 24    اختتام مهرجان الأنشودة الدينية للشباب    "البيام" من 19 إلى 21 ماي والبكالوريا من 7 إلى 11 جوان    يستقبل سفير إسبانيا بالجزائر    منافس الجزائر يغيّر خططه    الجيش الوطني.. يقظة وجاهزية والتزام    المغرب يدخل مرحلة "الإفلاس المائي"    2300 رحلة إضافية بالمحطات البرية تحسبا لعيد الفطر    بعثة استعلامية تقف على واقع التربية والتعليم بتيزي وزو    المخزونات الاستراتيجية للمواد الأساسية تكفي لعدة أشهر    دعم مساهمة الخدمات السياحية في تعزيز الصادرات    الجزائر تؤكد مكانتها في سوق الطاقة الأوروبية    الجزائر فاعل محوري يستحيل تجاوزه في منطقة الساحل    المجلس الشعبي الوطني يطلق منصة رقمية جديدة    قائمة ب500 تسمية دوائية ضرورية    أولمبيك مرسيليا الفرنسي سيبيع عقد أمين غويري    حجز مواد غذائية فاسدة وإتلاف عصائر مجهولة المصدر    صدمة لدى الجمهور وشعور بالخيبة    "تسكيحت"عادة متجذرة لإيقاظ الصائمين للسحور    الملاحق في امتحان صعب وقمة في العاصمة    نادي باير ليفركوزن متمسك بخدمات إبراهيم مازة    الزاوية التيجانية ببوسمغون تستقبل العديد من المشايخ    عطّاف يتلقى مكالمة من نظيره الفرنسي    المنتخب الوطني يتعزّز بأسماء جديدة    الحرب.. وتيرة متصاعدة    استشهاد أربعة أشخاص على جنوب لبنان    السلطات المختصة توقف شقيقين مغربيين بفرنسا    تجاوب كبير للجمهور وتأثر بالحلقة الأخيرة للملحمة    الاحتلال الصهيوني يحول البلدة القديمة من القدس إلى ثكنة    دعوات لتفعيل الحل الدبلوماسي وخفض التصعيد    "أنغام الأندلس" تختم برنامج الشهر الفضيل    ما شعورك وأنت تودع رمضان الكرم؟    مكانة أبي بكر الصديق عالية بصريح التنزيل    بوعمامة : "الإعلام الجزائري أسرة واحدة موحدة في خدمة الوطن"    الحجّاج مدعوون لحجز رحلاتهم قبل 18 مارس    ضرورة تعزيز قنوات الحوار والتواصل مع مسيري المؤسسات الصحية    وزارة الصحة: الاستماع إلى الانشغالات المهنية لفئة النّفسانيين    تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان    رمضان.. أدركوه قبل أن يرحل    كأس الاتحاد الافريقي : شباب بلوزداد يراهن على العودة بنتيجة إيجابية من مصر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أحزاب وبرامج
نشر في الشعب يوم 10 - 04 - 2012

تستعد الأحزاب الجزائرية ومعها القوائم الحرة لدخول الحملة الانتخابية للتشريعيات والتي ستنطلق بعد أيام قليلة.
وكانت أسئلة كثيرة طرحت عما يمكن لهذه القوى الحزبية أن تضيفه للمشهد الانتخابي من زاوية نظر بدائل التنمية وأفكار النهضة، هل تتمتع تلك القوى بالمحتوى السياسي والاجتماعي الناضج ؟ ولماذا زاد عددها عن 40 تشكيلة حزبية في بلد متجانس تمام التجانس في بعده الديني والفكري واللغوي والمذهبي أي في كل أبعاده الأنثروبولوجية؟ ولماذا لا تتحالف القوى المذكورة حول مشروع اصلاحي واحد خارج المواعيد الانتخابية؟
السياسة التي يمارسها الجميع
قال رائد الفكر الوطني في الجزائر بعد الاستقلال الأستاذ عبدالحميد مهري رحمه الله بأن السياسة التي يمارسها الجميع ليست بسياسة، وإلى نفس المعنى ذهب المفكر الجزائري البارز مالك بن نبي وهو يفرق بين السياسة والبوليتيك في كتابه المهم »بين الرشاد والتيه«.
والرجلان كلاهما يتحدث من موقع التجربة التي عاشها وربما هي نفسها التجربة التي نعيشها الآن وفي الظروف نفسها، فالسياسة الحقيقية تخضع للأصول الفكرية، تخدم الصالح العام وتعكس قيما وأخلاقا محددة أي أنها ذات مدلول ثقافي وتتمتع بمحتوى اجتماعي، وغير ذلك توظيف للشعب في سبيل الوصول للمنصب وتنابز بالألقاب وصراع لا أخلاق تحكمه، ولهذا من غير المتاح أن يمارس السياسة الجميع، بينما يكون من السهل أن ينخرط الجميع في البوليتيك بالمفهوم الشعبي البسيط للكلمة.
وإذا أسقطنا هذه الفكرة على واقعنا اليوم لأمكن لنا من غير مراء أن نكتشف فراغا محسوسا في المحتوى الاجتماعي والاقتصادي لبرامج معظم الأحزاب النشطة على الساحة السياسية للبلاد فضلا عن المحتوى الثقافي الذي يصف بوضوح وبإقناع تميز الحزب في فضاء الأفكار الديمقراطية في العالم، وآية ذلك أن طبقة صامتة واسعة تشكلت في البناء الديمغرافي الجزائري منذ الاستقلال وأن الطبقة ذاتها مازالت تتوسع مع كل استحقاق انتخابي حتى وصلنا اليوم الى حالة من البرودة السياسية تقف عندها النخب المثقفة والجيل المتعلم موقف اللامبالاة.
نهاية العمل الحزبي
ما نلاحظه على برامج الطبقة الحزبية في الجزائر حالة من طغيان الأديولوجيا
في مجتمع لا يستجيب للصراع الأديولوجي، أو طغيان لغة الخطاب في مرحلة تتطلب برامج مدروسة وأفكارا قابلة للتجسيد، أو طغيان البوليتيك بمعنى معارضة المعارضة لأنها منافسة أو معارضة السلطة ليس لأنها طرف سياسي ناتج هن حراك ديمقراطي ولكن لأنها تحمل صفة الحاكم، ولهذا من السهل علينا تصنيف الطبقة الحزبية في الجزائر إلى اسلاميين، وطنيين وديمقراطيين. ومن الأسهل عندنا أن تتشكل الأحزاب وتعتمد وأن تمارس العملية السياسية بمجرد انعقاد مؤتمراتها التأسيسية، ولكن وفي نفس الوقت من السهل أن تتفتت الأحزاب ذاتها وتنشطر ليس لأنها نمت على سلم الأفكار بل لأن الأفق السياسي لديها يقف عند حدود المصالح.
وإذا شئنا مثالا لا نجد أفضل من تجربة الحزب العميد الذي قاد البلاد بعد الاستقلال كحزب جبهوي وحيد باعتباره حزب الدولة، حزب تمتع برؤية اقتصادية متكاملة في ظل منهجية التخطيط، ولظروف تاريخية نجحت الخطة الوطنية التي وضعها في تحقيق أهداف النمو المناسبة لتلك الفترة. ولكن نفس الحزب الذي ظل يختصر كل التفكير السياسي الرسمي للبلاد فقد محتواه الاقتصادي بعد التعددية الحزبية ودخولنا مرحلة الاقتصاد المبني على السوق العام 1993 وذلك بسبب بروز عناصر جديدة في المنظومة الاقتصادية الوطنية لم يستوعبها خطابه السابق ولا برنامجه المبني على امكانيات الدولة.
ويعني غياب المحتوى الاقتصادي أن برامج الأحزاب لا تقترح سياسات متينة وواضحة للموضوع الاقتصادي أي لتوازن الأسواق، ونفس الشيء بالنسبة للرؤية الاقتصادية التي من المفروض أن نجدها في مبادئ البرنامج، فليس مطلوبا أن تقدم لنا الأحزاب من خلال برامجها الآليات والخطط التفصيلية للموضوع الاقتصادي ولكن المطلوب هو تعريف رؤية الحزب وسياساته في توازن الأسواق .
لهذا لا تملك الأحزاب برامج
نقل حزب جزائري نشأ حديثا أي بعد استدعاء الهيئة الانتخابية للتشريعيات القادمة برنامج حزب من دولة عربية شقيقة ونسي أن يعدل فقراته بما يناسب الواقع الجزائري، وهكذا يمكننا تصور فلسلفة النشوء الحزبي عندنا منذ أن أطلقت التعددية الحزبية، قد يكون الأمر متعلقا بالديمقراطيات الناشئة وربما بطبيعة العمل السياسي ذاتها، فطبيعة نشوء الأحزاب عندنا طبيعة قانونية بحتة ولا علاقة لها بمحتوى البرامج، كما أن طبيعة الاطارات الحزبية هي طبيعة نضالية في صفوف الطبقة المتوسطة والأقل من المتوسطة أي من الطبقة التي لا تتمتع بالضرورة بالتكوين السياسي اللازم.
كما أن طبيعة النشوء الحزبي نفسها تحول دون انخراط النخبة المتكونة في مجالات الاجتماع والاقتصاد والنقد السياسي في الهيئات العليا للأحزاب تحت ضغط اللوائح والآليات التنظيمية التي تمنع بشكل أو بآخر تقدم النخبة في الأجهزة الحزبية مما أدى الى تهميش واسع للاطارات الوطنية التي بإمكانها تطوير سياسات اقتصادية فعالة لصالح برامج تلك الأحزاب.
وهناك منظومة التكوين لدى الأحزاب التي تركز على الأداء الانتخابي وفنيات الاعلام والخطاب الجماهيري وليس على التكوين الأساسي في مجال الاتصال والحلول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
بطبيعة الحال، فإن ضعف المدخلات يؤدي إلى ضعف المخرجات وهكذا نفسر أداء الأحزاب في الساحة السياسة وبالتالي أداء البرلمان الناتج عن تلك الأحزاب، والدليل على ذلك انعدام أية قيمة مضافة للبرلمان في السياسات الاقتصادية الوطنية وفي برنامج الحكومة بل بالعكس نجد تدخلات بعض النواب تصب في مصالح شخصية لقياداتها وللداعمين لها وخاصة ما تعلق باقتراحات الحكومة ذات العلاقة بالجباية أو الرسوم أو المزايا المالية أو تنظيم الأسواق أو كسر الاحتكار.
نعم، للسياسة أصول وللنشوء والتطور الحزبي قواعد، ومن أصول السياسة ألا يمارسها الجميع ومن قواعد النمو الحزبي أن تعارض الفكرة الفكرة لا أن يعارض الشخص الشخص أو أن تتحول الأحزاب الى حلبات صراع باتجاه شيء واحد اسمه مقعد في البرلمان ، وفي ذلك يكمن الفرق بين السياسة والبوليتيك على رأي فيلسوف الجزائر الكبير مالك بن نبي رحمه الله.
السياسة التي يمارسها الجميع
قال رائد الفكر الوطني في الجزائر بعد الاستقلال الأستاذ عبدالحميد مهري رحمه الله بأن السياسة التي يمارسها الجميع ليست بسياسة، وإلى نفس المعنى ذهب المفكر الجزائري البارز مالك بن نبي وهو يفرق بين السياسة والبوليتيك في كتابه المهم »بين الرشاد والتيه«.
والرجلان كلاهما يتحدث من موقع التجربة التي عاشها وربما هي نفسها التجربة التي نعيشها الآن وفي الظروف نفسها، فالسياسة الحقيقية تخضع للأصول الفكرية، تخدم الصالح العام وتعكس قيما وأخلاقا محددة أي أنها ذات مدلول ثقافي وتتمتع بمحتوى اجتماعي، وغير ذلك توظيف للشعب في سبيل الوصول للمنصب وتنابز بالألقاب وصراع لا أخلاق تحكمه، ولهذا من غير المتاح أن يمارس السياسة الجميع، بينما يكون من السهل أن ينخرط الجميع في البوليتيك بالمفهوم الشعبي البسيط للكلمة.
وإذا أسقطنا هذه الفكرة على واقعنا اليوم لأمكن لنا من غير مراء أن نكتشف فراغا محسوسا في المحتوى الاجتماعي والاقتصادي لبرامج معظم الأحزاب النشطة على الساحة السياسية للبلاد فضلا عن المحتوى الثقافي الذي يصف بوضوح وبإقناع تميز الحزب في فضاء الأفكار الديمقراطية في العالم، وآية ذلك أن طبقة صامتة واسعة تشكلت في البناء الديمغرافي الجزائري منذ الاستقلال وأن الطبقة ذاتها مازالت تتوسع مع كل استحقاق انتخابي حتى وصلنا اليوم الى حالة من البرودة السياسية تقف عندها النخب المثقفة والجيل المتعلم موقف اللامبالاة.
نهاية العمل الحزبي
ما نلاحظه على برامج الطبقة الحزبية في الجزائر حالة من طغيان الأديولوجيا
في مجتمع لا يستجيب للصراع الأديولوجي، أو طغيان لغة الخطاب في مرحلة تتطلب برامج مدروسة وأفكارا قابلة للتجسيد، أو طغيان البوليتيك بمعنى معارضة المعارضة لأنها منافسة أو معارضة السلطة ليس لأنها طرف سياسي ناتج هن حراك ديمقراطي ولكن لأنها تحمل صفة الحاكم، ولهذا من السهل علينا تصنيف الطبقة الحزبية في الجزائر إلى اسلاميين، وطنيين وديمقراطيين. ومن الأسهل عندنا أن تتشكل الأحزاب وتعتمد وأن تمارس العملية السياسية بمجرد انعقاد مؤتمراتها التأسيسية، ولكن وفي نفس الوقت من السهل أن تتفتت الأحزاب ذاتها وتنشطر ليس لأنها نمت على سلم الأفكار بل لأن الأفق السياسي لديها يقف عند حدود المصالح.
وإذا شئنا مثالا لا نجد أفضل من تجربة الحزب العميد الذي قاد البلاد بعد الاستقلال كحزب جبهوي وحيد باعتباره حزب الدولة، حزب تمتع برؤية اقتصادية متكاملة في ظل منهجية التخطيط، ولظروف تاريخية نجحت الخطة الوطنية التي وضعها في تحقيق أهداف النمو المناسبة لتلك الفترة. ولكن نفس الحزب الذي ظل يختصر كل التفكير السياسي الرسمي للبلاد فقد محتواه الاقتصادي بعد التعددية الحزبية ودخولنا مرحلة الاقتصاد المبني على السوق العام 1993 وذلك بسبب بروز عناصر جديدة في المنظومة الاقتصادية الوطنية لم يستوعبها خطابه السابق ولا برنامجه المبني على امكانيات الدولة.
ويعني غياب المحتوى الاقتصادي أن برامج الأحزاب لا تقترح سياسات متينة وواضحة للموضوع الاقتصادي أي لتوازن الأسواق، ونفس الشيء بالنسبة للرؤية الاقتصادية التي من المفروض أن نجدها في مبادئ البرنامج، فليس مطلوبا أن تقدم لنا الأحزاب من خلال برامجها الآليات والخطط التفصيلية للموضوع الاقتصادي ولكن المطلوب هو تعريف رؤية الحزب وسياساته في توازن الأسواق .
لهذا لا تملك الأحزاب برامج
نقل حزب جزائري نشأ حديثا أي بعد استدعاء الهيئة الانتخابية للتشريعيات القادمة برنامج حزب من دولة عربية شقيقة ونسي أن يعدل فقراته بما يناسب الواقع الجزائري، وهكذا يمكننا تصور فلسلفة النشوء الحزبي عندنا منذ أن أطلقت التعددية الحزبية، قد يكون الأمر متعلقا بالديمقراطيات الناشئة وربما بطبيعة العمل السياسي ذاتها، فطبيعة نشوء الأحزاب عندنا طبيعة قانونية بحتة ولا علاقة لها بمحتوى البرامج، كما أن طبيعة الاطارات الحزبية هي طبيعة نضالية في صفوف الطبقة المتوسطة والأقل من المتوسطة أي من الطبقة التي لا تتمتع بالضرورة بالتكوين السياسي اللازم.
كما أن طبيعة النشوء الحزبي نفسها تحول دون انخراط النخبة المتكونة في مجالات الاجتماع والاقتصاد والنقد السياسي في الهيئات العليا للأحزاب تحت ضغط اللوائح والآليات التنظيمية التي تمنع بشكل أو بآخر تقدم النخبة في الأجهزة الحزبية مما أدى الى تهميش واسع للاطارات الوطنية التي بإمكانها تطوير سياسات اقتصادية فعالة لصالح برامج تلك الأحزاب.
وهناك منظومة التكوين لدى الأحزاب التي تركز على الأداء الانتخابي وفنيات الاعلام والخطاب الجماهيري وليس على التكوين الأساسي في مجال الاتصال والحلول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
بطبيعة الحال، فإن ضعف المدخلات يؤدي إلى ضعف المخرجات وهكذا نفسر أداء الأحزاب في الساحة السياسة وبالتالي أداء البرلمان الناتج عن تلك الأحزاب، والدليل على ذلك انعدام أية قيمة مضافة للبرلمان في السياسات الاقتصادية الوطنية وفي برنامج الحكومة بل بالعكس نجد تدخلات بعض النواب تصب في مصالح شخصية لقياداتها وللداعمين لها وخاصة ما تعلق باقتراحات الحكومة ذات العلاقة بالجباية أو الرسوم أو المزايا المالية أو تنظيم الأسواق أو كسر الاحتكار.
نعم، للسياسة أصول وللنشوء والتطور الحزبي قواعد، ومن أصول السياسة ألا يمارسها الجميع ومن قواعد النمو الحزبي أن تعارض الفكرة الفكرة لا أن يعارض الشخص الشخص أو أن تتحول الأحزاب الى حلبات صراع باتجاه شيء واحد اسمه مقعد في البرلمان ، وفي ذلك يكمن الفرق بين السياسة والبوليتيك على رأي فيلسوف الجزائر الكبير مالك بن نبي رحمه الله.
السياسة التي يمارسها الجميع
قال رائد الفكر الوطني في الجزائر بعد الاستقلال الأستاذ عبدالحميد مهري رحمه الله بأن السياسة التي يمارسها الجميع ليست بسياسة، وإلى نفس المعنى ذهب المفكر الجزائري البارز مالك بن نبي وهو يفرق بين السياسة والبوليتيك في كتابه المهم »بين الرشاد والتيه«.
والرجلان كلاهما يتحدث من موقع التجربة التي عاشها وربما هي نفسها التجربة التي نعيشها الآن وفي الظروف نفسها، فالسياسة الحقيقية تخضع للأصول الفكرية، تخدم الصالح العام وتعكس قيما وأخلاقا محددة أي أنها ذات مدلول ثقافي وتتمتع بمحتوى اجتماعي، وغير ذلك توظيف للشعب في سبيل الوصول للمنصب وتنابز بالألقاب وصراع لا أخلاق تحكمه، ولهذا من غير المتاح أن يمارس السياسة الجميع، بينما يكون من السهل أن ينخرط الجميع في البوليتيك بالمفهوم الشعبي البسيط للكلمة.
وإذا أسقطنا هذه الفكرة على واقعنا اليوم لأمكن لنا من غير مراء أن نكتشف فراغا محسوسا في المحتوى الاجتماعي والاقتصادي لبرامج معظم الأحزاب النشطة على الساحة السياسية للبلاد فضلا عن المحتوى الثقافي الذي يصف بوضوح وبإقناع تميز الحزب في فضاء الأفكار الديمقراطية في العالم، وآية ذلك أن طبقة صامتة واسعة تشكلت في البناء الديمغرافي الجزائري منذ الاستقلال وأن الطبقة ذاتها مازالت تتوسع مع كل استحقاق انتخابي حتى وصلنا اليوم الى حالة من البرودة السياسية تقف عندها النخب المثقفة والجيل المتعلم موقف اللامبالاة.
نهاية العمل الحزبي
ما نلاحظه على برامج الطبقة الحزبية في الجزائر حالة من طغيان الأديولوجيا
في مجتمع لا يستجيب للصراع الأديولوجي، أو طغيان لغة الخطاب في مرحلة تتطلب برامج مدروسة وأفكارا قابلة للتجسيد، أو طغيان البوليتيك بمعنى معارضة المعارضة لأنها منافسة أو معارضة السلطة ليس لأنها طرف سياسي ناتج هن حراك ديمقراطي ولكن لأنها تحمل صفة الحاكم، ولهذا من السهل علينا تصنيف الطبقة الحزبية في الجزائر إلى اسلاميين، وطنيين وديمقراطيين. ومن الأسهل عندنا أن تتشكل الأحزاب وتعتمد وأن تمارس العملية السياسية بمجرد انعقاد مؤتمراتها التأسيسية، ولكن وفي نفس الوقت من السهل أن تتفتت الأحزاب ذاتها وتنشطر ليس لأنها نمت على سلم الأفكار بل لأن الأفق السياسي لديها يقف عند حدود المصالح.
وإذا شئنا مثالا لا نجد أفضل من تجربة الحزب العميد الذي قاد البلاد بعد الاستقلال كحزب جبهوي وحيد باعتباره حزب الدولة، حزب تمتع برؤية اقتصادية متكاملة في ظل منهجية التخطيط، ولظروف تاريخية نجحت الخطة الوطنية التي وضعها في تحقيق أهداف النمو المناسبة لتلك الفترة. ولكن نفس الحزب الذي ظل يختصر كل التفكير السياسي الرسمي للبلاد فقد محتواه الاقتصادي بعد التعددية الحزبية ودخولنا مرحلة الاقتصاد المبني على السوق العام 1993 وذلك بسبب بروز عناصر جديدة في المنظومة الاقتصادية الوطنية لم يستوعبها خطابه السابق ولا برنامجه المبني على امكانيات الدولة.
ويعني غياب المحتوى الاقتصادي أن برامج الأحزاب لا تقترح سياسات متينة وواضحة للموضوع الاقتصادي أي لتوازن الأسواق، ونفس الشيء بالنسبة للرؤية الاقتصادية التي من المفروض أن نجدها في مبادئ البرنامج، فليس مطلوبا أن تقدم لنا الأحزاب من خلال برامجها الآليات والخطط التفصيلية للموضوع الاقتصادي ولكن المطلوب هو تعريف رؤية الحزب وسياساته في توازن الأسواق .
لهذا لا تملك الأحزاب برامج
نقل حزب جزائري نشأ حديثا أي بعد استدعاء الهيئة الانتخابية للتشريعيات القادمة برنامج حزب من دولة عربية شقيقة ونسي أن يعدل فقراته بما يناسب الواقع الجزائري، وهكذا يمكننا تصور فلسلفة النشوء الحزبي عندنا منذ أن أطلقت التعددية الحزبية، قد يكون الأمر متعلقا بالديمقراطيات الناشئة وربما بطبيعة العمل السياسي ذاتها، فطبيعة نشوء الأحزاب عندنا طبيعة قانونية بحتة ولا علاقة لها بمحتوى البرامج، كما أن طبيعة الاطارات الحزبية هي طبيعة نضالية في صفوف الطبقة المتوسطة والأقل من المتوسطة أي من الطبقة التي لا تتمتع بالضرورة بالتكوين السياسي اللازم.
كما أن طبيعة النشوء الحزبي نفسها تحول دون انخراط النخبة المتكونة في مجالات الاجتماع والاقتصاد والنقد السياسي في الهيئات العليا للأحزاب تحت ضغط اللوائح والآليات التنظيمية التي تمنع بشكل أو بآخر تقدم النخبة في الأجهزة الحزبية مما أدى الى تهميش واسع للاطارات الوطنية التي بإمكانها تطوير سياسات اقتصادية فعالة لصالح برامج تلك الأحزاب.
وهناك منظومة التكوين لدى الأحزاب التي تركز على الأداء الانتخابي وفنيات الاعلام والخطاب الجماهيري وليس على التكوين الأساسي في مجال الاتصال والحلول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
بطبيعة الحال، فإن ضعف المدخلات يؤدي إلى ضعف المخرجات وهكذا نفسر أداء الأحزاب في الساحة السياسة وبالتالي أداء البرلمان الناتج عن تلك الأحزاب، والدليل على ذلك انعدام أية قيمة مضافة للبرلمان في السياسات الاقتصادية الوطنية وفي برنامج الحكومة بل بالعكس نجد تدخلات بعض النواب تصب في مصالح شخصية لقياداتها وللداعمين لها وخاصة ما تعلق باقتراحات الحكومة ذات العلاقة بالجباية أو الرسوم أو المزايا المالية أو تنظيم الأسواق أو كسر الاحتكار.
نعم، للسياسة أصول وللنشوء والتطور الحزبي قواعد، ومن أصول السياسة ألا يمارسها الجميع ومن قواعد النمو الحزبي أن تعارض الفكرة الفكرة لا أن يعارض الشخص الشخص أو أن تتحول الأحزاب الى حلبات صراع باتجاه شيء واحد اسمه مقعد في البرلمان ، وفي ذلك يكمن الفرق بين السياسة والبوليتيك على رأي فيلسوف الجزائر الكبير مالك بن نبي رحمه الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.