الرئيس تبّون يناقش التطوّرات مع قادة عرب    حيداوي يمنح درع المؤسسة الشبانية النموذجية    بداري وبو الزرد يُشرفان على منح أول اعتماد    إنتاج الجزائر النفطي سيصل إلى 977 ألف برميل يومياً    حرب الشرق الأوسط تشتّد..    خسوف كلّي للقمر    المنتخب العسكري يتألق عالمياً    صايفي مدربا للمنتخب الأولمبي    سعيود يشرف على الاحتفالات الرسمية    مشاريع المياه بتندوف تجسد إرادة السلطات    هذه الأعذار المبيحة للفطر..    سلطة الضبط توجّه إعذاراً لقناة الشروق    اللجنة الإفريقية للطاقة تُثمّن دور الجزائر    الدكتور طيبي يبرز دور الزوايا في الجزائر    من سيلعب في مجموعة مصر إذا انسحبت إيران؟    سعداوي يشارك في جلسة وزارية إفريقية..الجزائر تولي أهمية كبيرة للتغذية المدرسية    عندما يتكرر سيناريو الاغتيال!..؟    سعيود يؤكد على عصرنة الجهاز وتعزيز الجاهزية لمواجهة المخاطر    المديرية العامة للضرائب تطلق عملية اقتناء قسيمة السيارات    إيران تغلق مضيق هرمز    السلطات المحلية تطلق حملة وطنية لتحسين المحيط الحضري    إن قزام : وفاة شخصين واحتراق مركبة في حادث مرور    الوزير الأول, سيفي غريب، يترأس اجتماعا وزاريا مشتركا    'ضرورة المساهمة الفاعلة في البناء ضمن المجهود الوطني"    "ترقية للعمل النضالي الذي خطى خطوات كبيرة منذ المؤتمر السابع"    يأتي تحت شعار هذه السنة وقائي محض ويحمل عدة دلالات    دربال و واضح يتباحثان سبل إدماج المؤسسات الناشئة في مشاريع الري    كانت ترمي إلى استسلام إيران، وتفكيك برنامجها النووي    2000 فيلم في مهرجان عنابة    مسجد كتشاوة.. القلعة النابضة    القضاء على إرهابيين اثنين بالقطاع العسكري عين الدفلى    خلية أزمة لمتابعة أوضاع الجالية الجزائرية    تهافت على العيادات لحجز مواعيد ختان الأطفال    "الزلابية".. تراث والمذاق وألوان    أصالة وحفاظ على الموروث    إجراءات جديدة لمعالجة وضعية البنايات غير المعنية بقانون المطابقة    إخضاع نحو 8 آلاف شركة لتحقيقات أمنية    تنديد روسي صيني باغتيال خامنئي    سفارة الجزائر بقطر تعلق الخدمات القنصلية    بلغالي يتحدى منتخب الأرجنتين في كأس العالم 2026    مدرب ليفركوزن يطمئن بخصوص إبراهيم مازة    مارسيل خليفة يبدع بأغانيه الملتزمة    مسابقات وأنشطة بيداغوجية ودروس وعظ    عروض من أصول الذاكرة    إيفان توني يصف رياض محرز باللاعب الكبير    باحث يؤكد بوهران: الزوايا ركيزة أساسية في خدمة المرجعية الدينية بالجزائر    "حمس" تدعو من سطيف إلى وحدة الصف وتعزيز التضامن    .. إنها أيام معدودات    الدعاء المأثور في سجود التلاوة    يوم رمضاني    نسوة يتسابقن على ختم القرآن الكريم    حاج موسى يتوج بجائزة لاعب الشهر في فينورد    معسكر سري يعيد حيماد عبدلي إلى الأضواء في مارسيليا    اجتماع اللجنة الدائمة المشتركة متعددة القطاعات    اجتماع لمتابعة رزنامة الترتيبات    الجزائر تقترب من تحقيق السيادة الدوائية    فتح الرحلات الجوية لموسم حج 1447ه/2026م عبر البوابة الجزائرية للحج وتطبيق "ركب الحجيج"    انطلاق أشغال اللجنة المكلّفة بدراسة الترشحات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حاجتُنا إلى “فقه السُّنن”.
نشر في الشروق اليومي يوم 26 - 12 - 2018

من الواجبات الحضارية التي كُلّفنا بها: التبصّرُ بأحوال الأمم السّابقة، واستشرافُ غيبِ الماضي، والغوصُ في عمق التجربة البشرية، وقد جسّدت السّنن الإلهية، التي تحكم حركة الكون والإنسان والحياة.
إذ يُعتبر السّير العلمي في الأرض، ورصْد التجربة التاريخية: المصدر الأساسي والمختبر الحقيقي للفقه بهذه السّنن، ومعيارية القياس في صوابية الفعل والكسْب الإنساني، كما قال تعالى: "قد خَلَت من قبلكم سُنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبةُ الذين من قبل.."(الروم:42)، فلم يكن العقل العربي زمن نزول الوحي يتّسع تصوّرُه، ولا يمتلك تلك النظرة السُّننية الشاملة ليربط بين السّلوك الإنساني وبين السُّنن الثابتة، حتى لا يقع له ذلك الالتباس بين ثبات هذه السُّنن وحاكميتها وبين طلاقة القدرة الإلهية. وهو ما يوجب التبصّر بهذه السّنن، لأنّ التعبير القرآني المكثّف عنها يفرض علينا العلم بها والغوص فيها والانسجام معها والاهتداء إليها، وهي السّنن الثابتة المطّردة والممتدة في الكون، والحاكمة لحركة الحياة والأحياء، كما قال تعالى: "فهل ينظرون إلاّ سُنّة الأوّلين، فلن تجد لسُنّة الله تحويلاً، ولن تجد لسُنّة الله تبديلاً". (فاطر:43)، وهي بحاجةٍ إلى قراءةٍ معرفية، ومنهجية مفاهيمية واضحة، في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ومنه: علم السُّنن، لأنّ العبرة بالتأمّل في التاريخ – وقد احتل مساحةً تعبيريةً واسعةً في القرآن الكريم – هي المعرفة بهذه السُّنن المجرّدة عن المكان والزّمان، والمصاحبة للإنسان في مسيرته الوجودية، مصداقًا لقوله تعالى: "لقد كان في قصصهم عِبْرةٌ لأولي الألباب". (يوسف:111).
وهذا التوزيع اللغوي القرآني المتنوّع عن "السُّنن الإلهية" مِن الصياغات الدلالية العميقة في بناء المنظومة المعرفية لهذا العلم، بخصوصيةٍ معرفيةٍ ومنهجيةٍ متميّزة، وهو ما يعطي الطابع الدستوري القانوني والموضوعي له، بما يعيد تشكيل العقل العلمي السُّنني، وينقله من الطبيعة البدائية الاختزالية إلى الرؤية الكونية الكلّية والشاملة، وهي طفرةٌ علميةٌ خارقة في زمن البداوة لدى العرب أثناء نزول الوحي، وقد ارتقى هذا العلم بأنْ تلبّس بالمضامين العَقَدية المركّزة، عندما نُسِبت هذه السُّنن إلى الله تعالى، وما تحمله من الدلالات العميقة على مصدريتها وحجّيتها، مثل قوله تعالى: "سُنّة الله في الذين خلوا من قبل.." (الأحزاب:62).
ونحن بحاجةٍ إلى إحياءِ "فقه السّنن الإلهية"، و"فلسفة فعل الله في الوجود"، حتى نعود إلى دائرة "الفعل الإرادي" و"الشهود الحضاري"، والخروج من حالة الكمون أو الرّكود الذي تعاني منه الأمّة في هذا السّياق التاريخي البائس، رغم عمق الخطاب السُّنَني القرآني المكثّف: تفصيلاً وتأصيلاً، ورغم الحضور الإلهي المهيمن في الكون: شُهودًا وفاعليةً وتأثيرًا.
وبالرّغم من هذا الرّصيد المعرفي الثري لعلم السُّنن في القرآن الكريم إلاّ أنّه طغى ضعفٌ في "الحسّ السُّنني"، وهيْمَن تقصيرٌ بشريٌّ مفضوحٌ في التعاطي مع هذا الفقه: اكتشافًا وفهمًا وتوظيفًا، أدّى إلى "أزمةٍ معرفية" و"خللٍ منهجيٍّ" في الإصلاح والتغيير: تصوّرًا في الفهم وتسديدًا في الممارسةً، وهو ما يتطلّب "فقْهًا استدراكيًّا واعيًّا"، يجمع بين العقل الفقهي المجرّد والعقل المقاصديّ المجرّب، والانتقال من "العلم بالسّنن" إلى "العمل بها"، ولا نكون ممّن ذمّهم القرآن الكريم، إذ كلّما عَرَض عليهم سُنّةً أعْرَضُوا عنها، ومرّوا عليها كأنْ لم يتفكّروا في تمظهرها السُّنني، كما قال تعالى: "وكأين من آيةٍ في السّماوات والأرض يمرّون عليها، وهم عنها معرضون." (يوسف:105)، وذلك لعدم الاعتبار بالعقل، المستنِد إلى العالم الحِسّي المشاهد لمعرفة مدى فاعلية هذه السُّنن.
وإذا كان المنهج القياسي قد طغى على الفكر والتراث الإسلامي في مجال التشريع واستنباط الأحكام الفقهية الجزئية من أدلّتها التفصيلية، بإعمال العقل في مساحة النصّ في الآيات المسطورة، فإنّ التحفيز القرآني للعقل المسلم يدفعه – كذلك – إلى اعتماد المنهج الاستقرائي في اكتشاف السُنَن الإلهية، والتوصّل إلى الحقيقة العلمية، عبر إعمال العقل في مساحة الكون في الآيات المنظورة، كما قال تعالى: "سنُريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنّه الحقّ"(فصلت:53)، للوصول إلى "فقه الحياة" و"فقه الحضارة"، كما وصلنا إلى "فقه الأحكام".
وهو نوعٌ من الإبداع العقلي والإنتاج الفكري الذي يعين على معرفة السُنن الثابتة، ويبصّرنا بقوانين السّقوط والنّهوض، ونواميس الهزيمة والنّصر، ومقاييس القوّة والضّعف. وهو ما يتطلّب الارتقاء به من مجرد المعرفة بعلم السُّنن وفلسفته وتاريخه والحديث عن أهميته، إلى نشر "الثقافة السُّننية" وبثِّ "الوعي السُّنني" و"التخصّص" في علم السُّنن، وتحوّله إلى مجرَى ثقافي تلقائي في مختلف المراحل المعرفية لأفراد الأمّة ومؤسساتها وهيئاتها، ونقل العقل المسلم المعاصر من مجرد "القياس" على الماضي إلى "استقراء" الحاضر و"استشراف" المستقبل، لإعادة بناء وتشكيل الهندسة العقلية السُّنَنية من جديد.فلا مجال للصّدفة في الحركة التي تحكم الحياة والأحياء، ولا في النّواميس التي تضبط الكون المادّي، ولا في القوانين التي تؤطّر الاجتماع البشري، كما قال تعالى: "وكلُّ شيءٍ عنده بمقدار.." (الرّعد:08)، وهي التي تعبّر عن ذلك التعاقد الخالد بين الخالق والمخلوق.
أمّا الصّدفة فما هي إلاّ: الجهل بأسباب الأحداث التي تقع، وأنّ الجهل بالأسباب لا يعني عدم وجودها، وبالتالي: لا مجال لوجود الصّدفة بوجود الخالق القادر والحكيم، وقد قال تعالى: "الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خلقه.."(السّجدة:04)..
فكما أنّ "السُّنن الكونية" التي تضبط إيقاع هذا الكون، وتمسك يزواياه المترامية، وتحافظ على نظامه المحكم، وفق قوانين رياضية وهندسية وكيميائية وفيزيائية وفلكية غايةً في الإتقان، وهي التي تحافظ على مصالح وصلاح العمران في الأرض، باعتبار الإنسان مُسْتخلفًا فيها ومُستعِمرًا لها، وفق نظامٍ سُننيٍّ بديع، كما قال تعالى: "صُنع الله الذي أتقن كلَّ شيء". (النمل: 88)، فإنّ هناك سُننًا نفسيةً واجتماعية وتاريخية تحكم الاجتماع البشري، قد جاءت وفق سُننٍ تشريعية وأوامر تكليفية، تتجاوز الجانب التعبديّ، وتصل إلى ضبط السُّلوك الإنساني، وفق نظامٍ سُنَنيٍّ دقيق، هي التي تتحكّم في القوّة والضعف، وتتسبّب في الهزيمة والنّصر، وتلعب دورًا في السُّقوط والنّهوض، وتُسهِم في عوامل النّجاح والفشل، في ربطٍ بين الأسباب والمسبّبات (بقانون السّببية) كمقدّماتٍ نملكها إلى نتائج تملكنا، وهي لا تتنافى مع عبادة "التوكّل"، كما قال صلى الله عليه وسلّم: "أعقِلْها (الأسباب) وتوكّل..".
وهذه السُّنن لا تجامل المؤمن لإيمانه، ولا تعادي الكافر لكفره، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية – عليه رحمة الله، عن التمكين للدّولة: (إنّ الله ينصر الدّولة العادلة ولو كانت كافرة، ويخذُل الدولة الظّالمة ولو كانت مؤمنة.)، مثل غزوة أحدٍ، لم ينفع الصحابةَ رضوان الله عليهم إيمانُهم عندما فرّطوا في أسباب النّصر فانهزموا، وعاتبهم القرآن الكريم بقوله تعالى: "وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ، حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ، مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ.."(آل عمران:152)، فقد وقعت هزّةٌ نفسيةٌ عنيفةٌ، صدَمت ضميرَ الصحابة عند الهزيمة، ولامَسَ الوحي خفاياها، فقال عنهم: "أوَلَمّا أصابتكم مصيبةٌ – قد أصبْتم مثليْها – قلتم أنّى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم.."(آل عمران:165)، فردّهم إلى أنفسِهم، ووضعهم أمام حتميةِ المعرفةِ بالسُّنن الثابتة التي تحكم الصّراع، وهي الأسباب النّاظمة للنّصر والهزيمة، والتي تتجاوز مجرد وصفهم: بالمسلمين أو بالمؤمنين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.