سألت "الجزائر الجديدة" مدير الأرشيف بالإذاعة الوطنية الباحث في علم الموسيقى "نصر الدين بغدادي" عن إمكانية و كيفية استغلال طلبة و تلاميذ الموسيقى تجارب أستاذ الموسيقى الأندلسية الكبير الشيخ الصادق بجاوي، فأجاب بأنه على استعداد كامل لتزويد المعهد الوطني للموسيقى بنسخة لما يمتلكه من ارث فني للشيخ بجاوي، بما يخدم و يثري الرصيد المعرفي للطلبة خاصة و أن المعهد- يقول- يعتمد على الطريقة الأكاديمية، التي تخدم التراث بشكل جيد من خلال فهمه و تلقينه ثم توصيله للأجيال المتعاقبة، و هو الهدف الذي تسعى من جهتها جمعية" أحباب الشيخ بجاوي " لتحقيقه من خلال اعتمادها برامج منها ما هو مخصص لفئة الصغار و أخرى على مستوى المدرسة العليا للاستفادة من تجربة الشيخ و حفظ و حماية ما تركه من تراث. الحديث عن مسار و تجربة الشيخ الصادق بجاوي جاء في محاضرة بعنوان " الشيخ الصادق البجاوي، الأستاذ الكبير للموسيقى الكلاسيكية الجزائرية"، تدخل فيها أمس مدير الأرشيف بالإذاعة الوطنية نصر الدين بغدادي على هامش فعاليات المهرجان الوطني للموسيقى الأندلسية الذي كرم في طبعته السبعة هذه عميد الأغنية الأندلسية "الصادق بجاوي"، الذي قال عنه باحث علم الموسيقى "نصر الدين بغدادي"، انه قطعة فريدة من نوعها في عالم الموسيقى كرس حياته كاملة لفنه، و عمل جاهدا و بوسائله الخاصة أيضا من أجل تسجيل و حفظ ذلك الإرث. يشار إلى أن الطبعة السابعة للمهرجان التي رفع ستارها مساء الخميس المنصرم بقاعة ابن زيدون بتنظيم تكريم خاص لأستاذ الموسيقى الكبير الشيخ الصادق البجاوي، تختتم فعالياتها سهرة الغد بحفل فني تحييه كل من بهيجة رحال ونصر الدين شاولي. يذكر أن الفنان الراحل الصادق بجاوي، و اسمه الأصلي الصادق بويحيى، من أكبر أساتذة الموسيقى الأندلسية "صنعة". شهد مساره الفني ثراءا لا يضاهى، حيث جمع بين كتابة الكلمات، تلحين الأغاني، و العزف بالإضافة إلى الغناء، مواهب متعددة سمحت له بالبروز و بكل مهارة في طبوع الكلاسيكي، الشعبي، الحوزي، العروبي و القبائلي. استلهم الفنان الراحل أعماله من السجل الثري للشعر الوطني القديم الموروث عن تراث شفهي تقليدي عرف في ربوع الوطن و تضمنته الحكايات و الأساطير الجزائرية، زاده ثراءا عديد الاقتباسات لكتاب كلاسيكيين كبار عرفوا كيف يستمدون الإلهام من ذلك السجل الغني بلغت الأعمال التي تركها الفنان الراحل في سجله ما يربو عن 260 إبداع فني. ولد الفنان في 1907 في أحضان عائلة متواضعة من منطقة بجاية، ظهرت عليه علامات النبوغ الفني في الموسيقى و الغناء مبكرا لينتقل إلى العاصمة، صقلا لمواهبه تلك، حيث انضم في 1933 إلى الجمعية الموسيقية الشهيرة "الموصيلية". و قد احتك في تلك الجمعية الفنية بفنانين كبار على غرار: محمد الصغير تلمساني، محمد مزعاش،الحاج محمد كشكول، معلم بشارة....و كانت استفادته الفنية كبيرة ،غداة لقائه الأستاذ محيي الدين لكحل، مما ساعده على البروز و الإبهار ليصبح من أفضل موسيقيي عهده. و ككل الفنانين، كثرت أسفار الفنان الراحل ليعود منها، و بخاصة تلك السفريات التي قادته إلى تلمسان و المغرب، متأثرا بطبع الحوزي و ناشرا له في الجزائر و مشتهرا به بعد ذلك في مساره الفني الثري، المسار الذي جعل منه مغنيا شهيرا في راديو الجزائر انطلاقا من 1938 بصوت شجي و أداء مبهر ساهما كثيرا في وضع أسس تطوير و ترقية الموسيقى الكلاسيكية الجزائرية، عند بلوغه سن الثلاثين، عاد إلى مدينته بجاية ليؤسس، لجمعيته الثقافية، محفلا فنيا و ثقافيا متعدد الأشكال و مستمرا، في ذات الوقت، في تنشيط حصص في الإذاعة المحلية، بعد الاستقلال، و في 1963 ، ساهم في وضع حجر الأساس لإنشاء كونسرفاتوار الموسيقى لبجاية مساهما، إلى غية 1986 ، في تكوين أجيال من الموسيقيين الموهوبين أمثال "يوسف البجاوي"، "محمد رايس"، "الغازي"، "جمال علام"، "عبد الوهاب بجاوي".....و قبل وفاته في 1995 ، منح للديوان الوطني لحقوق المؤلف سجلا يحتوي على "قصيدات" تم تصنيفها تراثا عموميا، أصبح "الشيخ الصادق البجاوي"، بتراثه الموسيقي و بأعماله التواصلية، من بين أبرز وجوه الموسيقى الجزائرية الكلاسيكية و التقليدية و الأمازيغية القبائلية، و على هذا الأساس، و لكل هذا الزخم الفني للفنان الراحل، يسعى المهرجان لتكريمه و استرجاع ذكريات مسيرته الفنية.