وزارة التعليم العالي تذكر الطلبة بتاريخ الدخول الجامعي وإستئناف الدروس عن بعد    جراد يطمئن التلاميذ والأولياء بدخول مدرسي آمن من فيروس كورونا    أسعار النفط تنتعش مع الطلب على الوقود        أردوغان يدرس سحب السفير التركي من أبو ظبي    المساعدات الإنسانية للصحراويين: برناج الغذاء العالمي يشيد بدور الجزائر    محللون سياسيون ل" الحوار": التطبيع مع الكيان الصهيوني ضربة قاضية للقضية الفلسطينية    بدء الإفراج عن 400 سجين ل"طالبان" تمهيدا لمفاوضات السلام    أرسنال يضم نجم تشيلسي في صفقة انتقال حر    اصابة وسط ميدان المنتخب الوطني بفيروس كورونا !    غرداية: هلاك شخصين وإصابة 6 آخرين في حادث مرور بالمنيعة    نشرية خاصة: تساقط أمطار رعدية على 14 ولاية        وفاة الفنانة شويكار بعد صراع مع المرض.    الزلزال يكشف النقاب عن آثار رومانية    وفاة الفنانة المصرية شويكار عن عمر ناهز 82 عاما    لا تفسدوا فرحة فتح المساجد..    وزير الصحة الروسي يكشف موعد نشر الأبحاث المتعلقة بأول لقاح ضد "كورونا"    70 مليار هي قيمة فواتير الغاز والكهرباء غير المسددة من قبل زبائن "سونلغاز"    سطيف: توقيف 3 أشخاص وحجز 4 كلغ من الكيف    عودة فتح مواقع التسلية و التنزه التابعة لولاية الجزائر    وزارة الثقافة والفنون تنظم مسابقتين وطنيتين للحفاظ على الموروث الشعبي    المكتب التنفيذي لمنظمة "أونال": "سنكشف قريبا عن النصوص التنظيمية المتعلقة بقانون الكتاب"    معهد"ايسماس" يكثف تحضيراته استعداد للموسم الدراسي المقبل    أمن تبسة يفتح تحقيقا بعد اكتشاف بيت مشعوذ بحي عمارات الأقواس    رفع عدد المساجد المعنية بالفتح بجيجل الى 72 مسجدا    تمديد أجال رخص البناء المسلمة التي يؤول اختصاصها لقطاع العمران    لاتسيو يتفق على ضم نجم الجزائر    سكيكدة: توقيع عصابة إجرامية خطيرة تعتدي على المواطنين ليلا    شالكه الألماني يُقرر الاستغناء عن نجمه الجزائري نبيل بن طالب    كرة القدم عند الهواة: دعوة المديرية الفنية الوطنية للمشاركة في اجتماع ينظمه الاتحاد الدولي    الأهلي يحاول إعادة بلايلي خلال ثلاثة أيام    لجنة "أوبك+" تؤجل اجتماعها    جبريل الرجوب: كل الدول العربية أوقفت دعمها المالي لفلسطين ما عدا الجزائر    اتفاق مصر واليونان غير شرعي وتخسر به مصر أراضيها    تسعين بالمائة من المدن الجزائرية أسست من طرف رجال الزوايا    عنابة : النشاطات الثقافية عبر الانترنت, مكسب هام للمبدعين    زوجة الرئيس التونسي تخطف الأنظار في أول ظهور رسمي لها    ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت    الحذر من الاغترار بالحياة الدنيا    32 وكالة بنكية ستوفر خدمات الصيرفة الإسلامية نهاية سبتمبر المقبل    وزارة الصناعة تشرع في إحصاء الأصول المنتجة في القطاعين العام والخاص    شيتور: قرار بحظر السيارات التي تستهلك كميات كبيرة من البنزين    "رايولا" في روما لحسم صفقة فارس وهذا النادي يحاول خطفه    الوزير الاول: أمر بتغيير وجه مناطق الظل قبل نهاية السنة    تخرج خمس دفعات بالمدرسة العليا للإدارة العسكرية    وزارة الاتصال: خالد درارني لم يكن حاملا أبدا لبطاقة الصحفي المحترف    مديرية الخدمات الجامعية بسكيكدة تتحدى جائحة كورونا    الأساتذة المتعاقدون والمستخلفون يحتجون أمام مدرية التربية بسيدي بلعباس    البارصا والبايرن في قمة واعدة...أين يمكن متابعة اللقاء؟    المصابون بكورونا في العالم يقارب 21 مليونا    باريس منطقة عالية الخطورة مجددا لانتشار كورونا    برمجة رحلة لإجلاء الجزائريين العالقين في الإمارات الأحد المقبل    فيضانات كوريا: كيم جونغ أون يحذر من قبول المساعدات الخارجية    سجلت خلال ال 24 ساعة الماضية    منتجات الصيرفة الاسلامية على مستوى 32 وكالة للبنك الوطني الجزائري قبل نهاية سبتمبر    هذه حقوق الجوار في الإسلام    صلاة مع سبق الإصرار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





« الأسوار والأساور»
نشر في الجمهورية يوم 11 - 02 - 2019


أنا «يوسف الحيران « .
- أهلا وسهلا ..تشرفت..
أقطن في هذه القرية الكونية التي تقع على كوكب الأرض. أنا واحد من قرابة ثمانية ملايير من السكان الذين ترزح تحت أقدامهم وتئن. وعلى الرغم من أن « الحالة ماتعجبش» ، إلا أنني صابر. أنا مسالم جدا. لا أوذي أحدا. ولا أسيء لمخلوق، ولكن العالم أضحى عنيفا، ويزداد شراسة كل يوم. لا أحد يحب أحدا. ولا أحد يحترم أحدا. حدثت لي أشياء كثيرة مؤثرة وغريبة، ربما سيأتي اليوم الذي سأحكيها لك « إن طالت الأعمار».
ولأنني مسالم وأتجنب الصدام وأريد أن أعيش ما تبقى لي من العمر، أتأمل الحياة في انسكابها في هدوء، بعيدا عن السياسة وفخاخها. ولأن التنكر للأنا قمة الشعور بالإذلال، فقد قررت أن أهتم بأناي قليلا. قررت أن أطلب إحالتي على المعاش المبكر. فقد كنت أستاذا للفلسفة. وأنت تعرفين لم يعد أحد يهتم بالفلسفة. إنه اختياري وإن لم يعد أحد يحترم اختيار أحد.
في الحقيقة أرى الحياة جميلة ولكن أغلب الناس لا يفطنون. لا أدري لماذا تزداد قلوب الناس من جميع الأقوام ضراوة .
التزم شقتي الصغيرة التي ورثتها عن جدي. أقرأ الكتب وأستمع إلى الأغاني الكلاسيكية، ولا أفتح أبدا على قنوات الأخبار، ولا أطل على الشارع الذي ينتابه الضجيج و الجنون. أقرأ كثيرا وأتأمل و أدخن أحيانا وأشرب ولا آكل كثيرا، وتستهويني قراءة بعض القصائد عملا بنصيحة هيدغر القائل بأن الشعر يساعد على الانفتاح على العالم..عالمي أنا. ثم إن الشعر يرفض كل ما هو مستهلك ومباح. أليس كذلك؟
- بلى ..ما بها ساقك ؟
- لم أخبرك بعد ..؟
أنا لا أخرج من مسكني إلا نادرا، لكنني منذ يومين كنت مضطرا لذلك. وضعت كتاب الأخلاق لسبينوزا جانبا الذي أعيد قراءته على مهل، ثم نزلت لأشتري خبزا وبعض الضروريات، وما إن خطوت أول خطوة خارج باب العمارة، حتى وجدت نفسي وسط بحر متلاطم من البشر. إنها مظاهرة عارمة وغاضبة جدا. أصوات عالية جدا. وأذرع تلوح مهددة منذرة.
لم أستطع التراجع ولا العودة إلى المدخل. كان الأمر قد قُضي والسلام. كنت أُدفع دفعا قويا نحو الأمام. الأصوات الرجالية والنسائية الصارخة الغاضبة تردد شعارات ضد بناء السور. لا أعرف أي سور يقصدون. لم أتابع الأخبار السياسية. في ظرف دقائق وجدت نفسي قد قطعت مسافات طويلة، مدفوعا أخوك لا بطل. لكزتني إحدى السيدات المتظاهرات، ثم ناولتني لافتة عريضة مكتوب عليها بخط كبير وباللون الأحمر بلغة أجنبية(ليسقط السور) وهي تقول:
- ورينا عرض أكتافك .
ما أن حاولت النظر إلى ملامح وجهها، حتى غابت بين الأمواج البشرية الهادرة المتدافعة. لم يبق لدي أي خيار. كان لا بد علي من رفع اللافتة إلى أعلى، حتى لا أتعثر بها وأسقط فتدوسني الأقدام. كنت أهرول غصبا عني رافعا اللافتة. مر وقت خلته دهرا إلى أن وصلنا إلى تقاطع ثلاثة شوارع وسط المدينة. حيث تتوسع الطريق. شعرت بأن الوقت قد حان كي أستغل فرصتي السانحة هذه، وأنسل من المظاهرة مثل الشعرة من العجين.
بذكاء وحذر تركت خطواتي المتسارعة تبعدني عن المركز إلى الهامش، وعند رأس الشارع ،بصعوبة أقل، وضعت اللافتة جانبا ودلفت نحو الشارع المقابل. كنت سعيدا بإنجازي حقا. وقبل أن أتنفس الصعداء، إذا بمظاهرة أخرى آتية بصخب منقطع النظير من الشارع المقابل نحو التقاطع. وقفت مشدوها. لم تترك لي فرصة التفكير في الهرب. لحظات فقط ووجدتني وسط محيط من البشر، أحاول أن أرتب خطواتي على إيقاع الجموع السريع. كانت الشعارات تنادي ببناء السور. لم أكن أعلم عن أي سور يتظاهرون. قلت إني لم أتابع الأخبار السياسية منذ مدة. وجدتني أقرأ اللافتات والعرق يتصبب من كامل جسمي:
« السور..السور «.
حاولت وأنا أهرول أن ألجأ إلى تأويل ابن رشد للباطن، وإخراج اللفظ من دلالته الحسية إلى دلالته المجازية. لكن الشاب الذي يهرول بجانبي وهو يرسل فيديو حي على المباشر أفسد علي تأملي بصراخه العالي:
- لا بد من السور لا بد من السور..
لا بد أن هناك الآن وعلى المباشر وفي الجهة الأخرى من الكرة الأرضية مَن يراني أنا يوسف الحيران. ثم تمتمت في صدري «وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه».
شعرت بالتعب من الهرولة. تعثرت ساقي بشيء ما لكنني تماسكت كي لا أسقط وسط الجموع التي تنادي ببناء السور. لم أترك لحظة واحدة دون التفكير في كيفية التسلل خارج الجموع.
أخيرا توقف الجمع أمام منصة عالية، لابد أنها للزعماء الذين سيتداولون عليها لمدح « السور». تسللت بصعوبة وبحذر حتى أصبحت خارج اليمّ المتماسك من البشر. تنبهت إلى أنني أصبحت بعيدا جدا عن مقر سكناي. سرت لوقت طويل في شارع هادئ وأنا أتلفت . وبعد أن استرجعت أنفاسي قليلا، إذا بضجيج مبهم يشبه صوت الأرض عند الزلزال يصل مسمعي.
إنها مظاهرة نسائية عارمة قادمة بسرعة فائقة. الأصوات الناعمة تنادي بحقوق المرأة واحترام حريتها وإنسانيتها. الأذرع الرقيقة تلوح متوعدة. لم أترك لنفسي رغبتها في تأمل المشهد، بل وفي غمضة عين فكرت أن علي أن لا ألدغ من الجحر هذه المرة أيضا. أطلقت ساقي للريح والتجأت إلى أقرب عمارة. ردَدت الباب ومن شقه كنت أتأمل مئات الجميلات الغاضبات وهن يصرخن ويلوحن مهددات بمعاصمهن الرقيقة، تلمع الأساور حولها. مر بخاطري وصف السويديين لأدب النساء على أنه أدب الملائكة والسكاكين. بعد مرور مظاهرتهن بسلام، خرجت من مخبئي.
- عمرك طويل يا يوسف.
كانت ساقي تؤلمني بشدة. وبينما أنا ألعن السور، كل ما كنت أتمناه أن أصل البيت بسلام، وأشاهد مظاهرة النساء في نشرة الأخبار السياسية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.