مسيرات مساندة للانتخابات الرئاسية وأخرى معارضة    النطق بالأحكام في حق المتورطين اليوم    المجاهدة يمينة خالدي في ذمة الله    موبيليس يتلقى الموافقة المؤقتة    سعر سلة خامات أوبك 24،65 دولارا للبرميل    354 مؤسسة جديدة تستحدث 7800 منصب عمل ببرج بوعريريج    أمطار رعدية وبرد على ولايات شرق الوطن    الشروع مطلع 2020 في غرس 20 هكتارا من أشجار القسطل    التهرب الضريبي رفع عجز الميزانية إلى 1580 مليار دينار    بلماضي يحظى بتكريم الأبطال من طرف أولمبيك مرسيليا    نادي بارادو يعقد مأموريته في كأس «الكاف»    تأجيل المنافسات إلى 20 ديسمبر    رئيس البرلمان يصف الرئاسيات ب”المحطة التاريخية”    قايد صالح يؤكد التصدي لكل من يحاول استهداف وتعكير صفو الانتخابات    أفلام جزائرية تتوج بمهرجان القدس السينمائي الدولي الرابع    الشيخ عبد الكريم الدباغي يفتي بضرورة المشاركة بقوة في الرئاسيات    إضراب النقابات يشل الحياة في فرنسا    نيوزيلنديون يحاصرون سفينة محملة بفوسفات الصحراء الغربية    محطّة خالدة في مسيرة الثّورة...قال فيها الشّعب كلمته    المجلس الشعبي الوطني: المصادقة على مشروع القانون المتعلق بتنصيب العمال ومراقبة التشغيل    البويرة: 5 جرحى في إنحراف سيارة بالجباحية    قسنطينة.. حجز كمية معتبرة من المهلوسات ببالما    وفد من مجلس الأمة يشارك اليوم في لقاء برلماني حول الاخطار البيئية    سانا مارين.. أصغر رئيسة وزراء بالعالم تقود فنلندا    إدانة مدير التجارة بسطيف بعامين حبسا نافذا    انخفاض فاتورة استيراد أجزاء تركيب السيارات في 2019    إضطراب حركة النقل الجوي بين الجزائر و فرنسا غدا الثلاثاء    أدوية الجزائريين مشكوك في جودتها    فرنسا تعلن استضافة مؤتمر دولي بشأن لبنان غدا    اختناق 3 أطفال بغاز أحادي أكسيد الكربون بالبويرة    انتهاء موسم يوسف عطال مع نيس    مسرحية “خاطيني” تتناول الصراع النفسي بين الهجرة وحب الوطن    ياسين عدلي إلتقى بلماضي ويؤجل حسم مستقبله الدولي    بلماضي يرفع كأس أمم أفريقيا أمام جماهير مارسيليا في ليلة التكريم    “ديرو حسابكم” .. !    حرمان روسيا من المشاركة في الألعاب الأولمبية ل 4 سنوات    الفريق قايد صالح يؤكد من قيادة الدرك:    الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين ينفي شن أي إضراب ويطمئن المواطنين على توفير المواد الضرورية والخدمات    محكمة سيدي امحمد: رفع جلسة محاكمة مسؤولين سابقين ورجال الأعمال المتابعين في قضايا فساد إلى غد الثلاثاء    دون جمع كل الأطراف الليبية    بيرنار كازوني‮ ‬الضحية الثالثة    بن ڨرينة: سأنصب مفتي الجمهورية وتوحيد المرجعية الدينية في البلاد    زعلان لم استقبل دينار واحد وليقول انا شديت عليه مستعد انا نخلص    سلال يبكي بالمحكمة و يصرح : لست فاسد انا بريء !!    استمرت‮ ‬7‮ ‬سنوات    بدوي‮ ‬يقرر خلال اجتماع وزاري‮ ‬مشترك‮: ‬    5 ملايين مصاب بالسكري و10 ملايين بارتفاع الضّغط الدموي    التسجيلات لقرعة حج 2020 و2021 الأربعاء المقبل    8773 طلب إحالة على التقاعد هذه السنة    بطل مظاهرات 9 ديسمبر بعين تموشنت مصاب بالشلل    وداعا .... الحاج تواتي بن عبد القادر.    أبواب الوجع    وهج الذكريات    المبدع يقدّم إبداعا مؤثرا وإلا فهو غير كذلك    تكريم الكاتب والمخرج الجزائري محمد شرشال    عمل يقترب من المونودراما    إجتماع وزاري مشترك لتقييم موسم الحج ل2019 ودراسة التحضيرات الخاصة بموسم 2020    « الحداد »    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





موضوعات الأرجاز الأولى (2)
نشر في الجمهورية يوم 11 - 11 - 2019

إذا كانت المستشرقة الألمانيّة « سِقْريد هُنْكِه» قد ذهبت في بعض كتاباتها الحضاريّة إلى أنّ «العرب شعب من الشعراء»، فإنّ الذي يجب أن يُستخلَص من قولها ما ذكرْناه، وليس أنّ كلّ عربيّ كان شاعراً بمفهوم الشعريّة الرفيعة لدُنْ أصحاب المعلّقات، فذاك شعر تنقطع دونه الأعناق!
ولا بدّ مِن أن يمثُل لهذا الأمر، في هذا الافتراض، جملتان متقابلتان متلازمتان، موزونتان، لأنّ الجملة الواحدة (أو الشطر الواحد) لا يكوّن شعريّةً حتّى يضاف إليه صنوه فيقابله، فمثل:
« قد رابني مِن دَلْوِيَ اضطرابُها «، إذا قيل وحده لا يكوّن كياناً شعريّاً، حتّى يتمَّ له الشطر الآخر.
ونفترض أنّ وزن الكلام البسيطِ الاستعمالِ، جاء، أوّلَ مرّة، اتّفاقاً، لأنّ الناس كثيراً ما يتكلّمون شعراً محدود الموازين في كتاباتهم أو حتّى في أحاديثهم وهم لا يشعرون، كما ذهب إلى ذلك أبو عثمان عمرو بن بحرٍ الجاحظ حين قال متحدّثاً عن بعض ما نحن فيه: «إعلمْ أنّك لو اعترضتَ أحاديث الناس وخُطَبَهم ورسائلهم، لوجدت فيها مثل «مستفعلين مستفعلن» كثيراً، و«مستفعلُن مفاعلن». وليس أحدٌ في الأرض يجعل ذلك المقدار شعراً. ولو أنّ رجلاً من الباعة صاح: «من يشتري باذِنْجان»، لقد كان تكلّم بكلام في وزن «مستفعلن مفعولات»، وكيف يكون هذا شعراً وصاحبُه لم يقصد إلى الشعر»؟.
وقد يقال لأيّ كلام موزون على أحد البحور المعترَف بشعريّتها، إذا لم يكن له صِنوٌ، ففي مثل هذه الحال لا يكون إلاّ من جنس النثر.
ويؤيّد هذا الرأيَ ذهابُ بنِ سلاّم الجُمَحيّ إلى أنّه «لم يكن لأوائل العرب من الشعر إلاّ الأبياتُ يقولها الرجل في حاجته، وإنّما قُصِّدت القصائد، وطُوِّل الشعر، على عهد عبد المطّلب، وهاشم بن عبد مناف. وذلك يدلّ على إسقاط شعر عادٍ وثمودَ وحِمْيرَ وتُبّعٍ».
غير أنّ ابن سلاّم لم يخصّص حديثه عن نوع الأبيات القليلة التي كان الرجل العربيّ الأوّل يقولها في حاجته، ونحن نرى أنّ ذلك كان الرجزَ تخصيصاً؛ ويُبْرِهُ على ذلك ما ذكره ابن سلاّم نفسُه، بعد هذا، من قديم الشعر الصحيح، وهو للعنبر بن عمرو بن تميم، وقد كان جاور في قبيلة بَهراءَ، فرابه منها رَيبٌ فقال متشكّياً منها، متأفِّفاً:
قد رابني مِن دَلْوِيَ اضطرابُها -والنَّأْيُ في بهراءَ- واغترابُها
إنْ لا تجِئْ ملْأَى، يَجِئْ قِرابُها
فهذا الشعر من نوع الرجَز، وليس من شعر التَّقْصيد الذي ظهر متأخّراً عن هذا، وذلك في عهد هاشم بن عبد مناف، أي في حقبة قريبةٍ من ظهور الإسلام.
وحين نتحدّث عن ذَهاب الشعر العربيّ القديم لانعدام التدوين، وقلّة الكتابة، وموت الرُّواة، فهذا كلّه ينصرف إلى المرحلة المتأخّرة من حياة الشعر العربيّ، التي سبقت ظهور شعر المعلّقات؛ وإلاّ فهناك مراحلُ أخرى للشعريّة العربيّة القحطانيّة أمثال الأشعار التي كانت تقولها طسْمٌ وجَديس وعاد وثمود وحِمْير وتُبّعٌ، ونفترض أن تكون تلك الأمم البائدة قالت شعراً، ولكنّ لغة ذلك الشعر غيرُ اللغة التي نزل بها القرآن، وقُرِضتْ بها المعلّقات قرْضاً، «فتلك عربيّة أخرى غيرُ كلامِنا هذا»، كما يقول أبو عمرو بن العلاء الذي ربما كان أوّلَ من لحِنَ لهذه المسألة اللطيفة فروَى الناس عنه قوله فيها. وإنّما انقرضت أشعارهم معهم لأمرين:
أوّلهما انقراضهم هم أنفسهم في زلازل وحروب وفتن ودمارٍ وخراب جاء بعضها من تلقاء السماء، كما أخبرنا بذلك القرآن؛
وآخرهما: انقراض أشعارهم وآدابهم معهم، بحكم الطبيعة.
فالقحطانيّون، من العرب العاربة، هم أقدم القبائل العربيّة المختلفة، وفيهم بُعث ثلاثة أنبياء: شعيب، وهودٍ، وصالح. والأمّة التي يُبعث فيها نبيّ من الأنبياء، لا ريبَ في أنّها قد تكون بلغت مبلغاً من الحضارة والثقافة والفكر والوعي، واتّخذت لها قيماً دنيويّة تجسّدت في مجتمعاتها، فجاءت الرسالاتُ السماويّة لتكمّلها، وتحسّن ممّا ساء منها، وتُصلح ممّا كان فاسداً فيها... غير أنّ لغة القحطانيّين الأولى لم تكن عربيّة، على النحو الذي قُرِضَتْ به المعلّقات، ثمّ نزل به من بعد ذلك القرآن. وفي إحدى زياراتي لسلطنة عُمان، وكان ذلك منذ بضعِ سنين، أخذني صديق عُمَانيّ لتاجر من الشَّحْر، في حيّ تجاريّ من أحياء مدينة مسقط، فبدآ يتحادثان، بناءً على طلبي، بلغة لم أفهم أنا منها شيئاً، وهي لا تزال متداوَلة بين بعض الناس هناك...
والشعر الأخير، أو «الحديث» الذي وصلَنا، وهو المعروف في كتب النقد «بالشعر القديم»، إنما كان ثمرةً من ثمرات التطوّر الحضاريّ البسيط والبطيء معاً، الذي عرفتْه العرب في تعاملها وتجاورها، والشروع في التطلع إلى عهد التدوين البدائيّ على كلّ حالٍ، وذلك بفضل شروعها في الاتّصال بالعالم الخارجيّ، وبأكبر حضارتين قديمتين كانتا تعوّلان على التدوين، على عهد العرب، وعلى وقْع الجوار الجغرافي، وهما حضارتا الروم عن طريق الشام، وحضارة الفرس عن طريق العراق؛ فظهر ملوك الغساسنة والمناذرة، وهم الذين كان الشعراء العرب والرجالاتُ يذهبون إليهم، ويمدحونهم طلباً لنيل عطاياهم، فكأنّ الغساسنة والمناذرة كانوا يمثّلون السلطة النظاميّة الأولى التي عرفها العرب، ولو من بعيد، ولو دون اعتراف أخلاقيّ وسياسيّ، وسيادِيّ أيضاً، بها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.