ترجع غالب ارتفاعات أسعار النفط في الأسبوع الماضي إلى انخفاضات حادة في الإنتاج في الولاياتالمتحدة والمكسيك، نتيجة العاصفة الثلجية والصقيع الذي ضرب غالب أميركا الشمالية. وأضافت التوترات الجيوسياسية، بما في ذلك التكهنات حول احتمال شن هجوم على إيران، ضغوطاً تصاعدية على أسعار النفط في نهاية الأسبوع الماضي، إلا أن هذه الزيادات المتعلقة بالعوامل السياسية تلاشت صباح الإثنين، إذ انخفضت أسعار خام برنت بنحو أربعة دولارات للبرميل مع بدء التعاملات في الأسواق الآسيوية، بعد أن تبين أن الرئيس دونالد ترمب يفضل المحادثات مع إيران بدلاً من الحرب، وكان هناك توقعات قوية بأن الولاياتالمتحدة كانت ستهاجم إيران في عطلة نهاية الأسبوع. وأكدت مجموعة الثمانية في "أوبك +" في اجتماعها أول من أمس الأحد استمرارها في وقف زيادة الإنتاج خلال مارس المقبل، وهو نتيجة الاتفاق في ديسمبر عام 2025 بوقف زيادة الإنتاج في الربع الأول من هذا العام دعماً لاستقرار السوق، قرار الأحد لا أثر له في الأسعار، لأنه كان متوقعاً من كل الأطراف.وهناك ثلاثة أمور رئيسة تؤثر في أسواق النفط هذا الأسبوع، غالبها في نهايته، هي إعلان "أرامكو" أسعار البيع الرسمية لمارس المقبل، غالباً بعد غد الخميس، وتقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية عن فبراير (شباط) الجاري وسيكون يوم الجمعة المقبل، الذي أجل أسبوعاً بسبب العاصفة الثلجية التي ضربت غالب الولاياتالمتحدة، ومصير المحادثات مع إيران.يتوقع التجار والمراقبون أن تقوم "أرامكو" بخفض أسعارها، بخاصة لآسيا، مما يخفض علاوات النفط العربي الخفيف إلى أقل مستوى له منذ خمسة أعوام. ومع ذلك، هناك إرهاصات بعدم الخفض، وربما الرفع، لأسباب مذكورة لاحقاً في هذه المقالة.أجلت إدارة معلومات الطاقة الأميركية تقريرها الشهري لمدة أسبوع، وذلك لأن العاصفة الثلجية والصقيع أثر في حركة المواصلات في غالب الولاياتالمتحدة، مما منع موظفي الشركات التي ترسل البيانات للإدارة من إرسالها في الوقت المناسب، كما أن عدداً كبيراً من موظفي الإدارة لم يستطع الوصول إلى مقرها بسبب الثلوج.ولعل تقرير نوفمبر أهم من التقارير الشهرية السابقة، لأنه سيبين وضع إنتاج النفط الصخري. بدأ إنتاج النفط الصخري منذ فترة بالهبوط في غالب الأماكن إلا في الجزء الغربي من حوض برميان في ولاية نيو مكسيكو حيث استمر بالزيادة. وعلى رغم أن هذه الزيادة غالبها مكثفات وسوائل غازية مصنفة على أنها نفط، تتوقف الزيادة في الإنتاج أو انخفاضها يعني توقف وصول إنتاج النفط الصخري إلى ذروته في الوقت الحالي، ولهذا أثر كبير في الأسواق. وسبب الأثر الكبير، كما سأوضح لاحقاً، هو أن الحكومة الأميركية مستمرة في ملء المخزون الاستراتيجي!وهنا لا بد من توضيح نقطة مهمة، وهي أن استمرار شركات النفط بإعلان أرباح، بعضها تجاوز التوقعات، على رغم انخفاض أسعار النفط، يعود للوفورات المالية الكبيرة من عمليات الاستحواذ والاندماج في الأعوام الأخيرة، وليس لأن الأسعار الحالية مجزية أو مشجعة على الاستثمار.أما في ما يخص الأحداث الجيوسياسية، هناك جهود دبلوماسية مكثفة لتجنب التصعيد مع إيران، بمشاركة أطراف متعددة. وبينما يظهر الرئيس ترمب تردداً تجاه الخيارات العسكرية، يدفع بعض مستشاريه باتجاه آخر. ويتضح مما حصل صباح أمس أثر الوضع في أسواق النفط، فبعد ارتفاع أسعار النفط يومي الخميس والجمعة الماضيين بسبب توقع هجوم على إيران، خسرت الأسعار كل هذه الزيادات صباح أمس، بعد أن تبين أنه ليس هناك ضربة أميركية وأن ترمب يريد التفاوض مع إيران. هذا يؤكد ما كتبته منذ 18 عاماً، إذ كان عنوان المقالة: أزمة البرنامج النووي الإيراني التي لا تنتهي…اجتماع مجموعة الثمانية في مارس المقبل: لحظة حاسمةيعد اجتماع مجموعة الثمانية في "أوبك+" في بداية مارس المقبل حاسماً، لأنه سيقرر ما إذا كان سيجري تمديد تجميد الإنتاج الحالي أو البدء بزيادات تدريجية لسقف الإنتاج اعتباراً من الأول من أبريل المقبل. المتوقع أن تمضي المجموعة قدماً في الزيادات المخطط لها، مدفوعة بعوامل عدة:أولاً، ترفض المجموعة السرديات حول الفائض الكبير في أسواق النفط، التي ثبت مراراً أنها سرديات غير واقعية منذ أبريل الماضي. ثانياً، غالب الدول بلغت طاقتها الإنتاجية القصوى والدول التي تستطيع زيادة الإنتاج تقتصر غالباً على السعودية والإمارات، هذا يعني أن الزيادة الفعلية في الإنتاج ستكون أقل من الزيادة المعلنة لسقف الإنتاج.ثالثاً، انخفاض الإنتاج الكبير في كازاخستان خلال الأشهر الأخيرة حل أكبر مشكلة التزام داخل المجموعة، فكازاخستان، التي كانت المنتج الأكثر تجاوزاً لحصصه الإنتاجية والدولة التي لم تف بالتزاماتها من حيث التعويض عن التجاوزات السابقة، أصبح إنتاجها ضمن الحصص، وأية زيادة في إنتاج كازاخستان هو مجرد انتعاش وليس زيادة إضافية.رابعاً، وقف إيران لصادرات الغاز إلى العراق أجبر بغداد على حرق مزيد من النفط لتوليد الطاقة، مما حد من نمو صادراته، إلا أن زيادة الصادرات في يناير (كانون الثاني) الماضي جاءت من المخزون وليس من زيادة في الإنتاج، وهذه الزيادة في المخزون حصلت بسبب العقوبات الأميركية على شركة "لوك أويل" الروسية، التي كانت تدير حقل قرنة 2، الذي ينتج نحو 480 ألف برميل يومياً، وتشير البيانات إلى انخفاض صادرات العراق في تلك الفترة مع عدم تغير الإنتاج كثيراً، مما يفسر الزيادة في المخزون.خامساً، شهد يناير المضي انخفاضاً كبيراً في المعروض من "أوبك+"، بحسب بيانات "كبلر"، ويرجع ذلك إلى تراجع الإنتاج في كازاخستان وروسيا والبرازيل والإمارات، مما قلص حتى الفوائض الموسمية ويدعم فكرة زيادة الإنتاج بعد انتهاء الربع الأول.سادساً، في الفترة الأخيرة انخفض إنتاج الولاياتالمتحدة والمكسيك بكميات كبيرة تجاوزت مليوني برميل يومياً في بعض الأيام بسبب العاصفة الثلجية والصقيع، هذا أيضاً خفض من الفائض الموسمي ويؤيد فكرة رفع سقف إنتاج مجموعة الثمانية لاحقاً…عوامل تدعم فكرة العودة لزيادة الإنتاج:أولاً، شهر رمضان (يبدأ تقريباً ال18 أو ال19 من فبراير 2026)، وفي هذا الشهر المبارك يعزز الطلب على الطاقة في نحو 40 دولة، بخاصة في الشرق الأوسط. كما يتوقع زيادة عدد المعتمرين القادمين من شتى أنحاء العالم إلى مكةالمكرمة، مما يرفع الاستهلاك المحلي للطاقة في السعودية، الذي يؤدي بدوره إلى زيادة استهلاك النفط محلياً، واحتمال انخفاض صادرات السعودية من النفط الخام في فبراير ومارس. وسيؤدي هذا إلى خفض المعروض العالمي ويشجع على فكرة زيادة الإنتاج بعد انتهاء الربع الأول.ثانياً، الحج الذي يتوقع أن يكون في أواخر ماي المقبل، إذ يتوافد ملايين الأشخاص إلى السعودية بعد رمضان، مما يدفع إلى تخزين مسبق للمنتجات النفطية وزيادة الطلب المحلي. هذا يعني أن أية زيادات في الإنتاج في السعودية خلال الربع الثاني من العام لن تؤدي إلى زيادة المعروض العالمي من النفط، لأنها ستستخدم داخلياً.ثالثاً، الطلب على التبريد في الصيف، فبعد الحج، تشهد مناطق الخليج وشمال أفريقيا زيادة كبيرة في الحاجة إلى الكهرباء، التي يجري تلبيتها في الغالب بالوقود النفطي. وتشير بيانات الأعوام الماضية إلى أن الزيادة في الاستهلاك في هذه المناطق تعني تحويل الزيادات المستقبلية، وجزء من زيادات عام 2025، إلى الاستهلاك المحلي.ما سبق، حتى مع قيام مجموعة الثمانية برفع سقف الإنتاج ابتداء من الربع الثاني، يدحض بصورة نهائية سردية وكالة الطاقة الدولية حول "الفائض التاريخي"، والبنوك الاستثمارية حول "الفائض الكبير"…توقعات أسعار النفط لعام 2026في حال غياب أحداث سياسية أو مناخية أو تشغيلية كبيرة، من المتوقع أن يتداول خام برنت ضمن نطاق الستينيات. تفتقر حجج المتشائمين المتوقعين لفائض كبير إلى الصدقية، وهذا يعني أن أسعار برنت لن تنخفض إلى الخمسينيات في غالب العام كما يتوقعون. وسبب عدم توقع عدم ارتفاع أسعار النفط فوق 70 دولاراً للبرميل في غالب العام هو أن الصين ستقوم، كما فعلت في الماضي، بالسحب من مخزوناتها الضخمة لمنع أسعار النفط من الارتفاع.من ضمن الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها المتشائمون، الذي يتوقعون فائضاً كبيراً في أسواق النفط وانخفاضاً في أسعاره، هو تجاهلهم لأربع حقائق:أولاً، الكميات التي ملأت فيها الحكومة الأميركية الاحتياط الاستراتيجي الأميركي منذ مطلع عام 2025 تجاوزت نمو الإنتاج الخام، أي أن هذه الإضافات ليست فعلياً "معروضاً متاحاً".ثانياً، تتركز زيادات المخزون العالمي بصورة كبيرة في الصين (هذه مخزونات نتيجة قرارات استراتيجية في الغالب، تحسباً للحروب أو العقوبات). الزيادة في المخزون في بعض الدول كانت للتعويض عن الانخفاض الكبير فيها، لذلك لا تحسب على أنها فائض. بعبارة أخرى، الزيادة الحقيقية في المخزون كانت في الصين، وغالب هذه الزيادة يجب أن تعامل مثل الزيادة في المخزون الاستراتيجي الأميركي، ولا يمكن اعتبارها فائضاً.ثالثاً، باستثناء الصين واحتياطات الطوارئ لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تراجعت المخزونات العالمية واستقرت أخيراً ضمن نطاق محدود، مما يتعارض مع توقعات الفائض التي تصدرها وكالة الطاقة الدولية والبنوك.رابعاً، توقعات وكالة الطاقة الدولية لنمو الطلب العالمي على النفط منخفضة وخاطئة تماماً ككل توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط خلال الأعوام ال18 الماضية. ولا أدل من ذلك أكثر من توقعاتها للطلب على النفط في الولاياتالمتحدة: بدأت السنة بتوقع نمو الطلب ب60 ألف برميل يومياً، وعدلته أخيراً إلى 170 ألف برميل، وحتى هذا الرقم الأخير أقل من الواقع. هذا يدل على أن فكرة "الفائض" التاريخي مصطنعة في صفحات برنامج إكسل، ولا علاقة لها بالواقع. بناء على ما سبق، أصبح من الواضح أنه عندما تقوم منظمة ما أو بنك أو محلل بتوقع "فائض" أو الحديث عنه فإنه يجب عليهم "تعريفه"، ومجرد أن يحاولوا تعريفه سيكتشفون خطأهم أو ستنكشف خطتهم!خلاصة القول إن وضع أسواق النفط أفضل بكثير من كل التوقعات المتشائمة، والأسعار ستكون أعلى من توقعاتهم، لذلك يتوقع أن تلتزم مجموعة الثمانية بخطتها بزيادة الإنتاج تدريجاً ابتداء من أول أبريل المقبل. فالطلب المحلي المتزايد في السعودية وغيرها، مع زيادة الطلب في رمضان وبسبب الحج والصيف، سيستهلك معظم الزيادات في الإنتاج إن لم يكن كلها، إضافة إلى بعض زيادات عام 2025. وباستثناء الزيادات في المخزون الاستراتيجي، ستظل المخزونات العالمية منخفضة نسبياً. ويتوقع أن يبقى خام برنت ضمن نطاق الستينيات طوال عام 2026 إلا في حالة حدوث أمور جسام، تقلب الأوضاع رأساً على عقب. أندبندنت عربية