تعد هواية الغطس البحري من أكثر ما يعشقه شباب ولاية تيبازة، سواء بهدف الصيد أو اكتشاف أعماق البحار، وما تحويه من خيرات وكنوز بحرية، كما يلجأ البعض إلى تنظيم رحلات ونشاطات غوص، بأهداف علمية، كميدان تطبيقي للعلوم البحرية والبيولوجية، التي يتلقونها في الجامعات المعاهد والمدارس التكوينية المتخصصة، كما لجأ الكثير من الشباب للتسجيل بنوادي تعليم الغوص في مياه البحر، بحثا عن المغامرة واللحظات المثيرة في أعماق المتوسط. يتوجه هشام تيكاروشين، الأربعيني، مرتين أسبوعيا إلى نادي الغوص البحري بمدينة تيبازة، بهدف لقاء زملائه الذين يخضعون للتكوين حول كيفية الغطس وتقنياته، وحيال هذا الشغف، أكد هشام في حديثه ل«المساء"، أن حبه للبيئة، دفعه إلى محاولة الاطلاع على البيئة البحرية وما تخفيه من كنوز حيوانية ونباتية، مردفا بالقول: "تلقيت تشجيعا من طرف بعض الأصدقاء، الذين سبقوني في الميدان ونصحوني بالتكوين في نادي الغوص، المتواجد بالمنطقة، وقمت بالتسجيل، والحمد لله أنني خطوت خطوات كبيرة في تقنيات الغطس، وأصبحت أغوص إلى عمق يصل إلى 30 مترا تحت سطح البحر، وفي كل مرة أتشوق للعودة إلى البحر، بعد أن اكتشفت ما يوجد في هذا العالم الصامت والغامض عن كثير من الناس". عشق للبحر وحماية التنوع البيولوجي في الأعماق مع الجرائم التي ترتكب في حق البيئة البحرية، وتناقص الثروة البحرية وتأثرها بمختلف العوامل البشرية والطبيعية، تحاول بعض الجهات حماية البيئة البحرية، من خلال نشاطات ترفيهية بأهداف علمية وبيئية، إذ يعتبر عبد القادر سالمي، رئيس نادي نجوم البحر الناشط بمنطقة الداموس وبني حواء، أن "التلوث أضحى يهدد البيئة البحرية نظرا لعدم احترام بعض الهيئات للمعايير التقنية والقانونية في تصريف المياه الملوثة"، مشيرا في هذا السياق، إلى "تسجيل أكثر من 100 نقطة سوداء لتدفق المياه الملوثة والزيوت الصناعية على مستوى الساحل بمنطقة الوسط"، مضيفا أن "النادي يضم العديد من الإطارات والأعضاء المثقفين من أطباء ومحامين وأساتذة يقومون بهواية الغطس"، وأوضح في هذا السياق: "نقوم بتصوير مشاهد تبرز قيمة التلوث البحري الحاصل في أعماق البحر ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، من أجل إيصال الرسالة للسلطات المعنية والمجتمع المدني لتعزيز وتنمية الإدراك بالمسؤولية تجاه البيئة وحمايتها". ونظرا للانعكاسات الوخيمة للتلوث البحري والبيئي، جراء البقايا التي ترمى في هذا الوسط الطبيعي، أوضح سالمي، بأن النادي ينظم دوريا عمليات للتحسيس بالمحافظة على الساحل التيبازي، من خلال حملات تنظيف بالتعاون مع نوادٍ وجمعيات أخرى تنشط محليا. ساعات للتدريب المتواصل لبلوغ الاحترافية تسعى الكثير من النوادي التي تأسست في الجزائر، على وجه العموم، وتيبازة بوجه خاص، لتعليم الشباب تقنيات الغوص، بعد أن أضحت هذه الهواية تستقطب الكثير من الفئات المجتمعية، ولم تعد حكرا على الأغنياء أو الباحثين الجامعيين المتخصصين في المجال البحري، فرابطة الغوص والنشاطات البحرية المتواجدة على مستوى ميناء تيبازة، إحدى النوادي التي تعمل على تكوين الشباب تكوينا احترافيا في تقنيات الغوص، والتعامل مع الوسائل المستعملة في أعماق البحر، حيث يكشف عبد القادر أبركان في حديثه ل«المساء"، أنه يمارس هذه الرياضة منذ سنة 1989، وقد جاءت فكرة تكوين النادي، بعد أن لاحظ إقبالا كبيرا على هذه الهواية، شارحا ذلك بقوله: "كان لزاما علينا إيجاد طريقة لتكوين الشباب، فقمنا بتأسيس النادي وتوفير ما يمكن توفيره من عتاد، فكانت البداية صعبة، لكن اليوم تمكنا من وضع برنامج تدريبي محترف، استفاد منه الكثير من الشباب الذين يغوصون اليوم في أعماق البحر، وينشرون فيديوهات جميلة في مواقع التواصل الاجتماعي". ذكر المتحدث، أن أي باحث جامعي أو طالب في مجال البيولوجيا البحرية، عليه تعلم الغطس من أجل القيام بدراسات تطبيقية واكتشاف الواقع البحري عن قرب، مشيرا إلى الباحثين في مجال التاريخ والآثار البحرية، وجدوا أنفسهم مضطرين لتعلم الغوص بهدف استخراج الكنوز الأثرية المدفونة في البحر، موضحا أن مراحل التدريب تبدأ كغواص فدرالي الدرجة الأولى، أين يصل عمق الغوص إلى 20 مترا، وغواص فدرالي درجة ثانية بعمق 35 مترا، وأخيرا غواص فدرالي من الدرجة الثالثة بعمق ما بين 40 إلى 45 مترا، إلى جانب منح تكوينات متنوعة، على غرار مدرب في الغوص البحري، درجة أولى، درجة ثانية. عندما يتحول الغوص إلى ضرورة علمية مع تطور الأبحاث العلمية الخاصة بالتنقيبات البحرية على الآثار الغارقة، أصبح تعلم الغطس ضرورة حتمية وعليمة، من أجل إجراء بحوث علمية في أعماق البحر، حيث وجد الكثير من الدكاترة والباحثين أنفسهم ملزمين على تعلم تقنيات الغوص، من أجل الإجابة على الكثير من الأسئلة التي تحوم حول الآثار البحرية الغارقة في الساحل الجزائري. ويبرز في هذا السياق، المختصون في الآثار، بمعهد العلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة تيبازة، الذين ساهموا بأبحاث علمية تحت البحر، في اكتشاف العديد من الكنوز الأثرية الغارقة، وقد قام الأستاذ بن خلاف رفيق ويوسف بن سعيداني ومحمد بن عودة، بعملية نوعية مؤخرا، بشاطئ الجزر الثلاث في الحمدانية بشرشال، أين تم اكتشاف سفينة غارقة كانت تنقل الحجارة المصقولة والثمينة، إضافة إلى اكتشاف المدافع العثمانية الغارقة التي استعملت في الحرب ضد فرنسا، قبل الاحتلال الفرنسي، والتي كانت تسعى السلطات إلى استخراجها، خاصة في ظل إمكانية إنجاز ميناء الحمدانية التجاري مستقبلا. وفي حديثهم عن الصعوبات التي تواجه المقبلين على هاذه الهواية، أجمع المختصون على غلاء العتاد والألبسة الخاصة بالغوص، التي تتراوح ما بين 10 و15 مليون سنتيم بالنسبة للعتاد البسيط، وما بين 20 مليون سنتيم و35 مليون سنتيم بالنسبة للعتاد المزود بقارورات الأكسيجين، وبعض المستلزمات المتطورة، ناهيك عن سرعة تآكل هذه المستلزمات بسبب طبيعة المياه البحرية، كما أن الفدرالية الجزائرية لرياضة الغوص تفرض عليهم اقتناء بعض العتاد، كالمضخات التي يصل سعرها إلى ما يقارب 100 مليون سنتيم، مع الإشارة إلى أن النوادي، تواجه صعوبة الحصول على تراخيص خاصة بالإبحار من طرف الجهات الأمنية والسلطات العمومية.