أحيا مسجد الجزائر، أمس، الذكرى الثانية لافتتاحه من خلال مجموعة من الفعاليات، حيث شهدت أروقة متحف الحضارة الإسلامية في الجزائر، بمنارة المسجد، مراسم افتتاح سلسلة من المعارض التي تعكس عمق الهوية الجزائرية وأصالتها في روائع فنية راقية. تمثلت تلك المعارض في معرض الخط العربي للأستاذ محمد بن سعيد شريفي، ومعرض "روح الزخرفة الإسلامية بين الشكل والمعنى" للفنان مصطفى أجاوط، ومعرض صور الجامع "أنوار الإيمان" بعدسة المصور سمير حامة، وكذا معرض الخزف الجزائري "رسالة الطين والنار عبر الأجيال" من إنجاز "أيادي الجزائر". جال الحضور، يتقدمهم عميد الجامع الشيخ مأمون القاسمي، عبر مختلف المعارض، وكانت الانطلاقة من معرض الخزف الذي ضم روائع لا تقدر بثمن تعكس خصوصية اللمسة الجزائرية الأصيلة عبر مختلف القطع، خُصّصت فيه وقفة للفنان الراحل بوجمعة العملي، رائد هذا الفن في الجزائر، من خلال شريط مصور يحكي مساره منذ طفولته حينما تأثر بجدته التي كانت تستخدم مادة الطين في الأواني وغيرها، ليدخل بعدها هذا المجال الواسع ويثبت موهبته وعبقريته ويصبح مدرسة قائمة بذاتها. كما تضمن هذا المعرض مجموعة من الأعمال لفنانين آخرين، منها المجموعة الخزفية التي قدمها جيلالي عاشور بأرقى التقنيات، وكذلك لمياء قايم في لوحات راقية، منها الخاصة بالأسماء الحسنى بزخرفة مذهبة، وأيضا الفنان موكوس بروائعه في لوحات البسملة والأرقام، وكذا محمد سايس بلقاسم، ناهيك عن حضور السيد عبد الكريم حداوي، محافظ المعرض، الذي قدم أعمالا، وأشار بالمناسبة إلى أن هناك بالمعرض الكثير من تراث القصبة بكل تفاصيله الزخرفية الإسلامية، منها الأندلسية، مع حضور الخصوصية الجزائرية الأصيلة، وقد تضمنت الكثير من اللوحات والأعمال بعضا من زليج القصبة المعروف. في حين تتوالى الروائع لفنانين آخرين، من ذلك حوامل المصحف الشريف وصحن الساعة المزخرف بالتزهير وغيرها. في الطابق الأسفل بذات المنارة تم عرض فيلم مصوّر عن الخزف كصناعة تقليدية وطنية عريقة، كما تم عرض مجموعة أعمال فنية، منها للفنان فيصل مدني وسعيد جاب الله، والخط المزخرف مع سمير حميان، هذا الأخير الذي قدم قطعا ضخمة من الديكور الإسلامي مرصعة بالنحاس الملون، إضافة إلى وقفة فنية عند جامع كتشاوة التي أعجبت الشيخ القاسمي، وراح يستعرض تاريخه أمام ضيوف الجزائر. بدورها أبدعت الفنانة آمال غفاري في لوحاتها التي استمدت مواضيعها من التراث الجزائري العاصمي ومن الرموز الأمازيغية، فيما اختارت الفنانة نسرين زايتير الأبيض والأسود في قطعها الخزفية، كما قدم فنانون كثيرون أعمالهم في المنمنمات، منهم جمال جربوعة ومحمد رباحة. جناح آخر خُصص للصور الفوتوغرافية الخاصة بجامع الجزائر من إمضاء سمير جامة. فضاء "فن التزويق" وتضمن الرسم والزخرفة والتزهير على الخشب، منه قطع الأثاث كالطاولات والصناديق والمرايا والرفوف وغيرها، وضمّ أيضا روائع الفنان المعروف مصطفى أجاوط، الذي يعتبر مدرسة كوَّنت أجيالا، حضر المعرض معبرا ل«المساء" عن سعادته وافتخاره بطلبته الذين قدموا بعض أعمالهم الرائعة. تضمن جناح الخط العربي لوحات للخطاط المعروف محمد بن سعيد شريفي، ومما قدمه أوراق كبيرة من المصحف الشريف مكتوب عليها آيات قرآنية بخط يده (رواية حفص)، إضافة إلى لوحات في الخط، مع عرض ميداليات تكريمه في الخارج من مؤسسات عريقة، منها جامع الزيتونة، وكذا أعماله المطبوعة، كما تضمن هذا الجناح لوحات لخطاطين كثيرين، منهم شكال، مع عرض أعمال طلبة الدكتور شريفي المجازين من مختلف ولايات الوطن، زيادة على عرض أدوات فن الخط. وبالمناسبة ألقى السيد خالد صابر شريف، مدير المتحف، كلمة أشار فيها إلى أن هذا الفضاء الثقافي هو احتفاء بفنون لم تكن يوما مجرد تعابير جمالية، بل كانت على الدوام مرآة للوجدان، وحاملة للمعنى، وجسرا واصلا بين الإنسان وتزاله، وبين المادة والروح. قال المتحدث: "نحتفي اليوم بفعل الإبداع الذي يتجدد، وبقيمة الاستمرار التي تضمن الحضارة بقاءها وتواصلها، نحتفي في السياق ذاته بالأيدي التي أحسنت الإصغاء لصوت الماضي دون أن تنقطع عن نبض الحاضر، فجعلت من التراث مصدر إلهام، ومن المعاصرة أفقا للتجديد"، كما أوضح أن الاحتفاء تصدره تكريم أحد أعلام فن الخط العربي، الأستاذ الدكتور محمد سعيد شريفي، الذي جعل من الحرف مقاما، ومن الكلمة مسارا روحيا ومعرفيا، في أعماله لا يكتفي الحرف بأن يُرسم، بل يتجلى ويتكلم، حيث تلتقي الصرامة الشكلية بالعمق الروحي، وتتحول الكتابة إلى فعل تأمل وترقية، ومن خلال عطائه الفني والتعليمي أسهم في صون هذا الفن العريق ونقله إلى أجيال جديدة، حاملا رسالة الأمانة والانضباط وحب الجمال. أوضح الأستاذ أيضا أن المتحف، وهو يحتفي بهذه القامات الإبداعية، يجدد التزامه برسالته الأساسية، وهو أن يكون فضاء للذاكرة والإبداع، ومنبرا لتلاقح التراث والمعاصرة، وجسرا واصلا بين الماضي والحاضر، حفاظا على الجمال، ووفاء للأثر، وإيمانا بأن الثقافة هي الضامن الحقيقي لاستمرار الأمم وحضورها في التاريخ. انطلقت بعدها مراسم التكريم لكل من الدكتور شريفي وعائلة العملي وبومهدي، وكذلك للفنانين المشاركين. على هامش الفعاليات صرح الدكتور عبد اللطيف بوعزيزي، رئيس جامعة الزيتونة بتونس، ل«المساء"، أن المؤسسة العريقة التي يترأسها بها مجلدين عن الأسماء الجزائرية اللامعة للجزائريين الذين درسوا أو درّسوا بها أو مروا عبرها خلال مسارهم، مثمّنا التاريخ المشترك بين الجزائر وتونس، ومفتخرا بجامع الجزائر الذي هو مكسب لكل المغرب العربي، هذا الأخير الذي كان يعرف بالزيتونة والقرويين، وأصبح له الآن هذا الجامع الرمز الذي يجمع بين علوم الدين والثقافة والفكر.