معارضة الانتخابات كان لها تأثير عكسي بفرنسا    سفير الجزائر الجديد في فرنسا يسلّم أوراق اعتماده للرئيس ماكرون    رئيس الدولة يدعو الجزائريين إلى التوجه بقوة نحو صناديق الاقتراع    بيان اجتماع مجلس الوزراء (النص الكامل)    خيارات متنوعة لاستحداث المؤسسات المصغرة    تطبيقات جديدة لفائدة المتقاعدين بسعيدة    تسليم 495 عقد ملكية للمستفيدين من سكنات بسيدي بلعباس    النيجر: مقتل 70 جنديا في هجوم على معسكر للجيش    هل تتصالح دول الخليج مع قطر بعد غياب تميم عن قمة الرياض؟    مظاهرة حاشدة للصحراويين بساحة الجمهورية بباريس    تاريخ الجزائر مدرسة ترعرعت فيها أجيال بنبل أخلاقها    ترامب يواجه خصومه بالحصيلة الإقتصادية    حديث عن إمكانية نقل "الكلاسيكو" إلى ملعب آخر    استدراك ملحوظ للمشاريع المتأخرة    انطلاق خدمة الإعارة والإرجاع الإلكتروني    صخري ينهي مهام كازوني ومخازني مدربا مؤقتا    شباب بلوزداد يبدأ حملة الدّفاع عن لقبه بمواجهة مثالية تيغنيف    قرعة تصفيات مونديال يوم 21 جانفي بالقاهرة    رئيس الدولة عبد القادر بن صالح يوقع على قانون المالية لسنة 2020    «إخراج الأندية من أزمتها المالية مرتبط بتغيير قانونها الأساسي»    قراءة في أعمال القاص محمد الكامل بن زيد من الجزائر    رسميا ... غاتوزو مدربا جديدا لنابولي    رئاسيات 12 ديسمبر: القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات يحدد إجراءات عملية الاقتراع    الوثائقي"نايس فري نايس" للخير زيداني في المنافسة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي لسان لويس    الإطاحة ببارون مخدرات وحجز أكثر من 5 قناطير “زطلة” بالنعامة    مسيرة مساندة للانتخابات وأخرى معارضة لها في العاصمة    إرهاب الطرقات يودي بحياة 6 أشخاص خلال 24 ساعة    مجلس المحاسبة يرسم صورة سوداء عن تسيير النفقات العمومية    تسهيلات جديدة لفتح حسابات العملة الصعبة وتعبئتها    بنوك: تنصيب رئيس مدير عام جديد لبنك الجزائر الخارجي    والي وهران والكنيسة “أتهلاو في القليزية”    محادثات أستانا: رفض لخلق واقع جديد في سوريا عبر مبادرات "غير مشروعة"    أدرار: الناخبون يدلون بأصواتهم عبر المكاتب المتنقلة    نقل حضري و شبه حضري : ضمان الخدمة و تعزيزات اضافية هذا الخميس بالعاصمة والضواحي    إطلاق حافلة “وهران سيتي تور” لخدمة السياحة المحلية والزوار    مناهضة العنف الممارس ضد المرأة "أولوية استراتيجية" للجزائر    ربط المركز الحدودي"ك 75 " بالألياف البصرية    قضيتا تركيب السيارات والتمويل الخفي للحملة الانتخابية: نيابة محكمة سيدي امحمد تعلن عن الأحكام الصادرة    يعلون: "أنا أكثر من قتل العرب"!    مطلع عام‮ ‬2020‮ ‬بسوق أهراس    القضاء‮ ‬يؤكد تورط الموقوف بتهمة التخابر والمرشح‮ ‬يتبرأ    في‮ ‬ظل ارتفاع نسبة المصابين بالداء‮ ‬    تأجيل التسجيلات في قرعة الحج إلى 15 ديسمبر الجاري    المعتدي على عوني مراقبة بالترامواي مهدد ب 3 سنوات حبسا    المظاهرات انطلقت من شارع زبانة الى ساحة روكس    سكان مستغانم ينتظرون تسليم مشروعي القرن «الترامواي» و «مستشفى خروبة»    165 عائلة تودع قارورة غاز البوتان    وكالات السياحة والأسفار مدعوة لسحب دفتر الشروط الخاص بتنظيم الحج    تهيئة "عين تلمسان" كمنطقة للتوسع السياحي    وسط ميدان ومهاجم أولويتا شبيبة القبائل    رحيل الكاتبة والجامعية هوارية قادرة حجاجي    بدء الجولة الوطنية من المسرح الوطني الجزائري    مهنيو الصحة يدعون الى اعتماد الأدوية الجديدة للسكري    الشيخ عبد الكريم الدباغي يفتي بضرورة المشاركة بقوة في الرئاسيات    سلال يبكي بالمحكمة و يصرح : لست فاسد انا بريء !!    بن ڨرينة: سأنصب مفتي الجمهورية وتوحيد المرجعية الدينية في البلاد    زعلان لم استقبل دينار واحد وليقول انا شديت عليه مستعد انا نخلص    « الحداد »    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





لهذه الأسباب جاء تفسير المؤمنين
نشر في الحوار يوم 30 - 04 - 2015

الحمد الله الذي علّم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، الذي تولى حفظ كتابه من التحريف والتزييف والنسيان، وجعل آخر كلامه لخلقه معجزة في ذاته وحجة على الثقلين من الإنس والجان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لا بالزيادة ولا بالنقصان، هو منهج الحق إلى الخلق عقيدة وشريعة وخلقا وبيانًا، ثم الصلاة والسلام على النبيّ الأمي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي أكرمه ربه بإكمال الدين وإتمام النعمة فجعل أميّته إعجازا لأمة كان "إعجازها " الشعر والنثر وبلاغة البيان، وهو الذي لم يترنم بشعر ولم يصدح بنثر قبل نزول القرآن ولو عُرفت عنه فصاحة لافتة قبل أن تنزل عليه آيات القرآن، لقالوا شاعر نبغ أو خطيب سقع أو كاهن برع…فبدَّل بيانا ببيان وقراءة بقرآن، ولكنه ما قال شعرا قبله وما ينبغي له وما كان بين يديه كتاب يتلوه ولا خطة ببنان: "وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" العنكبوت: 48، فيكفي أن يوصف القرآن الكريم بأنه كلام الله ليقع في روعنا أنه ليس كأي كلام، وأن معانيه ليست كأية معان، وأن ما فيه من هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، لا علاقة لها بمقاييس كلام البشر ولا صلة لها بما في النفس من خيالات لها في واقع الحياة نماذج ولها في ثقافة الناس محسوسات، فالله وصف نفسه بأنه "ليس كمثله شيء" ففهمنا عنه (جل جلاله) أن ذاته ليس كمثلها شيء وأن صفاته ليس كمثلها شيء وأن أفعاله ليس كمثلها شيء، وكلامه ليس ككلام من خلق، لأن الله وحده حيّ وما سواه فإلى موت وهلاك وفناء: "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" الرحمان: 25/26، بهذه المشاعر الإيمانية الخاشعة ندرك أن التعامل مع كلام الله هو لجوء إليه واحتماء به وطلب العون منه لفهم "شيء" مما أراده سبحانه هداية للناس ورحمة وشفاء لما في الصدور، والتعامل مع القرآن لا يمكن الدخول عليه إلاّ بنية الحياة في عبق ألفاظه ودفء معانيه طمعا في إضافة جهد مقل لرصيد جيل جديد صار الإقتصار على الخلاصات وسيلة لطرْق أبواب عقله والتدقيق في الألفاظ طريقة لإغرائه بالإطلاع على ما في هذا الكتاب من كنوز لا تخلق من كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه بتراكم التأويل المنضبط والتفسير المتأدب مع كلام فيه كل شيء ولكنه ليس كمثله شيء بشهادة من كان في اللغة نابغة ولبديعها ومعانيها محيطا إحاطة سابغة.
ثم أما بعد : قرأت، على مدار نصف قرن تقريبا، ما وقع بين يدي من تفاسير، وأكرمني الله جل جلاله وعظم سلطانه، بالوعظ والإرشاد، في فضاءات كثيرة من أرضه الواسعة، فدرّست وحاضرت وناقشت و"اجتهدت" واكتشفت أخطاء الجهل وسقطات التسرع وزلات اللسان و"محدودية" الإطلاع ومؤيدات العلم الصريح إذا واجه المنقول الصحيح، فكتبت فصولا في الدعوة والفكر والأدب..مما بدا لي في أوانها ترجيح احتمال نفعها بلغة الإختصار والدقة المواكبة لحركة الحياة المتسارعة، وقد حصل أن التمس بعض الراغبين في الإستزادة والتوسع أن أجمع ما كتبت وأعيد مراجعتها ونشرها، واقترح آخرون "المغامرة "بتفسير القرآن الكريم كله، وكنت أرى – ولا زال هذا رأيي أن كلام الله لا يقبل من المتعاملين معه الدخول إلى رحابه الطاهرة بنفسية المغامر أو بعقلية المجرب أو حتى بنيّة المحاول، فعقدت العزم على أن أسلك طريقا وسطا بين أهل الذكر الموصولين بالحق والراسخين في العلم وأهل الذكر الموصولين بالحياة والخلق لأختط لنفسي منهجا وأرسم لهذا التفسير مهيعًا، قد يكون مسبوقا في سلوكه ولكنه غير مطروق في دروبه، فاستأنست بتواضع من أدلج في هذا المهمهان قبلي فسلك، وتحاشيت تنطع من جازف في هذا المعمعان قبلي بالتأويل والرأي فهلك، فجمعت بين زاد الذين وصلوا واجتهاد الذين هم على طريق الهداية سائرون وفي مرضاة الله طامعون وفي الوصول إلى الجنان راغبون، فأكلمت فرائضهم في فهم كلام الله، بنوافلي وعزائمهم بتراخيصي وتحليقهم العالي بدبيبي على سطوح ممهدة ونصائح مسددة واجتهادات مجددة..لعلي أبلغ مقاصد السالكين وأنجو من مهالك خوض الخائضين .
وبعد طول أخذ ورد ومقاربة وسدّ، انشرح صدري لهذا الخيار، فاستعنت بالله على فهم كلامه بكلامه، وتفسير القرآن بالقرآن، لأدّون عموم ما فهمت وأجمع أطراف ما فقهت وأحيا بكلام الله الحيّ في واقع متماوت، بسبب خوض كثير من الناس في دنياهم بتهالك، واستباق بعضهم إلى فعل الخيرات بحظ متفاوت، مخاطبا الفطرة الراقدة بما أودع الله فيها من "صبغة" لا تمحوها زخارف الدنيا ولا تشوّه أرومتها فلسفات الزمان لأنها :"صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ" البقرة 138، بعيدا عن الإيغال المبهم في الفهم والتفسير والإستقصاء المفرط في الكتابة والتحرير، والإختصار المخل والإستطراد الملل والعسف المضل..من منطلق أننا نتعامل مع كلام الله بكلام الله وسنّة رسوله (ص) الذي لو كان البحر و من ورائه سبعة أبحر- مدادا وكان كل ما في هذا الكون من أشجار أقلاما لجفت الأقلام ونفدت أمواه البحار قبل أن تنفد كلمات الله : "قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا" الكهف: 10، ولأننا أيضا سنفسر كلاما ليس كمثله شيء بوصفه أوسع إحاطة وأدق ألفاظا وأشمل منهجا وأبلغ بيانا وأصح قصصا وأوثق مهيعا..من كل ما بقي بين يدي البشر من "ميراث النبوّات" فوق هذه الأرض من عهد نبينا آدم (عليه السلام) إلى زمن "الختام" الذي أراده الله (عزّوجل) هدية للبشرية جمعاء ورحمة للناس كافة أتمها سبحانه وأكملها على يدي محمد (ص) بإجماع من آمن به وإقرار من حكم بذلك، حتى لو لم يؤمن و"تخبط" من أنكر تنزيله وكفر بتشريعه وقلب لأمة القرآن ظهر المجن، ودليل ما نقول أن أساطين اللغة ونوابغ الفكر وفطاحلة الأدب بحثوا في دقائقه وفتشوا في حقائقه وتجولوا في "حدائقه" فما وجدوا لكلمة من كلماته وجها لمطعن، ولا للفظ من ألفاظه احتمالا لمثلب، ولا لمعنى من معانيه مطيّة لتأويل أو ذريعة لتبديل يناقض الحق ويجانب الصواب ويركب الصعب ويزعم الغيب ليقول على الله كلاما غامزا أو زعما رامزا، كما حاول البعض فعل ذلك في بعض الأحاديث الشريفة أسانيد ومتونا، أو كما غمز آخرون قناة بعض الأحاديث القدسية، فقالوا مثلا: لماذا يحدّث الله الناس بثلاث طرق متقاربة الأفهام والمقاصد متباعدة الأساليب والمراصد؟ ولماذا يحدثهم بالقرآن مرة، وبالأحاديث القدسية أخرى، وبما ينطق به محمد (ص) كونه لا ينطق عن الهوى بمسمَّى الأحاديث النبوّية ثالثة ؟؟
قلنا : إن ما تقولونه هو شهادة أخرى ضدكم لإثبات أن القرآن هو كلام الله (جل جلاله): كلمات ومعان وتراكيب وأسلوبا وخطابا وآيات وسورا، ليس فيه لجبريل (عليه السلام) إلاّ البلاغ المبين وليس فيه لمحمد (ص) إلاّ الحفظ والنقل والبلاغ..وقد تولى الله حفظه وقرآنه والأمر بترتيب هذه الآية في مكان كذا من سورة كذا والإعلان عن نهاية هذه السورة وبداية أختها الأخرى ب "بسم الله الرحمان الرحيم"..من بداية "إقرأ" إلى نهاية نزول الوحي بعلم الله ومشيئته وقدرته ولطفه ورحمته وعفوه..لأن الله أبى الكمال لشيء إلاّ لكلامه وأبى الحفظ لشيء إلاّ لكتابه، ورفض سبحانه أن "يختلط " كلامه المتعبّد به نصا ومعنى وأسلوب خطاب بكلام يلقيه في روع الرسول (ص) معان فيعبر عنها محمد (صلى الله عليه وسلم) بألفاظه كأنه يشرح كلام الله، ويبسطه للناس بلغتهم، بلسان عصمه الله من الخطأ في البيان والتشريع ورعاية المنهج وتقويم الخطأ والهداية إلى صراط الله المستقيم: "وأنك لتهدي إلى صراط المستقيم" الشورى : 52.
ليتأكد للعالم كله إعجاز لغوي آخر هو "معجزة" هذا النبي الأمي الذي يتحدث بثلاثة ألسنة ويفرق بينها بوضوح تام فلا يختلط عليه لسان القرآن بلسان الحديث القدسي بلسان الحديث الشريف، ولا بيان ببيان، فلسان القرآن الخالص لله تعالى هو النص القاطع الثابت المحكم الذي وصلنا بالتواتر صحيحا صريحا من غير زيادة حرف أو إنقاص نقطة حتى لو نزل اللفظ بما ليس مألوفا عند فصحاء العرب ولا هو خاضع لقواعد السليقة العربية عندهم، بما صار يعرف عند أهل اللغة والمفسرين بقاعدة "كسر الإعراب" أو بما ينزل عتابا للرسول (ص) فيقرأه على الناس كما أنزل دون خشية مما سوف يقال عنه من أن ربّ محمد يعاتبه ويقلاه.. "عَبَسَ وَتَوَلَّى(1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى(2)" عبس: 01/02، أليس هذا البيان إعجازا نفسيا؟ وهذه معجزة أولى، بلسان عربي مبين.
ثم يأتي إعجاز لسان الحديث القدسي الجليل الذي يمكن النظر إليه على أنه نصف قرآن من حيث معناه ونصف حديث من حيث مبناه، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يلحقه بالقرآن الكريم، لأن القرآن الكريم تعبدنا الله به تلاوة وذكرا وتدبَر وتطبيقا..فعليه تدور عجلة الحياة وعليه يصلح أمر الناس، لأنه وحده دون غيره مما نطق به الرسول كلام الله كله، ليس فيه "نصف" لله ونصف للرسول، لأن الله أغنى الأغنياء عن الشرك، حتى لو تعلق الأمر بأقوال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أليس الله هو القائل "ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل(44) لأخذنا منه باليمين(45) ثم لقطعنا منه الوتين(46) فما منكم من أحد عنه حاجزين(47)" الحاقة : 44/47، فالرسول معصوم بعصمة الله له، لا يتقوّل على الله، لكن التحذير إليه موجه من خلاله إلى المتقولين على الله ممن أثاروا شبهة الزيادة في القرآن كأمثال الغرانيق من القائلين على الله بغير حق والمتقولين في القرآن لنصرة أصنامهم بزعم أن لهم شفاعة تُرجى، وهذه معجزته الثانية.
ولسان ثالث، هو حديثه الشريف (ص) الذي له لفظه ومعناه، بما عصمه الله به، لأنه محفوظ بعصمة الله له "وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى " النجم: 03، فهو توضيح لمنهج وتيسير لمسار، وتفصيل لمجمل، وتطبيق لتشريع: عبادات ومعاملات وعلاقات..وقد كان أيضا تأويلا لمتشابه وتتميما لمكارم الأخلاق، لأنه (صلى الله عليه وسلم) مبعوث ليتمم ما كان في البشرية من نقائص، وهذه معجزته الثالثة.
فكيف يستقيم في العقل أو يستقر في الفؤاد قدرة رجل "أميّ" يحدّث أرباب اللغة شعرها ونثرها وقريضها وسجعها بثلاثة مستويات من الخطاب لا تختلط عليه أشباهها ونظائرها وحوشيّها وغريبها ومحكمها ومتشابهها..ثم يقول للناس: هذا كلام الله "قرآنا"، وهذا توجيه الله "حديثا قدسيا" ألقاه الله في روعي، وهذا فضل الله عليّ وعلى الناس جميعا "حديثا شريفا" أقوله بلسان معصوم ولفظ مفهوم، فهل يوجد في البشرية أو وجد قديما أوسوف يظهر مستقبلا إلى يوم القيامة من يستطيع مخاطبة الناس بلغة واحدة في موضوع واحد، ولكن بثلاثة مستويات لغوية وأدائية متبانية، على مدار ثلاث وعشرين سنة؟ دون أن يزّل لسانه مرة واحدة فيدخل شيئا مما هو من كلام الله "لفظا ومعنى" بما هو من توجيه الله من معان بألفاظ مصطفاه، بما هو من فضل الله ورحمته على رسوله من أحاديث شريفة، استمدت شرفها بما أمد الله رسوله من عصمة وجوامع كلم..لأن الله أذن لرسوله أن يشرح بأحاديثه الدين وينفذ بسنتّه التكاليف الشرعية في شكل "تفويض رسالي" آذن به الله له بأن يضع منهج الله موضع التنفيذ باعتماد قاعدة التفويض الكبرى والعامة في شؤون الدين كله، بقوله تعالى: "وما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فأنتهوا " الحشر:07.
لا أحد من خصوم هذا الدين وأعدائه، على حد سواء، استطاع بالأمس أن يقول كلمة واحدة تُدين كتاب الله إلاّ ردّت عليه وبالا، ولا أحد يستطيع اليوم أو هو مؤهل أن يكون غدا وإلى قيام الساعة قادرا على أن يطعن في هذا القرآن مهما كانت درجة جهله ومستوى تطاوله ودركة وقاحته وسوء حظه مع الله، حتى لو بلغ به سوء الطالع وعُثار الحظ ما بلغ بصاحب "آيات شيطانية" إلاّ ردّت عليه وكانت سببا في مدّ هذا الكتاب بالمزيد من الحجج وبفائض من البراهين على أنه كلام الله التام والكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه جل جلاله يأبى أن يكون "الكمال" لشيء إلا لذاته وصفاته وأفعاله، ولذلك تولى حفظ كتابه وتحفيظه وجمعه وقرآنه..وطمأن رسوله (صلى الله عليه وسلم) على هذه النعمة بقوله : "لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ" القيامة 16/18، ولأن الله هو الذي أنزله خاتما لصلة السماء بالأرض إلى يوم القيامة، على آخر رسله إلى العالمين، فقد ضمن حفظه من التحريف والتزييف والزيادة والنقصان..مؤكدا سبحانه على أنه هو المنزل وهو الحافظ :"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" الحجر: 9.
هكذا فهم علماء الأمة كتاب الله، وبهذه النفسية فسّروه للناس ويسّروه للفهم، منذ بداية عصر التأليف، وهنا قد يسأل سائل: ما فائدة إضافة "تفسير" جديد إلى الكم الهائل من التفاسير التي تعج بها المكتبات في عالمنا الإسلامي وفي العالم كله؟ وما هي الأسس الكبرى التي اعتمدتها في إنجاز هذا الجهد المقل- لتضع بين أيدي "الأمة الوسط" سفرًا جديدًا يضيف إلى أسفارها القديمة ما تخلف من فهوم السابقين أو يستدرك على ما سقط من جوالق المجتهدين، لتؤكد مرة أخرى وسطية هذه الأمة وتجعل شهادتها على الناس شهادة تكوين وتمكين ؟
إن الخلاصات التي أمكن جمعها من كل القراءات التي يسّرها الله لنا، قد أمدتنا بجملة من الضوابط الفقهية والمحددات الشرعية التي سوف نتوسّد طريقها في تتبع خطوات المنهج الإيماني الذي هو كلام الله تعالى للإنس والجن الحامل للتكاليف الشرعية كلها من خلال نصوص القرآن الكريم، وما يخدمه من السنّة والعلوم الثابتة، والآثار التابعة والاجتهادات الخادمة لهذا الغرض النبيل، كون القرآن الكريم كتاب هداية في مقاصده، ولأنه كتاب هداية، فإنه حوى كل ما يرشد البشرية إلى التي هي أقوم، ولأن البشرية تعيش فوق هذا الكوكب الأرضي بحركة استخلاف وعمارة وتكليف..فإن شؤونها تتغيّر وحاجات الناس تتبدل، وإن حركة الحياة بكرّ الجديدين تتيح للإنسانية المزيد من التطور مما يفتح للبشرية فضاءات واسعة تتطلب تجديد التعاطي مع كثير من المفردات القديمة التي تتسبب عادة في تفاوت مستويات الفهم وتتعارض مع كثير من القناعات المألوفة بالعادة والعرق والتقليد، وقد يظهر الخلاف ويتوسع ويدب الشقاق بين الناس من ساكنة هذه المعمورة، كما قد ينشب بين أبناء الدين الواحد، فتحار الأمة بين جهل علمائها وعجز أبنائها، بل وقد "تتصدع" مؤسساتها فتتنازع، فتفشل، وتذهب ريحها، مما يجعل هذا القرآن هداية للناس وسدادا للرأي وشريعة للمجتمع..كونه مرجع الدين الذي أثبت الزمن صلاحه لكل زمان، ومناسبته لحياة أي إنسان في أي مكان إذا أحسن قراءته وتدبّره، وفقه مراد الله من إنزاله خاتما ومهيمنا وهدى للعالمين، وبهذا الفهم فإنه لا يمكن أن يوجد تفسير نهائي لكلام الله ينهي إعجازه ويلمّ بعجائبه و"يغلق" على اللاحقين أبواب الاجتهاد فيه بالتأويل أوالتفسير أوبما "يفتح" الله به على أهل الذكر وعلى الراسخين في العلم، فهذا أمر ينافي جوهر ما من أجله أنزل الله كتبه وأرسل رسله، فعصم كلامه من الزيادة والنقصان، ولم يتحْه لأحد ولا لجماعة ولا لمجمع علمي مهما كانت درجة إحاطته بالعلم ومهما علا كعب "مرجعية " الأمة له في الإتباع والقدوة، فلو كان هذا الأمر متاحا لبشر لفسّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القرآن كاملا وأغلق باب التأويل على اللاحقين أولفعل الصحابة (عليهم الرضوان) ذلك عندما جمعوا القرآن في آخر مصحف منقول من الصدور إلى السطور، وقالوا لنا هذا: "مصحف عثمان" وهذا "تفسير الصحب الكرام" ولكانوا بذلك قد أغلقوا بعد القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية باب الإجتهاد في تفسير كلام الله عن اللاحقين، لاسيما أن فتنة "تأويل" القرآن بدأت في زمانهم، منذ أن رفعت المصاحف فوق أسنّة الرماح وتنادى القوم بتحكيم كتاب الله بينهم، وقالت فرقة منهم "إن الحكم إلاّ لله" !!وقادت بعض الفرق المتشددة إلى "ليّ" أعناق النصوص وتطويعها لخدمة مذاهبهم حتى قال الإمام عليّ (كرم الله وجهه) عن بعضهم "هذا حق أريد به باطل" كما سوف يأتي بيانه أن شاء الله في ثنايا التفسير دون إيغال في التاريخ.
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعلم علم اليقين، أن أفهام الناس تتباين حول معاني القرآن الكريم وتتفاوت تجاه فهم مقاصده، كلما جدّت للناس أقضية حياتية في حركتهم في الزمان والمكان، وكانت أسئلة بعض أمهات المؤمنين (رضي الله عنهن) وكثير من الصحابة (عليهم رضوان الله) حول معنى هذه الآية أوتلك يدل على أنه لا يوجد "فهم مشترك" جامع مانع لما أنزله الله عليه، ومع ذلك اكتفى (صلى الله عليه وسلم) بتوضيح معاني بعض الآيات القليلة وسكت عن باقيها، لأن الله لا يحب أن يتحول هذا الدين إلى "قوالب جامدة" وأوامر صارمة و"قرارات "جافة تشبه القوانين الوضعية، تشرع لزمن الصحابة والتابعين، ثم تقف عاجزة عن فتح أبواب الاجتهاد بشروطه للاحقين إلى قيام الساعة، لم يفعل رسول الله (ص) ذلك ولم يأمر به حتى لا يكون ذلك سببا في غلق أبواب الاجتهاد في كل ما بتّ السابقون بشأنه، وما على اللاحقين إلاّ السمع والطاعة، بل إن الله تعالى أراد لهذا الدين أن يكون مرنا وواقعيا ومتحركا مع حركة الحياة وحاضرا في ضمائر المؤمنين ومتفاعلا مع أقضية الوجود..ليكون "التجديد" فهما للنص وليس نصا جديدا، أو يكون تأويلا لكلام الله بضوابط التأويل وشروطه وليس "قرآنا جديدا" يكتبه بعض الناس بأيديهم، ثم يقولون "هذا من عند الله ليشتروا به ثمن قليلا"، كما كانت تفعل الأحبار والرهبان في الكتب السابقة، وإنما تُرك باب الإجتهاد فيما ليس فيه قطعيات نصية مفتوحا في مجالات تدبير شؤون الحياة وما يستجد من أقضية الناس ومعائشهم خارج قطعيات النصوص، لاسيما ما تعلق منها بشأن العقيدة والعبادة والحلال والحرام والأخبار..ولو فسّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القرآن كله لانقضت عجائبه وجمدت نصوصه وتأكدت أحكامه النهائية من غير تفريق بين كمال النص والتدرج في تطبيقه، وصار الإسلام "قالبا" جامدا من دخل فيه فهو مسلم ومن لم يسعه فهو خارج دائرة الإسلام !! ورحمة بالبشرية أوسع من أن يفسّر رسول الله (ص) القرآن في زمانه لمن يأتي بعده، ولا الصحابة من بعده، فلو فعل ذلك ما كان لأحد أن يفتح فاه، إذ لا يعقل أن يأتي من يستدرك عليه (صلى الله عليه وسلم) أو يشكّك في "دقة" فهمه لكلام ربه المنزل عليه وسعة فقهه وكمال تلقيه عن الله، ولو فعل الصحابة ذلك لكان من الحرج الكبير الإستدراك عليهم، إذْ لا يعقل أن "يُولد" بعدهم من هو أعمق منهم فقها وأوسع منهم فهما لكتاب الله وأحرص منهم على دقة فهمه وعمق فقهه وسعة الإحاطة بمقاصده، لذلك لم يأذن ربنا (عزّ وجل) بحدوث مثل هذا الغلق لباب عطاءاته في زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولا في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية، ولن يحدث كذلك في الأزمنة المتأخرة لثلاثة أسباب جوهرية لها علاقة مباشرة بطبيعة كلام الله ومنهج الإيمان.
أولها الهداية، فالهداية كالإيمان لا يُفسّر إلاّ بالإيمان، ولا تفسير لهما ولا تأويل إلاّ من خلال الثمار النافعة التي تنتهجها شجرة العقيدة في الكلمة الطيبة التي شبهها المولى (عزّ وجل) بالشجرة الطيبة فقال: "أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء24 تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا" إبراهيم: 24، فكيف نفسر طرائق الهداية للناس تفسيرا نهائيا، والله قد عدد وسائل الوصول إليها وترك أمرها عنده وحده؟ وكيف نشرح أسرار الإيمان للناس شرحا واحدا ثم ندعوهم إلى "الجمود" عليها بينما الله يأمرنا أن نوصّل لهم القول، ونقول لهم الحق ونبين لهم الصراط المستقيم..ثم نترك لهم مطلق الحرية ليتفاعلوا مع القول الواصل والحق الواضح والصراط القويم فيتعرفوا على خالقهم ورازقهم بأنفسهم ثم يختاروا الوجهة التي يريدون ليكون الحساب قائما على اختيار حرّ، وعلى مسؤولية مبينة للناس..ولن يكون ذلك إلاّ بالقرآن والسنّة كأصلين ثابتين، أما ما تفرعا عنهما من تفاسير وشروح فهي "منارات" لزيادة العلم وتيسير الفهم وتحبيب الهداية للناس، وهذه أولى الخلاصات.
وثانيها، إن القرآن خطاب عام للناس جميعا، بل هو بيان للناس كافة، وفي الناس عالم وجاهل وأميّ، وفيهم مشرك وكافر وأهل كتاب، وفيهم مزارع وتاجر وحرفيّ، ومن بينهم عاقل وحكيم وسفيه، وفي نفوس بعضهم طيبة أو خبث أو فجور..ومن الناس من يقاد بعقله ومنهم من يقاد بأذنيه أو بشهواته وغرائزه أو بعواطفه..الخ، فإذا جاء القرآن بمنهج عقلي "ممنْطق" كان ككتاب فيزياء ورياضيات وعلوم دقيقة..عندئذ لم يعره غير هؤلاء بالهم ولم يفهمه إلاّ أولو النّهى، وإذا ركز على هزّ العواطف ودغدغة المشاعر لم يؤمن به إلاّ الحالمون، وإذا سلك للناس طريق النظر في ملكوت السموات والأرض لم يستفزّ من عقول البشر إلاّ من أعطاهم الله رشد التأمل وكمال التدبر، كحال إبراهيم (ع)، ولو أقام هذا القرآن منهج الهداية على الترغيب والترهيب فحسب لكان الإيمان رغَبا ورهَبا..الخ، لكن القرآن جاء بكل هذا وأكثر من هذا، فقد التمس الهداية للناس جميعا بملامسة "أقفال" النفس البشرية كلها والإلحاح على العقل أن يسير في الأرض متفكرا ومتدبرا..ليكون للإيمان عشرات المداخل ومئات المسالك، فإذا عز مدخل ذل آخر، وإذا أغلق مسلك فتح غيره.
فهل تفسير القرآن تفسيرا واحدا يتيح للناس كل هذه الفرص ؟
وثالثها، إن القرآن الكريم كتاب خالق البشر والعالم بالخفايا والطوايا، والنوايا، لذلك أودع فيه من الإشارات إلى سننه في مخلوقاته الغائبة والحاضرة والجامدة والمتحركة والمسخّرة والمسيّرة والمخيّرة..مالا تنقضي بتعددها وتنوعها واختلافها عجائب القرآن، وكل ما ساقه النص القرآني من أمثلة أو عرضه من مبادئ أو تحدثت عنه آياته كأخبار ماضية أو تنبأت بحدوثه كمعجزات قادمة..لم تتنزل على زمن الصحابة والتابعين فحسب، بل هي خطابات للسابقين واللاحقين، ومادام العقل البشري يتطور والعلم يتقدم، فإن هذه الإشارات تتحول مع تطور البشرية إلى أدوات فهم ووسائل هداية تتفاعل معها المكتشفات وتتجاوب معها المخترعات وتخضع لسلطانها الحقائق العلمية المجردة، لذلك كان كل تفسير لكتاب الله تعالى هو فهم لكلام الله بمعايير ذلكم الزمن وما يستجد لأهله من حاجيات، يستهدف تلمس أيسّر الطرق لهداية البشرية إلى صراط الله المستقيم بموازين عصرها ومستوياتها من العلم والفهم والكشف والإختراع..
فكيف يعقل أن يستوعب زمن واحد كل ما سماه القرآن "كلمات ربي"؟ وهل يصبح للحرية التي جاء القرآن لإقرارها حتى لمن اختاروا الكفر بعد عرض المنهج عليهم من معنى إذا قيّد السلف تفسير كلام الله بمفهومهم، وحجروا على الخلف إعمال عقولهم في كتاب يقول لهم جميعا "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألباب" آل عمران: 190، ففيمَ يشغّل أولو الألباب عقولهم إذا قيل لهم إن حق الاجتهاد في كلام الله مخصص لمن عاش في القرون الثلاثة الأولى، أما مواليد القرن الرابع الهجري وما بعده، فهم لفهم السلف أتباع وليسوا أبداها ؟؟
إن جميع من منّ الله عليهم بالنظر في كتاب الله فهموا كلامه بما هو متاح لهم بمعايير زمانهم، فمنهم من فسّر بالأثر ومنهم من أعمل رأيه فيه ومنهم من جنح نحو الإشارة ومنهم من سلبته بلاغة القرآن فهام في الذوق جمالا وجلالا أو كلف بالبلاغة والبيان والبديع، وأغرم آخرون بالمعجزات ودقائق العلوم والإكتشافات، والتاريخ والآثار..وغرق بعضهم في النحو والصرف وإعراب القرآن وتخصص آخرون في المقاصد..وسوى ذلك، ولكن رغم كل هذه المجهودات ظل القرآن كتاب هداية و"دليل" إيمان ونموذج حوار هادئ ودعوة إلى كلمة سواء، لأن الله أراد لهذا الكتاب أن يكون كامل الدين تام النعمة، ليجد فيه كل سالك لطريق الهداية والإيمان "حبله المتين" الذي يروق له التمسك به معتقدا أنه "العروة الوثقى"، كمقدمة للإستمساك بحقيقة العروة الوثقى لا انفصام لها، لذلك أودع الله فيه شيئا من كل شيء، ففي القرآن تاريخ وسيّر وملاحم، ولكنه ليس كتاب تاريخ، وفيه علوم وكيمياء وفيزياء ورياضة وعلوم بحار وحيوانات وحشرات وأسماك وفلك وجيولوجيا..ولكنه ليس كتابا للعلوم والمعارف، وفيه نثر عظيم وسجع قويم ومقابلات مدهشة وبلاغة معجزة، ولكنه ليس كتاب بلاغة وشعر وأدب، وفيه رؤى وأحلام وحديث عن السحر والكهانة وخوارق الأمور..ولكنه ليس كتاب طرائف وحكايات؟..وفيه خلجات نفس وأسرار قلب وخفايا صدور ومشاعر وعواطف وأحاسيس وحب وبغض، وشهوات واصطراع نفوس، لكنه ليس كتابا لعلم النفس، وقد تحدث عن الأحجار والأشجار والبحار والمحيطات والسحب والأمطار والشموس والأقمار وحركة الأرض..ولكن لا أحد يجرؤ على أن يصفه بالموسوعة العلمية ولا أن ينعته بأنه كتاب العهود الغابرة، إنه كل هذا وأكثر من هذا في موضوعاته، ولكنه ليس شيئا من هذا، في مقاصده وغاياته، لأن فيه كل ذلك وأكثر من ذلك لكنه ليس شيئا من ذلك، فمقصده الأساسي هداية الإنس والجن إلى صراط الله المستقيم، ولذلك أعطى (الله جلّ جلاله) للثقلين من الإنس والجن حرية واسعة وحقا كاملا في أن يتفكروا فيه ويتدبروا آياته ليعرف كل مكلف طريقه إلى الهداية بسماع الحق أولاً، ثم الأخذ بالأسباب التي ييسرها الله له بعد ذلك إن شاء "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" القمر: 17 .
فهل يكون هذا القرآن ميسورا للذكر لو "أغلق" القرن الأول حق البشرية في الإجتهاد في فهمه وتفسيره؟ وهل تتناسب هذه الدعوة المحّببة للتذكير والمطمئنة بالتيسير مع سلوك يحظر على الخلق إعمال الفكر فيما قطع السلف في جميع نصوصه بأن المقصود من كلام الله للناس هو هذا، ولا مجال للاجتهاد مع نصوص "مقدسة" نطق بها من هم خير منا تقوى وأكثر علما وفهما بشهادة الله لهم!!
ولذلك تعددت التفاسير وتنوعت أساليب تناول كلام الله بالتأويل، من منطلق أن كل تفسير هو محاولة من عالم لفهم كلام الله وتقديمه للناس بمعايير زمانهم، ولكنها معايير مضبوطة تتكيف مع مستجدات الزمان ومقتضيات المكان وميسّرات القرآن للإنسان، وبهذا الفهم يصبح كل اجتهاد في تأويل معنى من معانيه إذا وافق القواعد اللغوية والسليقة العربية هو تأويل قابل للمراجعة والتعديل والتصويب للتي هي أقوم، لأن التأويل القطعي المطابق للمعنى المراد ليس متاحا للبشر، إلاّ بجهد جماعي مضن واجتهاد مجمع علمّي محيط "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ" آل عمران: 07، فدقة الفهم والتفسير المطابق لمراد الله لا يمكن الجزم بصحتها عند التأويل بشروطه، لأن علمه عند الله وحده، وما دون ذلك فاجتهادات بشرية منضبطة بقواعد حاجزة عن الغلوّ في الدين والتطرف في الفهم والتفيقه المسرف والتنطع الفالت من قيود العلم والأدب، مما يجعل التركيز على الآيات الجامعة للعزائم مقصدا للمتشددين لحمل الناس على العسرة بدل اليسار، ومنعهم من حقهم في الأخذ بالرخص بشروطها، وهو ما ينشأ عنه تيار القول المتزندق والتشدد المغلق والإنحراف عن الجادة، وتنشأ عنه الفرق الضالة والجماعات المنحرفة..
ففي القرآن ثوابت ومتغيّرات، وفيه محكم ومتشابه، وفيه عام وخاص ومطلق ومقيد..الخ، ولو أنزله الله قرآنا ثابتا غير قابل للتأويل بشروطه أو فسره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تفسيرا واحدا غير قابل للاجتهاد "لجمد" النص على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما فعل في تفسيره لبعض الآيات القليلة التي لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين!! ولكنه لم يفعل أكثر من ذلك لأن الله لم يأذن له بذلك، ولم يأمره بتفسير القرآن للناس، ولو أمره لفعل ولو فعل لتوقفت حركة التفسير بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)، ولكن رحمة الله أوسع من أن تضع البشرية كلها في قالب دين جامد وعقل جاحد، فنزل القرآن مرنا، وتعامل معه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمرونة وواقعية ويسر، وهذا ما حدث واقعا في حياة جيل التأسيس، أما من جهة ما لم يكن متوقعا فهو أن هذا النص المقدس لو كان قابلا للتفسير تفسيرا واحدا لأنزله الله (جل جلاله) "مفسّرا" في حجم أكبر يمتد فيه الكلام الجامع إلى تفاصيل كثيرة تنقله من الإطلاق إلى التقييد، ومن الإختيار إلى الاضطرار، ومن المنهج إلى "القالب" ومن القدوة إلى الصناعة..وهكذا.
إن مجرد طرح هذه الفرضية ينزع عن القرآن الكريم أهم ما من أجله نزل وهو توحيد الله وعبادته عن طريق الإختيار المحب لا عن طريق الإجبار المكره، وهذه النعمة الكبرى، نعمة حرية الإختيار للدين، لا يمكن أن تتحقق إلاّ بالنظر العقلي والتطلع العاطفي والتدبر الوجداني في ملكوت السموات والأرض، وكلها تفريعات لمبدأ أصيل في هذا الدين العظيم، وهو مبدأ الحرية العقلية بتحرير النفس من "قيود" الإملاء وشروط الأحكام المسبقة ودعوتها إلى نفض الغبار عن "فطرتها" التي فطرها الله عليها بعدم وضع أيّ حاجز بينها وبين كلام الله، ولو كان هذا "الحاجز" اجتهادا في فهم كلام الله لأي عالم أو فقيه ما لم يكن مستندا على القرآن نفسه أو ما صحّ عن رسول الله (ص)، فلا واسطة بين العبد وربه إذا تعلق الأمر بالعقيدة، لقوله تعالى "وإذ سألك عبادي عني فإني قريب" البقرة:186.
فبأي حق يظهر في الناس من يُحرم كل مخلوق آمن بأن القرآن كلام الله- من تدبر كلام الله وتذوّق خطابه لخلقه دون أية وساطة بينه وبينهم؟ وما قيمة دين "جاهز" يمنع عن الناس أن يعرضوا أنفسهم عليه ليهديهم إلى صراط الله المستقيم ويعرضوا كتابه على عقولهم ليتذوقوا وقعه على قلوبهم فتخشع له وتوجل فتزيدهم إيمانا كلما ازدادوا تحرُّرا، فحرية النظر هي تفسير ذاتي نابع من شوق الإنسان إلى اكتشاف الحقيقة بنفسه والإذعان لله تعالى بمشاعر الإختيار الحر بعد أن يعرض النص القرآني الكريم نفسه على المتأمل فيه، ويقدم له الخيارات الكبرى بين الإيمان والكفر ثم يعطيه الحق المطلق في الإختيار بعد عرض البدائل وإظهار عزة الحق وحقارة الباطل "وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَليَكفُر" الكهف: 29.
هل يوجد دين أعظم من هذا الدين؟ وهل يوجد كتاب في الكون كله يقول لكل من يقرأه ولو كان من ألدّ أعدائه- يقول لهم آمنوا بالحق الذي أعرضه عليكم، أو اكفروا به ولكن عن بينة لأن الحق جاءكم من عند الله، والمشكلة الوحيدة هي أن يحال بينكم وبين الحق فلا تعرفوه أويأتيكم "الحق" من عند غير الله فلا تألفوه أو يتوسط علماؤكم ودعاتكم وأحباركم ورهبانكم بينكم وبين الله فيصبح حق الله مغلَّفا بهوى النفوس وشبهات العقول؟؟
إن القرآن، وهو يدافع عن حرية الكفر، نعم : حرية الكفر بعد حرية الفكر والبيان والدعوة، يقدم بين يدي كل هذه الحرية مبدأ عاما هو حق الناس أجمعين، ويتمثل في بيان الحق، ثم يتيح للناس حرية الإختيار ويمنع عن نفسه جمود الإجتهاد في تفسيره، فإذا وجد الحق طريقه إلى عقول الناس في أجواء الحرية والوضوح لم يحتج إلى قوة إكراه تفرضه على الناس، ولا حواجز احتياط تمنعه من الطّرق على قلوبهم والهزّ بعقولهم ليعرفوا أن "دمغته" من صبغة الله، فهو حامي حرية الإيمان وحرية التفكير والفكر كما هو حامي حرية الكفر، وهذا ما جعل الرسول الكريم (ص) يكتفي ببيان أحكام العبادة ويوضح قواعدها كما أمر الله تعالى بها ويعلّم المؤمنين حدود الحلال والحرام وكل ماله علاقة بالتكاليف الإيمانية كما أرادها الله وينقل لهم أخبار الغيب التي لا يعلمها أحد إلاّ الله، أو من أطلعه على بعض هذا العيب من رسله، ثم يترك لهم مطلق الحرية في أن يخاطب القرآن عقولهم ويهزّ وجدانهم بشكل مباشر، فكأن الله يحدثهم ليستيقظوا من الغفلة ويتحرروا من التقليد..وهكذا يتاح لكل جيل أن يأخذ من القرآن، تفسيرا وتأويلا وتأملا وتدبرا، بمقدار ما يتسع له عقل ذلكم الجيل حتى لا يفتن الناس بما لم يألفوه، إذا تجاوز الطرح مدركات الإنسان وتحولات الزمان وحاجات المكان ليبقى هذا النص معجزا بحركته وتجدده وقدرته على العطاء لكل جيل، لأن القرآن نفسه هو المعجزة وهو المنهج والبيان والحجة، على عكس المعجزات السابقة التي كانت معجزات مادية رآها الناس بأعينهم لأن الله فصلها عن المنهج فانتهت بنهاية من رآها.
فلماذا يفسّر الرسول (صلى الله عليه وسلم) القرآن كله وهو يعلم أن الله تعالى أنزله عليه ليكون للعالمين نذيرا؟ فقد نقل ابن عطية عن عائشة رضي الله عنها قولها: ما كان رسول الله (ص) يفسر إلاّ آيات معدودات علمّه إياهن جبريل (عليه السلام)، بمعنى أنه (ص) لم يكن يفسر القرآن "برأيه"، وهو رسول الله ليظل القرآن مفتوحا على العصور القادمة إلى قيام الساعة، فالله هو الذي نزله مطلقا لحكمة يعلمها فلماذا يقيّده رسول الله وهو المتحرك بأمر الله والفاعل بإذنه؟؟
وحتى الآيات المعدودات التي فسرها المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لم تكن في معظمها، تفسيرَ اجتهاد تطوّعَ به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من تلقاء نفسه، وإنما هي في أغلبها تصويبات لاجتهاد صحابة جانبهم الصواب في تأويلها أو ظنوها نازلة بمناسبة تخصهم كانوا فيها تحت بصر الحق، فتفاعلوا معها بكثير من الإنضباط، فقوَّمها رسول الله(ص) بما عصمه الله تعالى بسديد الحق، مثلما هو الحال عندما بيّن لعدي بن حاتم أن الخيط الأسود والخيط الأبيض في فقه الإمساك خلال شهر رمضان المعظم وسائر أيام صوم النوافل، هما الليل والنهار وليسا خيوط الوسادة، كما سوف يأتي بيانه إن شاء الله.
بهذه الخصائص المرنة والاجتهادات الواسعة يصبح كل تفسير لكتاب الله هو أخذ لمعانيه بما يفهم منه على قدر الحاجة والوسع المتناسبين مع مقاصد الإيمان بالمعجزة وضرورة الناس لما لا يتم الواجب إلاّ به، واستعدادهم لتنفيذ المنهج القرآني في إطار الفهم الشامل للكليات والثابت من النصوص والمحكم منها كونها امتدادا لأم الكتاب وأصول الفهم عن الله حتى لا يندّ التأويل بالناس بما يخرج التفسير عن الاعتدال إلى الشطط ومن الوسطية إلى الغلو، لفائدة خدمة هوى النفس أو تأويل النصوص وتطويعها لتوافق شبهات العقول وإقرار ما لم يأذن به الله، فالقرآن كلام الله الذي خاطب به عباده المؤمنين كما خاطب به الكافرين والظالمين والفاسقين والمنافقين، فقال لهم جميعا "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا" الإسراء: 09 وبهذا الخطاب يكون الله قد وضع الناس جميعا على قدم المساواة، فلم يظلمهم بخطاب ولم يحاب أحد منهم بمنحة ولا بمحنة ولو كفر به "ولا يظلم ربك أحدا"، ولكنه لا يبشر إلاّ من آمن به واتبع رضوانه.
فلا يجوز أن يظلم أحد بتفسير كلام الله أحدا، فإذا قام من يؤول الحكم أو يلوي أعناق المتشابه لتطاوع "مذهبه" كشفته أساليب اللغة التي أنزل الله بها كتابه وثبته بما لا يقبل الشطط "هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ" آل عمران: 07، فالتكاليف لا تؤوّل إلا إذا ورد في القرآن نفسه ما يفيد تخفيفها أو نسخها أو استبدالها بغيرها..كما حدث في مسألة قيام الليل بعد فرض الصلاة المكتوبة، ومواجهة المؤمنين لأعدائهم في ميدان القتال واحد من المؤمنين لعشرة من معسكر المشركين فصار -بعد الضعف والكثرة- واحدا لاثنين، وحصْر الميراث في ذوي الأرحام وتحويل القبلة"..وسواها، ويبقى كل تفسير مجرد محاولة لبيان مراد الله لعباده من خلال كلامه الأصلي بشرح الظاهر وتأويل المتشابه وفق قواعد صارمة للفهم عن الله يتقرر بها موضوع النسخ والإنساك والإجمال والتفصيل "مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا" البقرة: 106، بشرح ما هو قابل للشرح وتأويل ما هو قابل للتأويل وببيان المحكم وتقريب المتشابه وسواها من قواعد الأحكام والتدليل على كل ذلك بالقواعد الكلية للتشريع والمقاصد العامة للدين.
لقد نزل القرآن بلغة قريش "المشتركة" في قمة نضجها واتساعها وبيانها ودقة آدائها، ومع ذلك زعم المشركون أن أحدهم -ممّن اختلفوا في تحديد هويته- كان يلقن مُحَمّدًا (ص) القرآن العظيم، فكان رد الله تعالى على مزاعمهم مفحما بقوله: "لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَ ذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ" النحل: 103.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.