لم تخرج الالتزامات الاجتماعية التي عرضها رئيس الجمهورية، خلال الخطاب الذي وجّهه أمام البرلمان بغرفتيه الأسبوع الماضي، عن النّهج الذي نص عليه بيان أول نوفمبر، باعتباره خطا أحمر يحظر القفز عليه تحت أي مبرر أو ظرف مهما كان، حيث حرص السيّد الرئيس، على توجيه رسائل إلى محاولي التلاعب بهذه الورقة عبر الزيادات غير المبررة للمواد الاستهلاكية خاصة مع اقتراب الشهر الكريم. لا يفتأ الرئيس تبون، في كل مرة في تحذير كل من تخوّل له نفسه تجاوز الخطوط الحمراء للمساس بحقوق المواطن و مصلحته، من خلال التأكيد على أن أساس إعلان الدولة الجزائرية كان بيان أول نوفمبر 1954 "الذي لن نعوّضه ولن يكون غيره". وتنبع قناعة رئيس الجمهورية، انطلاقا من أنه لا يمكن البتة التنازل عن تضحيات الشهداء الأبرار الذين أسسوا بيان أول نوفمبر ورفعوا السلاح لتحرير الوطن و"بناء دولة اجتماعية، ديمقراطية بمبادئنا الإسلامية"، ومن ثم الحفاظ على المساعدة الاجتماعية الموجهة للمواطن البسيط في مختلف القطاعات. ضمن ذات الالتزام أيضا جاءت تحذيرات الرئيس تبون، خلال إشرافه على تدشين الطبعة ال33 لمعرض الإنتاج الجزائري المقام بقصر المعارض مؤخرا، من المضاربة في المواد ذات الاستهلاك الواسع وخاصة المدعمة. وهو الذي أولى منذ انتخابه رئيسا للبلاد، أهمية كبيرة لمحاربة هذه الظاهرة التي تمس بجيوب المواطن، حيث وجه في اجتماعات مجلس الوزراء تعليمات صارمة للتصدي لمحاولي زعزعة الاستقرار الاجتماعي بالتلاعب بقوت الجزائريين، و نذكر في هذا الصدد دعوته لصياغة مشروع قانون مكافحة المضاربة غير المشروعة والذي تم التصويت عليه سنة 2021، حيث يستهدف كل "تخزين أو إخفاء للسلع والبضائع بهدف إحداث ندرة في السوق أو اضطراب في التموين، فضلا عن رفع أو خفض مصطنع في أسعار السلع أو البضائع أو الأوراق المالية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أو عن طريق وسيط أو باستعمال الوسائل الإلكترونية أو أي طرق ووسائل احتيالية أخرى".وأقر القانون عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية وفقا لسلم تدرجي تصاعدي منطقي للعقوبات، حيث تشدد العقوبة إذا كانت الجريمة تنصب على مواد أساسية كالحبوب ومشتقاتها، الحليب، الزيت والسكر والبقوليات بالحبس لمدة تصل إلى 20 سنة وغرامة ب10 ملايين دج. كما ترفع العقوبة إلى 30 سنة سجنا وغرامة ب20 مليون دج، في حال ارتكاب هذه الجريمة في الحالات الاستثنائية أو خلال أزمة صحية طارئة أو تفشّي وباء أو وقوع كارثة.ولا تشمل السياسة الاجتماعية المواد الاستهلاكية فحسب، بل حرص الرئيس تبون، على تعميم هذا النّهج ليشمل البرامج و قطاعات السكن، التعليم والصحة وغيرها لدعم الطبقتين المتوسطة والهشة، ما يجعل الجزائر تنفرد بسياسة اجتماعية قلّ ما نجدها في دول العالم، ويعد رد الاعتبار لهاتين الشريحتين من التعهدات التي التزم رئيس الجمهورية، بتجسيدها في برنامجه الرئاسي، خاصة وأنهما الأكثر تضررا من إرهاصات النظام البائد، ما يجعل حماية العقيدة الاجتماعية التي قامت عليها الدولة من أكبر التحديات التي يستلزم رفعها.